السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبد الرحمن الناصر



هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ، بن هشام بن عبد الرحمن (الداخل) أبو المطرف، الناصر لدين الله الأمير الثامن من أمراء الدولة الأموية بالأندلس. أمه أم ولد اسمها (ماريا) أو (مزنة) كما تسميها الروايات العربية. أول من تلقب بالخلافة من رجال الدولة الأموية، تسمى بها لما رأى ما آلت إليه الخلافة العباسية من وهن. خلف جده عبد الله بعهد منه، وكان عمه المطرف قد قتل أباه ظلما، لأن أباه كان المرشح لولاية العهد، فأراد أن يزيحه ليظفر بها ولما علم جده عبد الله بما لحق أباه من ظلم جعل ولاية العهد إليه، وتولى تربيته ونال نصيبا كبيرا من رعايته، كان جزاء عمه القتل، فقد قتله أبوه عبد الله، بعد أن تأكد من براءة أخيه مما عزاه إليه. بويع عبد الرحمن بالخلافة بعد وفاة جده عبد الله سنة 300هـ ولم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين من عمره، فكان أول من بايعه بالإمارة أعمامه لحب جده له ولزهدهم بها، لما كان يحيط بها من أخطار. فقد كانت الأندلس مضطربة بالمخالفين ونيران المتغلبين، وقد تمكّن عبد الرحمن من إخماد تلك النيران، وخاض غمار حروب طويلة، فأخضع العصاة وصفا له الملك، وجدّد دولة الأندلس وأخضع حكامها لسلطانه.


بسم الله ضرب هذا الدرهم بالاندلس سنة ثلثين و ثلث مئة
محمد رسول الله ارسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون


تلقّب بلقب الخلافة سنة 316هـ ، فجمع الناس وخطب فيهم وبين حق بني أمية بالخلافة وأنهم أسبق إليها من بني العباس، فبايعوه وتلقب (الناصر لدين الله) وتسمى بأمير المؤمنين، وجرى هذا اللقب من بعده، وكان أسلافه يخطب لهم بالإمارة فقط. أنشأ مدينة (الزهراء) سنة 325هـ وبنى فيها (قصر الزهراء) باسم جارية كان يهواها. حمل إلى المدينة الرخام من أقطار الغرب، وأقام فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، وأهدى له ملك الفرنجة أربعين سارية من رخام، وجلب الرخام الأخضر والوردي من إفريقية، وجلب لها حوضا من ذهب من القسطنطينية وحوضا صغيرا عليه صورة أسد وصورة غزال وصورة عقاب وصورة ثعبان، وكلها من الذهب المرصع بالجواهر، استغرق بناء القصر والمدينة ست عشرة سنة وكان ينفق عليها في كل سنة ثلث دخل الأندلس، وكان دخل الأندلس يومئذ خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف درهم، وقد أحرقت المدينة بما فيها في حدود سنة أربعمائة (أيام الفتنة) ودرست معالمها ورسومها. قامت بينه وبين الامبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سفارات تبادلا فيها الهدايا. وفي سنة 337هـ أرسل إليه الامبراطور كتبا طبية، وكان من جملتها نسخة مكتوبة بالإغريقية من كتاب (ديوسقوريدس) في الحشائش والنباتات الطبية، وأرسل معه راهبا يدعى (نيقولا) لكي يقوم بتحديد أنواع النباتات والحشائش المذكورة في الكتاب. كان عبد الرحمن حريصا على الملك، وكان صارما. اتصل به أن ابنا له يُدعى عبد الله سمت نفسه إلى طلب الخلافة، وتبعه في ذلك جماعة، فقبض عليهم جميعا وسجنهم إلى أن كان يوم الأضحى سنة 339هـ فأحضرهم بين يديه، وأمر ابنه أن يضطجع له، فاضطجع فذبحه بيده والتفت إلى من كان في مجلسه من خواصه فقال: هذه أضحيتي في هذا العيد وليذبح كل منكم أضحيته فاقتسموا أصحاب عبد الله فذبحوهم عن آخرهم. كان يكتب في دفتر أيام السرور التي كانت تصفو له من غير كدر فلم تتجاوز أربعة عشر يوما. حكم خمسين عاما وستة أشهر وتوفي عن 73 عاما، وتولى الخلافة بعده ابنه الحكم (المستنصر) . في أيامه بلغت الأندلس ذروة القوة والحضارة حتى كادت تكسف بغداد وحتى كان الأمراء الأسبان يحتكمون إليه في خلافاتهم الداخلية.


بسم الله ضرب هذا الدرهم بمدينه الزهرا سنة احدى و اربعين و ثلث مئة ..
محمد رسول الله ارسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون

العملات التى تمت فى عهد عبد الرحمن الناصر لدين الله

قرطبة مدينة أندلسية تقع في غرب أسبانيا ، كانت مركزاً للحضارة الإسلامية في أوربا لقرابة خمسة قرون



فقد دخل الإسلام قرطبة عام 93هـ الموافق711 م ، بقيادة طارق بن زياد الذي كان يقود جيوش المسلمين لفتح الأندلس ، وكان فتح قرطبة ميسورًا حيث أرسل طارق بن زياد قائده مغيثاً الرومي إلى قرطبة في سبعمائة فارس، فأقبلوا نحو المدينة ليلا ونجحوا في دخول أسوار المدينة وفتح أبوابها لجيوش المسلمين ففتحت قرطبة ، وكان السمح بن مالك الخولاني هو الذي عمرها ورفعها إلى مصاف الحواضر الكبرى ، وأصبحت هذه المدينة حاضرة الأندلس الإسلامية .

في عصر الخلافة الأموية بلغت قرطبة أوج عظمتها ، وتألقها الحضاري و خاصة بعد أن أعلنها عبد الرحمن الداخل عاصمة له و جعلها مركزًا للعلم والثقافة والفنون والآداب في أوروبا كلها، وقام بدعوة الفقهاء والعلماء والفلاسفة والشعراء إليها ، في حين كانت أوروبا ما تزال غارقة في أعماق التأخر والجهل والانحطاط

قرطبة في عهد الناصر والمستنصر
وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر من بعده أصبحت قرطبة في أوج تألقها الحضاري والثقافي ، فنافست قرطبة آنذاك بغداد عاصمة العباسيين والقسطنطينية عاصمة البيزنطيين والقاهرة عاصمة الفاطميين، ووصل سفراء البلاط القرطبي بلادًا بعيدة جدًا كالهند والصين، وتقاطر على قرطبة مبعوثون ومندوبون عن أباطرة البيزنطيين وألمانيا وملوك كل من فرنسا وإيطاليا والممالك الأخرى في أوروبا وشمال أسبانيا، وزعماء البربر ورؤساء القبائل الأفريقية.

الحكم المستنصر هو الحكم بن عبد الرحمن الناصر هو أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، تولى الحكم في 3 رمضان سنة 350هـ خلفاً لأبيه عبد الرحمن الناصر ولقب بالحكم المستنصر

يمتاز عصره بازدهار العلوم والآداب في قرطبة بصورة كبيرة ، فقد كان أكثر خلفاء بني أمية حبًّا للكتب، وكان يبعث رجالا بأموال طائلة لاستجلاب نفائس الكتب إلى الأندلس، وأنشأ مكتبة قرطبة التي وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد.

وقد شهد التعليم في عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لا يعرفها أرفع الناس في أوربا باستثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة.

وقد احتلت حلقات الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه منصب الأستاذية اليوم في مجالات علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنحو، وعهد الحكم المستنصر إلى أخيه المنذر بالإشراف على جامعة قرطبة ، كما عهد بمهمة الإشراف على المكتبة الأموية إلى أخيه عبد العزيز.

يقول فندث بيدال - العالم الأسباني الكبير - يقول: «وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها وبسطت سيادتها السلمية على سائر إسبانيا وكفلت بذلك السكينة العامة». وتوفي الحكم في (2 صفر 366هـ = 30سبتمبر 976م) .

و قد أخرجت لنا قرطبة الكثير من العلماء في جميع المجالات، أمثال: ابن عبد البر ، و ابن حزم الظاهري، وابن رشد ، والزهراوي، والإدريسي، والعباس بن فرناس، والقرطبي وغيرهم.

ظلت قرطبة تنعم بهذا التفوق على سائر مدن أسبانيا زمنًا إلى أن سقطت الخلافة الأموية عام (404 هـ/1013م) ، حين ثار جند البربر على الخلافة ودمروا قصور الخلفاء فيها وهدموا آثار المدينة وسلبوا محاسنها ، ومنذ ذلك الحين انطفأت شعلة تفوقها وانتقلت مكانتها السامية إلى أشبيلية.

و يعد المسجد الجامع أهم تحفة معمارية أنشئت في عهد عبد الرحمن الداخل ، ولا يزال مسجد قرطبة الجامع باقيًا حتى اليوم بكل أروقته الإسلامية ومحاريبه، وقد تحول إلى كاتدرائية بعد الاستيلاء على قرطبة ، بعد إزالة كثير من قباب المسجد وزخارفه الإسلامية.

ورغم هذه الظروف التي مرت بها إلا أنها استطاعت أن تحتفظ ببعض من تفوقها ، حتى سقطت بيد فرناندوا الثالث في يوم 23 شوال سنة 633هـ، وحزن المسلمون لسقوطها حزنًا عظيمًا، وتحول مسجدها الجامع الكبير إلى كنيسة، وهجرها عدد كبير من المسلمين، وطويت صفحة حضارية عظيمة للمسلمين امتدت أكثر من خمسة قرون في هذه المدينة .

قال الشاعر في رثاء الأندلس :
لكل شئ إذا ماتم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

إلى أن قال ..
وأين قرطبة دار العلوم فكم من عالم قد سمى فيها له شان




ويعد القرن الهجرى الرابع أزهى عصور المسلمين بالأندلس وخاصة خلال فترة حكم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد (عبد الرحمن الناصر) الذى حكم من عام (300هـ- 350هـ)، فأثبت أنه أكفأ الحكام، وأحرز نجاحًا تامًا فى ميدان السياسة والحضارة. وكانت قرطبة فى عهده تنار بالمصابيح ليلًا ويستضىء الماشى بسرجها (16كم) لا ينقطع عنه الضوء، وكانت مبلطة ومحاطة بالحدائق الغناء. وتذكر المصادر المختلفة أن الحضارة الإسلامية فى الأندلس شملت عدة اتجاهات، وحوت أكثر ألوان المعرفة أو كلها، ويقسمها بعض المؤرخين إلى قسمين: حضارة فكرية وحضارة عمرانية.
ففى مجال الفكر والعلوم الشرعية انتشر المذهب المالكى فى الأندلس وخاصة فى فترة حكم هشام بن عبد الرحمن، ومن فقهاء وعلماء الأندلس المشهورين: بقىّ بن مخلد، والإمام ابن حزم الأندلسى،ّ والإمام أبو القاسم الشاطبىّ، وأبو الوليد الياجىّ، والإمام المنذر بن سعيد البلوطى الذى كانت له مواقف رائعة مع عبد الرحمن الناصر. ونهضت الأندلس نهضة كبرى فى مجال العلوم العقلية والعملية والطبيعية من رياضة وفيزياء وفلك وطب. ومن العلماء المشهورين فى الأندلس: عباس بن فرناس صاحب أول محاولة للطيران فى التاريخ. ومن أبرز علماء الفلك إبراهيم بن يحيى النقاش، ونبغ فى الطب والصيدلة أحمد بن إياس. وأما فى مجال الأدب والفن فقد برز فى علوم اللغة العربية وآدابها كثير من رجال الأندلس، وقد طبقت شهرتهم الآفاق ومن هؤلاء: ابن مالك صاحب الألفية المشهورة فى علم النحو والصرف، وابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد». وتنوعت نواحى العمران التى عنى بها المسلمون بالأندلس، بل إن مظاهر الحضارة العمرانية أبرز من مظاهر الحضارة العلمية، وتمثلت أروع مظاهر العمران فى الأبنية الضخمة من مساجد ومدن وقصور تدل على تميز العمارة الإسلامية، فنشاهد فى الأندلس مسجد قرطبة، ومدينة الزهراء التى بناها الناصر، وقصرى طليطلة والمأمون، وقصر الجعفرية فى سرقسطة. ولقد تغنى الشاعر الفرنسى «فيكتور هوجو» بمدينة الزهراء فى قصيدة طويلة. وفى عام (366هـ) تولى حكم الأندلس هشام الثانى بن الحكم وهو آخر حكام بنى أمية فى الأندلس، فلقد سيطر على الحكم فى عهده المنصور بن أبى عامر الذى أسس الدولة العامرية.

ـ (300هـ) ولى حكم الأندلس عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (عبد الرحمن الناصر) وقد ازدهرت الدولة الأموية فى عهده ازدهارًا كبيرًا، كما أعلن نفسه خليفة على الأندلس بعد أن رأى استبداد الأتراك بالخلافة العباسية.
ـ (322هـ) بنى عبد الرحمن الناصر أسطولاً مؤلفًا من مائتى سفينة، وتسابقت رسل دول فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى مقر حكمه تقدم له الاحترام.
ـ (335هـ) بنى عبد الرحمن الناصر مدينة سالم، وتقع شمال شرقى مدريد، كما بنى مدينة «المرية» على ساحل البحر المتوسط لتكون قاعدة للأسطول الأندلسىّ.
ـ (350هـ) توفى عبد الرحمن الناصر بعد أن وطد أركان البلاد، وخلفه ابنه الحكم الثانى الذى تلقب باسم المستنصر بالله، وكانت أيامه هادئة، والبلاد مستقرة على أسس ثابتة ازدهرت فيها العلوم ونعمت بالعمران