اليوم جئت بشخصية عسكرية فذة

رجل حمل رأسه على كفه و وضعها تحت أمر مصر و فداءاً لها و لترابها

هو

المشير أحمد إسماعيل على






حياته مجموعة من المفارقات الغريبة لعب فيها القدر دورا كبيرا في رسم شخصيته وترك بصمه على مشوار حياته منذ مولده وحتى وفاته، قبل أن يولد كانت والدته قد أنجبت قبله ستة بنات ولما حملت فيه فكرت في إجهاض نفسها خشية أن يكون المولود بنتا آخرى لكنها لم تفعل، وجاء المشير أحمد إسماعيل إلى الدنيا في 14 أكتوبر 1917 في المنزل رقم 8 بشارع الكحالة الشرقي بشبرا.
كان والده ضابط شرطة وصل إلى درجة مأمور ضواحي القاهرة. وكان أحمد إسماعيل يحلم منذ نعومة أظفاره باليوم الذى يكبر فيه ليصبح ضابطا بالجيش، وعقب حصوله على الثانوية العامة من مدرسة شبرا الثانوية حاول الإلتحاق بالكلية الحربية لكنه فشل فالتحق بكلية التجارة وبعد مرور عام على وجوده في كلية التجارة حاول الإلتحاق بالكلية الحربية مرة ثانية لكنه فشل مرة آخرى.
وفي عام 1934 وكان وقتها في السنة الثانية قدم أوراقه مع الرئيس الراحل أنور السادات إلى الكلية الحربية للمرة الثالثة لكن الكلية رفضت طلبهما معا لانهما من عامة الشعب إلا أنه لم ييأس وقدم أوراقه بعد أن أتم عامه الثالث بكلية التجارة ليتم قبوله أخيرا بعد أن سمحت الكلية للمصريين بدخولها.
كان زميلا لكل من الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس جمال عبد الناصر في الكلية الحربية حيث شهد عام 1938 تخريج دفعتين الأولى تخرج فيها البطل عبد المنعم رياض والثانية تخرج فيها جمال عبد الناصر وأحمد إسماعيل. وبعد تخرجه برتبة ملازم ثان التحق بسلاح المشاة وتم إرساله إلى منقباد ومنها إلى السودان، ثم سافر في بعثة تدريبية مع بعض الضباط المصريين والإنجليز إلى ديرسفير بفلسطين عام 1945 وكان ترتيبه الأول.
أشترك في الحرب العالمية الثانية - التى دخلتها مصر رُغما عنها بسبب وقوعها تحت الإحتلال البريطاني – كضابط مخابرات في الصحراء الغربية حيث ظهرت مواهبه في هذا المضمار.




شارك في حرب فلسطين عام 1948 كقائد سرية، وكان أول من ينشئ قوات الصاعقة في تاريخ الجيش المصري كما شارك في إنشاء القوات الجوية.
تميز البطل ( أحمد إسماعيل علي ) بدماثة الخلق ، و البساطة ، و الشجاعة ، و التفاني في العمل ، و التمسك بالتقاليد و القيم العسكرية ، و تميزت عسكريته بالضبط و الربط ، وكان يسخر كل إمكاناته لخدمة وراحة ضباطه و جنوده لأنه كان مؤمنا بأن الجندي المقاتل هو أثمن سلاح في المعركة .
في عام 1957 إلتحق بكلية مزونزا العسكرية بالاتحاد السوفيتي ، و في نفس العام عمل كبيرا للمعلمين في الكلية الحربية ، و عد ذلك تركها وتولي قيادة الفرقة الثانية مشاه التي أعاد تشكيلها لتكون أول تشكيل مقاتل في القوات المسلحة المصرية .
وفي عام 1950 حصل على الماجستير في العلوم العسكرية وكان ترتيبه الأول، وعين مدرسا لمادة التكتيك بالكلية لمدة 3 سنوات، تمت ترقيته عام 1953 لرتبة لواء.
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 تصدى له كقائد للواء الثالث في رفح ثم في القنطرة شرق وكان أول من تسلم بورسعيد بعد العدوان
التحق عام 1957 بكلية مزونزا العسكرية بالإتحاد السوفيتي ثم عمل كبير معلمين في الكلية الحربية عام 1959 وتركها بعد ذلك ليتولى قيادة الفرقة الثانية مشاة التى أعاد تشكيلها ليكون أول تشكيل مقاتل في القوات المسلحة المصرية.
في عام 1960 حاولت مراكز القوى الاطاحة به ، وكان برتبة ( عميد ) و بعد عام 1967 وجدت تلك المراكز مبررا للاطاحة به ، وبالفعل نجحوا في ذلك ، ولكن الرئيس ( جمال عبد الناصر ) إستدعاه وسلمه قيادة القوات شرق قناة السويس
تولى قيادة قوات سيناء خلال الفترة من عام 1961 حتى عام 1965، وعند إنشاء قيادة القوات البرية عين رئيسا لأركان هذه القيادة وحتى حرب 1967.



بعد النكسة
بعد أيام من النكسة أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارا بإقالة عدد من الضباط وكبار القادة وكان من بينهم أحمد إسماعيل، وبعد أقل من 24 ساعة أمر الرئيس عبد الناصر بإعادته للخدمة وتعيينه رئيسا لهيئة العمليات.
تم تعيينه في العام نفسه قائدا عاما للجبهة، وكان لديه شعور وإحساس قوي ان الجيش المصري لم يُختبر في قدراته وكفاءته خلال حرب 1967 ولم يأخذ فرصته الحقيقية في القتال، وكان يعتقد أن المقاتل المصري والعربي لم تتح له الفرصة لمنازلة نظيره الإسرائيلي منازلة عادلة لأنه لو أتيحت له هذه الفرصة لكانت هناك نتيجة مغايرة تماما لما حدث في النكسة.
وكان على قناعة تامة بأنه لا يمكن إسترداد الأرض المصرية والعربية التى سلبتها إسرائيل عام 1967 بدون معركة عسكرية تغير موازين المنطقة وترفع لمصر والعرب هامتهم، لذلك بدأ في إعادة تكوين القوات المسلحة فأنشأ الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، وكان له الفضل في إقامة أول خط دفاعي للقوات المصرية بعد 3 أشهر من النكسة.
جمع شتات القوات العائدة من سيناء وأعاد تنظيمها وتسليحها وخلال فترة وجيزة خاض بهذه القوات معارك أعادت الثقة للجندي المصري في رأس العش، والجزيرة الخضراء ودمرت القوات البحرية المدمرة الإسرائيلية إيلات.



في أواخر عام 1968 وتولي البطل ( أحمد إسماعيل علي ) رئاسة هيئة العمليات ، وبعد استشهاد الفريق الفريق ( عبد المنعم رياض ) رئيس أركان حرب القوات المسلحة علي الجبهة في التاسع من شهر مارس عام 1969 تولي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة ، لكن أعداء النجاح استطاعوا زرع الوقيعة بينه و بين الرئيس ( جمال عبد الناصر ) لذلك إستدعاه الفريق أول ( محمد فوزي ) وزير الحربية أبلغه في الثاني عشر من شهر سبتمبر عام 1969 بإعفائه من منصبه وتركه للحياة العسكرية ككل ، فإستقبل هذا القرار بهدوء
عكف بعد إعفائه من مناصبه على كتابة خطة حربية مثالية لإستعادة سيناء وأنهى هذه الخطة بالفعل معتمدا على خبرته وما يملكه من قراءات موسوعيه في التاريخ العسكري، وقرر إرسال الخطة للرئيس عبد الناصر لكنه أحجم عن ذلك في اللحظة الأخيرة.
بعد وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 وتولى الرئيس أنور السادات تم تعيين أحمد إسماعيل في 15 مايو 1971 مديرا للمخابرات العامة وبقى في هذا المنصب قرابة العام ونصف العام حتى 26 أكتوبر 1972 عندما أصدر الرئيس السادات قرارا بتعيينه وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة خلفا للفريق محمد صادق ليقود إسماعيل الجيش المصري في مرحلة من أدق المراحل لخوض ملحمة التحرير.
في 28 يناير 1973 عينته هيئة مجلس الدفاع العربي قائدا عاما للجبهات الثلاث المصرية والسورية والاردنية.
أشرف البطل ( أحمد إسماعيل علي ) بنفسه علي تدريب القوات المسلحة و في لقاء مع الرئيس السادات سأله عن إمكانية دخول معركة عسكرية ناجحة ؟ فقال : قواتنا قادرة علي ذلك ولكن بالتخطيط و الإعداد السليم ، وتمكن في شهور من التغلب علي مشاكل رئيسية كانت تقف عقبة امام العبور .
في الثامن و العشرين من يناير عام 1973 قامت هيئة مجلس الدفاع العربي بتعيينه قائدا عاما للجبهات الثلاث .. المصرية و السورية و الأردنية .
وقبل أن تبدء المعارك يوم السادس من اكتوبرعام 1973 كان أحد أربعة يعلمون موعد ساعة الصفر وهم : الرئيس محمد أنور السادات ، و الرئيس السوري حافظ الاسد ، و محمد عبد الغني الجمسي ، وأحمد إسماعيل علي .
و في يوم يوم الثلاثاء السابق ليوم السبت السادس من أكتوبر عام 1973 إستدعاه الرئيس ( محمد أنور السادات ) وقال له : ( اليوم الثلاثاء سوف نحارب يوم السبت القادم ، ويوم الثلاثاء قد تكون جثتك معلقة في ميدان التحرير لو لم تكسب المعركة فهل أنت قابل ؟) فرد ( نعم انا قابل يا سيادة الرئيس من اجل مصر ) و في السادس من أكتوبر قاد قوات الجبهتين الشمالية و الجنوبية في حرب التحرير .
و عرف عنه أنه ( رجل المهام الصعبة ) و في تواضع شديد قال : ( لست إلا رجلا من بين هؤلاء الرجال أتاحت الظروف أن أكون في موقع القيادة فوفقني الله بهم ، وفقنا جميعا إلي تحقيق أمل أمتنا فيها ، و تحقق نصر أكتوبر المجيدة )
في أعقاب حرب أكتوبر أصدر الرئيس ( السادات ) قرارا بترقية الفريق الأول ( أحمد إسماعيل ) إلي رتبة ( المشير ) أرفع الرتب العسكرية .




منحه الرئيس السادات رتبة المشير في 19 فبراير عام 1974 إعتبارا من السادس من أكتوبر عام 1973 وهي أرفع رتبة عسكرية مصرية، وهو أول ضابط مصري على الإطلاق يصل لهذه الرتبة.
تم تعيينه في 26 أبريل 1974 نائبا لرئيس الوزراء.



وفاته
سقط المشير أحمد إسماعيل بعد كل هذه الأعباء التى تحملها في حياته فريسة لسرطان الرئه، وفارق الحياة يوم الأربعاء ثاني أيام عيد الأضحى 25 ديسمبر 1974 عن 57 عاما في أحد مستشفيات لندن بعد أيام من إختيار مجلة الجيش الأمريكي له كوأحد من ضمن 50 شخصية عسكرية عالمية أضافت للحرب تكتيكا جديدا.
لم يتمكن المشير – رحمه الله – من كتابة أهم كتاب عن حرب أكتوبر لكنه كان يكرر دائما أن الحرب كانت منظمة ومدروسة جدا وأن أى صغيرة أو كبيرة خضعت للدراسة وأن شيئا لم يحدث بالصدفة.



من أقواله
- لقد حققنا إنتصارا كبيرا بل حققنا إنتصارا مضاعفا لأننى تمكنت من الخروج بقواتي سليمة بعد التدخل الأمريكي السافر في المعركة.
- كانت سلامة قواتي شاغلي طوال الحرب لذلك قال بعض النقاد أنه كان علينا أن نتقبل المزيد من المخاطرة وكنت على استعداد للمخاطرة والتضحيات لكنني صممت على المحافظة على سلامة قواتي لاننى اعرف الجهد الذى اعطته مصر لإعادة بناء الجيش وكان على أن أوفّق بين ما بذل من جهد لا يمكن ان يتكرر بسهولة وبين تحقيق الهدف من العمليات.
- كنت أعرف جيدا معنى أن تفقد مصر جيشها إن مصر لا تحتمل نكسة ثانية مثل نكسة يونيو 1967 واذا فقدت مصر جيشها فعليها الاستسلام لفترة طويلة.




قالوا عن الرجل:
وقد قال عنه الرئيس ( جمال عبد الناصر ) بعد تعيينه قائدا للجيش في الجبهة عقب نكسة 1967 : ( إنه يستحق عن جدارة هذا المنصب وقادر علي تبعاته و تحقيق نتائج مبهرة)
وقال عنه الفريق( عبد المنعم رياض ) : ( انه لا يسمح لأحد سواه في القوات المسلحة أن يناقشه في الأمور العسكري)
وقال عنه الرئيس محمد أنور السادات : ( إن الأمة العربية لم تنجب مثله لا في المعلومات العسكرية ولا في رباطه الجأش أثناء إدارة المعركة)
وقال عنه الرئيس محمد حسني مبارك : ( انه نوع فذ من القادة العظام )

وقال مؤلفو كتاب - حرب كيبور - : ( لم تكن المفاجاة في الاستيلاء علي نقاط خط بارليف الحصينة وحدها ، كانت المفاجاة هي وجود قائد مصري يستطيع ان يحارب بهذه الكفاءة ) .. وكان المقصود بالمفاجاة الاخيرة هو البطل المشير ( أحمد إسماعيل)

و نشرت مجلة التايمز البريطانية : ( أحمد إسماعيل هو الرجل الذي خطط لعبور الجيش المصري في سرية تامة و تصيد إسرائيل بصور مفاجاة ، وانه يتمتع بشخصية ابوية بالاضافة لقيادته العسكرية) .
و في الثاني من شهر ديسمبر عام 1974 وقبل وفاته بأيام نشرت مجلة ( الجيش ) الامريكية صورة البطل المشير ( أحمد إسماعيل علي) ضمن 50 شخصية عسكرية معاصرة أضافت للحرب تكتيكا جديدا وقالت : ( انه قائد المصري الذي يتمتع بقدرة هائلة علي الصبر و تحمل المفاجآت ولديه ابتسامة عريضة لاتمكن الصحفيين من التقاط اي معلومة لايريد ان ينطق به).

حصل المشير ( أحمد إسماعيل علي ) علي العديد من الأوسمة و النياشين و الميدليات تقديرا لكفاءته العسكرية

في شهر ديسمبر عام 1974 فاضت روح البطل المشير ( أحمد إسماعيل ) في أحد مستشفيات لندن .

و تقول زوجته السيدة سماح الشلقاني : ( كان البطل المشير أحمد إسماعيل علي علاقة طيبة بالقادة و الجنود ، و اذكر ان عقد قران ابنتنا نرمين .. شاهدي عقد زواجها هما : الرئيس جمال عبد الناصر ، و المشير عبد الحكيم عامر ، وعندما ترك الخدمة في شهر سبتمبر عام 1969 قرر له الرئيس جمال عبد الناصر معاش وزير ، قد كان وقتها رئيسا للاركان )

ويقول الدكتور السفير محمد أحمد إسماعيل : ( والدي كان يقول لي .. والدتك تستحق اعلي الأوسمة فلقد تكلفت بتربيتكم وجعلتني اتفرغ تماما لعملي و دراساتي )
وتقول الدكتورة نرمين أحمد إسماعيل : ( والدي كان اب حنون بمعني الكلمة ، وكان يضع قواعد ماولنا ننفذها حتي الان منها : احترم الصغير للكبير ، وعدم الحديث بصوت مرتفع ، فالنظام و الاحترام وحب الدراسة وحب مصر اشياء وضعها ابي ببساطة داخلنا حتي صارت جزءا منا )

معظم ما جاء هنا هو من كتاب عن حياة الراحل العظيم

من تأليف

اللواء اركان حرب شوقي بدران