أصابعه الصغيرة
من أوراق تلميذ ليس غبيا!

كم هي جميلة مدينته الصغيرة.شارع يوازي النهر الصغير ، تتوسطه جزيرة فاصلة ، يتسع عرضها لطفل يسير مرتاحا وهو يعد أعمدة الإنارة والشجيرات المتتابعة، في أحواض يحوطها العشب الأخضر الطري على طول الشارع.

من مدرسته التي تقع في شارع جانبي، وحتى منزل أبيه وأمه وإخوته، كان عليه أن يقطع تلك المسافة الجميلة ، في طريق عودته عصرا من مدرسته الابتدائية.

تعود أن يجتر دروسه في مسيرته المسائية، أو بالأحرى ما وقر في قلبه منها ،وما استحوذ على ثمرة فؤاده فيها.

فليس كل الدروس يحظى من صاحبنا بإعجاب بريء أو صدق تجاوب. خاصة دروس الحساب المقيتة.

دخل الأستاذ رمزي ذو الخمسين سنة حصته الأولى عابسا كعادته، مكفهر الوجه أحمر العينين كجمرتين ؛ فهو معلم الحساب والعلوم. كتب مسالة قسمة مطولة؛ سأل التلاميذ أن يفكروا فيها. قبل أن ينتقي واحدا منهم. يخرجه الى السبورة ويدعوه كي يحلها. ثم إذا هو أو هي وقعت في الخطأ، إذن فليبدأ حفل اللوم والتقريع، ثم تليها حملة العقاب بعدة مساطر فوق حافة الأظافر وأطراف الأصابع الصغيرة.

كنت دائما ما أود حل مسألة يحلها غيري ، فأتحمس لمعرفتي بالطريقة. غير أن أستاذنا القميء، كان يتركني ويتجاهل أصبعي المرفوعة ، لعله كان دائما ما يوفرني للمسائل الصعبة ؛ كي تتورم أصابعي الصغيرة كل صباح.

قم .. صرخ بها ذلك الوحش .. قفز قلبي رعبا من قفصي الصدري النحيل. تلاشت فجأة كل الافكار والمعلومات ،وغدت الأرقام عناكب قدام ناظري.
تلعثم عقلي كما تلعثمت لغتي ،وبح صوتي فصار موجوعا بغصة وبكاء مكتوم. عبطني من كتفي إلى صدره ليؤلم مؤخرتي بضرباته، ويقصف بمساطره المتعددة أصابعي النحيلة.
- أومال مصدع دماغي من الصبح .. أنا يا أستاذ أنا يا أستاذ!
-اكاد أجزم انني قد شممت بوضوح رائحة تبعث على الغثيان من زيت سترته العتيقة.بكيت ،تورمت أصابعي الصغيرة.

في حصة القراءة والأناشيد العربية والدين جاءت المعلمة الحنون ، يسبقها شذا عطرها الناعس، ولما أن شاهدت توجعي؛ وأنا أضم كفيي المتورمتين تحت إبطي، أمرتني ان ابردهما تحت الحنفية. وواستني بلا مشاعر. وطفقت تشرح درسها:
النظافة من الإيمان.

وكيف علينا أن نحافظ على نظافة الجسد والثياب والأمكنة، وألا نسمح بالروائح التي تبعث على الغثيان.
. لا تلقوا بالقمامة والفضلات على قارعة الطريق. هتفنا معا وغنينا كثيرا ونسيت الألم في أصابعي الصغيرة.

كان حماس التلاميذ كبيرا وهم يستوعبون دروس المعلمة الرقيقة ذات العطور الجميلة.

في طريق عودته المسائية. وعلى الطريق الذي تقسمه جزيرة ذات أعمدة وشجيرات وأحواض من النجيل والزهور؛كان قدامه تماما، رجل فحل يتأبط عودا من القصب، وكان صغيرنا ذو الجسد النحيل وراءه تماما؛ وأصابعه الصغيرة تلتقط بهمة مصاصات قصب، من فعل آدمي ناضج، ويرمي بها في سلال المهملات المعلقة على أعمدة الإنارة ،في ذلك الشارع الجميل.

من مجموعتي القصصية :
(لله يا محسنين)
محمد نديم علي