الحملة الهمايونية العاشرة وفتح غرب المجر: (1543م)

في صيف 1543م بدأت العملية العسكرية المشتركة بين الدولة العثمانية وفرنسا ضدَّ إمبراطورية النمسا وإسبانيا. خرج السلطان سليمان القانوني بنفسه على رأس حملته الهمايونية العاشرة لفتح غرب المجر. تذكر بعض المصادر أن فرقة مدفعية فرنسية كانت تشترك مع الجيش العثماني في العمليات البرية[1]. في الوقت نفسه خرجت البحرية العثمانية بقيادة خير الدين بربروسا لضرب السواحل الإسبانية، وكانت على موعدٍ مع البحرية الفرنسية في مرسيليا[2].


جعل سليمان القانوني وجهته صوب مدينة إزترجوم Esztergom في غرب المجر، وتُعْرَف -أيضًا- مدينة جران Gran، وهي مدينة مهمَّة تقع على بُعد خمسةٍ وأربعين كيلو مترًا شمال غرب بودا، وكانت تحت السيطرة النمساوية. تُعتبر إزترجوم العاصمة الروحية للمجر؛ حيث كانت مهد الكاثوليكية في المملكة، وتحوي أهم كنائس المجر، و-أيضًا- كانت عاصمة المجر قبل بودا[3]، ولهذا فإن سقوطها يعني الكثير بالنسبة إلى النصارى؛ لذا بدأ بها القانوني. بدأ الحصار في يوم 25 يوليو، وسقطت المدينة في يد السلطان يوم 10 أغسطس، وأكمل القانوني فتوحاته في المنطقة، ففتح مدن سيكشفهيرڤار Székesfehérvár، وسيكلوس Siklós، وسسيچيد Szeged[4]، وغيرها من مدن غرب المجر الواقعة تحت الحكم النمساوي، وبذلك يكون سليمان القانوني قد أضاف قسمًا كبيرًا جديدًا من المجر إلى حوزة الدولة العثمانية، ولم يبقَ منها في يد النمساويين إلا أجزاء قليلة في الشمال الغربي للبلاد.


الحملة البحرية لخير الدين بربروسا على موانئ إيطاليا وإسبانيا: (1543-1544م)

في الوقت الذي خرجت فيه الحملة الهمايونية العاشرة كان خير الدين بربروسا يقوم بعملٍ كبيرٍ في الشواطئ الأوروبية. تحرَّك بربروسا بأسطولٍ مكوَّنٍ من مائةٍ وعشر سفن، ويحمل ثلاثين ألف جندي إلى ميناء مرسيلياMarseille الفرنسي[5]. في الطريق إلى هناك قصف الأسطول العثماني عدَّة موانئ إيطالية وصقلية تابعةً للإمبراطور شارل الخامس[6].


-أيضًا- هوجمت سواحل جزر كورسيكا وسردينيا جنوب فرنسا. وصل الأسطول العثماني إلى مرسيليا في 21 يوليو 1543م، ولحق به هناك أسطولٌ فرنسيٌّ مكوَّنٌ من خمسين سفينة. لفت نظر بربروسا أن السفن الفرنسية ضعيفة الإعداد، وليست على المستوى المتَّفق عليه؛ ومع ذلك أكمل الفريقان الاستعداد، وغادرا مرسيليا في أوائل أغسطس[7][8].


كانت الوجهة الأولى للأسطولين هي مدينة نيس Nice القريبة، فوصلاها في 6 أغسطس وبدأ الحصار فورًا. كانت مدينة نيس تحت حكم شارل الثالث دوق ساڤوي Charles III of Savoy، وهو موالٍ لشارل الخامس[9]. بعد قصفٍ متوالٍ سقطت المدينة في يد بربروسا، الذي تمكَّن من أسر خمسة آلاف من جيشها[10].


لم يكن الهدف هو احتلال نيس أو غيرها من المدن التابعة لشارل الخامس في هذه المناطق البعيدة عن الدولة العثمانية؛ إنما كان الهدف هو الضغط عليه لكي تُعْطَى الفرصة للجيوش العثمانية البرِّيَّة في إكمال أعمالها في وسط أوروبا، و-أيضًا- يمكن لهذا الضغط أن يدفع شارل الخامس إلى طلب الصلح مع العثمانيين بشروطهم.


كذلك يمكن توفير فرصةٍ لتحرير تونس أو غيرها من البلاد المسلمة في شمال إفريقيا، من الاحتلال الإسباني. لم يبقَ الجيش العثماني في نيس كثيرًا إنما غادرها إلى ميناء تولون Toulon الفرنسي بدعوةٍ من فرنسوا الأول ملك فرنسا لقضاء الشتاء في هذه المنطقة، والغرض هو تنفيذ عمليَّاتٍ مماثلةٍ لعمليَّة نيس خلال الشتاء بكفالةٍ لوجيستيَّةٍ من فرنسا.


قَبِل بربروسا العرض الفرنسي[11]، وتكفَّل الفرنسيون بتوفير الغذاء والبارود للأسطول العثماني، وفي المقابل قام الأسطول في هذا الشتاء (1543-1544م) بعدَّة عملياتٍ عسكريَّةٍ ناجحة ضدَّ موانئ برشلونة Barcelona في إسبانيا، وسان ريمو San Remo، وبورجيتو Borghetto، وسانتو سبيريتو Santo Spirito، وسيريالي Ceriale في إيطاليا[12]. مكث الأسطول العثماني في تولون ستَّة شهور، ووصلت كميَّة الخبز فقط التي أنفقتها فرنسا لرعاية الجيش العثماني إلى عشرة ملايين كيلو جرام[13]! ليس هذا فقط؛ بل سمح الفرنسيون بتحويل كاتدرائية تولون إلى مسجدٍ بصورةٍ مؤقَّتة سعيًا وراء راحة الجند العثمانيين، وكان الأذان للصلاة يُرفع خمس مرَّاتٍ يوميًّا من فوق أبراج الكاتدرائية[14]!


في 23 مايو 1544م غادر الأسطول العثماني تولون، عائدًا إلى إسطنبول بعد أن دفع الملك الفرنسي ثمانمائة ألف كراون (العملة الذهبية لفرنسا في ذلك الوقت، وتُسمَّى كذلك إيكو écu) إلى الجيش العثماني كتعويضٍ له على البقاء خارج الديار هذه المدَّة الطويلة.
لم تكن عودة الأسطول العثماني بلا عمل؛ فقد هاجم خير الدين بربروسا عدَّة موانئ إيطاليَّة تابعة لشارل الخامس، هي بورتو إيركول Porto Ercole، وچيجليو Giglio، وتالامونا Talamona، وليباري Lipari، وتمكَّن في هذه العمليات من أخذ ستة آلاف أسير[15]. يجدر الإشارة إلى أن خير الدين بربروسا كان قد بلغ من العمر في هذه الحملة الأخيرة اثنين وسبعين عامًا[16]!


على قدر ما كانت هذه الانتصارات عظيمة للعثمانيين كانت هذه السنوات كبيسةً على الإمبراطور شارل الخامس، وكان الضغط عليه شديدًا، ولهذا سعى إلى الصلح مع الطرفين الفرنسي والعثماني. بدأ شارل الخامس بملك فرنسا؛ لأن هذا الملك كان يتعرَّض لانتقاداتٍ واسعةٍ في أوروبا؛ سواءٌ من القادة السياسيِّين، أم الزعماء الدينيِّين، لكونه متعاونًا مع قوَّةٍ إسلاميَّةٍ كبرى كالدولة العثمانية، خاصَّةً أن هذا التعاون يفضي بشكلٍ مباشرٍ إلى تمدُّد المسلمين في وسط أوروبا على حساب مدن وممالك كاثوليكية. وصل الطرفان النمساوي والفرنسي إلى اتِّفاق سلام مدعومٍ بزواجٍ بين العائلتين، ووُقِّعَ هذا الاتفاق في مدينة كريبي Crépy الفرنسية في 18 سبتمبر 1544[17]، علمًا بأن فرنسا كانت تُرسل في الوقت ذاته سفيرها كابتن بولان لتجديد التحالف مع العثمانيين.


هدنة أدريانوبل ورضوخ الإمبراطور شارل الخامس: (1547)

سعى الإمبراطور شارل الخامس كذلك إلى الصلح مع الدولة العثمانية. كانت فرصةً لالتقاط الأنفاس للطرفين، خاصَّةً مع حدوث بعض التوتُّرات على الجبهات العثمانية الأخرى؛ سواءٌ في الشرق مع الدولة الصفوية، أو روسيا، أم في الجنوب في المحيط الهندي مع البرتغال. قَبِل السلطان العثماني بهدنةٍ مؤقَّتة في نوفمبر 1545م[18]، بعد الهدنة النمساوية الفرنسية بعام. لم تكن العلاقة بين النمسا وفرنسا هادئة؛ بل كانت كالنار تحت الرماد، ولقد سعى فرنسوا الأول إلى إفشال الهدنة التي بين العثمانيين والنمساويين لكي يحتفظ بعلاقاته مع السلطان القانوني منفردًا[19]؛ ولكن كان الطرفان العثماني والنمساوي راغبَين في حالة الهدوء التي تحقَّقت في الفترة الأخيرة.


ثم حدث أن مات الملك الفرنسي فجأة في 31 مارس 1447م عن عمرٍ يُناهز اثنتين وخمسين سنة[20]، وخلفه ابنه هنري الثاني الذي كان متردِّدًا في استكمال علاقات الصداقة مع الدولة العثمانية، ومن هنا أراد السلطان سليمان القانوني التوثيق الكامل للهدنة بينه وبين الإمبراطور شارل الخامس الذي قَبِلَ بذلك، ووقِّعت معاهدةٌ بين الطرفين وُصِفَت بأنها «مُذِلَّةٌ» للنمساويِّين[21]، وظهرت فيها رغبة الإمبراطور الكاملة في تجنُّب إغضاب السلطان القوي سليمان القانوني. وقَّع الطرفان في 19 يونيو 1547م هدنة أدريانوبل Truce of Adrianople (أدريانوبل هي إدرنة)، وكان من بنودها ما يلي[22][23]:


أولًا: تعترف النمسا وإسبانيا بكلِّ الفتوحات العثمانية في المجر.


ثانيًا: تعترف النمسا بچون زابوليا الثاني (الطفل) ملكًا تابعًا للدولة العثمانية تحت وصاية أمِّه الملكة إيزابيلا.


ثالثًا: تبقى الأراضي الشمالية الغربية من المجر، التي لم تفتحها الدولة العثمانية حتى الآن، في يد الأمير فرديناند أخي شارل الخامس، على أن يدفع في مقابل بقائها معه ثلاثين ألف دوكا ذهبية إلى الدولة العثمانية كجزيةٍ سنوية.


رابعًا: يُعاد رعايا الدولة العثمانيون الذين يهربون إلى النمسا إلى الدولة العثمانية، وفي المقابل لا يعاد الرعايا النمساويون الذين يهربون إلى الدولة العثمانية إلى النمسا إذا كانوا مسلمين، فإن كانوا نصارى يُحقَّق معهم، فإذا ثبتت جريمتهم أُعيدوا، وإلا فلا.


خامسًا: يُعتبر فرديناند أمير النمسا في التشريفات العثمانية مساويًا للصدر الأعظم وليس للسلطان؛ بل يُعتبر مثل ابن السلطان، ويُطيعه طاعة الابن للوالد، وكذلك لا يُخَاطَب الإمبراطور شارل الخامس في العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بلقب الإمبراطور؛ بل بلقب «ملك إسبانيا».
سادسًا: مدَّة هذه الهدنة سبع سنوات.


سابعًا: تتعهد كلٌّ من فرنسا، والبندقية، والبابوية برعاية شروط هذه المعاهدة.


ثامنًا: كلُّ ما سبق في نظير أن توقف الدولة العثمانية حربها ضدَّ النمسا، وسواحل إيطاليا وإسبانيا.


إن نظرةً إلى هذه المعاهدة لتُبرز بوضوح المجدَّ الذي وصلت إليه الدولة العثمانية في هذا الوقت من عمرها، كما تُفسِّر هذه المعاهدة بجلاء لماذا كانت أوروبا تُلَقِّب السلطان سليمان بالعظيم!

التفرُّغ للجبهات غير الأوروبية (1546-1555م)

مرَّةً أخرى كان هدوء الجبهة النمساوية الإسبانية داعيًا للدولة العثمانية أن تفتح ملفَّاتها العديدة التي تتأجَّل عند نشاط الحرب مع النمساويين والإسبان، وعليه فبعد الهدنة التي حدثت في نوفمبر 1545م، وأُكِّدت بهدنة أدريانوبل يونيو 1547م، انشغلت الدولة العثمانية بعدَّة جبهاتٍ دفعةً واحدة. تنوَّعت هذه الجبهات شرقًا وغربًا، وشملت عدَّة أعداء؛ يأتي في مقدِّمتهم الصفويون في إيران، والروس في مناطق القرم وقفقاسيا، والبرتغاليون في خليج عدن والمحيط الهندي، وفرسان القديس يوحنا في مالطة وليبيا.


يُضاف إلى هؤلاء الإسبان في شمال إفريقيا؛ حيث يبدو أن هدنة أدريانوبل كانت خاصَّةً بالساحة الأوروبية فقط؛ ومِنْ ثَمَّ استؤنف القتال في سواحل إفريقيا دون إشارةٍ إلى الإخلال بالمعاهدة. بل إن المناوشات العسكرية حدثت في عامي 1551 و1552م بين الدولة العثمانية والنمسا على الرغم من الهدنة؛ ولكنها كانت مناوشات عابرة لم تقضِ تمامًا على حالة السلم بين الطرفين. -أيضًا- يُضاف إلى هذه الجبهات بعض التطوُّرات السياسية والعسكرية في اليمن، وكذلك في شرق إفريقيا، بالإضافة إلى بعض الأحداث الداخلية.


من الناحية العمليَّة فإنَّني اعتدتُ على سرد الأحداث وَفق الترتيب الزمني لها كلِّها مجتمعة؛ بمعنى الحديث مثلًا عن كلِّ أحداث عام 1547م في كلِّ المناطق؛ وذلك لنفهم خلفيَّات اتِّخاذ القرارات، وكذلك الأحداث المتزامنة التي أثَّرت على بعضها البعض؛ ومع ذلك فإنَّني سأسلك في هذه الجزئيَّة القادمة من قصَّة سليمان القانوني منحًى آخر، فأناقش كلَّ جبهةٍ أو منطقةٍ جغرافيَّةٍ على حدة؛ والغرض من ذلك فهم أحداث كلِّ جبهةٍ بشكلٍ جيِّد؛ لأن التردُّد بين الأماكن الجغرافيَّة البعيدة، وكثرة الأسماء والبلاد سيُؤدِّي إلى اضطراب الفهم عند القارئ. إنها طريقة أكاديمية أكثر منها عمليَّة؛ ولكنَّها تناسب هذه الجزئيَّة من الكتاب، والله أعلم! وعليه فيُمكن مناقشة أحداث هذه الجبهات الكثيرة تحت العناوين التالية:


الجبهة البرتغالية: (1546-1559م)

كان التواجد البرتغالي في المحيط الهندي يمثل ضررًا كبيرًا للتجارة العثمانية، ويمنع موردًا من أعظم موارد الدولة الاقتصادية؛ ولذلك لم يكن من الممكن نسيان المسألة على الرغم من التفوُّق البرتغالي الملموس في هذا الميدان البحري. لذا، وبمجرَّد هدوء جبهة النمسا بهدنة نوفمبر 1545م، أعدَّ السلطان سليمان العدة لجولة جديدة مع البرتغاليين.


أراد السلطان أن يحسم الأمر بحصار المركز الرئيس للبرتغال في المحيط الهندي، وهو مدينة ديو الهندية، فوجَّه في ربيع 1546م أسطولًا كبيرًا إليها. بدأ حصار ديو في يوم 20 أبريل، واستمر القصف ومحاولات الاقتحام لقرابة سبعة شهور؛ ومع ذلك لم تسقط المدينة الحصينة. عَلِم العثمانيون باقتراب أسطولٍ برتغاليٍّ كبير، فرُفِع الحصار في 10 نوفمبر من السنة نفسها[24]؛ ليفشل الجيش العثماني في فتح المدينة للمرَّة الثانية، ولتنتهي هذه الجولة لصالح البرتغال. كانت هذه ضربةً مؤلمةً للبحرية العثمانية.


أصيبت البحرية العثمانية بضربةٍ أخرى كبيرة في توقيت حصار ديو نفسه، وهي وفاة خير الدين بربروسا في 4 يوليو 1546م[25] عن عمر أربعة وسبعين عامًا. يُعتبر بربروسا هو أفضل من تولَّى قيادة البحرية العثمانية في كلِّ تاريخها، وأعظم القادة البحريِّين إنجازًا وتفوُّقًا، وليست إنجازاته في تحقيق الانتصارات فقط؛ ولكن في أمرين كبيرين آخرين.


أمَّا الأول فهو تنظيم الأسطول العثماني، ووضع سياسةٍ واضحةٍ لإدارته واستراتيجيَّته في القتال؛ ممَّا كفل له البقاء قويًّا عدَّة عقود، وأتاح له الهيمنة على حركة الملاحة في البحر المتوسط، خاصَّةً في شرقه، فضلًا عن الملاحة في البحار الأخرى، كالأحمر، والأسود، والأدرياتيكي، وكذلك في المحيط الهندي، على الرغم من الإخفاقات التي تعرَّض لها الأسطول أمام البرتغاليين.


وأمَّا الأمر الثاني فهو تربيته لعددٍ كبيرٍ من القادة البحريِّين العظام الذين ساعدوه في مهمَّته، وأكملوها من بعده، ولم يكن يفعل مثلما يفعل كثيرٌ من القادة العسكريِّين عندما يحاولون طمس معالم القادة المنافسين ليظلوا وحدهم في الصدارة. كان خير الدين بربروسا حريصًا على تنمية قدرات من معه من القادة البحريين، وهذا ما حفظ البحرية العثمانية بعد وفاته.


ظهر في عهد بربروسا عددٌ كبيرٌ من الأسماء اللامعة في مجال البحر، وقد أحصى المؤرخ الإيطالي سالڤاتوري بونو Salvatore Bono عددًا منهم، وذكر في ثنايا كتابه جوانب من حياتهم[26]، مثل الريس طرغد Turgut Reis (ويُعْرَف -أيضًا- في المصادر الأوروبية بـ Dragut)، والريس صالح Salih Reis، والريس بيري Piri Reis (الجغرافي المشهور)، والريس كورد أوغلو مصلح الدين Kurtoğlu Muslihiddin Reis، والريس بيالي باشا Piyale Pasha,، والريس مراد Murad Reis، والريس سيدي علي Seydi Ali Reis، والريس علوج علي Uluç Ali Reis.
إن الأسماء التي ذكرناها لا تخلو منها كتب تاريخ البحرية في العالم، وتفاصيل معاركها، وانتصاراتها، وأساليب قيادتها، ومؤلفاتها في مجال البحرية، موجودةٌ ومتوافرة، وهذا كلُّه يُضاف إلى رصيد بربروسا الذي درَّبها، وفتح المجال لظهور مواهبها. ولم يكن بربروسا ينسى رجاله أو يهملهم، ولقد قام بحملةٍ خطرةٍ في عام 1544م على مدينة چنوة ذاتها، وقَبِلَ دخول المدينة لإجراء مباحثات مع القائد الچنوي الشهير أندريا دوريا في قَصْرِه، مع أن هذا القائد الچنوي كان قد تعرَّض لهزيمةٍ قاسيةٍ من بربروسا في موقعة بريڤيزا عام 1538، واحتمالات غدره ببربروسا كبيرة؛ ومع ذلك أجرى القائد المسلم المباحثات.


كلُّ ذلك من أجل إطلاق سراح الريس طرغد الذي أُخِذَ أسيرًا عند الچنويِّين من أربعة أعوام! وقد نجحت المفاوضات في إطلاق سراح الأسير المهمِّ في مقابل ثلاثة آلاف وخمسمائة دوكا ذهبية[27]. هكذا كان اهتمام القائد بربروسا برجال أسطوله. رَحِمَ اللهُ هذا المجاهد الكبير، وجعل جهده في ميزان حسناته. يقول المؤرخ الإنجليزي روچر كراولي Roger Crowley تعليقًا على موته: «صَدَّق الأوروبيون بصعوبة أن ملك البحر King of the sea، الذي كانوا يُسمُّونه ملك الشر King of the evil، قد مات! حتى ظهرت أسطورة أنه سيخرج من قبره ليمشي على الأرض وهو ميِّتٌ بين الأحياء»[28]!


شهدت السنوات التالية عدَّة صداماتٍ بين الأسطولين العثماني والبرتغالي. في عام 1547م استطاع البرتغاليون احتلال عدن؛ ولكن استردَّها العثمانيون بقيادة الريس بيري عام 1548[29]م. في عام 1552م سيطر العثمانيون مؤقَّتًا على ميناء مسقط بعمان؛ ولكنه ما لبث أن عاد إلى سيطرة البرتغاليين، وفشل العثمانيون بعدها في احتلال ميناء هرمز الاستراتيجي في مدخل الخليج العربي[30].


تعرَّض الأسطول العثماني بعد ذلك لهزيمتين في منطقة الخليج العربي عامي 1553 و1554م؛ ولكنه حقَّق انتصارًا مهمًّا في 1557م عندما تغلَّب على البرتغاليين في ميناء مصوع شرق إريتريا على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وقد تحوَّل هذا الميناء بعد هذا النصر إلى نواة تكوين ولاية «الحبشة» العثمانية. في عام 1559م حاصر الأسطول العثماني جزيرة البحرين الواقعة تحت الاحتلال البرتغالي منذ عام 1521م؛ ولكنه فشل في إسقاطها[31].


وضع هذا الحصار الأخير للبحرين حدًّا للمحاولات العثمانية في مقاومة الأسطول البرتغالي في مناطق الخليج العربي، والمحيط الهندي؛ ومع ذلك كانت الدولة العثمانية تتحيَّن الفرص لإضعاف البرتغاليين بشكلٍ غير مباشر؛ ومن ذلك استجابة السلطان سليمان القانوني لاستغاثة السلطان علاء الدين ريايات Alauddin Riayatسلطان آتشيه Aceh الإندونيسية لمقاومة البرتغاليين. جاءت سفارة السلطان الإندونيسي إلى إسطنبول في 1564[32]، ووافق سليمان القانوني على الإغاثة؛ ولكنها لم تتم على أرض الواقع إلا في عام 1567[33] بعد وفاته، وفي عهد ابنه السلطان سليم الثاني.


أيضًا قنع الأسطول البرتغالي بالبقاء في المحيط الهندي دون غزو البحر الأحمر، ودون التحرُّش بالدولة العثمانية، وإن كان قد وَثَّق علاقاته بالدولة الصفوية عدوِّ العثمانيين الأول في هذه المناطق. هكذا رضي الطرفان بهذا الوضع دون اتفاقٍ رسمي، ولم يشهد عهد سليمان القانوني صداماتٍ أخرى مع البرتغال.


الجبهة اليمنية: (1546-1566م) (خريطة رقم 27)

لم تستقر اليمن قط في عهد سليمان القانوني كلِّه! لم تكن البداية السيِّئة هناك إلا مقدمةً لأحداثٍ متشابهةٍ من المعاناة. أراد القانوني أن يحسم الأمر بعد ازدياد القتلى من الطرفين. وجد فرصةً بعد حدوث فتنةٍ داخليةٍ في أسرة المتوكل يحيى إمام الزيدية عندما تجاوز المطهرَ ابنه الأكبر في ولاية العهد، وأعطاها للابن الأصغر.


كان السبب في التجاوز هو عدم توفُّر شروط الإمامة في الابن الأكبر؛ حيث كان أعرجًا[34]، والزيدية يشترطون في الإمامة سلامة البدن[35]، ولم يكن مجتهدًا في العلم، وهذا نقصٌ آخر. تواصل المطهر مع الحكومة العثمانية ليتعاون معها ضدَّ أبيه! أرسلت الدولة العثمانية جيشًا بقيادة أويس باشا لبسط النفوذ هناك. استطاع الجيش العثماني أن يسيطر -بالاشتراك مع قوَّات المطهر- على مدينة تعز المهمَّة أوَّلًا[36]، ثم اجتاح صنعاء عاصمة الزيديين في أغسطس 1547م[37].


من المؤكَّد أن هذا التواجد المعتمد على تعاون مع رجلٍ خان والده من أجل السلطة، وهو في الوقت نفسه على مذهب ديني مختلف عن الأتراك، لن يكون تواجدًّا آمنًا! أعطت الدولة العثمانية للمطهر لقب «بك»، وجعلوه أميرًا على مدينة عمران، إلا أن هذا لم يكن ليرضي طموحاته، فلم يستمر -كما هو متوقَّع- في ولائه للعثمانيين كثيرًا، واغتال والي صنعاء العثماني، وسيطر على المدينة.


أرسلت الدولة العثمانية قائدًا متمكِّنًا يُدعى أزدمير باشا عام 1552م ليُعيد السيطرة على صنعاء. نجح أزدمير في مهمَّته، وطرد المطهر من المدينة، وتحصَّن الإمام الزيدي في جبال ثُلا Thula، وهدأت الأمور نسبيًّا إلى عام 1561م حين توفي أزدمير باشا[38]. عادت القلاقل إلى اليمن في ظل الوالي الجديد محمود باشا، والذي كان متعسِّفًا، كما كان لا يُحسن الموازنة بين القوى المختلفة، فأدَّت سوء إدارته للأمور إلى توحُّد القوى اليمنيَّة ضدّ العثمانيين[39].


عيَّنت الحكومة العثمانية واليًا جديدًا لليمن في 1564م هو رضوان باشا؛ ولكن هذا لم يُنْهِ الاضطرابات[40]، فقسَّمت ولاية اليمن في عام 1565م إلى ولايتين لتتمكَّن من السيطرة على البلد بشكلٍ أكبر؛ الأولى هي ولاية المرتفعات الشمالية (وفيها صنعاء) تحت قيادة رضوان باشا، والثانية هي ولاية تهامة تحت قيادة مراد باشا. لم يحدث تناغم بين القائدين العثمانيين، واستغلَّ هذا الإمام المطهر، وقام بحملة مقاومةٍ كبيرةٍ لطرد العثمانيين من البلاد[41].


هكذا ظلَّ الوضع إلى آخر عهد سليمان القانوني (1566م)، وسيتمكَّن الإمام المطهر من استرداد صنعاء في 1567م، وسيقتل مراد باشا والي تهامة في 1568م، وسينحصر حكم العثمانيين في منطقة زبيد في الجنوب، بالإضافة إلى عدن[42].


الجبهة الروسية: (1545-1556م)

كانت الجبهة الروسية هادئةً بشكلٍ عامٍّ في النصف الأول من القرن السادس عشر؛ وذلك لأمرين؛ الأول منهما أن تتار القرم الموالين للدولة العثمانية كانوا يقومون بالتعامل مع هذه الجهات الواسعة دون تدخُّل يُذْكَر من الجيش العثماني، وكان العثمانيون قابلين بهذه الحركة الذاتية من القرميِّين المسلمين؛ وذلك لانشغال الدولة العثمانية بجبهاتها المتعدِّدة ضدَّ النمسا، وإسبانيا، وإيران، والبرتغال.


أمَّا الأمر الثاني فهو الضعف النسبي للدولة الروسية في هذه المرحلة التاريخية. نعم لم تكن الدولة الروسية إلا إمارةً صغيرة، هي إمارة موسكو؛ لكن ولاية الأمير إيڤان الثالث الملقَّب بالعظيم Ivan III the Great في عام 1462م مثَّلت نقلةً نوعيَّةً للإمارة؛ حيث قام بعمليَّة تجميعٍ للأراضي الروسيَّة؛ لذا فهو يُعتبر من ناحيةٍ عمليَّة السببَ في تكوين روسيا القيصريَّة[43]. حدثت نقلةٌ نوعيَّةٌ أخرى في تاريخ إمارة موسكو عندما أعلن أميرها إيڤان الرابع الملقَّب بالرهيب Ivan IV the Terrible في عام 1547م-أي في عهد سليمان القانوني- قيام القيصريَّة الروسية[44]؛ أي الإمبراطورية الروسية، ومن هذه اللحظة بدأ التوسُّع الروسي الرهيب في كافَّة الاتجاهات، وكان منها الاتجاه الجنوبي الغربي ناحية الولايات التترية الموالية للعثمانيين. أدَّى هذا التوسُّع إلى سقوط إمارة قازان عام 1552 تحت الحكم الروسي، وتبعتها إمارة أستراخان عام 1556[45].


لم يكن هناك ردُّ فعلٍ من الدولة العثمانية؛ إذ لم تكن لها جيوشٌ في هذه المنطقة، وكانت تتعامل معها من خلال الجنود القرميين؛ كما أسلفنا، وهذا السكوت أدَّى إلى التمدُّد الروسي تجاه الدولة العثمانية. هذا التطوُّر، وإن لم تكن له آثارٌ في عهد سليمان القانوني نفسه، إلا إنه سيُؤثِّر على الدولة مستقبلًا، وبشدَّة، حين تُصبح الإمبراطورية الروسية هي إحدى أهم القوى المعادية للدولة العثمانية، وأحد أكبر معاول هدمها، ويا ليت الدولة العثمانية كانت قد انشغلت بهذه الجبهات الخطرة؛ أعني الجبهات الأوروبية والروسية المعادية، بدلًا من التوجُّه منذ زمن سليم الأول إلى البلاد العربية المسلمة؛ ولكن لا مهرب من القدر![46].




[1] Goffman, Daniel: The Ottoman Empire and Early Modern Europe, Cambridge University Press, Cambridge, UK, 2002., p. 111.
[2] İnalcık, Halil: The Heyday and Decline of the Ottoman Empire, In: Holt, P. M.; Lambton, Ann Katherine Swynford & Lewis, Bernard: The Cambridge History of Islam: The Central Islamic lands from Pre-Islamic Times to the First World War, Cambridge University Press, New York, USA, 1977 (B)., vol. 1, p. 328.
[3] Beattie, Andrew: The Danube: A Cultural History, Oxford University Press, New York, USA, 2010., p. 138.
[4] بچوي، إبراهيم أفندي: تاريخ بجوي إبراهيم أفندي: التاريخ السياسي والعسكري للدولة العثمانية، ترجمة وتقديم: ناصر عبد الرحيم حسين، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015م، 2015 الصفحات 1/291-307.
[5] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571),The Sixteenth Century to the Reign of Julius III, 1984, vol. 3, p. 470.
[6] سرهنك، 1895 صفحة 1/545.
[7] Pardoe, Julia: The Court and Reign of Francis the First: King of France, Richard Bentley, London, 1849., vol. 2, pp. 468-469.
[8] Setton, 1984, vol. 3, p. 471.
[9] Faroqhi, Suraiya: The Ottoman Empire and the World Around It, Bloomsbury Academic, 2006., p. 33.
[10] Knight, C.: The Penny Cyclopaedia of the Society for the Diffusion of Useful Knowledge, Vol. 3., Charles Knight, London, UK, 1835, vol. 3, p. 428.
[11] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.، 1981 صفحة 238.
[12] Elgood, Robert: Firearms of the Islamic World: In the Tareq Rajab Museum, Kuwait, I.B. Tauris & Co. Ltd, London, UK, 1995., p. 38.
[13] Setton, 1984, vol. 3, p. 472.
[14] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/302.
[15] Crowley, Roger: Empires of the Sea: The Final Battle for the Mediterranean, 1521-1580, Faber & Faber, London, UK, 2008., pp. 75-79.
[16] أوزتونا، 1988 صفحة 1/302.
[17] Armstrong, Edward: The Emperor Charles V, Macmillan and Company, Limited, London, 1902., vol. 2, p. 28.
[18] أوزتونا، 1988 صفحة 1/283.
[19] طقوش، محمد سهيل: تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1434هـ=2013م.صفحة 203.
[20] Knecht, Robert Jean: The Valois: Kings of France, 1328-1589, Hambledon Continuum, London, UK, 2007., p. 195.
[21] Kagarlitsky, Boris: From Empires to Imperialism: The State and the Rise of Bourgeois Civilisation, Translated: Renfrey Clarke, Routledge, New York, USA, 2014., p. 182.
[22] فريد، 1981 الصفحات 238، 239.
[23] كلو، أندري: سليمان القانوني، ترجمة: البشير بن سلامة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م.الصفحات 201، 202.
[24] Jaques, Tony: Dictionary of Battles and Sieges, Greenwood Press, Westport, CT, USA, 2007., vol. 1, p. 304.
[25] Setton, 1984, vol. 3, p. 532.
[26] Bono, Salvatore: Corsari nel Mediterraneo (Corsairs in the Mediterranean): Cristiani e Musulmani fra Guerra, Schiavitù e Commercio, Oscar Storia Mondadori, Perugia, Italy, 1993..
[27] Jamieson, Alan G.: Lords of the Sea: A History of the Barbary Corsairs, Reaktion Books, London, UK, 2012, p. 48.
[28] Crowley, 2008, p. 79.
[29] أوزتونا، 1988 صفحة 1/333.
[30] İnalcık, 1977 (B), vol. 1, p. 332.
[31] Fuccaro, Nelida: Histories of City and State in the Persian Gulf: Manama Since 1800, Cambridge University Press, New York, USA, 2009, p. 60.
[32] Black, Jeremy: The Cambridge Illustrated Atlas of Warfare: Renaissance to Revolution, 1492-1792, Cambridge University Press, New York, USA, 1996., p. 17.
[33] Andaya, Leonard Y.: Interactions with the Outside World and Adaptation in Southeast Asian Society, 1500-1800, In: Tarling, Nicholas: The Cambridge History of Southeast Asia, Cambridge University Press, Cambridge, UK, (Volume One Part Two: From c. 1500 to c. 1800,, ,1999. 9, vol. 2, p. 39
[34] النهروالي، قطب الدين: البرق اليماني في الفتح العثماني، منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1387هـ=1967م.صفحة 95.
[35] المرتضى، أحمد بن يحيى: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، تصحيح: عبد الله بن عبد الكريم الجرافي، دار الحكمة اليمانية، صنعاء، الطبعة الأولى، 1366هـ=1947م.صفحة 5/383.
[36] أوزتونا، 1988 صفحة 1/332.
[37] Stookey, Robert W.: Yemen: the politics of the Yemen Arab Republic, Westview Press, Boulder, Colorado, USA, 1978.p. 136.
[38] Faroqhi, Suraiya; McGowan, Bruce & Pamuk, Sevket Faroqhi, Suraiya, Bruce McGowan, Sevket Pamuk: An Economic and Social History of the Ottoman Empire, Edited: Halil Inalcik, Donald Quataert, Cambridge University Press, New York, USA, 1997.., 1997, vol. 1, p. 333.
[39] النهروالي، 1967 الصفحات 128-133.
[40] Gibb, Hamilton Alexander Rosskeen; Kramers, Johannes Hendrik; Lewis, Bernard; Pellat, Charles; Schacht, Joseph & et al.: The Encyclopaedia of Islam, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1994.., 1994, vol. 8, p. 521.
[41] النهروالي، 1967 الصفحات 157-168.
[42] Ali, Abdul: Islamic Dynasties of the Arab East: State and Civilization During the Later Medieval Times, M.D. Publications Pvt. Ltd, New Delhi, 1996., p. 103.
[43] Paul, Michael C.: Secular Power and the Archbishops of Novgorod up to the Muscovite Conquest, Kritika: Explorations in Russian and Eurasian History, Slavica Publishers, Indiana University, Bloomington, Indiana, USA, 2007., pp. 131-170.
[44] Andreyev, Nikolay: Appanage and Muscovite Russia, In: Auty, Robert & Obolensky, Dimitri: Companion to Russian Studies, (Volume 1: An Introduction to Russian History), Cambridge University Press, New York, USA, 1976., vol. 1, p. 99.
[45] Martin, Janet: Medieval Russia: 980-1584, Cambridge University Press, New York, USA, Second Edition, 2007 (A).p. 396.
[46] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 472- 484.