فتح رودس: (1522-1523م)

تُعدُّ حصون جزيرة رودس أحد أقوى الحصون في أوروبا كلِّها، ويمكن مقارنتها بحصون القسطنطينية؛ بل تفوق القسطنطينية في كونها محاطةً بالبحر من كلِّ جانب؛ مما يمنع نقل مدافع الحصار العملاقة إليها، والتي لا تستطيع السفن في هذا الزمن أن تحملها.


كانت جزيرة رودس بفرسانها الأشداء، ودعمها البابوي الدائم، ومهارة بحَّاريها، تُمثِّل خطورةً متزايدةً على حركة التجارة والنقل في شرق البحر المتوسط؛ بل وتُمثِّل مخاطر كبرى كذلك على حركة السفن العسكرية في المنطقة. زادت خطورة فرسان القديس يوحنا على الدولة العثمانية في السنوات الأخيرة لسببين؛ الأول ضمُّ مصر، ومِنْ ثَمَّ صار هناك تهديدٌ حقيقيٌّ لحركة السفن العثمانية من الأناضول وإسطنبول إلى الإسكندرية ودمياط، والثاني المواجهات العسكرية المستمرَّة في غرب البحر المتوسط بين الأسطول الإسباني وأساطيل الجزائر التابعة الآن للدولة العثمانية؛ ممَّا يتطلب حركةً دائبةً للأسطول العثماني من إسطنبول وجاليبولي إلى الجزائر، وهذا يُعرِّض الأسطول للهجمات المفاجئة من رودس. إزاء هذا الوضع لم يكن ممكنًا تأجيل ملفِّ رودس، خاصَّةً بعد سقوط بلجراد في يد المسلمين، واحتمال وجود ردِّ فعلٍ قويٍّ من الغرب النصراني.


توجَّه الأسطول العثماني الكبير بقيادة مصطفى باشا إلى رودس، واحتلَّ في طريقه اثنتي عشرة جزيرةً تابعةً للجزيرة الأم[1]، فحقَّق نصرًا معنويًّا واستراتيجيًّا مهمًّا؛ لأن هذا سيُقلِّل من فرصة وصول المدد للجزيرة الرئيسة. وصل القبطان مصطفى باشا إلى جزيرة رودس نفسها في 26 يونيو 1522م[2]، وضرب الحصار ونصب المدافع حول المدينة الأساسيَّة في الجزيرة، مدينة رودس.


وصل السلطان القانوني بنفسه بجيشه البريِّ المكوَّن من مائة ألف مقاتلٍ[3] إلى ميناء مرمريس جنوب الأناضول، ثم عبر بالسفن إلى رودس في 28 يوليو[4]. بلغت أعداد الجيش العثماني والأسطول معًا في أقلِّ التقديرات مائةً وثمانين ألف مقاتل، ويرتفع بها بعضهم إلى ثلاثمائة ألف[5]! كان فرسان القديس يوحنا في الجزيرة أقلَّ من سبعة آلاف[6]؛ ومع ذلك كان من المعلوم أن هذه القوَّة الضئيلة كافيةً للدفاع عن المدينة؛ لشدَّة حصانتها، واعتمادها على أسوارها، ومعاقلها، وخنادقها، وكثرة المؤن فيها؛ ممَّا يجعل مطاولة الحصار صعبةً على الجيوش المحاصِرة أكثر من صعوبتها على أهل المدينة. كان الوضع مشابهًا لحصار الفاتح للجزيرة عام 1480م، غير أن السلطان سليمان القانوني جاء بنفسه؛ بينما لم يفعل ذلك السلطان محمد الفاتح. كان السلاطين العثمانيون نادرًا ما يخرجون في الغزوات البحرية.


بدأ قصف الأسوار والمعاقل فور وصول السلطان، ولم تكن الأمور سهلة. لم يسقط جزءٌ من الأسوار يسمح باقتحام المدينة إلا في 4 سبتمبر 1522م[7] بعد أكثر من شهرٍ من القصف! قام الجيش العثماني بأربع محاولات اقتحام فاشلة خلال ثلاثة أسابيع، كان آخرها في 24 سبتمبر. غضب السلطان القانوني، وعزل قائد البحرية مصطفى باشا، وعيَّن مكانه أحمد باشا، وهو بالإضافة إلى خبرته البحرية له خبرةٌ كبيرةٌ في حصار القلاع. حفر الجيش العثماني أنفاقًا كثيرةً تحت التحصينات، وملئوها بالبارود، وكانت الانفجارات كثيرة؛ ممَّا أثَّر تدريجيًّا على صلابة الأسوار. استفاد العثمانيون من بعض المعلومات عن هندسة الأسوار، والتي تُوضِّح قنوات المياه الناقلة للماء إلى داخل المدينة تحت هذه الأسوار، وهي نقاطٌ ضعيفةٌ يمكن استغلالها في حفر الأنفاق[8]. من المعلوم في حصار رودس أن العثمانيِّين كانوا يعتمدون على شبكةٍ كبيرةٍ من الجاسوسيَّة في داخل المدينة تنقل لهم المعلومات الهندسيَّة، والعسكريَّة[9]، وهو ما كان يفتقر إليه الجيش العثماني في حصار 1480م.


كانت هناك محاولة اختراقٍ غير ناجحةٍ في آخر نوفمبر؛ ومع ذلك فقد وصل الفريقان إلى حالةٍ من الإرهاق جعلت رغبتهما تتلاقى في القيام بهدنة، ومحاولة الوصول إلى حلٍّ دبلوماسي. اتَّفق الطرفان على هدنةٍ للتفاوض من 11 إلى 13 ديسمبر؛ ولكن لم يصلا إلى نتيجة، فاستأنف السلطان القانوني القصف في 17 ديسمبر، وأرسل تهديدًا بأن المدينة ستُستباح في حال سقوطها عنوة، أما إذا استسلمت فإنه سيُعطي الأمان لكلِّ أهلها؛ سواءٌ من المحاربين، أم المدنيِّين، وسوف تكون هناك تسهيلاتٌ غير مسبوقةٍ لأهل الجزيرة. في 20 ديسمبر 1522م أعلن فيليب دي ليل آدم Philippe de L'Isle-Adam رئيس الفرسان استسلامه، وقبول شروط السلطان القانوني كلِّها[10]، وفتحت المدينة أبوابها في 22 ديسمبر، وبعدها بأربعة أيام التقى السلطان القانوني ورئيس الفرسان، الذي أقرَّ باتِّفاق العثمانيِّين مع سفراء مدينته، وهكذا سُلِّمَت الجزيرة للمسلمين بشروطٍ كان منها[11][12][13][14]:




1. يخرج فرسان القديس يوحنا كليَّةً من جزيرة رودس بلا عودة، وهذا في غضون اثني عشر يومًا من تاريخ الاتفاقية (22 ديسمبر)؛ أي في أول يناير 1523م كحدٍّ أقصى.


2. يحمل الفرسان معهم كلَّ متعلقاتهم الشخصيَّة، وكلَّ ثرواتهم، وأيَّ رموزٍ دينيَّة؛ بل وكامل سلاحهم، باستثناء المدافع فقط.


3. يختار أهل الجزيرة المدنيُّون (سواء اليونانيون، أم الأوروبيون، أم اليهود) البقاء في الجزيرة أو المغادرة إلى أيِّ مكانٍ يريدون، وستكون هناك مهلةٌ لمدَّة ثلاث سنوات لأخذ القرار النهائي في هذه المسألة.


4. سيُعْفَى أهل الجزيرة من الضرائب العثمانية لمدَّة خمس سنواتٍ كاملة.


5. لن تُهدم كنيسةٌ في الجزيرة، ولن تُحَوَّل أيًّا منها إلى مسجد.




هكذا سُلِّمَت الجزيرة العتيدة للمسلمين، وخرج فرسان القديس يوحنا في أول يناير 1523م إلى جزيرة كريت[15] التابعة للبندقية، ومنها انتقل الفرسان إلى عدَّة مدنٍ أوروبية، إلى أن منحهم الإمبراطور شارل الخامس إمبراطور النمسا وإسبانيا جزيرة مالطة للاستقرار فيها[16]، وهي موطنهم إلى يومنا هذا، كما وهبهم كذلك ميناء طرابلس بليبيا[17]، وكان تحت الاحتلال الإسباني من عام 1510م.


صار شرق البحر المتوسط عثمانيًّا بدرجةٍ كبيرة، اللهمَّ إلا من الأسطول البندقي، وحيث إن هذا الأخير كان في إحدى مراحل ضعفه كانت الغلبة بذلك للعثمانيين؛ ممَّا فتح للعثمانيين آفاقًا جديدةً على المستوى البحري، سيكون لها شأنٌ كبيرٌ في عهد القانوني وبعده.


هزَّ هذان الانتصاران الكبيران أوروبا؛ انتصار بلجراد، وانتصار رودس، خاصَّةً أن أعظم قادة الدولة العثمانية، وهو السلطان الفاتح، لم ينجح في تحقيقهما، فكان السلطان القانوني كأنه يتتبَّع النقاط غير المستكملة في التاريخ العثماني فيقوم بها! أدرك زعماء أوروبا أن الزعيم الجديد للدولة العثمانية ليس شابًّا عديم الخبرة؛ إنما هو سياسيٌّ بارع، وعسكريٌّ محترف، وفوق ذلك فهو رجل دولةٍ من الطراز الأول![18].





[1] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/262.
[2] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 205.
[3] كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م.صفحة 194.
[4] أوزتونا، 1988 صفحة 1/262.
[5] ديورانت، ول: عصر نابليون، ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ، المجمع الثقافي-أبو ظبي، دار الجيل-بيروت، 2002م.صفحة 26/102.
[6] Clodfelter, Micheal: Warfare and Armed Conflicts: A Statistical Encyclopedia of Casualty and Other Figures, 1492-2015, McFarland & Company, Inc., Publishers, Jefferson, North Carolina, USA, Fourth Edition, 2017., p. 23.
[7] شيمشيرغيل، أحمد: سلسلة تاريخ بني عثمان، ترجمة: عبد القادر عبداللي، مهتاب محمد، ثقافة للنشر والتوزيع، أبو ظبي-بيروت، الطبعة الأولى، 1438هـ=2017م.صفحة 4/32.
[8] Brockman, Eric: The Two Sieges of Rhodes, 1480-1522, J. Murray, Michigar, USA, 1969., p. 136.
[9] أوزتونا، 1988 صفحة 1/263.
[10] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The Sixteenth Century to the Reign of Julius III, 1984), vol. 3, p. 212.
[11] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م.صفحة 1/535.
[12] شيمشيرغيل، 2017 الصفحات 4/35-38.
[13] Setton, 1984, vol. 3, pp. 212-213.
[14] أوزتونا، 1988 صفحة 1/263.
[15] ديورانت، 1988 صفحة 26/103.
[16] فريد، 1981 صفحة 206.
[17] بازامه، محمد مصطفى: ليبيا في عشرين سنة من حكم الإسبان (1510-1530)، منشورات مكتبة الفرجاني، طرابلس–ليبيا، 1965م. صفحة 110.
[18] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 423- 427.