جبهة فرسان القديس يوحنا وإسبانيا: (1551-1553م)

من المعروف أن فرسان القديس يوحنا من ألدِّ الأعداء للمسلمين بشكلٍ عام، وللدولة العثمانية بشكلٍ خاص، وللسلطان سليمان القانوني، الذي أجلاهم من رودس عام 1522م، بشكلٍ أخصٍّ. بعد مرحلةٍ من التيه منح الإمبراطور شارل الخامس إمبراطور النمسا وإسبانيا للفرسان مأوًى تابعًا له؛ وذلك في عام 1530م. كان هذا المأوى يتمثَّل في ثلاثة أماكن تحديدًا؛ جزيرة مالطة Malta، وجزيرة جوزو Gozo، وهي جزيرةٌ صغيرةٌ تقع إلى الشمال الغربي مباشرةً من مالطة، ومدينة طرابلس الليبية، وهي على بعد أقلَّ من أربعمائة كيلو متر جنوب مالطة، ولا تفصلها عن مالطة أيَّة جزر[1].


كان الوضع الجغرافي لمالطة، وجوزو، وطرابلس، يُمثِّل تهديدًا حقيقيًّا للبحرية العثمانية؛ حيث يمكن قطع الطريق على السفن العثمانية، العسكرية، والتجارية، التي تجوب البحر المتوسط بين ولايات الدولة، من شرقه عند الأناضول، والشام، ومصر، إلى غربه عند الجزائر، وتونس. كما أنها تُؤثِّر على الحملات العسكرية التي تشنها الدولة العثمانية على سواحل أوروبا. كذلك لم يكن فرسان القديس يوحنا يُضيعون فرصةً في حرب المسلمين، ولقد شاركوا الأساطيل الإسبانية، والبابوية، والچنوية، دومًا في حروبهم ضدَّ العثمانيين، ومنها مشاركتهم لهم في معركة بريڤيزا عام 1538م، ومعركة الجزائر عام 1541م.


هدأت الأمور نسبيًّا في البحر المتوسط بعد هدنة الدولة العثمانية مع النمسا وإسبانيا عام 1547م؛ ولكنها عادت للاشتعال في عام 1550م عندما احتلَّ الإسبان -بمساعدة فرسان القديس يوحنا- مدينة المهديَّة على الساحل الشرقي لتونس[2]، وكانت تحت السيطرة العثمانية في ذلك الوقت. تَبِعَ ذلك في العام نفسه احتلال جزيرة چربة Djerba التونسية[3]، وهي أكبر جزيرةٍ على الساحل الشمالي لإفريقيا، وكانت قاعدةً مهمَّةً للبحرية العثمانية، وكانت تحت قيادة القبطان العثماني الكبير الريس طرغد، وهو أشهر القادة العثمانيين البحريين بعد خير الدين بربروسا. كانت هذه ضربةً موجعةً للدولة العثمانية، وكان السكوت عليها يعني خسائر جديدة في الساحل الإفريقي، وفي البحر المتوسط.


لم يكن الريس طرغد قائدًا عاديًّا، إنما كان موهبةً عسكريَّةً فذَّة أعادت للأذهان ذكريات بربروسا. يصف المؤرخ الإنجليزي روچر كراولي ظهور الريس طرغد على ساحة البحر الأبيض المتوسط بقوله: «كان هناك شعورٌ حقيقيٌّ أن بربروسا قد عاد من موته ليُرْعِب الشواطئ النصرانية من جديد! لقد انبثق جيلٌ جديدٌ من القادة البحريين، كأنهم أيقظوه من موته، كان أعظمهم الريس طرغد، الذي حاكى تمامًا ما كان يفعله أستاذه»[4]!


بعد لقاءٍ مع السلطان سليمان القانوني انطلق الريس طرغد بأسطوله من إسطنبول في ربيع 1551م[5]، وكانت أمامه رحلةٌ خطرةٌ ذات ثلاث محطات؛ الأولى في صقلية التابعة لإسبانيا للقيام بأعمالٍ انتقاميَّةٍ ردًّا على عمليَّات إسبانيا العسكرية في العام السابق، والثانية في مالطة وجوزو لمهاجمة فرسان القديس يوحنا في عقر دارهم، والثالثة في طرابلس لاستخلاصها من يد الفرسان النصارى، خاصَّةً بعد استنجاد أهلها بالسلطان العثماني منذ شهور.


حقَّق الأسطول العثماني نجاحًا ملموسًا في محطاته الثلاث! استطاع الأسطول العثماني أن يحتلَّ مدينة أوجوستا Augusta على الساحل الشرقي لصقلية بصورةٍ مؤقَّتة، وأن يُحقِّق النصر هناك على الجيش الإسباني. انتقل الأسطول إلى المحطة الأصعب وهي مالطة، فحاصر الجزيرة لعدَّة أيام بداية من يوم 16 يوليو 1551م، وقصفها بشكلٍ مستمر؛ لكنه تيقَّن من صعوبة فتحها بالإمكانات التي معه، فرفع الحصار، وانتقل إلى جزيرة جوزو الأضعف، وكان هذا قرارًا حكيمًا منه، وتمكَّن خلال أيام من فتح الجزيرة، وأسر كلَّ سكانها تقريبًا، وهم يتراوحون بين الخمسة والسبعة آلاف[6][7]، ثم ترك الجزيرة إلى محطته الثالثة طرابلس.


كانت طرابلس في حوزة فرسان القديس يوحنا منذ عام 1530م، وكانوا قد أقاموا فيها تحصينات كبيرة؛ لكن لم يكن حكمهم مستقرًّا نتيجة الخلافات العميقة بينهم وبين السكان المسلمين الأصليِّين في المدينة. من المؤكَّد أن حالهم هنا لم يكن كحالهم مع السكان النصارى في رودس سابقًا، وفي مالطة حاليًّا. بالإضافة إلى ذلك كان للعثمانيين قاعدةٌ عسكريَّةٌ على بعد عشرين كيلو مترًا فقط شرق طرابلس في منطقة تاچوراء Tajura، وهي الآن جزءٌ من طرابلس نفسها، وكان خير الدين بربروسا قد اختار هذا المكان في عام 1531م ليجعل فيه قاعدةً للعثمانيين لتكون قريبةً من طرابلس الواقعة تحت احتلال الفرسان[8]. بعد أن انتهى الأسطول العثماني من عمليَّاته العسكريَّة في جزيرتي مالطة وجوزو نزل إلى طرابلس في أوائل أغسطس عام 1551م.


هناك، وبواسطة ستَّة آلاف جنديٍّ من البحرية العثمانية بقيادة الريس طرغد، وبمساعدة الجيش العثماني في تاچوراء بقيادة مراد أغا، وبمساعدة الأهالي والقبائل المحلية في ليبيا، حوصرت طرابلس بشكلٍ محكم، مع قصفٍ مستمرٍّ لقلعتها. لم تصمد المدينة طويلًا، وسقطت في يد المسلمين في 15 أغسطس[9]. يُعتبر هذا هو تاريخ انضمام ليبيا إلى الدولة العثمانية. تأسَّست ولاية ليبيا، وكان أوَّل ولاتها مراد أغا باشا الخبير بالمنطقة، الذي ظلَّ واليًا عليها حتى وفاته في عام 1556م[10]، وفي هذه السنوات الخمس نجح في ضمِّ معظم الساحل الليبي على البحر المتوسط، بالإضافة إلى عدَّة مقاطعاتٍ في الجنوب، حتى وصل إلى جبال تيبيستي Tibesti Mountains، وهي تُمثِّل تقريبًا الحدود الجنوبيَّة لليبيا الآن مع جمهوريَّة تشاد[11]؛ لتتكوَّن بذلك ليبيا المعروفة بحدودها اليوم.

وإذا كان فرسان القديس يوحنا قد قنعوا بهزيمتهم في جوزو وطرابلس فإن إسبانيا لم تكن قابلةً بهذا الوضع؛ وهذا فجَّر صداماتٍ أخرى في المرحلة القريبة. حقَّق العثمانيون نصرًا بحريًّا بقيادة الريس طرغد عند جزيرة بونزا Ponza الإيطالية في مواجهة مدينة نابولي في 5 أغسطس من العام التالي، 1552م، وكان الجيش الصليبي بقيادة القائد الچنوي الشهير أندريا دوريا، ثم حقَّق الريس طرغد نصرًا جديدًا بعدها بعامٍ عند جزيرة كورسيكا Corsica في أغسطس من عام 1553م[12]. في هذا النصر الأخير استولى الأسطول العثماني على الجزيرة، وخلَّصوا منها سبعة آلاف أسيرٍ مسلم، ثم سلَّموها إلى الفرنسيين، وكانوا في حلفٍ معهم في هذه المعركة[13].[14].





[1] Castillo, Dennis Angelo: The Maltese Cross: A Strategic History of Malta, Praeger Security International, Westport, Connecticut, USA, 2006., p. 52.
[2] Lane-Poole, Stanley: The Story of the Barbary Corsairs, G. P. Putnam’s Sons, New York, USA, 1890., pp. 133-134.
[3] Konstam, Angus: The Barbary Pirates 15th-17th Centuries, Bloomsbury Publishing, London, UK, 2016., p. 64.
[4] Crowley, Roger: Empires of the Sea: The Final Battle for the Mediterranean, 1521-1580, Faber & Faber, London, UK, 2008., p. 79.
[5] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/311.
[6] أوزتونا، 1988 صفحة 1/311.
[7] Badger, George Percy: Description of Malta and Gozo, M. Weiss, Malta, 1838., p. 292-293.
[8] Abun-Nasr, Jamil M.: A History of the Maghrib in the Islamic period, Cambridge University Press, New York, USA, 1987., p. 190.
[9] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The Sixteenth Century to the Reign of Julius III, 1984), vol. 3, p. 555.
[10] Abun-Nasr, 1987, p. 190.
[11] أوزتونا، 1988 صفحة 1/312.
[12] Braudel, Fernand: The Mediterranean and the Mediterranean world in the age of Philip II, Translated from the French: Siân Reynolds, University of California Press, California, USA, 1995., vol. 2, pp. 924-929.
[13] أوزتونا، 1988 صفحة 1/313.
[14] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 490- 492.