المرحلة الرابعة: مرحلة عودة الاستقرار (1444-1451)




كان مراد الثاني هو الحاكم السادس للدولة العثمانيَّة، وهو من الحكَّام المتميِّزين الذين ساعدوا في استقرار وضع الدولة العثمانية بعد كارثة أنقرة، ودور الفترة، وبذلك كان مكمِّلًا لدور أبيه في إعادة بناء الدولة العثمانيَّة.

حَكَم مراد الثاني الدولة العثمانيَّة ثلاثين سنة، من عام 1421م إلى 1451م، ويُمكن لنا -لسهولة فهم هذه الفترة الطويلة- أن نقوم بتقسيمها إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى، المرحلة الثانية، المرحلة الثالثة، المرحلة الرابعة، وتتميَّز كلُّ مرحلةٍ منها بصفاتٍ خاصَّة: والمرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا المقال هي المرحلة الرابعة.


على الرغم من تنوُّع الأحداث في هذه الفترة الأخيرة من حياة مراد الثاني فإنَّها في المجمل كانت فترة استقرارٍ وقوَّة، مع أن بداياتها لم تكن تُشير إلى هذا الاستقرار، ويمكن أن ندرس هذه المرحلة تحت العناوين الآتية:


أولًا: الحكم المؤقت للسلطان الصغير محمد الثاني:


بدأت هذه المرحلة الإيجابيَّة في حياة مراد الثاني بهذا النصر الكبير في ع¤ارنا، وعلى الرغم من أنَّ مرادًا الثاني رأى الأثر المباشر لتنازله لابنه الصغير محمد الثاني عن العرش، وتحرُّك الجيوش الصليبية فورًا إلى دولته ناقضين للعهد، على الرغم من رؤيته هذا الأثر الخطر، فإنَّه قرَّر أن يعود بعد نصره العظيم في ع¤ارنا إلى عزلته من جديد في مانيسا، مُعْرِضًا عن نصيحة الصدر الأعظم خليل باشا چاندرلي وقادة الإنكشارية، بالبقاء في كرسي السلطنة منعًا لأيِّ تطوُّراتٍ أوروبِّيَّة[1].


والحقُّ أنَّني أرى في هذا التصرُّف من مراد الثاني خطأً شرعيًّا؛ فليس من المقبول أن يُسلَّم حكم الدولة إلى طفلٍ سيصل بمشقَّة إلى الثالثة عشرة من عمره، مهما كان هذا الطفل ذكيًّا أو ماهرًا؛ لأنَّ هذا الوضع سيفتن القريب والبعيد على حدٍّ سواء، فها هم الأوروبِّيُّون قد نقضوا عهدهم نتيجة رؤيتهم لهذا الوضع، ومن المحتمل أن يقوم غيرهم بما قاموا به، أو تحدث فتنةٌ داخليَّةٌ في الدولة، ويطمع الطامعون في تسيير الأمور لصالحهم. نعم كان الوضع بعد انتصار ع¤ارنا أفضل؛ لكن غياب مراد الثاني عن الساحة قد يمنع من جني ثمار هذا النصر، وقد يُضيِّع على الدولة فرصًا في ظلِّ تجربة السلطان الجديد محمد الثاني لأمور الحكم.


استمرَّ حكم السلطان محمد الثاني للدولة العثمانيَّة من وقت تنازل مراد الثاني له في أغسطس 1444م إلى شهر سبتمبر 1446م -أي سنتين كاملتين- ومعظم المؤرِّخين يُؤكِّدون أنَّ حكم السلطان محمد الثاني كان متَّصلًا في هاتين السنتين[2][3][4]؛ بينما يرى آخرون أنَّ السلطان مرادًا الثاني عاد للحكم في أثناء هاتين السنتين لمدَّة أحد عشر شهرًا من يناير 1445 إلى ديسمبر 1445؛ أي أنَّ حكم محمد الثاني لم يكن متَّصلًا في هاتين السنتين[5].


وبصرف النظر عن هذا أو ذاك فإنَّه من الواضح أنَّ الأمور لم تكن تسير بشكلٍ طبيعيٍّ في هذه الفترة، وكانت هناك بعض المشكلات الناجمة عن وجود طفلٍ صغيرٍ في كرسي الحكم، ويُمكن ملاحظة بعض هذه المشكلات على النحو التالي:
أوَّلًا: كان الوضع في شبه جزيرة المورة في اليونان مضطربًا؛ معظم اليونان في ذلك الوقت كان تابعًا للدولة البيزنطيَّة، وكانت تحت حكم قُسطنطين، وهو أخو چون الثامن إمبراطور الدولة البيزنطيَّة؛ كما أسلفنا، وعلى عكس السلوك السلمي الذي اختاره چون الثامن بعد هزيمة ع¤ارنا اختار قُسطنطين التصعيد، واحتلَّ بعض المناطق التابعة للدولة العثمانيَّة، وفَرَضَ الجزية على بعض الأمراء الأوروبِّيِّين التابعين للعثمانيِّين؛ ومع هذا التطوُّر السلبي في سير الأمور في اليونان إلَّا أنَّ الدولة العثمانيَّة لم تأخذ موقفًا إيجابيًّا، وظلَّ الوضع؛ كما هو عليه.


ثانيًا: حدث تطوُّرٌ مؤسفٌ في الأحداث في المناطق الشماليَّة من الدولة العثمانيَّة والملاصقة لإمارة الإفلاق، وكانت إمارة الإفلاق تابعةً للدولة العثمانيَّة؛ ولكن اشترك جيشها بموافقة أميرها ع¤لاد الثاني Vlad II الشهير بع¤لاد دراكول Vlad Dracul، في معركة ع¤ارنا مع الجيش الصليبي ضدَّ العثمانيِّين، وبعد المعركة واصل ع¤لاد الثاني أعماله العدائيَّة ضدَّ الدولة العثمانيَّة؛ فقد استغلَّ وجود أسطولٍ فرنسيٍّ في البحر الأسود كان قد هاجم أحد الأساطيل العثمانيَّة، وقد تعاون مع قائده -وهو واليراند أمير مقاطعة واع¤رين الفرنسية Walerand of Wavrin- في تدمير قلعةٍ عثمانيَّةٍ عند مدينة توتراكان Tutrakan (أقصى شمال شرق بلغاريا)، ثم حاصرا مدينة سيليسترا Silistra البلغاريَّة، ولكنَّهما لم يُفلحا في إسقاطها، فحاصرا حصن چورچيو Giurgiu، ثم وافقت الحامية العثمانيَّة على ترك الحصن والرحيل في مقابل الأمان، فوافق ع¤لاد الثاني، وعندما خرج العثمانيُّون باغتهم الرومانيُّون والفرنسيُّون، وقاموا -كما يعترف المؤرِّخ الروماني كاميل موريشانو Camil Mureب™anu- باغتيالهم عن بكرة أبيهم[6]!


حدث هذا الغدر في شهر سبتمبر من عام 1445م، ولم تأخذ الدولة العثمانيَّة موقفًا يُوازي الحدث، ولولا لطف الله لتطوَّر الأمر أكثر من ذلك؛ فقد دخل الشتاء في هذا العام مبكِّرًا ممَّا منع الجيش الروماني والفرنسي من مواصلة التعدِّي على شمال الدولة العثمانيَّة.


ثالثًا: مع أنَّ الأمور لم تكن مستقرَّةً في المجر؛ إذ دارت فيها حربٌ أهليَّةٌ للوصول إلى كرسي الحكم، إلَّا أنَّ الأوضاع كانت تسير في اتِّجاه صعود چون هونيادي إلى منصبٍ مهم، مع أنَّه ليس من العائلة الملكيَّة الحاكمة، وقد تطوَّر الأمر لصالحه إلى درجة أنَّه بدأ يُراسل البابا وملوك أوروبَّا لشنِّ حملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ ضدَّ الدولة العثمانيَّة[7]؛ ولكن يبدو أنَّ صدمة ع¤ارنا كانت مانعةً للجميع من التفاعل معه؛ ومع ذلك فقد كان وجوده بهذه القوَّة نذيرًا بالخطر للدولة العثمانيَّة، وقد انتهت الأمور لصالح چون هونيادي في المجر؛ حيث قرَّر مجلس الشيوخ المجري (الدايت Diet) في نهاية الأمر تولية أحد أطفال العائلة الحاكمة -وهو لاديسلاس Ladislaus- مُلْكَ المجر؛ وذلك تحت رعاية حاكمٍ عسكريٍّ هو چون هونيادي، مع إعطائه لقب «الحاكم Governor»، وهو لقبٌ جديدٌ في هذه الحقبة التاريخيَّة اقتضته الظروف التي تمرُّ بها الدولة[8]. كان هذا التطوُّر في شهر يونيو 1446، وكان يُنذر بتدبير چون هونيادي لعملٍ عسكريٍّ ضدَّ الدولة العثمانيَّة، التي لم تأخذ موقفًا عسكريًّا واضحًا ضدَّ المجر منذ نهاية أحداث موقعة ع¤ارنا عام 1444.


رابعًا: كان الوضع في ألبانيا على الدرجة نفسها من السوء؛ فالمتمرِّد إسكندر بك يزداد قوَّة؛ بل يتوسَّع في الأراضي العثمانيَّة، وقد أخذت الدولة العثمانيَّة موقفًا عسكريًّا ضعيفًا تجاهه في هذه الفترة كانت له نتائج سلبيَّة كبيرة، وهذا الموقف كان عبارةً عن إرسال جيشٍ من تسعة آلاف مقاتلٍ بقيادة فيروز باشا، وقد التقى الجيش وقوَّات إسكندر بك عند جبل موكرا Mokra بمقدونيا شرق ألبانيا، وللأسف تعرَّض الجيش العثماني لهزيمةٍ كبيرةٍ في يوم 10 أكتوبر 1445م حيث قُتِل القائد العثماني فيروز باشا[9]، وتذكر المصادر الألبانيَّة المعاصرة أنَّ قتلى الجيش العثماني بلغوا ألفًا وخمسمائة قتيل[10]!


ومع فداحة المشكلة إلَّا أنَّ الدولة العثمانيَّة لم تأخذ موقفًا حاسمًا يُوازي الحدث.




خامسًا: كانت البندقية في مأزقٍ كبير؛ فهي دولةٌ تعتمد في حياتها على التجارة، والدولة العثمانيَّة بالنسبة إليها وسطٌ مناسبٌ جدًّا لذلك؛ فهي في حدِّ ذاتها دولةٌ واسعةٌ ذات قوَّةٍ شرائيَّةٍ كبيرة، بالإضافة إلى أنَّها دولةٌ وسيطةٌ بين الشرق والغرب، أو بين آسيا وأوروبَّا، وقد غامرت البندقية بالدخول في الحرب الصليبيَّة ضدَّ العثمانيِّين في ع¤ارنا على أمل إخراجهم تمامًا من البلقان، ومِنْ ثَمَّ ينفردون بالتجارة في شرق أوروبَّا، ولهذا نقضوا المعاهدة التي كانوا قد عقدوها قبل ذلك مع مراد الثاني عام 1431، التي كانت تسمح لهم بالتجارة في الموانئ العثمانيَّة؛ ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وهُزِمت الجيوش الصليبيَّة، وخسرت البندقية عسكريًّا وسياسيًّا، والأهمُّ من ذلك اقتصاديًّا.


الآن، كما يقول المؤرِّخ الأميركي چون فريلي John Freely ، ستُحاول البندقية استغلال حداثة سنِّ السلطان الجديد في تجديد المعاهدة السابقة، وكأنَّ شيئًا لم يكن[11]! وحيث إنَّ البابا كان يرفض أن تعود البندقية لعلاقاتها التجاريَّة مع الدولة العثمانيَّة، فإنَّ مجلس الشيوخ البندقي كتب رسالةً إلى البابا يُوضِّح فيها الخسارة التي تُعانيها البندقية، ويذكر أنَّ هناك إمارات وممالك أوروبِّيَّة أخرى تعقد سلامًا مع العثمانيِّين؛ لذلك فهم يُريدون المعاملة بالمثل! ثم صوَّت مجلس الشيوخ المكوَّن من خمسةٍ وتسعين فردًا على هذه الرسالة، فوافقت عليها الأغلبيَّة الساحقة بشكلٍ عجيب؛ حيث صوَّت بالموافقة واحدٌ وتسعون عضوًا، ورفض اثنان فقط؛ بينما امتنع من التصويت اثنان كذلك[12]! إلى هذه الدرجة يُريد البنادقة العودة إلى السلام مع الدولة العثمانيَّة، وكانوا يُريدون الأمر بهذه السرعة قبل أن يعود مراد الثاني إلى الحكم في أيِّ ظرف، فعندها قد يضع شروطًا مذلَّةً عليهم لا يقدرون على تطبيقها.


والواقع أنَّه تمَّ للبنادقة ما أرادوا! ولقد عُقِدَت المعاهدة مع السلطان الجديد محمد الثاني في فبراير 1446م، وجُدِّدَت لهم المزايا التي كانوا يتمتَّعون بها في معاهدة 1431م[13]، ويُؤكِّد بابينجر على تشابه المعاهدتين[14]، وأحسبُ أنَّ الدولة العثمانيَّة لو كانت في حالتها الطبيعيَّة، ولو كان مراد الثاني في مقام السلطان، لأمكن للدولة العثمانيَّة أن تُحقِّق مكاسب أضخم من هذه المعاهدة، وقد ذكر بابينجر أنَّ مجلس الشيوخ البندقي أوصى المفاوضين البنادقة بمحاولة تجنُّب وضع بندٍ يفرض ضريبةً مُذِلَّةً (Humiliating) على جمهوريَّة البندقية[15]، فمعنى ذلك أنَّ هذا الأمر كان متوقَّعًا لولا الظروف الاستثنائيَّة التي تمرُّ بها الدولة العثمانيَّة.


سادسًا وأخيرًا: في شهر أبريل 1446م حدثت ثورةٌ من الجنود الإنكشاريَّة في إدرنة يُطالبون بزيادةٍ في أجورهم، وللضغط على السلطان الصغير حرقوا بعض المنشآت التجاريَّة في العاصمة ممَّا أدَّى إلى رضوخ السلطان لطلبهم، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة العثمانيَّة[16].


هذا هو الوضع في هاتين السنتين العصيبتين في تاريخ الدولة العثمانيَّة.


وهذا هو ما دعا المؤرِّخ الچورچي ألكسندر ميكابريدز Alexander Mikaberidze إلى القول: «إنَّ محمدًا الثاني حكم سنتين حكمًا هشًّا إلى أن أسقطه الإنكشاريَّة بثورةٍ في عام 1446م»[17]. بل وصف المؤرِّخ الإنجليزي الأميركي چون ميدلتون John Middleton هذه الفترة من الحكم بأنَّها كانت فشلًا بعد فشل[18]!


والحقُّ أنَّني لا ألوم على محمد الثاني في ذلك في شيء!


فعدم خبرته، وضعف قدرته على الحكم على الأمور، أمرٌ طبيعيٌّ في هذه السنِّ المبكرة، خاصَّةً أنَّه يحكم دولةً ديناميكيَّةً فيها حركةٌ واسعة، ولها أعداءٌ في أكثر من جبهة، والحسابات السياسيَّة لها معقَّدةٌ حتى على أعتى رجال السياسة، فما بالنا بطفلٍ صغيرٍ يصعد للمرَّة الأولى في عمره إلى مثل هذا المنصب، كما أنَّه من المتوقَّع ألَّا تقع الهيبة في قلوب العسكريِّين إذا ما رأوا هذا الطفل في كرسي الحكم؛ فإدارة العسكريِّين أصلًا تحتاج إلى قبضةٍ من حديد، وإلى قراراتٍ جريئةٍ قويَّة، وما لم يشعر الجنود بالرهبة من القائد فإنَّهم سينقلبون عليه حتمًا لشعورهم بقوَّتهم وقدرتهم على استخدام السلاح، ولهذا رفض رسول الله ï·؛ إعطاء الإمارة لأبي ذرٍّ رضي الله عنه مع كونه من أتقى الناس وأورعهم، وعلَّل رفضه بكلماتٍ قليلةٍ موجزةٍ للغاية، فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ...»[19]. فالضعف الظاهر على طفلٍ لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره أمرٌ واضحٌ لكلِّ الناس فضلًا عن العسكريِّين، وهو أمرٌ واضحٌ كذلك لكلِّ أعداء الدولة، سواءٌ في اليونان، أم ألبانيا، أم المجر، أم البندقية، وهذا ما أفرز المواقف التي ذكرناها في هاتين السنتين.


إنَّني لا ألوم على محمد الثاني في هذه الأحداث؛ ولكن ألوم بشدَّةٍ على مراد الثاني الذي ارتكب خطأً فادحًا بتنازله عن العرش لابنه وهو في هذه السنِّ المبكرة، والأَولى شرعيًّا في مثل هذه الأمور إنْ لم يكن قادرًا بالمرَّة على إدارة البلاد -لإصابته بمرضٍ أو نحو ذلك- أن يُعطي الحكم لمن يقدر على إدارة الدولة بحكمة، ولو لم يكن من العائلة العثمانيَّة أصلًا؛ ومع ذلك فإنَّنا سنرى أنَّ مرادًا الثاني سيعود للحكم بعد هاتين السنتين السيِّئتين، وسيُعيد الأمور إلى نصابها، ممَّا يُؤكِّد أنَّه، وإنْ كان مرهقًا، أو راغبًا في العزلة، فما زالت لديه القدرة على الإدارة بحكمة، والقيادة بقوَّة، وهذا ما يُؤكِّد خطأه عند التنازل لابنه عن العرش.


أجبرت الأحداث المتلاحقة السلطان مرادًا الثاني على العودة في قرار التنازل لابنه محمد الثاني، وعاد إلى إدرنة ليتسلَّم الحكم من جديد في سبتمبر 1446م[20]، وهدأت الأمور فورًا في إدرنة العاصمة، وانسحب محمد الثاني إلى مانيسا مرَّةً ثانيةً ليتولَّى من جديد إدارة هذه الولاية، وكان حينئذٍ قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره بستَّة شهور[21].


ثانيًا: عودة مراد الثاني للحكم، وفتح الملف اليوناني:


عاد مراد الثاني إلى قصر حكمه في إدرنة نشيطًا متحمِّسًا، وبدأ في دراسة الملفَّات الكثيرة التي فُتِحت في العامين السابقين، وتعامل معها بجدِّيَّةٍ عظيمةٍ أنبأت عن قدراته القياديَّة والإداريَّة الكبيرة.


وَجَد السلطان مراد الثاني أنَّ أخطر الملفَّات التي تواجه الدولة العثمانيَّة آنذاك كان الملف اليوناني؛ فالأمير قُسطنطين توسَّع في الأراضي العثمانيَّة، وأجبر بعض أتباعها على دفع الجزية إليه، وهو قريبٌ من إدرنة العاصمة العثمانيَّة، وإمكانات تعاونه مع الأساطيل الأوروبِّيَّة واردةٌ ممَّا قد يُهدِّد قلب الدولة العثمانيَّة، ولهذا آثر أن يُعطي هذه المسألة أولويَّةً كبرى وحاسمة؛ لذلك سعى إلى تسكين الجبهات الأخرى حتى يتفرَّغ كليَّةً لهذا الأمر. بدأ السلطان عمله بقبول تأكيد معاهدة السلام المبرَمة مع البندقية، التي وقَّعها ابنه السلطان محمد الثاني منذ فبراير 1446م. تمَّت هذه الموافقة في 25 أكتوبر من العام نفسه[22]؛ أي بعد شهرٍ تقريبًا من عودة السلطان مراد الثاني للحكم، وكان السلطان مراد الثاني مطمئنًّا كذلك إلى الجبهة الصربيَّة؛ فقد أبدى برانكوع¤يتش نزعةً سلميَّةً واضحةً في العامين الماضيين؛ حيث لم يشترك أصلًا في موقعة ع¤ارنا[23]، وآثر عدم التعاون مع المجر بعد ذلك.


في الوقت نفسه، وفور عودة السلطان مراد الثاني إلى الحكم، تقدَّم ع¤لاد الثاني (دراكول) أمير الإفلاق بطلب عقد معاهدة سلامٍ وتبعيَّةٍ جديدةٍ مع الدولة العثمانيَّة؛ بل عرض إعادة بعض اللاجئين البلغار الذين لجئُوا إلى إمارته في وقت حربها مع العثمانيِّين، وعلى الرغم من فداحة الجرم الذي فعله ع¤لاد الثاني قبل ذلك مع الدولة العثمانيَّة، فإنَّ السلطان مرادًا قَبِل عقد هذه المعاهدة[24] ليُعطي نفسه الفرصة للتوجُّه جنوبًا ناحية اليونان؛ وذلك بعد سكون الجبهة الشماليَّة (الإفلاق)، والجبهة الشماليَّة الغربيَّة (البندقية وصربيا).


هكذا صار السلطان مراد الثاني متفرِّغًا لمسألة اليونان؛ ومع أنَّ الشتاء كان قد دخل، وكان من عادة الجيوش ألَّا تُقاتل في ذلك الوقت خوفًا من الأحوال الجويَّة السيِّئة، إلَّا أنَّ السلطان مرادًا الثاني لم يُؤخِّر الأمر؛ إنَّما تحرَّك من فوره في اتِّجاه شبه جزيرة المورة على رأس جيشٍ يزيد على خمسين ألف مقاتل[25] (انظر خريطة رقم 12). قصف مراد الثاني حائط هيكسامِليون Hexamillion Wall الذي يحمي المورة، وهدمه في 10 ديسمبر 1446م، ثم التقى في عدَّة معارك وجيوش قسطنطين، فحقَّق انتصاراتٍ كبيرة[26]، ودون الدخول في تفصيلات هذه المعارك المتعدِّدة يُمكن أن ننظر إلى النتائج لنُدرك حجم النجاح الذي حقَّقه السلطان مراد الثاني في هذه الحملة:


1. استردَّ مراد الثاني كلَّ الأراضي التي كان قُسطنطين قد أخذها في العامين السابقين[27].


2. تمَّ تدمير أجزاء أخرى من حائط هيكسامِليون بحيث لا يُصبح عائقًا أمام الجيوش العثمانيَّة بعد ذلك[28].


3. حصل الجيش العثماني على كميَّةٍ كبيرةٍ من الغنائم، إلى درجة أنَّ الجنود كانوا يضطرُّون إلى الاختيار بين الغنائم لكثرتها؛ حيث لم يتمكَّنوا من حملها كلِّها[29]!


4. عدد الأسرى اليونانيِّين غير متخيَّل! إذ أجمعت المصادر على أنَّه تجاوز الستِّين ألف أسير[30][31][32][33]!


5. عاد حاكم أثينا الفلورنسي نيرو الثاني Neiro II إلى تبعيَّة الدولة العثمانيَّة[34].


6. الأهم من كلِّ ما سبق هو إقرار قُسطنطين وأخيه تُوماس Thomas Palaiologos، بالتبعيَّة للدولة العثمانيَّة، ودفع الجزية وخراج الأرض[35]، ممَّا يعني ضم أهم أجزاء اليونان، وهو الجزء الجنوبي الواقع على سواحل بحر إيجة والبحر المتوسط، إلى الدولة العثمانيَّة، وهو نصرٌ استراتيجيٌّ كبير؛ وذلك من ناحيتين: الأولى أنَّه أرغم واحدًا من أشدِّ أعداء الدولة العثمانيَّة وأعنفهم في حربها على الركون والسكون إلى السلطان العثماني، وهذا أضعف النفسيَّة اليونانيَّة على وجه الخصوص، والأوروبِّيَّة على وجه العموم، والثانية أنَّ هذا النصر سيُعطي طريقًا عثمانيًّا إلى موانئ شبه جزيرة المورة، والمملوكة في معظمها لجمهوريَّة البندقية، وهذا قد يُمثِّل ورقة ضغطٍ على البنادقة، خاصَّةً وأنَّ نقضهم للعهد في ع¤ارنا لم يمر عليه إلَّا عامان فقط.


ثالثًا: حملة همايونية على ألبانيا:


بعد الحملة الناجحة على اليونان، وبعد تسكين الجبهات الشماليَّة والشماليَّة الغربيَّة، صار الهمُّ الأكبر لمراد الثاني هو إخضاع ألبانيا لسيطرة الدولة العثمانيَّة؛ فالتمرُّد الذي قام به إسكندر بك منذ عام 1443م ما زال مستمرًّا؛ بل تعرَّض الجيش العثماني لهزيمةٍ من الألبان في فترة حكم محمد الثاني، وهناك بوادر توسُّع للألبان في مقدونيا، ويبدو أنَّ الأوروبِّيِّين بعد حملة مراد الثاني على اليونان قد فَقَدوا الأمل في التعاون مع البيزنطيِّين ضدَّ الدولة العثمانيَّة، ولهذا صارت آمالهم معلَّقةً برموزٍ مقاوِمَةٍ أخرى، وكان من أبرزهم إسكندر بك.


كان القرار هو إخراج حملةٍ همايونيَّة -أي بقيادة السلطان نفسه- إلى ألبانيا، وقد بلغ تعداد الجيش العثماني في بعض التقديرات حوالي مائةٍ وسبعين ألف مقاتل، وإن كان الأصوب أنَّه حوالي ثمانين ألف مقاتل[36]، وهو في كلِّ الأحوال رقمٌ كبيرٌ؛ حيث إنَّ جيوش إسكندر بك كانت حوالي ثمانية آلاف جنديٍّ فقط في المجمل[37]، وقد استدعى السلطان مراد الثاني ابنه محمدًا الثاني من مانيسا ليشترك في الحملة[38].


كانت وجهة السلطان مراد الثاني هي قلعة سع¤يتيجراد، البوابة الشرقيَّة لألبانيا، وقد وصل إليها بالفعل، وضرب حولها الحصار، بدايةً من 14 مايو 1448[39]، واستمرَّ الحصار أكثر من شهرين، ثم سقطت القلعة في يد المسلمين بعد أن أعطى السلطان مراد الثاني الأمان لحاميتها، وقد خرجت الحامية بكاملها في يوم 31 يوليو 1448، ووفَّى السلطان بوعده فلم يتعرَّض بأذًى لأيِّ فردٍ من أفرادها، وتسلَّم المسلمون القلعة[40].

رابعًا: موقعة كوسوع¤و الثانية:


عاد السلطان مراد الثاني إلى إدرنة فورًا بعد تسليم القلعة؛ ولكن بمجرَّد وصوله أتته الأخبار بتصعيدٍ جديدٍ في الجبهة الغربيَّة أيضًا؛ ولكن مع عدوٍّ جديدٍ هو چون هونيادي حاكم المجر!


لقد كانت الأولويَّة الكُبرى عِند چون هونيادي في هذه المرحلة هي الانتقام من الدولة العثمانيَّة وسلطانها مراد الثاني بعد هزيمة ع¤ارنا، وكان يعلم أن صِدامًا مع الجيش العثماني الكبير سيكون أمرًا صعبًا على جيشه منفردًا؛ لذلك سعى بكلِّ طاقته لاستنفار زعماء أوروبا لمساعدته في هذه المهمَّة، ولقد جاءت ردود الفعل متفاوتةً بشكلٍ كبير! وإن كانت في المجمل سلبيَّةً على غير ما توقَّع هونيادي! لقد جاء ردُّ فعل البابا صريحًا بالرفض لشكِّه في نجاح الحرب ضدَّ العثمانيين في هذه المرحلة[41]، وكذلك فعلت البندقية، التي كانت حريصةً على استمرار عَلاقاتها السلميَّة بالدولة العثمانيَّة، ومثلهما فعل ملك أراجون ونابولي Naples ألفونسو الخامس Alfonso V، و-أيضًا- چورچ برانكوع¤يتش أمير صربيا[42]. ومع ذلك فقد جاءته موافقةٌ للمشاركة بأعدادٍ صغيرةٍ نسبيًّا مِن مملكة بوهيميا (جزء من دولة التشيك الآن)، وكذلك من بعض الإمارات الألمانيَّة[43]، أمَّا الموافقة الأكبر فقد جاءت من زعيم التمرد الألباني إسكندر بك[44].


تحرَّك السُّلطان مراد الثاني بجيوشه بسرعةٍ في اتِّجاه الغرب، مصطحبًا معه وليَّ العهد الأمير محمد الثاني، وكان تعداد الجيش العثماني في بعض التَّقديرات أربعين ألف مقاتل[45]، وارتفعت به تقديراتٌ أخرى إلى ستين ألف مقاتل[46]؛ بينما كان جيش هونيادي يُقَدَّر بحوالي 30 ألف مقاتل[47]، وارتفعت به بعض التَّقديرات إلى 47 ألف مقاتل[48]، وهذا يعني أن الجيوش كانت متكافئةً نسبيًّا في العدد مع زيادةٍ طفيفةٍ في الجانب العثماني.


في يوم 4 أكتوبر 1448م، أو قبله بيوم، وصل مراد الثاني إلى سهل كوسوع¤و[49] (انظر خريطة رقم 12) ؛ حيث يتوقَّع مراد الثاني أن يقطع هنا الطريق على جيش هونيادي الذي يرغب في الوصول إلى ألبانيا لمصاحبة حليفه إسكندر بك، ومن اللطيف أن هذا السهل شهد موقعةً ضاريةً قبل تسعٍ وخمسين سنةً من هذه الأحداث؛ أي في عام 1389، بين الجيش العثماني بقيادة مراد الأول (أبو جدِّ السلطان مراد الثاني) ودولة صربيا بقيادة ملكها لازار، فيما عُرِف في التاريخ بمعركة كوسوع¤و الأولى، وكان النصر فيها حليف الجيش العثماني[50]، ولهذا ستُعرَف المعركة التي ستدور الآن بين الجيش العثماني وجيش المجر بمعركة كوسوع¤و الثانية.


وصل چون هونيادي إلى ساحة كوسوع¤و في يوم 17 أكتوبر 1448م[51]؛ أي بعد الجيش العثماني بأسبوعين كاملين، ولا شَكَّ أن هذا كان في مصلحة العثمانيين، وقد بدأ القتال فورًا واستمرَّ ثلاثة أيَّامٍ كاملة (17 -19 أكتوبر)، وكان القتال ضاريًا، وسقط القتلى بالآلاف، وكانت الكِفَّة في يوم 18 أكتوبر لصالح المجريِّين؛ ولكن في يوم 19 أكتوبر الموافق (20 شعبان 852هـ)[52][53] صارت في صالح الجيش العثماني، وسرعان ما قرأ هونيادي أن الهزيمة آتيةٌ لا محالة، ومِنْ ثَمَّ أخذ القرار المفاجئ بالهرب تاركًا عددًا كبيرًا من رجاله وأسلحته في أرض القتال[54][55][56].


كانت الهزيمة كارثيَّةً على الجيش المجري؛ فَقَدَ هونيادي في هذه المعركة 17 ألف قتيل[57]، ولم تكن الخسارة في الجنود فقط؛ إنما سقط كلُّ النبلاء والقادة الذين كانوا في جيش هونيادي، وكان هو الوحيد من نبلاء المجر الذي نجا بحياته[58]، بالإضافة إلى أمير الإفلاق الروماني ع¤لاديسلاع¤ الثاني[59].


تتفاوت التَّقديرات بشدَّة في خسائر الجيش العثماني، فبينما يذكر بابينجر أنها تقترب من 35 ألف قتيل[60] يهبط بها أوزتونا إلى أربعة آلاف شهيد فقط[61]، وبين هذا وذاك توجد تقديرات أخرى كثيرة؛ ولكن على العموم فإن كلَّ المراجع بلا استثناء -سواء كانت تركية أم غربية- تؤكد أن النصر كان للجيش العثماني بشكلٍ حاسم؛ بل إن بعض المؤرِّخين يعدُّون هذه المعركة أهمَّ من معركة ع¤ارنا الشهيرة (عام 1444م)، فعلى سبيل المثال يصف المؤرخ الأرجنتيني، والأستاذ بجامعة سوانزي الإنجليزية، روبرت بيديلو Robert Bideleux- موقعة كوسوع¤و الثانية بالقياس إلى ع¤ارنا قائلًا: «كانت أقلَّ شهرةً لكنَّها أكثر حسمًا»[62]. ويقول المؤرخ المجري بال إنچل Pأ،l Engel: «انتهت معركة كوسوع¤و الثانية بهزيمةٍ ثقيلةٍ Heavy defeat للنصارى، وهلك الجزء الأعظم من جيوشهم»[63].


هذه هي معركة كوسوع¤و الثانية عام 1448م! وهي لا تختلف كثيرًا عن معركة كوسوع¤و الأولى عام 1389م؛ إذ تحقَّق في كُلٍّ منهما النصر الحاسم للمسلمين.


هكذا انتهى الصدام العسكري الكبير بين الدولة العثمانيَّة والمجر، وتحوَّل هونيادي من سياسة الهجوم إلى سياسة الدفاع، ولم يبقَ في البلقان رافعًا راية الحرب ضدَّ العثمانيين إلا متمرد ألبانيا إسكندر بك، وعليه كانت تُعوِّل النصرانية الغربية في مقاومة الدولة العثمانيَّة، وإن كانت موقعة كوسوع¤و الثانية قد أنهت كلَّ طموحات الغرب في إخراج العثمانيين من البلقان بشكلٍ كاملٍ.

خامسًا: الإمبراطور الأخير في الدولة البيزنطية:


وفي يوم 31 أكتوبر 1448م، وقبل أن يصل مراد الثاني من كوسوع¤و إلى عاصمته إدرنة، تُوفِّي الإمبراطور چون الثامن إمبراطور الدولة البيزنطيَّة، ولم يكن له أبناء، فخلفه أخوه قُسطنطين على الحكم، إلَّا أنَّ ذلك لم يُرْضِ الأخوين الآخرين: تُوماس Thomas، وديمتريوس Demetrius، فدار صراعٌ بين الثلاثة لكن استقرَّت الأمور في النهاية لقسطنطين[64]، الذي تُوِّج تحت لقب قُسطنطين الحادي عشر Constantine XI Palaiologos، وهو تتويجٌ مهمٌّ في التاريخ؛ لأنَّه سيكون الأخير في حياة هذه الإمبراطوريَّة العتيدة؛ إذ ستنهار كليَّةً في عهده؛ وذلك عندما يفتح محمد الثاني القسطنطينيَّة في عام 1453م؛ ولقد راسل الإمبراطور الجديد مرادًا الثاني طالبًا عقد معاهدة سلام، وفي الوقت نفسه قسَّم شبه جزيرة المورة اليونانيَّة بين أخويه تُوماس وديمتريوس، اللذين صارا بذلك تابعَين للدولة العثمانيَّة[65].

سادسًا: حملة همايونية أخرى على ألبانيا:


لم يبقَ ما يُؤرِّق حياة السلطان مراد الثاني، ويُشعره بالقلق على مستقبل الدولة العثمانيَّة، ومستقبل ابنه الأمير محمد الثاني، إلَّا مسألةٌ واحدةٌ فقط، وهي تمرُّد ألبانيا!


إنَّ قوَّة إسكندر بك تتزايد مع الوقت، وأوروبَّا تُعلِّق آمالها عليه، وستُقدِّم له الدعم حتمًا، ووجود مثل هذا التمرُّد في هذه المنطقة البعيدة عن مركز الدولة العثمانيَّة يُمثِّل خطرًا داهمًا؛ إذ إنَّ احتمالات التوسُّع شرقًا في مقدونيا، أو جنوبًا في اليونان، واردةٌ بقوَّة، كما أنَّ ضياع إقليم ألبانيا ونجاح فكرة التمرُّد فيه، قد يُثير بقيَّة الأقاليم العثمانيَّة في أوروبَّا، وقد تحدث انقلاباتٌ مشابهةٌ في مقدونيا، أو بلغاريا، أو اليونان.


هذه الهواجس كلُّها دفعت مرادًا الثاني إلى القيام في صيف 1450م بحملةٍ همايونيَّةٍ جديدةٍ على ألبانيا، مصطحبًا معه كذلك الأمير محمد الثاني، وكانت وجهة الجيش في هذه المرَّة عاصمةَ التمرُّد الألباني، وهي مدينة كرويه Krujë الحصينة، وبلغ تعداد الجيش العثماني مائة ألف مقاتل كان منهم ستُّون ألفًا من الفرسان[66].


كانت مدينة كرويه من أحصن المدن في البلقان، وكأنَّها جزءٌ من الجبل الذي بُنيت عليه، وهذا ساعد إسكندر بك على اختيار سياسة القتال ضدَّ جيوش الدولة العثمانيَّة الكبيرة؛ فقد قرَّر إسكندر بك أن يترك في القلعة حاميةً محدودةً قوامها أربعة آلاف مقاتل[67]، كانت كافيةً للدفاع عن المدينة الحصينة؛ حيث إنَّها لن تدخل في حروبٍ ميدانيَّةٍ مع الجيش العثماني؛ أمَّا هو فقد جهَّز جيشًا من ثمانية آلاف مقاتل، سيُحاربون حرب العصابات عن طريق الكرِّ والفرِّ[68].


في 14 مايو 1450م وصل الجيش العثماني آمنًا إلى أسوار مدينة كرويه[69]، ونصب آلات الحصار والمدافع حول قلعة المدينة، وكان منها بعض المدافع الضخمة التي تلقي قذائف بوزن أربعمائة باوند[70]، وعرض السلطان على الحامية أن تستسلم ويُعطيها الأمان، ولكنَّها رفضت، فبدأ من فوره في قذف المدينة، واستمرَّ القصف أربعة أيَّامٍ متواصلة حتى أحدث ثقبًا في أحد الجدران، ولكنَّ جنوده لم يستطيعوا الدخول من هذا الثقب لصلابة الحامية المدافعة عن المدينة، ووفرة قذائفهم، فأُصلِح الثقب ولم يدخل إلى المدينة أحدٌ من العثمانيِّين[71]. في هذه الأثناء بُوغِت المعسكر العثماني ليلًا، ممَّا أحدث خسائر كثيرة في الأرواح في الجانب المسلم[72].


كرَّر مراد الثاني محاولة اقتحام القلعة في أواخر شهر يوليو، ولكنَّ محاولته باءت بالفشل كذلك؛ بل تعرَّض جيشه لهجماتٍ ليليَّةٍ متكرِّرة، كما استُدرِج أكثر من مرَّة في الجبال، ثم وقع في كمائن، وكانت خسارته كبيرة[73]. استمرَّ الحصار للمدينة دون فائدة، وكرَّر مراد الثاني محاولة الاقتحام مرَّةً ثالثة؛ ولكن دون نتيجة، وبدا واضحًا أنَّ اقتحام القلعة عسكريًّا هو أمرٌ من الصعوبة بمكان[74]. وفي شهر أكتوبر أدرك السلطان مراد الثاني أنَّ قدوم الشتاء سيُصعِّب الأمور كثيرًا على الجيش، وقد تتمكَّن الفرق الألبانية المعتادة على الأجواء السيِّئة للطقس أن تنال من الجيش العثماني بصورةٍ أكبر، ولهذا قرَّر رفع الحصار آسفًا في 26 أكتوبر والعودة إلى إدرنة دون تحقيق نتيجة[75].


كانت خسائر الجيش العثماني في هذا الحصار الطويل الذي زاد على أربعة أشهر، خسائر كبيرة للغاية؛ إذ تذكر المصادر أنَّ الأرقام جاوزت عشرين ألف قتيل[76][77]، هذا غير الخسائر الاقتصاديَّة والمعنويَّة، بالإضافة إلى الأثر الإيجابي المعنوي الكبير الذي حقَّقه إسكندر بك بهذا الانتصار.


هكذا كانت حملة ألبانيا بنتائجها السلبيَّة، وقد تركت الانطباع الراسخ عند السلطان مراد الثاني، وكذلك عند وليِّ عهده الأمير محمد الثاني، أنَّ مشكلة تمرُّد إسكندر بك ليست مشكلةً عابرة؛ إنَّما ستؤرِّق الدولة العثمانيَّة لعدَّة سنواتٍ قادمة.


سابعًا: ميراث مراد الثاني:


عاد السلطان مراد الثاني إلى إدرنة، وعاد الأمير محمد الثاني إلى مانيسا، وانشغل السلطان في بعض الأمور الداخليَّة في العاصمة، ولكنَّ انشغاله لم يَدُمْ طويلًا؛ إذ شاء الله عز وجل أن تنتهي حياته رحمه الله في الثالث من فبراير عام 1451م[78] الموافق الثاني والعشرين من ذي الحجة 854هـ[79]. لقد حدث ما كان يتوقَّعه مراد الثاني؛ إذ مات وهو في السابعة والأربعين فقط من عمره! ليترك المجال لابنه محمد الثاني لارتقاء العرش وهو في التاسعة عشرة من العمر.


فقدت الدولة العثمانيَّة بموته شخصيَّةً جديرةً بالاحترام حقًّا..


قال عنه السخاوي: «وصار من عظماء ملوك الروم (أي أرض الروم، التي هي الأناضول وشرق أوروبا)، وأهلك الله على يديه مَلِكًا عظيمًا من ملوك بني الأصفر (يقصد ع¤لاديسلاع¤ الثالث Vladislav III ملك بولندا والمجر في معركة ع¤ارنا)[80].


ويقول عنه المؤرِّخ الألماني هانز كيسلينج Hans Kissling: «بولاية مراد الثاني اكتسبت الدولة العثمانيَّة سلطانًا قادرًا وحازمًا، الذي كان في الوقت نفسه محترِمًا للقانون، مؤْثِرًا للإصلاح الهادئ. كانت الحرب بالنسبة إليه شرًّا غير متجنَّب وليست جزءًا لا يتجزَّأ من الحياة»[81].

والواقع أننا نحتاج إلى دراسةٍ متعمِّقةٍ لحياة هذا العَلَم الكبير مراد الثاني، ليس فقط لفهم الإنجازات التي حقَّقها للدولة العثمانية في فترة حكمه؛ ولكن لفهم التطوُّر العظيم الذي سيحدث لاحقًا في فترة حكم ابنه محمد الثاني (الفاتح)، والتي لا يمكن أن تُستوعَب إلا بإدراك الجهود العظيمة التي بذلها هذا السلطان القدير، وسوف أقوم الآن بإيجاز ما تركه لابنه قبل وفاته، وكان سببًا مباشرًا في نجاح الفاتح في الوصول إلى ما وصل إليه في حياته:


أوَّلًا: ترك مراد الثاني دولةً واسعةً مترامية الأطراف، تقترب من حجم الدولة التي كان يحكمها بايزيد الأوَّل قبل كارثة أنقرة عام 1402م، وكانت الدولة عند موت مراد الثاني قد وصلت إلى مساحةٍ 650 ألف كيلو متر مربع، وكانت تضمُّ أجزاءً تُدار بشكلٍ مباشرٍ تشمل: الثلث الغربي من الأناضول، والجزء الأوروبي من تركيا الحديثة باستثناء إسطنبول، وشمال شرق اليونان، ودول بلغاريا، ومقدونيا، وكوسوع¤و. وكانت تضمُّ كذلك أجزاءً تتبع الدولة العثمانيَّة وإن كانت تُدار بأهلها، وهذه هي: إمارتا قرمان وإسفنديار في الأناضول، ومملكة البوسنة، ودوقيَّة الهرسك، وجمهوريَّة راجوزا (دوبروع¤نيك)، وإمارة المورة اليونانيَّة، وإمارة أتيكا التي تشمل مدينة أثينا في اليونان (خريطة رقم 12). بالإضافة إلى بعض الإمارات التي لم تكن مستقرَّةً في ولائها، مثل: الإفلاق الرومانيَّة، وصربيا، وألبانيا. لكن على العموم كانت دولة مراد الثاني من الدول الراسخة الكبيرة في أوروبَّا والأناضول، ولم يكن من الممكن لأيِّ دولةٍ في هذه المناطق الواسعة أن تأخذ قرارًا في سياساتها دون حساب أمر هذه الدولة الكبيرة القويَّة، وهذا ولا شَكَّ أعطى محمدًا الثاني عند بداية حكمه مكانةً محترمةً يُمكن أن ينطلق منها إلى آفاقٍ أوسع.





ثانيًا: جيش الدولة العثمانية عند وفاة مراد الثاني كان جيشًا قويًّا قاهرًا، ومن أفضل جيوش أوروبَّا بلا جدال، ولم يكن يتميَّز بالعدد الكبير فقط؛ إنَّما بالشجاعة الظاهرة، والمهارة الفائقة، وكانت عُدَّته حديثة معاصرة، وكان مزوَّدًا بالمدافع التي تقذف قذائف البارود، ومزوَّدًا كذلك بالبنادق الناريَّة، علمًا أنَّ جيوشًا كثيرةً في الأرض كانت لا تزال تُقاتل بأسلحة القرون الوسطى من سيوفٍ ورماحٍ وسهام فقط.


ثالثًا: استطاع مراد الثاني قبل موته أن يقمع معظم الأعداء المتربِّصين بالدولة العثمانيَّة، ممَّا سيُوَفِّر لمحمد الثاني وَسَطًا هادئًا يستطيع أن يُحقِّق طموحاته فيه دون مقاومةٍ كبيرةٍ من المناوئين. قنع چون هونيادي حاكم المجر بتجنُّب الدولة العثمانيَّة بعد هزيمتي ع¤ارنا وكوسوع¤و الثانية. قَبِلَت البندقية عقد المعاهدات التجاريَّة مع العثمانيِّين على الرغم من تعرُّضها لهجماتٍ في بحر إيجة. العلاقات مع چورچ برانكوع¤يتش زعيم الصرب كانت هادئة ومتعاوِنة. استكان اليونان بعد هزيمة قُسطنطين وإخوته في المورة، حتى عندما تحوَّل قُسطنطين لقيادة الدولة البيزنطيَّة فعل ذلك هادئًا دون تصعيدٍ أمام الدولة العثمانيَّة. كان ملك البوسنة ودوق الهرسك يدفعان الجزية بانتظام، وكذلك كانت تفعل جمهوريَّة دوبروع¤نيك الإيطاليَّة.


رابعًا: أدَّت الضربات المتتالية للدولة البيزنطيَّة في عهد مراد الثاني إلى استكانتها بشكلٍ واضح، حتى رأينا البيزنطيِّين يحرصون على أخذ اعتراف مراد الثاني بالإمبراطور الجديد، ورأيناهم عند اختلافهم وصراعهم يلجئون إلى السلطان العثماني ليُعِين أحدهم على الآخر، وهذا كلُّه يصبُّ في إحداث هزيمةٍ نفسيَّةٍ عند البيزنطيِّين، ورفعٍ للمعنويَّات عند العثمانيِّين، وسيكون لهذا الشعور دورٌ مهمٌّ في سير الأحداث المستقبليَّة عند ولاية محمد الثاني.


خامسًا: من أروع ما تركه مراد الثاني في دولته بشكلٍ عامٍّ، وفي البلقان بشكلٍ خاص، حالةُ الرضا الشعبي عن أداء الحكومة العثمانيَّة وقيادتها، وهو ما لمسناه في شهادات المؤرِّخين البيزنطيِّين، فهذا الهدوء العام، والقبول التلقائي من شعوب الدولة العثمانيَّة -خاصَّةً النصارى منهم- لحكم السلطان مراد الثاني وأجداده من قبله، كان له الأثر المباشر في تهيئة الأجواء لمحمد الثاني لحكم دولةٍ مستقرَّةٍ داخليًّا، ممَّا سيُعطيه فرصةً كبيرةً للتوسُّع خارجيًّا وهو مطمئنٌّ للوضع في بلاده.


سادسًا: ترك مراد الثاني عند وفاته الأناضول هادئًا إلى حدٍّ كبير. نَعَمْ لم يكن العثمانيُّون يحكمون بشكلٍ مباشرٍ إلَّا ثلث الأناضول الغربي، ونَعَمْ لم تكن إمارة قرمان قابلةً بشكلٍ تامٍّ بأمر التبعيَّة للدولة العثمانيَّة؛ لكن الأجواء كانت هادئةً منذ عام 1444م؛ أي لمدَّة سبع سنوات قبل موت مراد الثاني في عام 1451، ممَّا دعم بشكلٍ أكبر وَضْع محمد الثاني، وفتح له المجال لإحداث مزيدٍ من التوسُّع والاستقرار في الأناضول.


وينبغي قبل إنهاء التعليق على جهود مراد الثاني في فترة حكمه ألَّا نغفل الحديث عن اهتمام السلطان القدير بأمور النهضة، والعمران، والعلوم، والحضارة بشكلٍ عامٍّ؛ فهذه النقلة النوعيَّة للدولة العثمانيَّة من دولةٍ تهتمُّ بالأمور العسكريَّة والجهاديَّة فقط إلى دولةٍ متكاملةٍ تهتمُّ بشتَّى المجالات الحياتيَّة.

دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 207- 227.