السلطان مراد الرابع (1623-1640م)

صعد السلطان مراد الرابع إلى عرش الدولة العثمانية وهو في الحادية عشرة من عمره[1]. استلمت أمُّه قُسِم منصب «وصيَّة العرش» بشكلٍ رسميٍّ بصفتها والدة السلطان. أحيانًا يُعْرَف هذا المنصب «بنائب السلطان»؛ ممَّا يعني أن لصاحبه صلاحيَّات السلطان كلِّها[2].


تُعتبر فترة حكم السلطان مراد الرابع من الفترات الصعبة في التاريخ العثماني من ناحية الفهم والتحليل! فالفترة تمتدُّ إلى سبعة عشر عامًا؛ ولكنَّها تفتقر تمامًا إلى التجانس؛ حيث انقسمت إلى مرحلتين: الأولى تسع سنوات من 1623 إلى 1632م، والثانية ثماني سنوات من 1632 إلى 1640م. فعلى قدر الفوضى التي كانت في المرحلة الأولى كان النظام في الثانية، وعلى قدر الميوعة والانحلال في إدارة الدولة في الفترة الأولى كانت الشدَّة والصرامة في الثانية، كذلك على قدر الهزائم في المرحلة الأولى كانت الانتصارات في الثانية! السِّرُّ في هذا الاختلاف هو تبدُّل الإدارة الفعليَّة للبلاد في عام 1632م من السلطانة الوالدة قُسِم إلى ابنها السلطان مراد الرابع.


لم يكن سهلًا أن يعرف الجميع أن الدولة العثمانية الكبيرة، التي تتميَّز بطابعٍ عسكريٍّ بحت منذ نشأتها، والتي تلتصق حدودها بإمبراطوريَّاتٍ مهيبةٍ وقويَّة، والتي تُدار في المعتاد برجالٍ أشداء من الجيش، يشغلون مناصب الوزارة، وقيادة الولايات المختلفة، لم يكن سهلًا أن يعرف الجميع أن دولة بهذه المواصفات تديرها بشكل رسمي امرأة، مهما أوتيت من عقل وحكمة، فإن هؤلاء الأقوياء المسلحين؛ سواءٌ من الأعداء الخارجيين، أم من المتمرِّدين، أم حتى من رجال الدولة المخلصين، يحتاجون إلى رمزٍ «قويٍّ» ليُرغمهم على الطاعة والنظام. ليس من فراغ أن يرفض رسول الله ﷺ إعطاء الإمارة لرجل تقي عظيم كأبي ذر لأجل أنه يراه ضعيفًا. قال رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ..»[3]. كلُّ صفات الصلاح والحكمة لن تنفع في الحكم إذا ارتبطت «بضعف» الحاكم. هكذا أدرك الجميع، في الداخل والخارج، أن قيادة الدولة العثمانية ضعيفة، فتدهور الوضع جدًّا، خاصَّة أن البلاد كانت تعيش فتنةً كبيرةً منذ مقتل السلطان عثمان الثاني.


المرحلة الأولى من حكم السلطان مراد الرابع: (1623-1632م)

بعد وصول نبأ ولاية الطفل مراد الرابع تحت وصاية أمه بأقلَّ من شهرين أخرج الشاه عباس الصفوي جيشه لحصار بغداد[4]، لتشتعل الحرب العثمانية الصفوية من جديد، وهذه المرَّة ستستمر قرابة الستة عشر عامًا (إلى 1639م). في 12 يناير 1624م سقطت بغداد في يد الصفويين[5]، وذُبحت الحامية العثمانية هناك. لم يكتفِ الشاه عباس بذلك؛ بل قتل معظم السُّنَّة من الرجال، وساق النساء إلى إيران[6]! كان الشاه يريد بغداد شيعيَّةً خالصة! كانت ضربةً كبيرةً موجعةً للدولة العثمانية. بعدها بقليلٍ سقطت مدن كركوك، والموصل، والنجف، وكربلاء، في يد الصفويين[7]. في غضون شهور قليلة أكمل الشاه عباس الأول سيطرته على النصف الشمالي من العراق. حاول العثمانيون في عام 1625م استرداد بغداد؛ ولكن كانت المحاولة فاشلة[8].


على المستوى الداخلي كان الوضع متردِّيًا. سيطرت طوائف الإنكشارية على السياسة العثمانية، وأرغموا السلطانة قُسِم على تعيين وعزل مَن يريدون[9]. كان السلطان مراد الرابع في كلِّ ذلك بعيدًا تمامًا عن الصورة. في غضون الفترة من 1623 إلى 1632م تغيَّر منصب الصدارة العظمى ست مرات[10]؛ ممَّا يشير إلى عدم الاستقرار في الإدارة. تأثرت مالية الدولة جدًّا، وانخفض المخزون الاحتياطي من الذهب[11]، ولم تهدأ الثورات هنا وهناك. ضاعت هيبة الجيش العثماني، وافتقر إلى النظام والوحدة.


كان من الممكن أن يكون الموقف أسوأ لولا حدوث أزمات كبرى في الجبهات المناهضة للدولة العثمانية أدَّت إلى تقليص الخسائر. في الدولة الصفوية مات الشاه الكبير عباس الأول، أقوى حكام الصفويين، في 19 يناير 1629م[12]، وخلفه حفيده، الذي لا يملك قدرات الشاه الراحل، الشاه صافي[13] Shah Safi، وهذا كان دون شَكٍّ في مصلحة الدولة العثمانية. -أيضًا- كانت النمسا مطحونة في حرب الثلاثين عامًا، ولهذا سعت في عامي 1627 و1629م لتجديد معاهدة زيتڤاتوروك المنتهية منذ عام 1626م، فقبلت الدولة العثمانية. كان التجديد الأخير للمعاهدة لمدَّة خمسة وعشرين عامًا[14].


في عام 1629م حاول الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم خسرو باشا استرداد بغداد؛ لكن محاولته باءت بالفشل[15]، فغيَّر الجيش وجهته واحتلَّ مدينة همدان في غرب إيران عام 1630م[16]؛ ولكنَّه لم يكن انتصارًا ذا قيمة استراتيجيَّة. حاول الجيش العثماني في آخر 1630م أن يُعيد الكَرَّة على بغداد، ولكنه فشل كذلك[17]. كان من الواضح أن ضياع بغداد يُمَثِّل عقبةً كبيرةً أمام الدولة العثمانية.


كان الصدر الأعظم خسرو باشا فاسدًا، واشترك هو وأحد كبار الوزراء، طوبال رجب باشا، في أعمال بطش وظلم، كان من غرضها فرض سيطرتهما على البلاد دون النظر مطلقًا إلى مكانة السلطان، مع أنهما متزوِّجان من العائلة العثمانية؛ فالأول: خسرو باشا، هو زوج عمة السلطان مراد الرابع، عائشة بنت السلطان محمد الثالث، والثاني: رجب باشا، زوج أخت السلطان مراد الرابع، جوهر خان بنت السلطان أحمد[18]. كان السلطان مراد الرابع قد بلغ في سنة 1631م عامه التاسع عشر. شعر أنه من الواجب الآن أن يتحرَّك لقيادة الدولة بنفسه. ضغط على أمِّه للموافقة على عزل خسرو باشا عن الصدارة العظمى، وأتى بصدر أعظم جديد موالٍ له، وهو حافظ أحمد باشا، وهو -أيضًا- زوج أخته الكبرى عائشة؛ وذلك في 25 أكتوبر 1631م[19]. ردَّ الوزير رجب باشا على عزل صديقه بتهييج الإنكشارية سِرًّا، فأحدثوا ثورةً كبيرة، وجمعوا عددًا كبيرًا من المتمرِّدين، وحاصروا القصر الحاكم، ثم انتهى الأمر بفاجعة؛ إذ قتلوا في 10 فبراير 1632م الصدر الأعظم، وزوج أخت السلطان حافظ أحمد باشا، بعد ثلاثة أشهر ونصف فقط من حيازته للمنصب، وأتت السلطانة قُسِم برجب باشا -زوج بنتها الأخرى- للصدارة العظمى[20]!


كانت هذه الحادثة فارقةً في حياة السلطان مراد الرابع؛ بل فارقةً في التاريخ العثماني؛ إذ إن التغيير الذي سينتج عنها سيحفظ الدولة العثمانية في مستوًى ثابتٍ لقرابة نصف قرن! وربَّ ضارةٍ نافعة!


أدرك السلطان مراد الرابع أن مصيره سيكون مثل مصير أخيه الشهيد عثمان الثاني إن لم يأخذ موقفًا صلبًا واضحًا. أدرك أن المفاسد في الدولة كانت بسبب استهتار القادة والأعداء والشعب، بمنصب الحاكم. كانت فترة حكم السلطانة قُسِم للبلاد تطبيقًا عمليًّا لحديث رسول الله ﷺ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[21]. لم تُفلح الدولة العثمانية قط تحت قيادة هذه المرأة. عنَّف السلطان مراد الرابع أمَّه جدًّا على إدارتها للأمور، وأمر بعزلها تمامًا عن السياسة، وأقصاها في القصر القديم[22]، وأمسك هو فجأة بزمام الأمور، وكان من الواضح أنه لم يكن غافلًا في السنوات الأولى من ولايته؛ لكن كان يراقب، ويدرس، ويُجَمِّع الأعوان، ويرتِّب الخطوات المستقبليَّة. نقول هذا الكلام لأن خطوات السلطان مراد الرابع في هذه الفترة الثانية من حكمه، لم تكن خطوات شخصٍ يحاول تبيُّن الطريق؛ إنما كانت خطواتٍ مدروسةٍ ومنطقيَّةٍ بشكلٍ واضح.


المرحلة الثانية من حكم السلطان مراد الرابع: (1632-1640م)

كان السلطان مراد الرابع يُدرك أن خسرو باشا، وهو الأكبر والأدهى، هو الذي وراء الأحداث، وهو الذي يدفع رجب باشا إلى الحركة ويُخطِّط له؛ ولذلك أمر أحد رجاله -مرتضى باشا- بأن يُلْقي القبض على خسرو باشا! رفض خسرو باشا الأمر، فقصف مرتضى باشا قصره، وبأمر السلطان قَطَع رأسه، وعرض السلطان بنفسه الرأس على الشعب في 11 مارس 1632م[23]، بعد شهرٍ من قتل حافظ أحمد باشا. كانت الرسالة قويَّةً للإنكشارية ولرجب باشا، وكان ردُّ فعلهم عنيفًا؛ إذ قاموا بثورةٍ جديدة، ولكن السلطان القوي ردَّ عليها بإعدام زوج أخته الصدر الأعظم رجب باشا في 18 مايو من السنة نفسها، وتعيين طابانياسي محمد باشا -وهو من السياسيِّين المتمكِّنين- مكانه[24]! بعد هذا الإجراء الحاسم جمع السلطان مراد الرابع رجال الديوان والعلماء، وخطب فيهم خطبةً طويلة، ناقش فيها الفساد الذي استشرى في الدولة، والحالة التي وصل إليها الجيش، والمخاوف التي تتعرَّض لها الدولة، وهدَّد بأنه سيضرب بيدٍ من حديد على كلِّ مَنْ سيخرج عن نظام الدولة، أو يُهدِّد أمنها. حَمَلَ رجالٌ من أتباع السلطان الكلمات إلى الشعب فخرج يهتف بحياة السلطان[25] بعد أن سئم من الاضطرابات التي شملت الدولة في العقد الأخير، خاصَّةً وأن التهديد الصفوي ما زال مستمرًّا. أعطى هذا الدعم الشعبي قوَّةً جديدةً للسلطان فبدأ في خطوات إصلاحه بهمَّة.


لا يمكن أن نطمئنَّ إلى وصف خطوات السلطان الإصلاحيَّة القادمة بأنها عادلة أو صالحة؛ إنما يمكن أن نَصِفها بوضوح بأنها صارمةٌ وشديدة! كان السلطان عنيفًا إلى أقصى درجةٍ في تطبيق العقوبات، وإنزال الغضب على المخالفين. كانت عقوبة الإعدام أمرًا عاديًّا متكررًا. تذكر بعض الإحصائيَّات أن عدد الذين أُعدموا في غضون ثماني سنوات -من 1632 إلى 1640م- وصل إلى عشرين ألفًا[26]! كان من بين هؤلاء القتلى صدور عظام، ووزراء، وقادة جيوش، وحكام ولايات، وجنود؛ بل كان منهم ثلاثة من إخوته شخصيًّا؛ بايزيد، وسليمان[27]، وسليم[28]! لم يترك من إخوته حيًّا إلا الأصغر إبراهيم، والذي كان مشكوكًا في صحَّة قواه العقليَّة! كان السلطان يرى أن مراكز القوى المسلحة في الدولة صارت كثيرةً وفاجرة، ولا يردعها شيء، ولن تسكن هذه القوى بالنصح والإرشاد، ولا بالعقل والمنطق؛ إنما الأمر يحتاج إلى «إخافة» حقيقيَّة، ووأد صريح ومباشر لكلِّ المؤامرات السِّريَّة. أنا في الواقع لست مؤيِّدًا لهذا المنهج العنيف، ولكنَّني أتفهم منطقه، وخاصَّةً في زمن الفتن الشديدة كالتي واجهها مراد الرابع.


فَرَضَ السلطان مراد الرابع نظامًا صارمًا على الدولة كلِّها يهدف إلى دفع الجميع إلى الانصياع للقانون بكلِّ حذافيره، وحرص أن يكون القانون المفروض مرتبطًا بالشريعة الإسلاميَّة؛ حتى يأخذ من ناحية دعم العلماء، ومن ناحيةٍ أخرى لا يفقد الدعم الشعبي حين يُقيم العقاب على المخالفين. من هذا مثلًا أنه منع تمامًا شرب الخمور في الدولة، لا في الأماكن العامَّة، ولا في البيوت، ومنع كذلك تدخين التبغ في الأماكن العامَّة[29]، وكان تجار هولندا قد أدخلوه البلاد منذ عقود[30]؛ ولكنه لم يمنعه في البيوت لاختلاف العلماء في تحريمه آنذاك[31]. هدم السلطان المقاهي الكثيرة التي انتشرت في المدن الكبرى[32]، وكان الإنكشارية يستخدمونها للاجتماعات، ونشر الشائعات والأقاويل. كان السلطان ينزل بنفسه إلى شوارع المدن، بعد التنكر في ملابس عاديَّة، ويقوم بمراقبة الأسواق والأوضاع، فإذا وجد مخالفةً عاقب فورًا، وقد يكون العقاب هو قطع الرأس، وكان يُنفِّذه بنفسه[33]!


نظَّم السلطان الجيشَ بدقَّة؛ غيَّر الكثير من القيادات، وألزم الجنود بالتدريبات والطاعة[34]. تحوَّل الجيش إلى شيءٍ آخر في غضون شهورٍ قليلة. كانت نبتة الجيش طيِّبة؛ ولكن أرهقها فساد القادة وأصحاب الأهواء. تواصل مع العلماء وتعاون معهم، ومع ذلك لم يستثنِ أحدهم من العقاب عند المخالفة؛ فأعدم أحد المخالفين منهم، وكان العلماء يُستثنَون من عقوبة الإعدام عُرْفًا[35]؛ ولكنه أراد أن يوصل لهم رسالةً مفادها أن تساهلهم في الفتوى أيام عثمان الثاني هو الذي سمح للفتنة أن تزيد، وأن طاعة بعضهم لقادة الانقلاب العسكري هي التي أفضت بالسلطان الشهيد إلى القتل. لم ينسَ السلطان مراد الرابع استشهاد أخيه عثمان الثاني عام 1622م. بحث عن كلِّ من كانت له علاقةٌ بقتله وأعدمه علنًا[36].


سكنت النفوس بعد هذه الإجراءات. هدأت الدولة، وتوقفت طموحات المتمرِّدين عن النمو. احتاج السلطان إلى سنواتٍ ثلاث حتى يُجَهِّز جيشًا قادرًا على غزو الأراضي الصفوية. قرَّر الخروج بنفسه في ربيع 1635م على رأس الجيش في حملةٍ همايونيَّةٍ كبرى؛ كان عدد الجنود فيها مائةً وخمسين ألفًا[37]، أو مائتي ألف[38]. كانت وجهة الجيش الأولى إلى يريڤان بأرمينيا. تمكَّن الجيش العثماني من فتح المدينة في 10 أغسطس، وبعدها توجَّه جنوبًا مباشرة إلى تبريز. دخل السلطانُ المدينةَ فاتحًا في 10 سبتمبر من السنة نفسها[39]. كانت حملةً ناجحةً ألقت الرهبة في قلوب الصفويين. عاد السلطان «الغازي» إلى إسطنبول يستكمل إصلاحاته. في طريق ذهابه وعودته كان يمر على المدن في الأناضول، فيتوقَّف ليُراقب الأوضاع بنفسه، وليُقيم أحكام الإعدام على المسلحين الذين فرضوا سطوتهم على الناس خلال السنوات السابقة[40].


تمكَّن الصفويون في عام 1636م من استرداد يريڤان وتبريز[41]. كان هذا داعيًا للسلطان مراد الرابع لتجهيز حملةٍ جديدةٍ أقوى يحسم بها الأمور. قرَّر أن يخرج بنفسه عام 1638م مرَّةً ثانيةً لحرب الصفويين، وجعل الوجهة في هذه المرَّة إلى العراق[42]. بعد توقفات في مدن الشمال وصل السلطان إلى بغداد، وضرب عليها الحصار في 15 نوفمبر، وبعد تسعة وثلاثين يومًا، في 25 ديسمبر، سقطت المدينة في يده[43]، وحاز بعدها لقب «فاتح بغداد»[44]. أدرك الصفويون أن المقاومة مستحيلةٌ فطلبوا الصلح. وافق السلطان، وجرت المباحثات بين الفريقين، وانتهى الأمر إلى توقيع معاهدةٍ مهمَّةٍ جدًّا في تاريخ المنطقة، هي معاهدة «قصر شيرين» Qasr-e Shirin، نسبةً إلى البلدة التي وُقِّعَت فيها، وهي بلدة إيرانيَّة تاريخيَّة شهيرة بالقرب من كركوك على الحدود العراقيَّة الإيرانيَّة، وتُعْرَف -أيضًا- بمعاهدة ذُهاب Zuhab[45]. وُقِّعَت هذه المعاهدة في 17 مايو 1639م[46]، ووجه أهميَّتها أنها رسمت الحدود بين الدولتين الصفوية والعثمانية، ولثبات موازين القوى بعد ذلك بينهما ظلت هذه الحدود ثابتةً إلى نهاية الدولتين؛ بل إنها الحدود نفسها التي توجد اليوم بين إيران من ناحية، وتركيا والعراق من ناحيةٍ أخرى[47].


في هذه المعاهدة استرجع الصفويون كامل الأراضي الإيرانيَّة وكذلك أذربيچان؛ بينما أخذت الدولة العثمانية كلَّ أراضي الأناضول بالإضافة إلى كامل العراق، أمَّا چورچيا وأرمينيا فقد قُسِمَتا إلى نصفين شرقي وغربي. أخد الصفويون الأقسام الشرقيَّة؛ بينما حاز العثمانيون غربي القطرين[48][49]. هكذا وَضعت هذه المعاهدة الحرب بين الدولتين إلى قبيل نهاية الدولة الصفوية؛ حيث لم تحدث حربٌ بينهما إلا في عام 1723م[50].


لم يكن هذا النجاح ضدَّ الصفويين بلا ثمن! لم يكن الثمن في العراق أو الأناضول؛ إنما كان في اليمن! إن انشغال الدولة العثمانية في هذه الجبهة الشرقيَّة أدَّى إلى ضعف قبضتها على أماكن عديدة؛ خاصَّةً البعيد منها كاليمن. لم يستقر هذا القطر قط للعثمانيين. كان وراء هذا الاضطراب عوامل كثيرة؛ منها انتشار المذهب الزيدي الشيعي في اليمن، ومنها الطبيعة الجغرافيَّة الصعبة، ومنها الطبيعة القبليَّة لعشائر اليمن وغير القابلة للحكم بغيرها، ومنها الطريقة غير الصحيحة التي دخل بها العثمانيون اليمن.


ازداد الاضطراب نتيجة المشكلات الداخليَّة الكثيرة في الدولة العثمانية بعد انتهاء زمن الأقوياء. قام الإمام الزيدي القاسم المنصور بالله بثورةٍ كبرى ضد الحكم العثماني في عام 1597م، واستمرت -مع نشاطٍ وفتور- إلى وفاته عام 1620م. استكمل ابنُه المؤيد بالله محمد الثورةَ ضدَّ العثمانيين، وبعد صداماتٍ كثيرةٍ تمكَّن المؤيد بالله من إخراج العثمانيين بشكلٍ كاملٍ من اليمن في 1636م[51]. كان انشغال الدولة العثمانية في حرب الصفويين في هذه الفترة مانعًا لهم من إرسال قوَّاتٍ كبيرةٍ لإنقاذ الموقف. لن تعود اليمن لحكم العثمانيين حتى عام 1872م.


على الناحية الأخرى كانت الجبهات الأوروبية للدولة العثمانية هادئةً في المعظم طوال فترة حكم مراد الرابع؛ وذلك لانشغال أوروبا بحرب الثلاثين عامًا. لم يحدث تحرُّشٌ على هذه الجبهات إلا مرَّتين؛ وفي كلتا المرتين تجنَّب السلطان الحرب بحكمةٍ لكونه منشغلًا بملفِّ الدولة الصفوية. المرَّة الأولى مع بولندا في عامي 1633 و1634م، وتمَّ تفادي الحرب الحقيقيَّة بتجديدٍ لمعاهدة خوتين آخر عام 1634م[52]، والثانية مع البندقية نتيجة تعدِّي البنادقة على سفنٍ تابعةٍ للدولة العثمانية. في هذه المرَّة الأخيرة أظهر السلطان مراد الرابع غضبه الشديد، وأعلن أنه سينتقم من كلِّ البنادقة في الدولة العثمانية إن لم يصل إلى ترضيةٍ مناسبةٍ مع جمهورية البندقية[53].


رضخت البندقية، وقبلت بدفع مائتين وخمسين ألف دوقيَّة ذهبيَّة كتعويضٍ إلى الدولة العثمانية، ثم جُدِّدَت المعاهدات التجارية بين الدولتين في إسطنبول بتاريخ 16 يوليو 1639م[54]. رفعت هذه المناوشات الأخيرة التوتر نسبيًّا مع البندقية، وسيكون لذلك مردودٌ بعد عدَّة سنوات. الخسارة الدولية الوحيدة في عصر مراد الرابع كانت عندما تمكَّن القوزاق الأوكرانيون عام 1637م من احتلال ميناء آزوڤ Azov شرق القرم[55] (في روسيا الآن)، ولم يتمكَّن السلطان من استرداده لانشغاله آنذاك بحرب الصفويين.


من المهم -أيضًا- في هذه المرحلة أن نشير إلى أن الاضطرابات التي شهدتها العاصمة إسطنبول، ومناطق الأناضول، و-أيضًا- ولايات الشام، والعراق، والحروب مع الدولة الصفوية، وقبلها مع النمساوية؛ كلُّ ذلك أدَّى إلى ضعف قبضة الدولة العثمانية على ولاياتها في شمال إفريقيا، وخاصَّةً الجزائر. مع أن والي الجزائر كان باشا تُرسله إسطنبول إلا أن الإنكشارية -الذين يُمثِّلون القوَّة العسكريَّة الطاغية في الجزائر- كانوا ينفلتون عن أوامر الدولة، ويعملون لحسابهم الخاص[56].


وصل الأمر إلى أن صارت الجزائر -مع كونها ولاية عثمانية- تعمل بشكلٍ منفردٍ في سياستها الخارجيَّة، ومن ذلك أن البحريَّة الجزائريَّة -التي من المفترض أنها جزء من البحرية العثمانية- صارت تهاجم السفن الأوروبية في البحر المتوسط؛ سواءٌ كانت تابعةً لإسبانيا، أم لإيطاليا، أم حتى لفرنسا صديقة الدولة العثمانية[57]. كانت هذه التحرُّكات تؤدِّي إلى اضطرابٍ في العلاقات العثمانية مع الدول الأوروبية، وسوف تتوتَّر العلاقة مع فرنسا بسبب هذه العمليَّات الجزائريَّة. ذكر أوزتونا أن الجزائر أسرت 80 سفينةً فرنسيَّةً في الفترة من 1629 إلى 1634م[58]. هذا مجرَّد مثال، وما يقال عن الوضع في الجزائر يقال أيضًا؛ ولكن بصورةٍ أقل عن تونس وليبيا.


لم يكن أذى الإنكشارية إذن محدودًا بإسطنبول أو الأناضول فقط؛ بل كان منتشرًا في كلِّ أرجاء الدولة العثمانية. لقد كان من الواضح أن الشرَّ المستطير للقوَّة العسكرية التي لا يحكمها قانون، ولا دولة، ولا خُلُق، ولا دين، يمكن أن يُحْدِث آثارًا وخيمةً على الأمَّة!


وفاة السلطان مراد الرابع، ونظرة إجمالية على فترة حكمه:

في 8 فبراير 1640م مات السلطان الشاب مراد الرابع وهو في السابعة والعشرين من عمره[59]! يبدو أنه قد كُتِبَ على آل عثمان أن يموت أغلبهم في سنٍّ مبكرة! كان موته مفاجئًا للجميع. توقَّع بعضهم أن يحدث انفلاتٌ كبيرٌ في الدولة نتيجة الخروج من قبضة السلطان القوي؛ لكن هذا في الواقع لم يحدث! لقد وضع مراد الرابع نظامًا راسخًا صارمًا ظلَّ صامدًا أمام التحدِّيَّات التي واجهتها الدولة قرابة نصف قرنٍ من الزمان، هذا على الرغم من الضعف الظاهر للسلاطين الذين جاءوا بعده. نعم حدثت اضطراباتٌ في الدولة في بعض الظروف لكن بنيانها صار مقاوِمًا للانهيار. ترك مراد الرابع جيشه قويًّا، وإدارة بلاده منظمة، كما ترك خزانة الدولة ثريَّة[60] بعد أن كانت قد تعرَّضت للنضوب في خلال العقد الذي حدثت فيه الفتن (من 1622 إلى 1632م). -أيضًا- ترك مراد الرابع حدود دولته آمنة، فلا خوف من الصفويين، ولا بولندا، ولا روسيا، ولا النمسا، ولا غيرهم. نعم لم تكن قبضته ظاهرةً على ولايات الشمال الإفريقي، ولا على اليمن؛ لكن لم تكن المشكلات الكبرى قد ظهرت في هذه الأماكن بعد.


نقل أوزتونا عن مؤرِّخ الدولة العثمانية في القرن السابع عشر مصطفى نعيمة Mustafa Naima أنه يُشَبِّه مرادًا الرابع بالسلطان سليم الأول[61]. وجه الشبه هو القوَّة التي تصل إلى البطش، والحزم الذي يصل إلى الظلم. نتائج سليم الأول على أرض الواقع أكبر بكثيرٍ من نتائج مراد الرابع؛ فقد تضاعفت الدولة في حياة سليم الأول ثلاث مرَّات؛ بينما لم يَزِد فيها مراد الرابع شبرًا؛ لكن ينبغي النظر إلى الأمر من زاويا أخرى؛ فزمن سليم الأول، بجيشه القوي، وشعبه المنضبط، وروح الفتح والتوسُّع التي كانت عليها الدولة، مختلفٌ عن زمن الفتن الذي عاشه مراد الرابع. كان سليم الأول يجني ما زرع السلطان محمد الفاتح وأسلافه؛ بينما كان مراد الرابع يُصْلِح ما اقترفه السلطان محمد الثالث وأسلافه. -أيضًا- أرى أن التزام مراد الرابع بالضوابط الشرعيَّة أعلى من التزام سليم الأول، وإن كانت المخالفات من كليهما موجودةً دون شك. من هذه المنطلقات أقول إن مرادًا الرابع لو عاش في زمن الأوَّلين لكان له ذكرٌ كبيرٌ في التاريخ، ولكان له شأنٌ أعلى من بعض مشاهير السلاطين؛ لكن يمكن أن يقال -أيضًا- أنه من رحمة الله بالدولة العثمانية أن أرسل لها مثل هذا الرجل في هذا التوقيت ليطيل في أجلها عدَّة عقود، والأمور تجري بالمقادير[62].


[1] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 293.
[2] Görgün-Baran, Aylin: A Woman Leader in Ottoman History: Kösem Sultan (1589–1651), In: Erçetin, Şefika Şule: Women Leaders in Chaotic Environments: Examinations of Leadership Using Complexity Theory, Springer International Publishing, Cham, Switzerland, 2016., 2016, p. 80.
[3] مسلم: كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (1825) واللفظ له، والحاكم (7019).
[4] Blow, David: Shah Abbas: The Ruthless King Who Became an Iranian Legend, I. B. Tauris, London, UK, 2009., p. 133.
[5] مانتران، 1993 (ب) صفحة 1/348.
[6] Neumann, Caryn E. & Tucker, Spencer C.: Zimmermann, Arthur (Birth Date: October 5, 1864 - Death Date: June 7, 1940), In: Tucker, Spencer C.: World War I: The Definitive Encyclopedia and Document Collection: The Definitive Encyclopedia and Document Collection, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2014., vol. 3, p. 47.
[7] Savory, Roger M.: Iran under the Safavids, Cambridge University Press, Cambridge, UK, 1980., p. 89.
[8] أوزتونا، 1988 صفحة 1/469.
[9] فريد، 1981 صفحة 280، 281.
[10] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/468-471.
[11] Hershlag, Zvi Yehuda: Introduction to the Modern Economic History of the Middle East, Brill Archive, Leiden, Netherlands, 1980., p. 8.
[12] Tucker, Spencer C. (Editor): Middle East Conflicts from Ancient Egypt to the 21st Century: An Encyclopedia and Document Collection, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2019., vol. 1, p. 9.
[13] براون، 2002 الصفحات 4/106، 107.
[14] Újváry, Zsuzsanna J.: A Muslim captive’s vicissitudes in Ottoman Hungary (mid-seventeenth century), In: Dávid, Géza & Fodor, Pál: Ransom Slavery along the Ottoman Borders: (Early Fifteenth - Early Eighteenth Centuries), Brill, Leiden, Netherlands, 2007., pp. 141-142.
[15] Roemer, H. R.: The Safavid period, In: Lockhart, Lawrence & Jackson, Peter: The Cambridge History of Iran, Cambridge University Press, New York, USA, (Volume 6, The Timurid and Safavid Periods), 1986., vol. 6, p. 283.
[16] فريد، 1981 صفحة 282.
[17] Roemer, 1986, vol. 6, p. 284.
[18] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/469، 470.
[19] Hammer, vol. 2, pp. 200–201.
[20] أوزتونا، 1988 صفحة 1/470.
[21] البخاري: كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر (4163)، والترمذي (2262)، والنسائي (5937).
[22] Somel, Selçuk Akşin: The A to Z of the Ottoman Empire, the Scarecrow press, Lanham, MD, USA, 2010., p. 158.
[23] أوزتونا، 1988 صفحة 1/470.
[24] Buz, Ayhan: Osmanlı Sadrazamları, Neden Kitap, İstanbul, 2009., p. 92.
[25] أوزتونا، 1988 صفحة 1/471.
[26] أوزتونا، 1988 صفحة 1/485.
[27] بچوي، 2015 الصفحات 2/404، 405.
[28] Artan, Tülay: A Book of Kings Produced and Presented as a Treatise on Hunting, In: Neci̇poğlu, Gülru & Bailey, Julia: Frontiers of Islamic Art and Architecture: Essays in Celebration of Oleg Grabar's Eightieth Birthday; the Aga Khan Program for Islamic Architecture Thirtieth Anniversary Special Volume, Brill, Leiden, Netherlands, 2008., p. 324.
[29] Somel, 2010, p. xliv.
[30] كينروس، 2002 صفحة 358.
[31] أوزتونا، 1988 صفحة 1/472.
[32] Somel, 2010, p. xliv.
[33] Davis, William Stearns: A Short History of the Near East: From the Founding of Constantinople (330 A.D. to 1922), The Macmillan Company, New York, USA, 1922., pp. 259-260.
[34] Uyar, Mesut & Erickson, Edward J.: A Military History of the Ottomans: From Osman to Atatürk, ABC CLIO, Santa Barbra, USA, 2009., pp. 110-111.
[35] Tezcan, Baki: The Second Ottoman Empire: Political and Social Transformation in the Early Modern World, Cambridge University Press, New York, USA, 2010., p. 214.
[36] أوزتونا، 1988 صفحة 1/472.
[37] Mikaberidze, Alexander (Editor): Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011 (A)., vol. 1, p. 177.
[38] أوزتونا، 1988 صفحة 1/478.
[39] فريد، 1981 صفحة 284.
[40] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/478، 479.
[41] Roemer, H. R.: The Safavid period, In: Lockhart, Lawrence & Jackson, Peter: The Cambridge History of Iran, Cambridge University Press, New York, USA, (Volume 6, The Timurid and Safavid Periods), 1986., vol. 6, p. 286.
[42] إبراهيم، 1856 الصفحات 176، 177.
[43] Hammer, 1837, vol. 9, pp. 324-329, 337.
[44] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 299.
[45] Finkel, Caroline: Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923, John Murray, London, UK, Basic Books, New York, 2006., p. 217.
[46] Somel, 2010, p. xxxviii.
[47] أوزتونا، 1988 صفحة 1/483.
[48] مانتران، 1993 (ب) صفحة 1/349.
[49] صباغ، 1999 صفحة 195.
[50] مانتران، 1993 (ب) صفحة 1/407.
[51] Serjeant, R. B. & Lewcock, Ronald B: San'a' (Editors): An Arabian Islamic City, World of Islam Festival Trust, London, UK, 1983., pp. 72-74.
[52] Somel, 2010, p. xliv.
[53] Setton, Kenneth Meyer: Venice, Austria and the Turks in the 17th Century, American Philosophical Society, Philadelphia, USA, 1991., pp. 108-109.
[54] أوزتونا، 1988 صفحة 1/474.
[55] Somel, 2010, p. xliv.
[56] أوزتونا، 1988 صفحة 1/474.
[57] Konstam, Angus: The Barbary Pirates 15th-17th Centuries, Bloomsbury Publishing, London, UK, 2016, pp. 4-5.
[58] أوزتونا، 1988 صفحة 1/475.
[59] Somel, 2010, p. xlv.
[60] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 301.
[61] أوزتونا، 1988 صفحة 1/486.
[62] انظر: دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 645- 655.