15 تشرين أول 2005

الموظف الفلسطيني ضائع بين سطور "قسيمة الراتب".. وسنوات الخدمة!!
بقلم : آصف قزموز *

قالوا إن بطولة دولية في مصارعة القطط قد جرى تنظيمها في بلاد العم سام، على مقربة من تمثال الحرية هناك. وذلك نظراً لانشغال الإنسان في خوض الحروب وتوزيع الديمقراطية على الشعوب، ونشر الحرية والأمان وضبط حالات الفوضى والفلتان. وقد تجمعت أبطال القطط الضعاف والسمان من كل حدب وصوب، للمشاركة في هذه البطولة العالمية النادرة بواقع قط واحد من كل دولة. وما أن انتهت التصفيات بين جميع المنتخبات المشاركة، حتى أعلن الحكام أن لعبة البطولة النهائية سوف تجمع بين القط الأميركي كبير القطط السمان الحاكم بأمر الله والقط الأثيوبي الحائز على جائزة نوبل في الفقر والمجاعة على مدار الساعة.

وفي اليوم الموعود للمبارزة تقدم القط الأميركي وسط تصفيق الجمهور وهتافاته بشعره الطويل المميز، وقامته الفارعة، وعضلاته المفتولة إلى الحلبة وهو يختال مزهواً بجماله وقوته، معبراً في كل حركة من حركاته عن الثقة الكاملة بالنصر. وما هي إلا لحظات حتى صعد القط الأثيوبي إلى الحلبة محمولاً من قبل المدربين لعدم قدرته على صعود الحلبة بسبب هزاله وضعفه الشديدين.

وما أن أعلن الحكم بدء المبارزة، حتى تقدم القط الأثيوبي وسط الحلبة وهو خائر القوى تماماً وهوى بضربة واحدة على القط الأميركي فأرداه صريعاً على الفور بالضربة القاضية، محققاً بذلك فوزه الحاسم على خصمه، وانتهاء البطولة لصالحه، وتعالت الصيحات والاحتجاجات على المدرجات، وضج الجمهور الذي لا يكاد يصدق عينيه بهذه النتيجة المفاجئة التي لم تكن بحسبان أحد. وتجمعت وسائل الإعلام، وصعد الصحافيون إلى الحلبة ليتحلقوا حول هذا البطل الأسطورة الذي أذهل الجميع، سائلينه عن سر هذه القوة الخارقة لقط يكاد يقتله الجوع والهزال. فكانت اجابته على تساؤلهم أيضاً مفاجئة وغير متوقعة، تماماً مثلما كانت نتيجة المباراة. قائلاً: آخ آخ.. لو كنتم تعرفوني أيام ما كنت أسداً. لكن شو بدي أعمل بهذا الزمان الغادر والظلم السافر. فمن شدة ضعفي وجوعي وهزالي اختلط عليكم الأمر وعلى أهلي وشعبي وعشيرتي أيضاً، فتعامل الجميع معي على أنني قط، بعد أن اختفت معالم ومظاهر الأسودية فيّ. لكن، ومهما خارت قواي ونحل جسمي وضاقت بي السبل في هذا العالم الرحب الممتنع. فسأبقى أسعى من أجل بلادي ورفعة شعبي وأتمتع بما تبقى لي من قوة الأسد في زمن القطط السمان والكلاب الضالة الذي تبددت فيه المعايير، وضاعت فيه القيم وتبهدلت الأسود في عرينها.

إن ما يستحضر فينا هذه القصة وينبش فينا ملفات الحاضر والماضي وبصيص المستقبل، هو ما جرى لبعض موظفي الدولة في بلادنا. حيث ان الكثيرين ممن أفنوا حياتهم في الخدمة في مؤسسات المنظمة وفصائلها عبر كل المراحل النضالية، فوجئوا هذا الشهر باختفاء سنوات خدمتهم السابقة واعتبارها لغايات الراتب واقتصر الأمر بحدود ما سموه سنوات الخدمة الفعلية في السلطة وكأن تلك السنوات من عمرهم الوظيفي لم تكن حقيقية. أحد كبار الموظفين في السلطة أمضى حياته متفرغاً منذ النكبة والنكسة والانطلاقة وحتى يومنا هذا، فوجئ بأن سنوات الخدمة الفعلية له تسع سنوات فقط، مما جعل راتبه التقاعدي في الحضيض ولا يتجاوز الألفي شيكل. وهذه المسألة طبعاً شملت أعداداً كبيرة من الموظفين، ما شغل بال موظفي السلطة وأسرهم في البحث عن حلول وتفسيرات لما حدث طوال أيام هذا الشهر الفضيل الذي كان من المفترض أن يأتي على الجميع بالخير والبركة، فتبدد الخير وظلت البركات، ما بين من تسلموا رواتبهم بسلام آمنين ومطمئنين وبين من دمدم عليهم حظهم بخسف رواتبهم، ليتبعثروا أشلاء ما بين الأفواه الجائعة من فلذات أكبادهم وأسرهم، ومطرقة الغلاء الفاحش، وسندان القروض والدائنين، وهات حيِّكها. لا سيما وان السواد الأعظم من موظفي السلطة ملتزمون بقروض للبنوك، وأقساط جامعات ومصاريف ثابتة وأخرى متغيرة لا يستهان بها. وإذا كان انقطاع التيار الكهربائي لبضع دقائق في البلدان المتحضرة والمحترمة تقاس خسائرها بالملايين والمليارات، فإن في عدم استقرار رواتب الموظفين وتخبطها خسائر وأضرار مادية ومعنوية لا يعلمها الا الله والموظف الرازح تحت نير غول الفقر وجشع السوق.

نحن اليوم بحاجة وأكثر من أي وقت مضى للوصول الى توافق اجتماعي حاسم على القوانين والنظم التي ستحكم حياتنا والتي ما زالت تعصف بها الاجتهادات والرغبات الضيقة التي جعلت من قسيمة راتب الموظف أحجية محيرة ولغزاً مستعصياً على الموظفين بكافة فئاتهم وشرائحهم.

فإلى متى سيبقى الموظف ضائعاً بين سطور قسيمة الراتب؟! وهل نتفاءل بنفاذ قرار مجلس الوزراء الأخير بشأن حماية سنوات الخدمة السابقة لموظفي السلطة؟! أم سيذهب أدراج الرياح ويلقى نفس المصير الذي لقيه قرار اللجنة التنفيذية الذي وقعه الرئيس بنفسه؟! سؤال تجيب عليه الأيام المقبلة. تفاءلوا بالخير تجدوه.

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله.


asefsaeed@yahoo.com