يُعتبر سليمان القانوني من الشخصيَّات النادرة التي لا تتكرَّر كثيرًا في مراحل التاريخ. إنه رجلٌ أمين، حكم بلاده بنزاهةٍ وشرف، وأعطاها كلَّ وقته وجهده، وحرص على وحدتها وسلامة مستقبلها، وضحَّى من أجل ذلك بالكثير. ضحَّى بوقته، وجهده، وفكره، وصحته، وسعادته. نعم أنا لا أتَّفق معه في بعض خطواته الاحترازيَّة التي أخذها من أجل استمرار وحدة البلاد، لكن أُقَدِّر أنه لم يكن يريد بذلك المجد الشخصي، وإلا كان سَجْن الابن أو نَفْيه -بدلًا من قتله- كافيًا؛ ولكنه كان يحرص على أن تظلَّ الدولة رائدة، وعلى أن يبقى أعداؤها خاضعين لها، فكانت منه هذه الخطوات التي لا يقبلها المؤرِّخون.


أظهر القانوني عظمة الدولة المسلمة لكلِّ دول العالم شرقًا وغربًا. لم يكن ممكنًا لأيِّ إمبراطوريَّةٍ في الدنيا أن تأخذ خطوةً كبيرةً دون حساب موقف الدولة العثمانية. اهتمَّ البرتغاليون، والإسبان، والفرنسيون، والروس، والبنادقة، والإيرانيون، والهنود، والأفارقة، وغيرهم، بالرؤية العثمانية في أيِّ مسألةٍ عالميَّةٍ تخصهم؛ لأن كلَّ الحسابات يمكن أن تتغيَّر إذا ما أخذت دولة سليمان القانوني موقفًا مهاجمًا، أو مدافعًا، أو وقفت على الحياد. حتى في الحسابات الداخلية في كلِّ إمبراطوريَّةٍ كانوا يترقَّبون موقف القانوني، ولقد كان له دورٌ ملموسٌ في قراراتٍ نصرانيَّةٍ كثيرةٍ تخصُّ الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، مع أن بلاده ليس فيها هذا ولا ذاك!


لم تصل الدولة العثمانية في عهد القانوني إلى أقصى اتساعٍ لها؛ (خريطة رقم 28)، بل توسَّعت بعده أكثر في زمن السلاطين الثلاثة الذين خلفوه؛ ومع ذلك فإن الدولة كانت أقوى في زمن سليمان القانوني عن أيِّ وقتٍ آخر. إن قوَّة الدولة لا تعود إلى مساحتها فقط، وإن كانت المساحة -وخاصَّةً في هذا الزمن- تُعطي مؤشِّرًا بارزًا لحجم القوَّة؛ ولكن قوَّة الدولة تظهر في تأثيرها على الساحة العالمية، خاصَّةً في البلاد المحيطة بها، وتظهر في احترام الدول الأخرى لها، وفي طرق مخاطبتها في المحافل السياسيَّة والدوليَّة، وفي اعتماد الدول الضعيفة عليها، وفي تقدير مواقفها وقراراتها عند مناقشة القضايا العالمية الكبرى. إن كلَّ هذه المظاهر التي أشرنا إليها تَظْهَر بقوَّةٍ في عهد السلطان سليمان القانوني أكثر من ظهورها في عهود سليم الثاني، ومراد الثالث، ومحمد الثالث، وكلُّهم كان يحكم دولةً «أوسع» من دولة القانوني؛ لكنَّهم لم يكونوا بدرجة تأثيره وقوَّته نفسها. لهذا يعتبر جلُّ المؤرخين أن عصر القانوني هو العصر الذهبي للدولة العثمانية، وفيه بلغت الدولة «قمَّة» مجدها، وأنا أتَّفق معهم في هذا الرأي، وأتَّفق معهم في أن الدولة العثمانية كانت في «أقوى» حالاتها مطلقًا في عهده، وإن كنت أرى أن العهد «الأفضل»، وليس «الأقوى»، للدولة العثمانية كان عهد السلطان محمد الفاتح رحمه الله، والسبب عندي هو وضوح النموذج الإسلامي بشكلٍ أكبر في فترة حكم الفاتح عنه في زمن القانوني، على الرغم من بروزه في عهد الأخير.


كان القانوني قِبْلةً لكلِّ المحتاجين. عرفوا قوَّته وعظمته، وعرفوا قبل ذلك نخوته وشهامته، فكان اللجوء إلى حمايته أمرًا متكرِّرًا في كلِّ مراحل حياته. لجأ إليه الهاربون من نير الاحتلال الأوروبي في الجزائر، وتونس، وليبيا، والمضطهدون من أهل السُّنَّة في العراق، وشرق الأناضول، والمحتاجون إلى الدعم في مواجهة طغاة البرتغال في الهند، وإندونيسيا؛ بل ولجأ إليه النصارى في فرنسا، وهولندا، عندما عانوا من ضغط الإسبان والنمساويِّين. كان السلطان سليمان في كلِّ هذه المواقف رجلًا؛ كما ينبغي أن يكون الرجال. كان فارسًا شهمًا نبيلًا لا يردُّ سائلًا. كان يختار أن يُسَيِّر جيشًا كبيرًا، بكلفةٍ عالية، ومخاطرةٍ عظيمة، على أن يردَّ محتاجًا دون إغاثة.


ظهر في مواقف القانوني المختلفة اعتزازه بالإسلام، وافتخاره بالانتماء إليه، وعدم تردُّده في إبراز إسلاميَّته ومرجعيَّته الدينيَّة. ظهر ذلك في حروبه ومعاهداته، وفي خطبه ورسائله، وفي قانونه ونظام إدارته، وظهر كذلك في توقيره لعلماء دولته، وفي اهتمامه بالمساجد، والأوقاف، وفي رعايته للمدن الشريفة؛ مكة، والمدينة، والقدس.


جاهد السلطان سليمان؛ كما ينبغي أن يكون الجهاد وأكثر. لم يكن سيتعرَّض للومٍ من المعاصرين أو اللاحقين لو مكث في إسطنبول وسَيَّر الجيوش بقيادة كبار العسكريِّين؛ وذلك لعِظَم حجم إمبراطوريَّته، وتعدُّد ميادين القتال فيها، وحاجة الدولة العملاقة إلى وجود زعيمها في العاصمة ليُدير أمورها المعقَّدة؛ كما ينبغي؛ لكنَّه -كجدِّه الفاتح- كان يعشق الجهاد، وكان يتحيَّن الفرص ليمتطي صهوة جواده ويسيح في الأرض؛ إلى النمسا مرَّة، وإلى المجر أخرى، وإلى إيران ثالثة، وإلى البغدان رابعة. هكذا كان يعتبر الجهاد «فرصةَ عملٍ صالح» أُتيحت له، فكان يغتنمها، حتى نجح في أن يكون في أرض الجهاد في آخر أيَّامه، ليختم حياته بهذا الشرف. بلغ مجموع ما قضاه من عمره في ساحات الجهاد أكثر من عشر سنوات[1]! انتهى بوفاة السلطان القانوني زمن خروج السلاطين العثمانيِّين على رأس جيوشهم. لم تحدث هذه الظاهرة بعد ذلك إلا قليلًا؛ ليظهر الفارق جليًّا بين القائد الذي يختلط بجنوده، ويُعاني معهم كما يُعانون، وبين القائد الذي يُصدر الأوامر من قصره، ولا علم له بما تموج به أرض المعارك.


كان القانوني رجلَ دولةٍ بمعنى الكلمة. لم يكن مجرَّد قائد عسكري، أو مقاتل قوي. لم تكن عظمته في انتصاراته وفتوحاته فقط؛ إنما كانت في تكامل إدارته، وفي شمول نظرته، وفي اتِّساع دوائر اهتمامه بشتَّى المجالات الحيوية في دولته. كان سياسيًّا بارعًا، ودبلوماسيًّا متفوِّقًا، وقانونيًّا متميِّزًا، وإداريًّا منظَّمًا. كان في الوقت الذي يُخْرِج فيه جيشًا إلى النمسا أو إيران يأمر ببناء مدرسةٍ للطب، أو جامعةٍ للعلوم الشرعيَّة والحياتيَّة، وكان يهتمُّ بالاقتصاد، والأسواق، والأراضي الزراعيَّة، كما يهتمُّ بالأسبلة، والتكايا، والأعمال الخيريَّة. ظهرت في زمانه الأبنية الفاخرة، والجسور العملاقة، والمنشآت الفخمة، والفنون الرائعة، وكان راعيًا للمعماريِّين والفنَّانين، فصارت دولته آيةً من آيات الجمال في زمانه، ولفتت مظاهرُ الإبداع فيها أنظارَ السيَّاح والزائرين. ما أروع ما وصفه به المؤرِّخ الفرنسي أندريه كلوت Clot André حين قال: «شجَّع سليمان القانوني كلَّ صور الإبداع في دولته؛ الفنانون، الشعراء، المفكرون، القضاة، المؤرخون، والعلماء. كلُّ هؤلاء كانوا مُرَحَّبًا بهم في بلاطه، وكان يُوفِّر لهم تمويلًا ماليًّا لا ينضب»[2]!


حرص القانوني على تثقيف نفسه، وتغذية عقله بالعلوم النافعة، وتزكية روحه بالآداب الرفيعة. كان مهتمًّا بعلوم الشريعة، والعلوم العسكريَّة، والتاريخ، واللغات. كان شاعرًا متقنًا، وأديبًا بارعًا. وصفه مبعوث جمهورية البندقية بارتولوميو كونتاريني Bartolomeo Contarini بقوله: «يبدو السلطان ودودًا لطيفًا. يستمتع بالقراءة، وهو واسع المعرفة، ويُظْهِر حكمةً بالغة»[3].


ليس معنى ما سبق أن القانوني كان بلا أخطاء؛ ولكن في الواقع كانت أخطاؤه قليلة، ويمكن أن يُجْمَع معظمها تحت عنوان «المبالغة في عقاب المخطئين»، وهي المبالغة التي كانت تصل إلى سفك الدم، وإزهاق الأرواح، وهذا أمرٌ كبيرٌ دون شك. ومع ذلك فينبغي أخذ بعض النقاط في الاعتبار يمكن أن تُخفِّف نسبيًّا من حجم هذه الأخطاء.


أوَّلًا: كان سليمان القانوني يُطبِّق هذه العقوبات القاسية على أحبِّ الناس إليه؛ وأبرزهم أولاده، وأحفاده. إنَّنا يمكن أن ندَّعي أن الرغبة في الملك والسلطان يمكن أن تدفع الأخ إلى قتل أخيه، أو تدفع الابن إلى قتل أبيه، وهذا رأيناه في حياة سليم الأول، وفي حياة كثيرٍ من الزعماء؛ لكن تبقى عاطفة «الأبوة» خارجةً عن هذه الاحتمالات. لا أعتقد أبدًا أن الأب يمكن له أن يقتل ابنه أو حفيده لأنه يُحبُّ السلطان أكثر من حبِّه لهما. لا يفعل ذلك الأب إلا إذا كان فاقدًا لعقله، ولم يكن سليمان كذلك. فهذا يُؤكِّد على أنه فعل ذلك -في ظنِّه- للمصلحة الأعلى، وهي حفظ الدولة من التفكُّك.


ثانيًا: يؤخذ في الاعتبار التاريخ القريب الذي عاصره القانوني في شبابه، ورأى فيه قتال أبيه سليم الأول مع إخوته؛ ومع والده، وقتال عمِّه أحمد لوالده كذلك، ومناداة عمِّه أحمد بتقسيم الدولة إلى نصفين؛ نصف معه، ونصف مع سليم، فهذه تجربةٌ حيَّةٌ واقعيَّةٌ لِمَا يمكن أن يحدث عند الشقاق.


ثالثًا: يؤخذ في الاعتبار كذلك كثرة أعداء الدولة في الخارج والداخل، وكلهم يكيدون لها، وحرفتهم المؤامرات، وخاصَّةً شيعة إيران؛ فمن الممكن لهؤلاء تغيير الحقائق، وتدليس الأمور، كما يمكن لهم استمالة الأنصار القريبين جدًّا من السلطان؛ كصديقٍ، أو وزيرٍ، أو ابن، وهنا تتعقَّد الأمور كثيرًا، وتصبح القرارات الحكيمة عسيرة، والفتن المـُضِلَّة كثيرة.


رابعًا: لا بُدَّ من تقييم الأخطاء في ضوء الزمن الذي حدثت فيه، فنقص المعلومات، وصعوبة الاتصالات، وبُعد المسافات، كلُّها عوامل تقود إلى اضطراب الحكم.


خامسًا: يؤخذ في الاعتبار -أيضًا- أن القانوني هنا -وأيَّ حاكمٍ بشكلٍ عام- لا يتعامل مع أناسٍ عاديِّين من عامَّة الشعب؛ إنما يتعامل مع عسكريِّين أشدَّاء، وسياسيِّين دهاة، وأحزابٍ قويَّة، وفِرَقٍ مدرَّبةٍ محترفة، ولو تهاون في التعامل مع مسألةٍ ذبحوه ذبحًا بلا رحمة، وما أسهل حدوث تمرُّدٍ أو انقلابٍ إذا اشتمَّ هؤلاء ضعفًا في الحاكم، أو تردُّدًا في قراراته، ولعل القانوني حين أمر بقتل ولده كان يرى فريقًا من المتمرِّدين ينتظر، فرأى أن قتل الابن سيحسم مادَّة التمرُّد، وسيقول المتمرِّدون: إذا كان هذا الجبَّار قد أقبل على قتل ابنه فماذا هو فاعلٌ معنا!


سادسًا وأخيرًا: لا بُدَّ من فهم مبدأ «السلطة المطلقة» الذي كان فاشيًّا بلا حرج في الدنيا كلِّها؛ فالدكتاتورية في هذا الزمن ليست عيبًا قط، وهذا يجعل قرار السلطان نهائيًّا دون مراجعة، وبالتالي لا وجود لفرصةِ تعديلٍ أو تصويب.
ليس كلُّ ما سبق يعذر القانوني في أخطائه؛ ولكنَّه على الأقل يُفسِّر لنا هذه الأعمال التي يحسبها بعضهم ازدواجيَّةً في المعايير، أو جمعًا بين المتناقضات؛ ولكنَّها في الواقع أمورٌ شبه متوقَّعة إذا نظرنا إليها بهذه الخلفيَّات التي ذكرناها.


كما ينبغي النظر إلى هذه الأخطاء في ضوء الأعمال المجيدة التي قام بها، وليس هناك بشرٌ بلا أخطاء، وحسبه أنه ظلَّ على العهد مجاهدًا في سبيل الله إلى آخر لحظةٍ من لحظات حياته، وما أحسب أن أحدًا كان يتوقَّع لشيخٍ كبيرٍ مريضٍ قعيدٍ الموتَ في أرض الجهاد بعيدًا عن بيته بأكثر من ألف كيلو متر، إلا إذا كان سليمان القانوني، أو أشباهه! إنها نهاياتٌ خاصَّةٌ تكشف لنا طبيعة الرجل، وليست هناك في هذه الأمور مصادفات؛ إنما تجري الأمور بالمقادير. قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ»[4].


الحقُّ أن مديح المؤرخين، والعلماء، والساسة، والخبراء، له لم يأتِ من فراغ، وليس إطلاق لقب «العظيم» عليه عشوائيًّا، ولماذا يكيل له مؤرِّخو أعدائه المديح إلا إذا كان عظيمًا؟ ولماذا يُسْهِب العلماء المسلمون في مدحه، حتى بعد موته بعشرات ومئات السنين، إلا إذا كان محسنًا؟ إنها الحقيقة التي لا يغفل عنها إلا جاحد.


يقول المؤرِّخ الأميركي ول ديورانت: «ولم يكن مهيبًا أو عظيمًا في مظهره؛ ولكن في حجم تجهيزات جيوشه، وفي مدى اتِّساع حملاته، وفي زينة عاصمته، وفي تشييد المساجد والقصور، والقناطر المائيَّة المشهورة، عظيمًا في روعة كلِّ ما يحيط به، وفي حاشيته، ثم عظيمًا بطبيعة الحال في قوَّة حكمه، وفي كلِّ ما وصل إليه أو حقَّقه»[5].


ويقول المؤرِّخ الفرنسي أندريه كلوت Clot André: «عند موت سليمان القانوني كانت الدولة العثمانية واحدةً من القوى العظمى في العالم»[6]. ويصف السفير النمساوي أوچير غيسلين دي بوسبيك، والمعاصر لسليمان القانوني، الدولة العثمانية في عهده بقوله: «إن موارد الدولة عظيمة، وهي قوَّةٌ بلا عوائق، اعتادت على النصر، وتحمُّل المشاق، وتتَّصف بالوحدة، والانضباط، وقوَّة الاقتصاد، واليقظة»[7].


ويقول المؤلف الإنجليزي الأميركي چون راسل John Russell: «كان سليمان القانوني مشهورًا بشكلٍ متساوٍ كمُشَرِّعٍ، وفاتحٍ، وراعٍ للفنون. تدرَّب القانوني على صياغة المجوهرات، وكتب الكثير من الأشعار العظيمة الحزينة. كان رمزًا مركزيًّا لواحدٍ من أروع بلاطات الحكم التي رآها العالم. إن تصويره حيًّا في عملٍ فنيٍّ سيثُقل كاهل حتى شكسبير Shakespeare في المسرح، وڤيردي Verdi في الأوبرا»[8]!


ويقول المؤرخ الإنجليزي اللورد كينروس Lord Kinross: «لقد كانت صفة العظيم هي الغالبة على صفات السلطان بالنسبة إلى الغرب الأوروبي، ولكن بالنسبة إلى رعاياه فقد عُرِف بالقانوني أو المشرِّع، تمييزًا له عن والده، وبالإضافة إلى كفاءته العسكرية، وكونه من أرباب السيف؛ أنَّه من أرباب القلم أيضًا.


لقد كان مُشَرِّعًا عظيمًا، وتميَّز بالاستنارة، وسعة الأفق، ونصرة العدالة، وقد ظهرت جميع هذه الفضائل في تصرُّفاته الشخصيَّة، وفي أثناء الحملات العسكرية، كما كان مسلمًا مخلصًا للعقيدة، وثَبَتَ ذلك على مرِّ السنين؛ حين ارتفع بمكانة المؤسَّسات الإسلاميَّة إلى درجةٍ عالية، وبهذه الروح تأكَّدت حكمته، ودفاعه عن القوانين»[9]!


ويقول ابن عماد الحنبلي: «كان مؤيَّدًا في حروبه ومغازيه، مسدَّدًا في آرائه ومعازيه، مسعودًا في معانيه ومغانيه، مشهودًا في مواقعه ومراميه، أيَّان سَلَكَ مَلَكَ، وأنَّى توجَّه فَتَحَ وفَتَك، وأين سافر سَفَرَ[10] وسَفَك، وصلت سراياه إلى أقصى الشرق والغرب، وافتتح البلدان الشاسعة بالقهر والحرب، وأخذ الكفَّار والملاحدة بقوَّة الطِّعَان والضَّرْب، وكان مجدِّدَ دينِ هذه الأمَّة المحمَّديَّة في القرن العاشر»[11].


وجميلٌ أن نختم (مقالنا) الذي تناول حياة هذا السلطان الشهير بذكر أنه كان شاعرًا مرهفًا، وكان يكتب شعره تحت اسم «محبي»، وله نزعةٌ صوفيَّةٌ دينيَّةٌ واضحة، ومن أفضل ما كتبه كانت هذه الأبيات التي صاغها بالتركية، وكانت هذه ترجمتها:
ليس على وجه الأرض إلا طالبٌ للثراء والهناء
ولا هناء إلا في برهةٍ من عافية
مهما كثرت أعوامك وامتدَّ بك عمرك
فلن يبلغ ساعةً من عُمْرِ هذا الفلك الدوَّار
وإذا شئت الحياة من رَغَدٍ ودَعَةٍ
فاقطع الرغبة عن دنياك
ولن تجد السلام كما تجده في ركن عزلتك[12]!


هذا هو سليمان القانوني، الذي كان خاتمة السلاطين العثمانيِّين المؤثِّرين في العالم، وبموته تنتهي حقبة تُمثِّل أزهى عصور الدولة العثمانية[13].


[1] Shaw, Stanford Jay: History of the Ottoman Empire and Modern Turkey: Empire of the Gazis: The Rise and Decline of the Ottoman Empire, 1280–1808, Volume I, Cambridge University Press, New York, USA, 1976., vol. 1, p. 87.
[2] Clot, 1992, p. 269.
[3] Fisher, 1993, p. 2.
[4] الترمذي: كتاب القدر، باب إن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار (2142)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (12235) واللفظ له، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وصحَّحه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (1334).
[5] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م.صفحة 26/124.
[6] Clot, André: Suleiman the Magnificent: The Man, His Life, His Epoch, Editor: Jana Gough, Translated: Matthew J. Reisz, Saqi Books, London, 1992., p. 298.
[7] Lewis, Bernard: What Went Wrong? Western Impact and Middle Eastern Response, Oxford University Press, New York, USA, 2002., p. 10.
[8] Russell, John: The Age of Sultan Suleyman, The New York Times, The New York Times Company, New York, USA, 1987., p. 29
[9] كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م.صفحة 228.
[10] أي استأْصل.
[11] ابن العماد الحنبلي، عبد الحي بن أحمد بن محمد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق–بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ=1986م. صفحة 10/550.
[12] حرب، محمد: العثمانيون في التاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1999م.271، 272.
[13] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 517- 525.