السلطان مراد الثالث (1574-1595م)

استلم مراد الثالث حكم الدولة العثمانية وهو في الثامنة والعشرين من عمره[1]. كانت حياته مثالًا أوضح لمسألة القصور الذاتي للقوَّة المفرطة؛ فعلى الرغم من ضعفه سياسيًّا، وإداريًّا، وقياديًّا، فإن البلاد توسَّعت من جديد في عهده؛ بل وصلت إلى أقصى اتِّساعٍ لها في كلِّ تاريخها؛ ومع ذلك فهذه الزيادة أُسمِّيها زيادةً «معنوية»؛ لأنها لم تكن مبنيَّةً على أساسٍ متين؛ ومِنْ ثَمَّ كان من السهل أن تُفْقَد بعد ذلك، لتبدأ الدولة بعد عهد مراد الثالث في الثبات دون زيادة، أو في التناقص التدريجي؛ وذلك حسب المرحلة التاريخيَّة.


كان مراد الثالث من الشخصيَّات التي تُمثِّل تناقضًا كبيرًا في تركيبتها! ففي الوقت الذي كان يُبرز فيه حبًّا للعلم، وتوقيرًا للشريعة، كان يرتكب مخالفاتٍ دينيَّةً كبيرة، وفي الوقت الذي يحاول أن يهرب فيه من هيمنة الصدور العظام ورجال الدولة إذا به يرضخ لسلطة النساء، فتخضع الدولة في فترة حكمه لآراء أمِّه، وزوجته، وأخته، وغيرهن! وفي الوقت الذي يُظهر حكمةً بالغةً بوقوفه إلى جوار المغاربة في حرب البرتغاليِّين، إذا به يزجُّ البلاد في حربٍ لا معنى لها مع الصفويِّين! هكذا كانت حياته، والأمر يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل اليسير!


يُوصَف مراد الثالث بأنه «أعلم بني عثمان»[2]؛ ذلك لأنه كان شديد الاهتمام بالقراءة، والدراسة، ومجالسة العلماء، وكما يصف طبيبه اليهودي دومينيكو هيروسوليميتانو Domenico Hierosolimitano فإنه كان يقضي الساعات الطوال يوميًّا طَوَال أيَّام حكمه يُطالع الكتب المختلفة[3]. نعم كان عالمـًا، لكنَّني أراه يتعلَّم ذلك العلم النظري الذي يُدْخِلُه في زمرة «المثقَّفين» لكن دون أن يكون لذلك العلم أثرٌ حقيقيٌّ في حياته! فهذا العلم لم يُرشده إلى حسن قيادة دولته، ولم يدفعه إلى سياسة جنوده ووزرائه، ولم يقده إلى الجهاد، ولم يضبط قرارته لتكون موافقةً للشريعة. إنه يصلح بهذا العلم أن يكون طالبًا في جامعة، أو أستاذًا فيها؛ لكنه لا يصلح به أن يكون قائدًا لدولةٍ عريقةٍ لديها مسئوليَّاتٌ جسام، وتُجَابِه أعداءً شرسين من كلِّ أطرافها. لم يكتشف كثيرٌ من المؤرخين هذا الخلل الذي في شخصيَّة مراد الثالث؛ لأن البلاد توسَّعت جدًّا في زمانه؛ ولكنَّ السرَّ في هذا التوسُّع هو ما ذكرته سابقًا من مسألة القصور الذاتي للقوَّة المفرطة، ولم يكن هذا التوسُّع بسبب جهده أو فكره، وهذا ما دعا المؤرِّخ محمد المحبي لوصفه في كتابه بأنه «سعيد البخت»[4]! نعم كان سعيد البخت؛ لأن المحصِّلة النهائيَّة لفترة حكمه لا توازي أبدًا جهده اليسير، وإمكاناته الضعيفة، وكان سِرُّ «بخته» هو جهد سليم الأول، وسليمان القانوني، اللذَين سبقاه بعدَّة عقود؛ ومع ذلك فلا يصحُّ إلا الصحيح؛ فإنه بعد وفاة مراد الثالث ضاعت في وقتٍ قصيرٍ كلُّ الزيادات التي حدثت في زمانه تقريبًا، فكانت مؤقَّتةً بشكلٍ لافت.


استهلَّ السلطان مراد الثالث حكمه بجريمةٍ بشعةٍ غير مسبوقةٍ في التاريخ العثماني، ولم تتكرَّر مرَّةً ثانيةً إلا في حياة ابنه محمد الثالث، وهي جريمة قتل جميع الأشقَّاء الأحياء بغية الحصول على حُكْمٍ مستقرٍّ بلا اضطرابات! قَتَلَ السلطان مراد الثالث في يوم 22 ديسمبر 1574[5] «خمسةً من أشقَّائه دفعةً واحدة»[6]! لا يستند هذا الإجراء الشنيع إلى قاعدةٍ شرعيَّةٍ سليمة. يُدافع بعضهم عن هذه الجريمة بزعمهم وجود فتوى تُبيح هذا القتل الجماعي لتحقيق الاستقرار، ودرء فتنة تفكُّك الدولة عند تصارع الأشقَّاء، ويستندون إلى الآية الكريمة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]، وإلى القاعدة الفقهيَّة المعروفة: درء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المنافع؛ لكن كلَّ هذا لا وزن له في الحقيقة في ميزان العلم الشرعي؛ فالأشقَّاء هنا لم يفعلوا شيئًا ضارًّا، ولم يُثيروا فتنة، ولم يُقاتلوا من أجل العرش، إنما كانت كلُّ جريرتهم أنهم أشقاءٌ للسلطان المرشَّح للحكم، فكيف يُفتِي عالمٌ بجواز قتلهم بلا ذنب؟! يدَّعي بعضهم كذلك أن مرادًا الثالث كان يُنَفِّذ القانون العثماني الذي وضعه محمد الفاتح، فيما عُرِف بقانون «قتل الأخوة» (fratricide)[7][8]، وهذا افتراءٌ جديدٌ على الحقيقة؛ فمحمد الفاتح لم يأمر بقتل الأخوة عند اعتلاء العرش، إنما ذكر في قانونه أن من حقِّ السلطان أن يقتل المتصارع معه على الحكم ولو كان أخاه[9]، أمَّا في حال عدم التصارع فلا يجوز البتَّة التعرُّض له بظلمٍ أو إيذاء.


لم تكن هذه حادثة القتل الأولى بين الأشقَّاء في العائلة العثمانية؛ حدث التقاتل بين أولاد بايزيد الأول، وبين أولاد محمد الفاتح، وبين أولاد بايزيد الثاني، وبين أولاد سليمان القانوني، حيث قتل بعضهم إخوانه؛ ولكنه كان قتلًا في ساحة المعركة تنازعًا على الحكم، ولم يكن جريمةً مباشرةً استباقيَّةً مثل هذه التي فعلها مراد الثالث. والحقُّ أننا إذا استثنينا القرن الأول من عمر الدولة العثمانية وجدنا أن العلاقة بين الأشقَّاء في كلِّ تاريخ الدولة العثمانية (خمسة قرونٍ بعد القرن الأول) كانت دومًا في غاية السوء، ولم يَصْفُ قط -إلا في القليل النادر- أخٌ لأخيه! لا أدري هل السِّرُّ في ذلك هو تعدُّد الأمهات، واختلاف أصولهن، وزرعهنَّ للكراهية في نفوس الأبناء لإخوانهم؟ أم لكون الأشقَّاء ينشئون في بلادٍ مختلفةٍ بعيدةٍ عن بعضها البعض؛ حيث يحكم كلُّ واحدٍ منهم ولايةً في مناطق متناثرة؟ أم لكون فتنة السلطان كبيرة، والدولة ضخمةٌ وعظيمة، وحُكْمُها يسيل له لعاب كلِّ طامع؟ أم لكون السلطان الأب دومًا منشغلًا بأمور دولته الكبيرة فلا يُعطي وقتًا لتربية أبنائه على التراحم والتوادِّ؟ أم لكلِّ هذه الأسباب مجتمعة؟ إن الحقيقة التاريخيَّة عجيبة! هذه الحقيقة التاريخيَّة هي أن العائلة العثمانية من أكثر العائلات المالكة في التاريخ تفكُّكًا! بل إنني لا أعرف عائلةً مالكةً -سواءٌ على المستوى الإسلامي أم العالمي- أشدَّ تفكُّكًا من هذه العائلة! إن المعتاد في العائلات الملكيَّة في العالم بأسره أن يعتمد الملك على إخوانه، وأعمامه، وأبناء إخوانه، وأزواج شقيقاته، وغيرهم من أفراد العائلة، في إدارة البلاد الشاسعة التي يحكمها، وكلَّما ازداد «عدد» أفراد العائلة زادت قوَّتهم وسيطرتهم على الأمور.


رأينا هذا في العائلات الإسلامية المالكة، كالأموية، والعباسية، والطولونية، والسلجوقية، والأغالبة، وغيرهم، ورأيناه كذلك في العائلات الحاكمة في الدنيا كلِّها؛ سواءٌ في القديم؛ في بيزنطة، والفرس، والصين، أم في الحديث؛ في فرنسا، وإسبانيا، والنمسا، وإنجلترا، وغيرها من الدول. أما أن يحرص كلُّ متملِّكٍ للحكم في الدولة العثمانية على إقصاء كلِّ أفراد العائلة بمجرَّد الصعود إلى العرش؛ إمَّا عن طريق القتل، أو عن طريق الحبس -كما سيحدث بعد ذلك- فهذه ظاهرةٌ لم تحدث في التاريخ، لا من قبل ولا من بعد، خاصَّةً أنها صارت قاعدةً لا استثناء لها! ومن جديد فالسِّرُّ وراء هذا -على وجه اليقين- مجهول، ولا أدري إذا كان شيئًا في طبيعة العرق التركي بشكلٍ عام؟ أم في هذه العائلة تحديدًا؟ أم في ظروفٍ معيَّنةٍ في الدولة ذاتها؟ أم في طبيعة الشعوب التي حكمتها؟ أم هو جهلٌ في السياسة؟ أم جهلٌ في الدين؟ أم جهلٌ فيهما معًا؟ أم في عوامل داخليَّة أو خارجيَّة متفاعلة؟ لا أدري في الحقيقة، والأمر بالنسبة إليَّ ما زال لغزًا عويصَ الحلِّ!


كان مراد الثالث من الشخصيَّات الضعيفة التي لا تملك تأثيرًا كبيرًا على مَن حولها، ولعل هذا هو الذي دفعه لقتل إخوته ليأمن جانبهم إذا كانوا أفضل منه وأقوى في جوانب القيادة؛ ولكن قتله لهؤلاء الأشقَّاء لم يدفعه إلى قيادة سفينة الدولة بمفرده؛ إنما أسلم أموره، وأمور دولته، لغيره؛ كما هو متوقَّعٌ لشخصٍ ضعيفٍ مثله! كانت أقوى الشخصيَّات في زمانه هو الصدر الأعظم محمد صوقللو باشا، وهو الصدر الأعظم منذ السنة الأخيرة في حكم الجدِّ سليمان القانوني، وطوال أيَّام الأب سليم الثاني، ولم يستطع السلطان مراد الثالث أن يأخذ قرارًا بعزله مع كراهيَّته له، وسِرُّ الكراهية أن قوَّة الصدر الأعظم صارت أكبر من قوَّة السلطان بوضوح[10]، وكان الإنكشارية لا يأبهون للسلطان كما يأبهون له، كما صارت ثروته الماليَّة ضخمةً للغاية، وكان بيده اختيار قادة الجيش، وأمراء البحر، والوزراء، وزعماء الولايات، وهو الذي يُقرِّر الحرب أو السلام، وهو الذي يُحدِّد الصديق من العدو! إنه السلطان الفعلي للبلاد، ولا شَكَّ أن هذا كان لا يُرضي السلطان الضعيف؛ لكنه لم يتمكَّن من فعل شيءٍ له! ظهر ضعف السلطان بشكلٍ أكبر أمام نساء القصر! رضخ السلطان لآراء أمِّه نوربانو سلطان، ورضخ كذلك لآراء زوجته المفضَّلة صفيَّة سلطان، وكان أحيانًا يرضخ لآراء أخته أسمهان زوجة محمد صوقللو باشا[11]! إنها كانت البداية الحقيقيَّة لفترةٍ عجيبةٍ في التاريخ العثماني عُرِفَت بفترة «سلطنة النساء» Sultanate of Women، وفيها كانت الكلمة العليا لحريم السلطان لا للسلطان نفسه، أمَّا السلطان فهو منشغلٌ بالصيد، أو بالقراءة، أو بالنساء، أو بأمورٍ أخرى خاصَّةٍ به.


استمرَّت هذه الفترة أكثر من نصف قرن، باستثناءاتٍ طفيفة، إلى أن تغيَّر الحال من جديد لصالح السلطان في النصف الثاني من القرن السابع عشر. لا شَكَّ أن هذا كان من أسباب ضعف الدولة العثمانية، وإن كان الضعف لم يظهر بوضوحٍ عليها نتيجة القوَّة المفرطة التي كانت قد وصلت إليها؛ لكنَّها كانت عوامل متراكمة تفعل مثلما يفعل النمل الأبيض، الذي يأكل أساسات البيوت على مدار عشرات السنين إلى أن ينهار البيت فجأة. إن هذا الانهيار لم يحدث نتيجة غزو النمل الأبيض للبيت الآن، إنما كان ذلك منذ زمن، والناس لا ينتبهون إليه.


انتهج السلطان مراد الثالث سياسة أبيه في عدم الخروج بنفسه للجهاد؛ بل لم يخرج طَوَال حياته من القسطنطينية[12]؛ وذلك خلال إحدى وعشرين سنةً عاشها كحاكمٍ للدولة العثمانية، وعاش في قصره بين كتبه ونسائه[13]. قرأ كثيرًا حتى صار أعلم بني عثمان! وتزوَّج كثيرًا حتى أنجب أكثر من مائة ولدٍ وبنت[14]! (نعم أكثر من مائة ولدٍ وبنت!)؛ ومع ذلك، ولكونه «سعيد البخت»، فإن الظروف خدمت الدولة بشكلٍ لافت، فكانت الأحداث كلُّها تصبُّ في اتجاه زيادة حجم الدولة لا نقصانها[15].




[1] آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م.، 2008 صفحة 261.
[2] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/430.
[3] Fetvaci, Emine: Picturing History at the Ottoman Court, Indiana University Press, Bloomington, Indianapolis, USA, 2013., pp. 37-39.
[4] المحبي، محمد أمين بن فضل الله: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت، (دون سنة طبع) صفحة 4/353.
[5] Somel, Selçuk Akşin: Historical Dictionary of the Ottoman Empire, Lanham, Maryland, USA, Scarecrow Press‏, 2003., p. xxxviii.
[6] المحبي، (دون سنة طبع) صفحة 4/341.
[7] Imber, Colin: The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power, Red Globe press, London, UK, Third edition, 2019., p. 83.
[8] Niaz, Ilhan: Old World Empires: Cultures of Power and Governance in Eurasia, Routledge, New York, USA, 2014., p. 206.
[9] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 الصفحات 129-135.
[10] Murphey, Rhoads: Exploring Ottoman Sovereignty: Tradition, Image and Practice in the Ottoman Imperial Household, 1400-1800, Continuum, London, UK, 2008., p. 130.
[11] Necipoğlu, Gülru: The Suburban Landscape of Sixteenth-Century Istanbul as a Mirror of Classical Ottoman Garden Culture, In: Petruccioli, Attilio: Gardens in the Time of the Great Muslim Empires: Theory and Design, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1997, vol. 7, p. 40.
[12] مانسيل، فيليب: القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم 1453 – 1924، ترجمة: مصطفى محمد قاسم، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1436هـ=2015م ، 2015 صفحة 1/151.
[13] Felek, Özgen: (Re)creating Image and Identity: Dreams and Visions as a Means of Murãd III’s Self-Fashioning, In: Felek, Özgen‏ & Knysh, Alexander D.‏: Dreams and Visions in Islamic Societies, State University of New York Press, Albany, New York, USA, 2012., p. 253.
[14] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/429، 430.
[15] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 546- 550.