هدوء جبهات القتال وإصلاحات داخلية (1555-1565م)

كان عام 1555م عامًا هادئًا في حياة الدولة العثمانية؛ بل كان بداية حقبةٍ هادئةٍ نسبيًّا بعد الصخب الشديد في العقود السابقة، فإن الحروب الكبيرة لم تتوقَّف في الدولة منذ تولى السلطان سليم الأول الحكم عام 1512م، ومرورًا بمعظم حياة ابنه سليمان القانوني، وإلى هذه اللحظة؛ أي أكثر من أربعين سنة! في هذا العام عقد السلطان سليمان صلحًا مع الدولة الصفوية، وهو ما عُرِف بسلام أماسيا، وفي هذا العام -أيضًا- جدَّد السلطان الهدنة مع النمسا بشكلٍ غير رسمي، وكانت قد انتهت في عام 1554م[1]، وبذلك سكنت الجبهتان الرئيستان للدولة العثمانية، وهذا أدَّى إلى حالةٍ من الهدوء الكبير خلال عشر سنواتٍ كاملة؛ أي إلى عام 1565م.


ساعد على استمرار هذا الهدوء انفصال إسبانيا عن النمسا في عام 1556م؛ حيث صارت إسبانيا تحت حكم فيليب الثاني Philip II of Spain ابن الإمبراطور شارل الخامس، وظلَّت النمسا تحت حكم الدوق فرديناند أخي الإمبراطور[2]، وبذلك فقدت الدولتان التناسق الذي كان يتم بينهما عند الصدام مع العثمانيين، وهذا بالطبع أدَّى إلى هدوءٍ أكبر في هذه الجبهة. لم يُعكِّر صفو عام 1555م إلا حادثةٌ واحدةٌ غامضة، وهي إعدام الصدر الأعظم قرة باشا أحمد، وهو زوج أخت السلطان سليمان القانوني، في 29 سبتمبر[3]. كان إعدام كبار رجال الدولة أمرًا مألوفًا من أيام سليم الأول! نعم قلَّت الوتيرة في عهد سليمان القانوني؛ لكنها لم تنقطع!


شهدت الأعوام العشرة التالية هدوءًا واضحًا في الساحتين الداخليَّة والخارجيَّة، ولم يتخلَّل ذلك أحداثٌ صاخبةٌ كبرى اللهم إلا مرَّتين؛ الأولى هي قيام معركةٍ بحريَّةٍ كبرى عند جزيرة چربة التونسية عام 1560م، بين الأسطولين العثماني والإسباني، والثانية هي حادثة إعدام بايزيد ابن السلطان سليمان عام 1561م، وهي بخلاف حادثة إعدام ابنه مصطفى عام 1553م، استغلَّ السلطان سليمان هذه السنوات العشر من حياة الدولة في الإصلاحات الداخلية، وفي القيام ببعض الأمور الإدارية التي كفلت للدولة الاستمرار قويَّةً لعدَّة عقودٍ قادمة، على الرغم من نقص كفاءة السلاطين الذين جاءوا من بعده. إننا يمكن أن نُناقش بإيجاز هذه الحقبة من حياة القانوني تحت العناوين الثلاثة الآتية:


الإصلاحات الداخلية، والتراتيب الإدارية:

من أبرز سمات فترة حكم السلطان القانوني أنه كان -كجدِّه الأعظم محمد الفاتح- مدرِكًا لمفهوم شموليَّة الدولة؛ فالدولة ليست جيشًا وانتصارات عسكريَّة وفتوحات فقط، إنما هي اقتصاد، وعلوم، وفنون، وعمران، وقانون، وغير ذلك من أمور الحياة، ولقد كانت إسهامات السلطان القانوني في هذه المجالات لا تقلُّ روعةً عن إسهاماته في مجال الحرب والسياسة، وسوف ألقي الضوء بإيجازٍ على بعض هذه الإنجازات، علمًا بأنها شملت عصره كلَّه، والممتد على مدار ستَّة وأربعين عامًا، وإن كانت وتيرة هذه الإنجازات زادت في هذه الحقبة الأخيرة من عمره، حين هدأت الجبهات العسكرية الساخنة التي شغلته في فترة حكمه الأولى، وسوف نُناقش في هذه النقطة بإيجاز بعض الإنجازات؛ وذلك تحت أربعة عناوين؛ هي القانون، والتعليم، والعمران، والاقتصاد.


القانون: أهم ما يُميِّز هذا السلطان عن غيره من السلاطين مسألة اهتمامه بالقوانين والتشريعات، وهذا هو السبب الذي من أجله عُرِفَ «بالقانوني» تحديدًا، مع أنه كان بارزًا في مجالاتٍ أخرى كثيرة. لم يكن السلطان سليمان هو أول من وضع القانون في الدولة العثمانية؛ بل سبقه إلى ذلك سلاطين وأمراء كثيرون، وأهمهم بلا شَكٍّ هو السلطان الجليل محمد الفاتح، الذي وضع الدستور الأشمل للدولة العثمانية عام 1477م، والمعروف بقانون نامة؛ ولكن ما يُميِّز القانون الذي وضعه السلطان سليمان هو أنه صار قانونًا لإمبراطوريَّةٍ كبرى يشمل كلَّ نواحي الحياة، وفيه من التفصيلات والتفريعات ما لم يكن موجودًا في قوانين الدنيا آنذاك، ولهذا فإن الكونجرس الأميركي عندما أراد أن يُزيِّن أبواب مقرِّه الرئيس في واشنطن (The United States Capitol) بالرموز العالمية التي كان لها دورٌ في صياغة القوانين، اختار ثلاثة وعشرين شخصيَّةً عالميَّةً من كلِّ أرجاء الدنيا، وكان من بينها السلطان سليمان القانوني، وقد نحت صورته البارزة الفنان الأميركي الشهير چوزيف كيسيليوسكي Joseph Kiselewski[4]، وكتبوا إلى جوار الصورة: «أصلح وحسَّن القوانين المدنيَّة والعسكريَّة، ووحَّد مقاطعات غير مستقرَّة في إمبراطوريَّة»[5]!


تميَّز قانون السلطان سليمان أساسًا بأنه مستمدٌّ من الشريعة الإسلاميَّة، ولا يتعارض معها في أيِّ بندٍ من بنودها[6][7]، وقد صاغه بالاشتراك مع شيخ الإسلام أبي السعود أفندي، وابن كمال باشا زاده[8]، وكان الجميع يعلم حرص السلطان على اتِّباع الشرع الحنيف؛ بل كان الغربيُّون أنفسهم يُدركون ذلك، ويفهمون أن السلطان لا يتبع هواه أبدًا في بندٍ من بنود قانونه، ولقد شهد بذلك السفير النمساوي أوچير غيسلين دي بوسبيك Ogier Ghiselin de Busbecq، والمعاصر لسليمان القانوني، فقال: «كان سليمان العظيم يحمي بشكلٍ صارمٍ دينَه وتقاليدَه، وليست رغبته في التمسُّك بإيمانه بأقلَّ من رغبته في توسيع مُلْكِه»[9]! إن هذا أمرٌ عظيمٌ حقًّا، فهو من بابٍ يوضِّح مدى حبِّ السلطان لدينه، وفهمه أن النجاة في الدنيا والآخرة باتِّباعه، وهو من بابٍ آخر يُمثِّل دعوةً عظيمةً للإسلام نفسه؛ لأن كلَّ الملاحظين لعظمة الدولة في عهد سليمان القانوني سيربطون ذلك بالإسلام الذي اتَّبعه لا بشخصه هو فقط، وهذه من أبلغ طرق الدعوة إلى الله عز وجل.


كان القانون يهتمُّ بمسألة العدل والتخفيف على الرعيَّة، وكان لا يعطي لأيِّ والٍ الحق َّفي فرض ضرائب تفوق ما تقرَّر رسميًّا، وكان يمنع الولاة من فرض السخرة على الشعب، ويمنعهم من فرض غراماتٍ لم ينص عليها القانون، كما كان القانون يفتح المجال لكلِّ الرعيَّة بشكوى الولاة أو القضاة إذا وقع عليهم ظلم[10]، بل كان العامَّة يَصِلُون إلى مجلس السلطان نفسه لتبليغ شكوى من والٍ أو قاضٍ، وأحيانًا كانوا يُبلغونه شكواهم وهو في طريقه إلى المسجد[11]، وكان السلطان والقضاة يلتزمون في أمور الحدود بما جاء في التشريع الإسلامي، وكان القانون ينصُّ في الوقت ذاته على عقوباتٍ معيَّنةٍ محدَّدةٍ في الأمور التي تركها التشريع لتقدير ولاة الأمر[12].


شمل القانون أمورًا تفصيليَّةً عجيبة تُوضِّح مدى اهتمام الدولة بالعدل، ونشر الرخاء في ربوع الإمبراطورية، فحدَّد على سبيل المثال نسب الزبدة التي يضعها صنَّاع الحلويات في مأكولاتهم، وحدَّد دور الدولة في مراقبة أسعار الطعام وغيره من السلع، كما ناقش القانون مسائل كثيرة تتعلَّق بالبيئة، في زمنٍ لم يكن أحدٌ يُفكِّر في هذه المسائل مطلقًا، فألزم القانونُ الشعبَ بالمحافظة على نظافة المناطق المحيطة بالمساكن وبالدكاكين، وألزمهم بنظافة المحلات العامَّة كالحمَّامات والخانات، وألزم البقَّالين وأصحاب المهن الأخرى بنقل الفضلات والمياه غير النظيفة إلى خارج المدينة، وألزم التجار بعدم ترك العربات التي تجرُّها الحيوانات أمام البيوت والمحال لكي لا تتلوَّث الشوارع بروث الحيوانات، ومنع القانون الجزارين من غسل ملابسهم المتَّسخة بالدَّم في الشوارع[13]!


ومن المهمِّ أيضًا، ونحن بصدد الحديث عن القانون أن نُشير إلى أمرين مهمين؛ الأول هو سرعة تنفيذ الأحكام، وعدم تعطيلها في أروقة المحاكم[14]، والثاني هو أن القانون يُطَبَّق بكلِّ أمانةٍ على الجميع دون تفرقةٍ على أساس دينٍ أو عرق[15]. يقول المؤرخ الإنجليزي اللورد كينروس Lord Kinross: «زَوَّد السلطان سليمان الحكام المحليِّين في جميع أنحاء البلاد بتعليماتٍ واضحةٍ بعدم التفرقة في المعاملة بين المسلمين وغير المسلمين»[16]، ويقول المؤرخان النرويجيان رولف ستراندسكوچين Rolf Strandskogen وآسي بيريت Ase Berit: «عدَّل سليمان الأول من قوانين الضرائب ليرفع من وضع النصارى، وليزيد التسامح تجاههم، وبسبب عدله في تطبيق القانون أصبح سليمان معروفًا بالقانوني»[17].


لقد نقل اللورد كينروس شهادةً عجيبةً لكاتب أوروبي معاصر للقانوني قال فيها: «لقد شاهدتُ جماعات من المزارعين المجريِّين يُشعلون النيران في بيوتهم، ويهربون مع زوجاتهم، وأبنائهم، ومواشيهم، وآلاتهم الزراعية، إلى المناطق التركية، حينما علموا أنهم لن يتعرَّضوا لأيِّ ضغوط، أو لدفع أيِّ ضرائب، وأن ما يُؤدُّونه فقط هو العشور»، ويُضيف اللورد كينروس قائلًا: «وقد انتشر الشيء نفسه بين سكان المورة الذين فضَّلوا الحكم العثماني على حكم البنادقة»[18]!


وكان القانون مهتمًّا كذلك بالأمور الإداريَّة، فوضع الأحكام التي تكفل حركة الدولة في سلاسة، ودون تعقيدات، وصيغت هذه الأحكام بصورةٍ تُناسب المرحلة التاريخية، وكان فيها من المرونة ما سمح لها أن تظلَّ فاعلةً لثلاثة قرونٍ تالية[19]! ومنها أحكامٌ خاصَّةٌ بالجيش، مثل السماح للإنكشارية بخوض الحروب دون خروج السلطان، ولم يكن هذا مسموحًا لهم قبل هذا القانون، ومثل تقسيم جيش الإنكشارية إلى ثلاثة أقسام تبعًا لسني خدمتهم[20]، ومنها أحكامٌ خاصَّةٌ برجال الدين وترتيب وظائفهم العلمية، و-أيضًا- ترتيب الديوان، وتحديد صلاحيات الصدر الأعظم والوزراء، وهياكلهم الوظيفية[21]، وهكذا، ويجدر الإشارة أن مبدأ المساواة بين الرعيَّة كان مُتَّبعًا بدقَّةٍ في زمان السلطان سليمان القانوني[22]؛ كما أبدع القانوني في مسألة «التفويض»، فكان يختار موظفيه بعنايةٍ شديدة، ثم يُعطيهم ثقته المطلقة كممثِّلين للسلطة[23]، ممَّا أدَّى إلى سلاسةٍ كبيرةٍ في العمل الإداري، وهذا يُؤكِّد أن السلطان كان سابقًا لعصره تمامًا، وهذا ما جعله يحوز، دون غيره من حكَّام العالم، على لقب «القانوني». يشهد المفكِّر الروسي ليونيد جرينين Leonid Grinin على تفوُّق الجوانب الإدارية في عهد سليمان القانوني بقوله: «كان مستوى التنظيم الإداري في عهد سليمان العظيم عاليًّا جدًّا بالمقارنة بالأنظمة المعاصِرة له»[24].


ومن أبرز سمات القانون في عهد السلطان سليمان الشمول الدقيق للجوانب الاقتصادية، والاهتمام بالتفاصيل، خاصَّةً في الأمور التي لم تكن مطروحةً في العهود السابقة. شمل ذلك قوانين حيازة الأراضي والملكيَّات، والأوقاف بأنواعها، وإدخال أوقاف الأموال السائلة وليست الأوقاف العينيَّة فقط، وتحديد المعاملات الربويَّة من غيرها، وتحديد صور وطرق مصادرة الأملاك للمخالفين[25].


ومن أروع ما يُعْرَف عن فترة سليمان القانوني هو غياب الوساطة، وعدم تدخُّل النسب أو العلاقات الخاصة في تطبيق القانون، أو في حيازة المناصب؛ ممَّا يعني ندرة الفساد، وارتفاع معدلات الشفافية، ونستفيد هنا مرَّةً ثانية بشهادة السفير النمساوي أوچير غيسلين دي بوسبيك المعاصر لسليمان القانوني؛ حيث قال في دقَّةٍ عجيبة: «لا يوجد رجلٌ يشغل منصبه في هذا المجتمع إلا بحكم فضائله الشخصيَّة وشجاعته، وليس هناك تفرقةٌ أو تمييزٌ بين شخصٍ وآخر بحكم المولد، وإنما التمييز يتوقَّف على طبيعة العمل والأعمال الرسميَّة المكلَّف بها هؤلاء الأشخاص. لا يوجد صراعٌ على المناصب لأن كلَّ شخصٍ يشغل وظيفةً محدَّدة، والسلطان شخصيًّا يُحدِّد واجبات الجميع وأعمالهم الرسميَّة، ولا يُلْتَفَت في ذلك إلى ثراء الشخص، أو أيِّ ادعاءاتٍ زائفة، أو القوَّة، أو النفوذ؛ إنما يهتمُّ فقط بالأهليَّة، والكفاءة، وقوَّة الشخصيَّة، والاستعداد الشخصي. وهكذا يُثاب كلُّ شخصٍ وَفق فضائله. وامتلأت الوظائف بالرجال الأكفاء القادرين على الاضطلاع بأعبائها»[26]!


التعليم: بلغ التعليم في زمن سليمان القانوني شأنًا عظيمًا، وزاد السلطان من عدد المدارس في دولته، وحرص على مجَّانيَّة التعليم للأطفال، وتنوَّعت العلوم التي يدرسها الطلاب في المدارس، فشملت قواعد اللغة، والفلك، والفيزياء، والفلسفة، والعلوم الرياضيَّة، فضلًا عن العلوم الشرعيَّة[27]. لم يقتصر القانوني في حرصه على رقيِّ التعليم بالمراحل الأولى منه؛ بل أنشأ مدارس متخصِّصة، ففتح على سبيل المثال مدرسةً للطب في عام 1557[28]، وتوَّج جهوده بالعمل الجليل الكبير، وهو إنشاء كليَّة السليمانية في السنة نفسها، أي في عام 1557م[29]، وهي كليَّةٌ ضخمة اشترك في بنائها أكثر من ثلاثة آلاف عامل[30]، وشملت خمسة عشر قسمًا من أقسام العلوم المختلفة، وشملت كذلك مسجدًّا كبيرًا، ودار ضيافة، ومدرسة حديث[31]. كما شملت -أيضًا- مستشفًى للأمراض العقليَّة[32].


العمران: شهدت الدولة العثمانية نهضةً عمرانيَّةً كبرى في عهد السلطان سليمان القانوني، وساعد على نموِّ هذه النهضة وروعتها ظهور عددٍ كبيرٍ من المعماريِّين المتميِّزين الذين جمعوا بين كفاءة العلوم الهندسيَّة وجمال الفن، فظهرت لهم أعمالٌ في غاية الروعة، وعلى رأس هؤلاء المهندسين المعماري سنان Mimar Sinan، وهو أشهر مهندسي الدولة العثمانية في كلِّ تاريخها، وله إنجازاتٌ باهرة، يأتي في مقدِّمتها تحفته العظيمة مسجد السليمانية، الذي ما زال يشهد على عظمة هذه الحقبة، والذي بُني في عام 1557م[33]. وعلى غرار هذا المسجد أنشئت مساجد أخرى كثيرة في الدولة.


كما انتشر بناء الجسور المهمَّة على الأنهار المتعدِّدة في كافَّة أرجاء الدولة، ومن أهمِّها عدَّة جسورٍ أنشئت في سراييڤو بالبوسنة؛ منها الجسر الروماني Roman bridge، وأُنشئ بين 1530 و1550م[34]، وجسر الأغنام Goat's bridge الذي أُنْشئ في عام 1550م[35]، والجسر اللاتيني Latin bridge، وهو تحفةٌ فنِّيَّةٌ ما زالت باقيةً إلى زماننا، وافتتح عام 1565م[36]. -أيضًا- شُيِّد في مدينة موستار Mostar البوسنيَّة جسران مهمان؛ الأول هو جسر ستاري موست Stari Most أو الجسر القديم، تحت إشراف المعماري خير الدين، وهو من تلامذة المعماري سنان، وهذا الجسر يُعتبر الآن من أهم معالم مدينة موستار، وقد وُضِع أساسه في عام 1557م، والثاني هو الجسر المقوَّس Criva Cuprija عام 1562م تحت إشراف المعماري شيڤان كيتودا Ćejvan Ketoda[37][38].


أيضًا بُني عددٌ كبيرٌ من التكايا التي تستضيف آلاف الفقراء وعابري السبيل للطعام والمأوى، ومنها تكية أراباتي بابا Arabati Baba في مدينة تيتوڤو Tetovo مقدونيا[39]، والتكية السليمانية بدمشق، ولها قبابٌ في غاية الجمال والروعة الهندسيَّة[40]، وتكيَّة خاصكي سلطان بالقدس، وكانت تُقدِّم الطعام لألف شخصٍ يوميًّا[41].


أيضًا بُني عددٌ كبيرٌ من الخانات (الفنادق) في الدولة، والتي تواكب حركة التجارة النشطة التي شهدتها البلاد؛ ومن أشهرها الخانات التي بُنيت في سوريا؛ كخان الشونة في حلب، وأُسِّس عام 1546م[42]، وخان الخياطين (الجوخية) في دمشق، وأُسِّس عام 1556م[43]، وخان أفاميا في مدينة حماة، وهذا الأخير بُنِيَ لاستراحة الحجاج، حيث يقع على الطريق من إسطنبول إلى دمشق[44]!


كذلك أُسِّست في عهد سليمان القانوني عدَّة مشاريع كبرى خاصَّة بإمداد المياه إلى المدن وطرق السفر، فصُمِّمت الصهاريج الضخمة، والأسبلة الكثيرة. كان من أكبر هذه المشاريع مشروع تجديد وإصلاح «بِرَك سليمان» Solomon's Pools الثلاثة، ويرجع اسمها للنبيِّ سليمان عليه السلام، مع أنها أُنشئت في القرن الثاني قبل الميلاد، بعد زمن النبي سليمان عليه السلام بكثير[45]. كانت هذه البِرَك تمدُّ مدينتي القدس وبيت لحم بالمياه لقرون، ولكنها وصلت إلى حالةٍ سيِّئةٍ للغاية ممَّا عرَّض القدس لخطر نقص المياه.


أمر السلطان سليمان القانوني بإصلاح هذه البرك في عام 1536م، فاكتُشِفت سبعة آبار جديدة لتغذية البرك، ثم أنشئت قناة السبيل التي تحمل الماء من البرك إلى القدس (مسافة ثلاثة وعشرين كيلو مترًا)، ولكي يضمن السلطان استمرار عمل المشروع أوقف عليه أوقافًا خيريَّةً كثيرةً تُنفق عليه أبدًا، وهكذا استمرَّ في عمله لقرون[46]. -أيضًا- حُفِر عددٌ كبيرٌ من الآبار في طرق السفر خاصَّةً ما كان في طرق الحجاج[47]، كما بُنيت الحمَّامات الضخمة التي تخدم أعدادًا كبيرةً من الشعب، ومن أشهرها حمَّام آيا صوفيا في إسطنبول، الذي افتُتح في 1556م، وأشرف على بنائه المعماري سنان[48].


هذا كلُّه غير القلاع الكبيرة، والحصون القويَّة، كما فعل في رودس، وبغداد، وبودا، وبلجراد، كما بنى السلطان سورًا جديدًا لمدينة القدس، وقد أتمَّ بناءه في عام 1542م[49]، وقام بترميمات وتجديدات مهمَّة لقبَّة الصخرة بالقدس، وللمسجد الحرام بمكة[50].


الاقتصاد: لا شَكَّ أن اقتصاد دولةٍ قويَّةٍ تمتدُّ أملاكها عبر ثلاث قارَّاتٍ كان اقتصادًا قويًّا كذلك، ولقد تنوَّعت مصادر دخل الدولة وتعدَّدت، وكانت التجارة، والزراعة، والصناعة، والمناجم، مزدهرةً إلى حدٍّ كبير، فضلًا عن واردات غنائم الحروب، والجزية المفروضة على الدول النصرانية التابعة لها، و-أيضًا- الجمارك المحصَّلة من التجارة الخارجيَّة؛ سواءٌ التي تدخل إلى الدولة العثمانية ذاتها، أم التي تمرُّ فيها كوسيطٍ بين الشرق والغرب، وعلى سبيل المثال وصلت واردات جمارك تجارة الحرير في عام 1557م إلى أربعٍ وعشرين ألف دوقيَّةٍ ذهبيَّة، وهذه زيادةٌ ملموسةٌ عن السنوات السابقة، والسبب هو ازدهار هذه التجارة بقوَّة بعد معاهدة أماسيا مع الدولة الصفوية عام 1555م. وفي عام 1554م اشترى البنادقة ستة آلاف قنطارٍ من التوابل في الإسكندرية، ووصلت مشترياتهم سنويًّا خلال الأعوام من 1560 إلى 1564م إلى اثني عشر ألف قنطار[51]، هذا على الرغم من تأثُّر تجارة التوابل نتيجة سيطرة البرتغاليين على التجارة في المحيط الهندي بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح.


لقد بلغ دخل الدولة العثمانية في عام 1528م؛ أي في أوائل عهد سليمان القانوني، إلى أكثر من 277 مليون آقجة فضيَّة، وذلك دون حساب خراج الأرض، وكذلك دون حساب دخل الأوقاف[52]، وهذه أرقامٌ كبيرةٌ للغاية بقياسات ذلك الزمن، وقد زاد هذا الرقم بشكلٍ مطردٍ بعد ذلك؛ ومِنْ ثَمَّ حقَّق الشعب مستوًى من الرفاهية لم يكن معهودًا في معظم بلاد العالم آنذاك، وصارت المدن العثمانية من أكثر مدن العالم ازدهارًا؛ فقد كانت إسطنبول في عهد القانوني أضخم مدينةٍ في أوروبا؛ حيث وصل عدد سكانها إلى أربعمائة ألف نسمة في النصف الأول من القرن السادس عشر[53]، وأكثر من ستمائة ألف مواطن في النصف الثاني من القرن ذاته[54]، وكانت من المدن الثرية للغاية؛ ففي عام 1546م كان فيها 2517 وقفًا يعود إلى أشخاصٍ من خارج العائلة الحاكمة[55]، وكانت مدينةً صناعيَّةً من الدرجة الأولى، وازدهرت فيها صناعاتٌ متخصِّصة، فعلى سبيل المثال كان بها في عام 1564م ثلاثمائة وثماني عشرة ورشة لصناعة البروكار (النسيج الموشَّى بالذهب)[56]!


ونختم هذه الفقرة بشهادتين؛ الأولى قالها فلاح يوناني يقطن في جزيرة ليمنوس للرحالة بيلون دومان، وذلك في منتصف القرن السادس عشر، أي في عهد سليمان القانوني. قال اليوناني: «إن الجزيرة لم تكن في يومٍ ما على ما هي عليه الآن من حُسْن الزراعة، ومن وفرة الثراء، ولم يكن فيها من الناس مثل ذلك العدد الموجود فيها منهم الآن»[57]! أما الثانية فهي للمؤرخ اللورد كينروس الذي قال: «تجاوزت إيرادات الدولة العثمانية في عهد القانوني إيرادات أي دولة مسيحية معاصرة»[58]![59].





[1] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The Sixteenth Century from Julius III to Pius V, 1984)., vol. 4, p. 591.
[2] Pavlac, Brian A. & Lott, Elizabeth S.: The Holy Roman Empire: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2019., vol. 1, p. 36.
[3] Gibb, Hamilton Alexander Rosskeen; Kramers, Johannes Hendrik; Lewis, Bernard; Pellat, Charles; Schacht, Joseph & et al.: The Encyclopaedia of Islam, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1954., p. 67.
[4] 56. Architect of the Capitol, Compilation of Works of Art in the United States Capitol, U.S. Government Printing Office, Washington, USA, 1952, p. 21.
[5] شاهد الصورة والتعليق على الرابط الرسمي للكابيتول الأميركي:
www.flickr.com/photos/uscapitol/6240607011
[6] آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م.الصفحات 242-244.
[7] Greenblatt, Miriam: Süleyman the Magnificent and the Ottoman Empire, Benchmark Books, New York, USA, 2003., p. 218.
[8] جانبولات، أورهان صادق: شيخ الإسلام ابن كمال باشا، ضمن كتاب: جالودي، عليان: التحولات الفكرية في العالم الإسلامي: أعلام، وكتب، وحركات، وأفكار من القرن العاشر إلى الثاني عشر الهجري، المعهد العالي للفكر الإسلامي، عمان–الأردن، الطبعة الأولى، 1435هـ=2014م.صفحة 99.
[9] Duiker, William J. & Spielvogel, Jackson J.: World History, Wadsworth Cengage Learning, Boston, USA, Seventh Edition, 2012., p. 455.
[10] Clot, André: Suleiman the Magnificent: The Man, His Life, His Epoch, Editor: Jana Gough, Translated: Matthew J. Reisz, Saqi Books, London, 1992., p. 74.
[11] ڤاينشتاين، چيل: الامبراطورية في عظمتها: (القرن السادس عشر)، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م (أ).صفحة 1/252.
[12] إينالچيك، خليل: تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة: محمد الأرناءوط، دار المدار الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م.صفحة 117.
[13] كوندز، أحمد آق: القوانين العثمانية وتحليلها قانونيا، إسطنبول، الطبعة الأولى، 1991-1996م.الصفحات 6/540-543.
[14] Çırakman, Aslı: From the «Terror of the World» to the «Sick Man of Europe": European Images of Ottoman Empire and Society from the Sixteenth Century to the Nineteenth, Peter Lang Publishing, New York, USA, 2002., p. 67.
[15] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/355.
[16] كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م.صفحة 230.
[17] Berit, Ase & Strandskogen, Rolf: Suleiman I, the Magnificent, In: Farah, Mounir A.: Lifelines in World History, Volume 3: The Early Modern World, Routledge, 2015., p. 336.
[18] كينروس، 2002 صفحة 231.
[19] Greenblatt, 2003, p. 21.
[20] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 251.
[21] ڤاينشتاين، 1993 (أ) الصفحات 1/276-282.
[22] أوزتونا، 1988 صفحة 1/355.
[23] كينروس، 2002 صفحة 285.
[24] Grinin, Leonid: Macrohistory and Globalization, Uchitel Publishing House, Volgograd, Russia, 2012., p. 115.
[25] Kuran, Timur: Islamic statecraft and the Middle East’s delayed modernization: Comments, In: Bernholz, Peter & Vaubel, Roland: Political Competition, Innovation and Growth in the History of Asian Civilizations, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, UK, 2004., p. 176.
[26] كينروس، 2002 صفحة 225.
[27] كينروس، 2002 صفحة 233.
[28] شيمشيرغيل، أحمد: سلسلة تاريخ بني عثمان، ترجمة: عبد القادر عبداللي، مهتاب محمد، ثقافة للنشر والتوزيع، أبو ظبي-بيروت، الطبعة الأولى، 1438هـ=2017م.صفحة 4/464.
[29] Günergun, Feza & Etker, Şeref: Waqf endowments and the emergence of modern charitable hospitals in the Ottoman Empire: the case of Zeynep-Kamil hospital in Istanbul, In: Ebrahimnejad, Hormoz: The Development of Modern Medicine in Non-Western Countries: Historical Perspectives, Routledge, New York, USA, 2009., p. 86.
[30] Frank, Patrick; Preble, Duane & Preble, Sarah: Artforms: An Introduction to the Visual Arts, Longman, 1999., p. 352.
[31] Blair, Sheila S. ‏& Bloom, ‏Jonathan‏ M.: The Grove Encyclopedia of Islamic Art & Architecture, Oxford University Press, New York, USA, 2009., vol. 1, p. 325.
[32] أوزتونا، 1990 صفحة 2/534.
[33] وزيري، يحيي: العمارة الإسلامية والبيئة، مطابع السياسة، الكويت، 1425ه=2004م.صفحة 81.
[34] Tomašević, Nebojša: Treasures of Yugoslavia: An Encyclopedic Touring Guide, Translated: Madge Tomašević, Karin Radovanović, Yugoslavia public, 1982., p. 321.
[35] ڤاينشتاين، 1993 (أ) صفحة 1/333.
[36] Johnson, Stowers: Yugoslav Summer; with Photographs by the Author, Hale, London, UK, 1967., p. 90.
[37] الحداد، محمد حمزة إسماعيل: العمارة الإسلامية في أوروبا العثمانية، مجلس النشر العلمي-جامعة الكويت، الكويت، الطبعة الأولى، 1423هـ=2002م.صفحة 1/259.
[38] Njavro, Mato: Herzegovina: History, Culture, Art, Tourism, Scenery, Privredni vjesnik, Zagreb, Croatia, 1985., p. 22.
[39] Evans, Thammy & Abraham, Rudolf: Macedonia, Bradt Travel Guides Ltd, Buckinghamshire, UK, 2015., p. 250.
[40] حلاق، حسان: المعالم التاريخية والأثرية والسياحية في لبنان والعالم العربي، دار النهضة العربية، بيروت، 2009م. صفحة 204.
[41] ألبجونج، جان: السلطانتان خُرم ومهرماه قرينة القانوني وسليلته، ترجمة: وليد عبد الله القط، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، 2014م.الصفحات 164–166.
[42] إسماعيل، عبد اللطيف: موسوعة دمشق، مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2015م.صفحة 2/60.
[43] طباع، دارم؛ وشريف، شام: دمشق مع بدايات القرن العشرين، دار الطباع، دمشق، 2008م .صفحة 65.
[44] نعسان آغا، رياض: سارح في المكان، دار الرابطة للنشر، الشارقة، الإمارات، 2018م.صفحة 144.
[45] Murphy-O'Connor, Jerome: The Holy Land: An Oxford Archaeological Guide from Earliest Times to 1700, Oxford University Press, New York, USA, 2008., p. 483.
[46] صالحية، محمد عيسى: العثمانيون ومدينة القدس.. الحفاظ على الدور الثقافي والحضاري، ضمن كتاب: صالح، محسن محمد: دراسات في التراث الثقافي لمدينة القدس، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2010م. صفحة 198.
[47] Faroqhi, Suraiya; McGowan, Bruce & Pamuk, Sevket: An Economic and Social History of the Ottoman Empire, Edited: Halil Inalcik, Donald Quataert, Cambridge University Press, New York, USA, 1994., p. 6.
[48] ألبجونج، جان: السلطانتان خُرم ومهرماه قرينة القانوني وسليلته، ترجمة: وليد عبد الله القط، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، 2014م.صفحة 159.
[49] Jenkins, Everett: The Muslim Diaspora: A Comprehensive Chronology of the Spread of Islam in Asia, Africa, Europe and the Americas, McFarland & Company. Inc., Publishers, Jefferson, North Carolina, USA, 2015., vol. 2, p. 61.
[50] Atıl, Esin: The Age of Sultan Süleyman the Magnificent, National Gallery of Art, Washington, D.C., USA, 1987., p. 26.
[51] إينالچيك، 2002 صفحة 197.
[52] Vlahos, Michael: Fighting Identity: Sacred War and World Change, Praeger Security International, Westport, Connecticut, USA, 2009., p. 220.
[53] Fisher, W. B.: The Middle East (Routledge Revivals): A Physical, Social and Regional Geography, Routledge, New York, USA, 2013., p. 144.
[54] ڤاينشتاين، 1993 (أ) صفحة 1/317.
[55] İnalcık, Halil: The Ottoman Empire: The Classical Age, 1300-1600, Phoenix, London, 1994., p. 144.
[56] إينالچيك، 2002 صفحة 243.
[57] ڤاينشتاين، 1993 (أ) صفحة 1/316.
[58] كينروس، 2002 صفحة 232.
[59] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 493- 502.