المرحلة الثالثة: مرحلة الاضطراب (1439-1444م)

كان مراد الثاني هو الحاكم السادس للدولة العثمانيَّة، وهو من الحكَّام المتميِّزين الذين ساعدوا في استقرار وضع الدولة العثمانية بعد كارثة أنقرة، ودور الفترة، وبذلك كان مكمِّلًا لدور أبيه في إعادة بناء الدولة العثمانيَّة.


حَكَم مراد الثاني الدولة العثمانيَّة ثلاثين سنة، من عام 1421م إلى 1451م، ويُمكن لنا -لسهولة فهم هذه الفترة الطويلة- أن نقوم بتقسيمها إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى، المرحلة الثانية، المرحلة الثالثة، المرحلة الرابعة، وتتميَّز كلُّ مرحلةٍ منها بصفاتٍ خاصَّة: والمرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا المقال هي المرحلة الثالثة.


مع أن بداية هذه المرحلة كانت انتصارًا كبيرًا للعثمانيين على الجيوش الأوروبية إلا أن تداعيات هذا النصر كانت وخيمةً على الدولة العثمانية؛ وذلك لتزامن عدة أحداث مع بعضها البعض أدَّت إلى هذا التطوُّر.


تبدأ القصة بخيانة أمير صربيا چورچ برانكوع¤يتش لعهده مع السلطان مراد الثاني مستغلًّا انهماك السلطان في قمع التمرُّد القرماني الذي أشرنا إليه آنفًا، فتعدَّى الأمير الصربي على الأراضي العثمانية، وتواصل مع المجريين لأجل دعمه.


تبع هذا موتٌ فجائيٌّ لملك المجر ألبرت King Albert في أكتوبر 1439م، وقيام حربٍ أهليَّةٍ في المجر للتَّصارع على الحكم، واستغلَّ مراد الثاني هذه الأحداث ليُحاصر بلجراد في أبريل عام 1440م، وبلجراد عاصمة الصرب هي مدخل وسط أوروبَّا، وبوابة الدخول إلى العالم الكاثوليكي، ولهذا فقد سبَّب حصارها حركةً نشيطةً في الأوساط الأوروبِّيَّة، وبالتالي تداعياتٍ كبرى على الدولة العثمانيَّة؛ ومع أنَّ الأحداث التي ذكرناها في عام 1439م وبدايات 1440م كانت في صالح العثمانيِّين إلَّا أنَّ التطوُّر السياسي والعسكري في السنوات الأربع التالية -أي من سنة 1440م إلى سنة 1444م- كان في صالح الأوروبيين؛ وذلك نتيجة تزامن بعض الأمور، ومنها ما يلي:

أوَّلًا: على عكس ما كان متوقَّعًا من حدوث أزمةٍ في المجر نتيجة الصراع على كرسي الحكم بعد وفاة الملك ألبرت، دعا مجلس الشيوخ في المجر ملكَ بولندا ع¤لاديسلاع¤ الثالث Vladislav III لحكم المجر وكرواتيا بالإضافة إلى حكم بولندا، وكان ذلك في 8 مارس 1440. كانت النتيجة تكوُّن دولةٍ كبيرةٍ تصل من الشمال الغربي للبحر الأسود إلى بحر البلطيق في الشمال، وتضمُّ عدَّة جيوشٍ قويَّةٍ في كيانٍ واحد، ولا شَكَّ أنَّ هذا لم يكن في صالح الدولة العثمانيَّة.

ثانيًا: تعرَّضت الجيوش العثمانيَّة لهزيمةٍ قاسيةٍ في عام 1440م عند أسوار بلجراد بعد حصار ستَّة أشهرٍ كاملة، وبينما لم تذكر المصادر العثمانيَّة شيئًا عن خسائر مراد الثاني في المعركة ذكرت المصادر الغربيَّة أنَّ القتلى المسلمين تجاوزوا سبعة عشر ألف مقاتل، وسواءٌ صحَّ هذا الرقم أم لم يصح فإنَّ السلطان مرادًا الثاني أعلن الرحيل في أكتوبر 1440م، ولم ينجح في فتح المدينة، وكان من الواضح أنَّ الأزمة كبيرة؛ لأنَّ العثمانيِّين لم يُفكِّروا في غزو المدينة مرَّةً أخرى إلَّا بعد ست عشرة سنةً متتالية في زمن السلطان محمد الفاتح عام 1456م.


ثالثًا: ظهرت شخصيَّةٌ عسكريَّةٌ قويَّةٌ في المجر في ذلك الوقت، وهو العسكري القدير چون هونيادي John Hunyadi، وهو أحد أبرز العسكريِّين في تاريخ المجر، وكذلك في تاريخ رومانيا، التي كان شمالها يتبع المجر آنذاك، ويُعدُّ من الأبطال القوميِّين في هذه البلاد إلى زماننا الآن، وقد أيَّد هذا العسكري الملكَ ع¤لاديسلاع¤ الثالث للتثبيت في حكم المجر وكرواتيا، ممَّا جعل الملك يُعطيه في فبراير 1441م ولاية إقليم ترانسلع¤انيا الروماني، وهذا جعله مواجِهًا للحدود العثمانيَّة، ومِنْ ثَمَّ صار مسئولًا عن حرب العثمانيِّين في هذه المرحلة، وهذا سبَّب أذًى كبيرًا للجيوش العثمانيَّة.


رابعًا: لم تكن هذه هي الهزيمة الوحيدة للجيوش العثمانيَّة؛ بل تعرَّضت لعدَّة هزائم أخرى في عامي 1441م و1442م، وكانت في معظمها على يد چون هونيادي ممَّا جعل له شهرةً واسعةً في أوروبَّا كلِّها، وأثَّر سلبًا على معنويَّات العثمانيِّين.
خامسًا: حمَّست هذه الانتصارات البابا أوچين الرابع Eugene IV على تجميع العالم النصراني في حربٍ صليبية ضدَّ الدولة العثمانيَّة، فبدأ بخطوة الإصلاح بين المتخاصمين في مملكتي المجر وبولندا؛ وذلك عن طريق إرسال الكاردينال چوليانو سيزاريني Giuliano Cesarini إلى المجر لعقد الصلح بين ع¤لاديسلاع¤ الثالث والمتنافسين معه على حكم المجر، كما توسَّط الكاردينال نفسه لعقد معاهدةٍ بين ع¤لاديسلاع¤ الثالث وفريدريك الثالث Frederick III إمبراطور النمسا وألمانيا لضمان تفرُّغ ع¤لاديسلاع¤ لحرب العثمانيِّين بعد أن يأمن جانب النمسا وألمانيا.


سادسًا: في يناير 1443م أعلن البابا أوچين الرابع حملةً صليبيَّةً على الدولة العثمانيَّة تهدف إلى إخراجها بالكلِّيَّة من البلقان، وتفاعلت المجر وبولندا تمامًا مع الحملة، وكذلك عدَّة ممالك أوروبِّيَّة أخرى. هذه الحملة هي نتاج دراسةٍ كبيرةٍ للموقف من البابا الكاثوليكي، الذي كان يُفكِّر في أمر هذه الحملة منذ أربع سنوات كاملة؛ أي من أوائل عام 1439م؛ وذلك حين جاء الإمبراطور البيزنطي چون الثامن إلى إيطاليا طالبًا الدعم من الغرب الأوروبي ضدَّ العثمانيين، وعُقِد حينها مجمعٌ كنسيٌّ مهمٌّ في فلورنسا Council of Florence، وأُخِذ فيه القرار بدمج الكنيستين الأرثوذكسية البيزنطية مع الكاثوليكية في نظير تقديم الغرب للمساعدة العسكريَّة للدولة البيزنطية، والآن حان الوقت للقيام بالحملة العسكرية، وتحقيق الحلم البابوي بالسيطرة على الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية معًا.


سابعًا: في هذه الأثناء -أيضًا- انقلب حاكم قرمان المسلم إبراهيم بك مرَّةً جديدةً على الدولة العثمانيَّة، وتعاون مع ملك بولندا والمجر، بغية تقسيم الدولة العثمانيَّة بينهما!

مع هذا الوضع المتأزِّم الذي كانت الدولة العثمانيَّة تُعاني منه تلقَّت العائلة العثمانيَّة صدمةً جديدةً كبيرةً بوفاة وليِّ العهد علاء الدين بن مراد في مارس 1443م عن عمرٍ يُناهز ثمانية عشر عامًا!


كانت وفاة علاء الدين كارثةً كبيرةً أصابت مرادًا الثاني بشدَّة، فهذا هو الابن الثاني الذي يفقده، ومن جديد فَقَدَه بعد أن كان قد تدرَّب على أمور القيادة في هذه الظروف الصعبة التي تمرُّ بها الدولة، وصار بذلك الأمير محمد -وهو أصغر الأخوة- وليًّا للعهد، وهو في الحادية عشرة من عمره، وهذا الأمير الأخير هو الذي سيصير لاحقًا محمدًا الفاتح.

استمرَّت الأزمة العسكريَّة التي تُعاني منها الدولة العثمانيَّة في التفاقم، وأعلنت المجر وبولندا الحرب على الدولة العثمانيَّة في ربيع 1443م، وأخذت في تجميع الجيوش من هنا وهناك، ثم بدأت الحرب في أكتوبر 1443م، وحقَّقت عدَّة انتصارات، كان أهمُّها انتصار نيشNish في 3 نوفمبر 1443م، وهي مدينةٌ في جنوب صربيا، وكان الانتصار كبيرًا بحيث إنَّه أدَّى إلى انسحاب الجيش العثماني وسقوط صوفِيا Sofia -وهي أهمُّ مدينةٍ عثمانيَّةٍ في هذه المنطقة- في يد چون هونيادي.


تداركت الجيوش العثمانيَّة عافيتها نسبيًّا، وحقَّقت نصرًا على جيوش أوروبَّا عند مدينة زلاتيتسا Zlatitsa، وهي مدينةٌ بلغاريَّةٌ على بُعْد حوالي خمسةٍ وستين كيلو مترًا شرق صوفِيا العاصمة، وكان هذا النصر في ديسمبر 1443م، وهو ما أوقف الجيوش الأوروبِّيَّة عن التقدُّم إلى إدرنة عاصمة الدولة العثمانيَّة.


كانت تداعيات هذه الحملة الصليبيَّة كبيرةً على الدولة العثمانيَّة، ويُمكن حصر الآثار السلبيَّة في النقاط التالية:


أوَّلًا: فَقَدَت الدولة العثمانيَّة معظم إمارة صربيا في هذه الحملة؛ وذلك بعد سيطرة المجريِّين على نيش.


ثانيًا: دُمِّرَ غربُ الدولة العثمانيَّة تمامًا؛ فقد أُحْرِقت صوفِيا وتحوَّلت المزارع الكثيفة في هذه البقاع إلى مناطق متفحِّمة تمامًالكيلا يستفيد المجريُّون منها.


ثالثًا: كانت هناك خسائر بشريَّة ضخمة في الجيش العثماني.


رابعًا: حدث اضطرابٌ إداريٌّ كبيرٌ في الجيش العثماني، وتبادل القادة الاتهامات نتيجة الهزائم،ولعلَّه نتيجة هذا الاتهام سَجَنَ مرادٌ الثاني توراهان بك في سجن توقات Tokat. ومع ذلك فقد أُطْلِق سراح القائد بعد قليل، وأُعيد إلى منصبه، ممَّا يُوحي أنَّ الأمر لم يكن يعدو إشاعاتٍ غير صحيحة، وأيًّا كان الأمر فإنَّ هذا يدلُّ على مدى الاضطراب الذي كان يُعانيه الجيش العثماني.


خامسًا: أمَّا أخطر الآثار السلبيَّة لهزائم العثمانيِّين في هذه الفترة فكانت حادثة ارتداد أحد القادة العثمانيِّين عن الإسلام بعد هزيمة موقعة نيش (1443م)، وهو القائد الألباني إسكندر بك Scanderbeg، وكان نصرانيًّا قبل ذلك ثم أسلم، وترقَّى في مناصب الجيش العثماني على مرِّ السنوات، ثم انتهى به المطاف إلى أن يكون أحد القادة في موقعة نيش، فلمَّا حدثت الهزيمة انسحب هو وثلاثمائة من الجنود الألبان من أرض القتال، ثم انطلقوا إلى ألبانيا معلنين رِدَّتهم عن الإسلام، وقد استطاع هذا القائد أن يحتلَّ كرويه Krujë، عاصمة ألبانيا في ذلك الوقت، وأن يُجمِّع حوله الأنصار لينفصل بذلك بإقليم ألبانيا التابع للدولة العثمانيَّة منذ عام 1385. في أوَّل مارس عام 1444م جمع إسكندر بك نبلاء ألبانيا في مدينة ليزهي Lezhë ليُكوِّن اتِّحادًا يُدير ألبانيا تحت قيادته عُرِف باتحاد ليزهي League of Lezhë، وسوف يستمرُّ هذا الاتِّحاد بقيادة إسكندر بك في مقاومة الدولة العثمانيَّة لمدَّة أربعٍ وعشرين سنةً كاملة؛ أي إلى وفاة إسكندر بك عام 1468؛ بل ستستمرُّ مقاومة الألبان إلى ما بعد موته إلى عام 1479م.

من هذا المنطلق تقدَّم مراد الثاني بطلب السلام مع الدول الأوروبِّيَّة موسِّطًا في ذلك زعيم الصرب برانكوع¤يتش، ويبدو أنَّ المجر وبولندا كانا يُعانيان كذلك من الحرب مع الدولة العثمانيَّة، فقُبِلَت فكرة السلام، ودارت المباحثات بين الطرفين في شهور الصيف عام 1444م، وزاد من رغبة مراد الثاني في إنجاح عمليَّة السلام حدوث هزيمةٍ للجيش العثماني في يوم 29 يونيو 1444م في مدينة تورع¤يول Torvioll الألبانية أمام المتمرِّد إسكندر بك، وكانت ضحايا الجيش العثماني يزيدون على ثمانية آلاف جندي ممَّا جعل رغبة مراد الثاني كبيرةً في تحييد الجبهة الأوروبِّيَّة بالسلام؛ وذلك للتفرُّغ إلى التمرُّدات التي ظهرت في دولته، سواءٌ في ألبانيا، أم في قرمان، أم في غيرهما.


بعد جدالٍ طويلٍ توصَّل الطرفان -العثماني والأوروبي- إلى معاهدة سلامٍ بين الطرفين، وكان توقيعها في مدينة سسيچيد Szeged المجريَّة؛ لذلك عُرِفَت المعاهدة باسم «سلام سسيچيد» «Peace of Szeged»، وتمَّ الحلف على بنودها في يوم 15 أغسطس 1444م، وكانت بنودها قاسيةً على الدولة العثمانيَّة؛ إذ تضمَّنت استقلال صربيا وعدم تبعيَّتها لأيٍّ من الدولتين العثمانيَّة أو المجر، لتبقى منطقةً عازلةً (Buffer State) بينهما، كما تضمَّنت المعاهدة تسليم ألبانيا بالإضافة إلى أربعٍ وعشرين قلعةً إلى المجر، مع دفع الدولة العثمانيَّة لمائة ألف فلورين ذهبي إلى المجر كتعويضٍ عن خسائر الحرب، و-أيضًا- إطلاق سراح ابنين لبرانكوع¤يتش كانا أسيرين عند العثمانيِّين، وفي المقابل تتعهَّد المجر بعدم عبور الدانوب، وعدم التعدِّي على بلغاريا، مع استمرار هذه المعاهدة لمدَّة عشر سنواتٍ من تاريخ توقيعها.


بالنظر إلى بنود هذه المعاهدة يتَّضح لنا أنَّ الهمَّ الأوَّل لمراد الثاني في هذه المعاهدة كان الحفاظ على ما في يديه من بقاع، والتضحية بالأجزاء التي فُقِدت بالفعل، مع التأكيد على أنَّ هذه المعاهدة ليست مطلقةً بلا تحديد؛ بل لها أجلٌ زمنيٌّ معروف، وهو عشر سنوات، وبالتالي يُمكن للدولة العثمانيَّة في هذه الفترة أن تستعيد عافيتها.


هذا ما دعا مرادًا الثاني إلى أن يقبل في واقعيَّة هذه المعاهدة القاسية، واستراح نسبيًّا من تهديدات الجبهة الأوروبِّيَّة. ثم إنَّه عقد معاهدة سلام في الشهر نفسه -أي أغسطس 1444م- مع إمارة قرمان، أقرَّ فيها أمير قرمان إبراهيم بك الثاني من جديد بالتبعيَّة للسلطان مراد الثاني، وكان هذا بعد تعرُّضه لهزيمةٍ من الجيش العثماني، وبذلك يكون مراد الثاني قد أمَّن -أيضًا- الجبهة الشرقيَّة المتمثِّلة في هذه الإمارة المتمرِّدة دومًا.


هكذا ظنَّ مراد الثاني أنَّ الأمور صارت على ما يرام، وأنَّ الهدوء السياسي والعسكري سيسود البلاد لفترةٍ طويلة؛ لذلك، وبنفسيَّةٍ مرهقة، أخذ قرارًا هو من أعجب قراراته مطلقًا؛ بل من أعجب القرارات في تاريخ الدولة العثمانيَّة، إن لم يكن في التاريخ العالمي كلِّه!


كان القرار الذي أخذه السلطان مراد الثاني في أغسطس 1444م، بعد معاهدات السلام التي عقدها مع القوى الصليبية وإمارة قرمان، هو التنازل عن الحكم لابنه الأمير محمد وليِّ العهد، وهو البالغ من عمره آنذاك اثني عشر عامًا ونصف!!


كان القرار صادمًا لكلِّ رجال الدولة، ومفاجِئًا لكلِّ المتابعين للأحداث، خاصَّةً أنَّ السلطان مرادًا الثاني لم يبقَ في العاصمة إدرنة بعد قرار التنازل؛ إنَّما انسحب إلى مانيسا بعد أن أعطى العرش لابنه الصغير.


والحقُّ أنَّ القرار عجيبٌ من أكثر من وجه!


الوجه الأوَّل: أنَّ السلطان مرادًا الثاني -المتنازل عن العرش- كان يبلغ من العمر حين تنازل إحدى وأربعين سنةً فقط؛ أي في عنفوان شبابه، ولم يكن مريضًا أو مصابًا؛ كما يدلُّ على ذلك سياق الأحداث.


الوجه الثاني: أنَّ المتنازَل له -وهو الأمير محمد- لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره!


الوجه الثالث: أنَّ الظروف السياسيَّة والعسكريَّة التي تمرُّ بها الدولة العثمانيَّة في غاية الصعوبة.


الوجه الرابع: هو توقيت التنازل؛ فالمعاهدة مع المجر وبولندا لم يمضِ عليها إلا أيَّام، ولا يُستبْعَد أن يغدروا في عهدهم عند تبدُّل الظروف في الدولة العثمانيَّة، حتى في حال عدم غدرهم فإنَّ التطوُّرات المستقبليَّة في المنطقة غير معلومة، خاصَّةً مع اضطرابات ألبانيا، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخليَّة في الجيش العثماني.


الوجه الخامس والأخير في هذا التحليل: هو أنَّ العائلة العثمانيَّة صغيرةٌ للغاية؛ فليس هناك إلى جوار الأمير محمد أعمامٌ أو أولاد أعمامٍ يُمكن أن يقفوا معه في هذه المهمَّة؛ إنَّما أوكل الأمر إلى رجال الدولة المختلفين، وكلهم من عائلاتٍ تركيَّةٍ غير عثمانيَّة، وكان على رأسهم الصدر الأعظم خليل باشا چاندرلي أ‡andarli Halil Pasha، وهو من عائلة چاندرلي التركيَّة المرموقة، وكان قد تولَّى رئاسة الوزراء منذ عام 1439؛ ومع كونه شخصيَّةً مأمونة، إلَّا أنَّ عائلة چاندرلي عائلةٌ كبيرة؛ بل لعلَّها أكبر من العائلة العثمانيَّة نفسها، وقد تولَّى أفرادها رئاسة الوزراء في الدولة العثمانيَّة عدَّة مرَّات بدايةً من سنة 1380؛ أي قبل هذه الأحداث بأكثر من ستِّين سنة، وهذا كلُّه قد يُنذر بحدوث فتنةٍ في داخل الدولة العثمانيَّة إذا ما فكَّر أفراد هذه العائلة في الانفراد بالحكم؛ وذلك في ظلِّ وجود طفلٍ صغيرٍ على العرش.

والذي يبدو لي أنَّ سبب هذا القرار لم يكن أمرًا واحدًا؛ كما يفترض بعض المؤرِّخين؛ إنَّما هو تفاعل مجموعةٍ من الأسباب، التي يُمكن أن تُفسِّر حدوثَ مثل هذه المفاجأة، ويدخل في هذه الأسباب ما يلي:


أوَّلًا: أشارت بعض المصادر إلى شعور مراد الثاني بالتعب ، ولم تُفسِّر نوع التعب الذي شعر به، ويُمكن أن يكون قد غلب على ظنِّه أنَّ هذا التعب قد يُفْضِي إلى الموت المفاجئ، خاصَّةً وأنَّ حوادث موت أفراد العائلة العثمانيَّة في شبابهم متكرِّرة، فكما مرَّ بنا مات السلطان محمد چلبي والد السلطان مراد الثاني في التاسعة والثلاثين من عمره، و-أيضًا- مات السلطان بايزيد الأوَّل جدُّ السلطان مراد الثاني في الرابعة والأربعين من عمره، ولا ننسى موت ابنين من أبناء مراد الثاني نفسه في سنِّ الثامنة عشرة، فهذا كلُّه يجعل مرادًا الثاني متوقِّعًا للموت، خاصَّةً إذا ما كان تعبه هذا كبيرًا، فلعلَّه أراد استخلاف ابنه محمد قبل أن يموت، حتى لا تتَّجه الأمور إلى غير ما يُريد، فكان وكأنَّه يُسابق الزمن في هذا التنازل.


ثانيًا: أعتقد أنَّ السلطان مرادًا الثاني كان يُعاني في هذه الفترة من حالةٍ من حالات «الاكتئاب النفسي»، وهي حالةٌ مَرَضِيَّةٌ وليست مجرَّد حالة حزن، ومن أهمِّ علاماتها فَقْدُ الرغبة في العمل، وحبُّ الانعزال عن الناس، فالسلطان فَقَدَ «الرغبة» في إكمال عمله كقائدٍ للدولة، وقد يكون فَقَدَ «القدرة» على ذلك، ومِنْ ثَمَّ كان انسحابُه حادًّا، ومفاجئًا، وسريعًا، وبلا تمهيدات، وصَاحَبَ ذلك انعزالٌ عن المجتمع بالذهاب إلى مانيسا دون النظر إلى عواقب هذا الانعزال. وهذا الاكتئاب يأتي أحيانًا في صورةٍ مؤقَّتةٍ ثم يتعافى منه المريض، وأعتقد أنَّ هذا الوضع المؤقَّت هو الذي كان عليه مراد الثاني؛ لأنَّنا رأيناه بعد هذا الانعزال بأسابيع أو شهور يعود إلى شبه طبيعته، فيعمل من جديد؛ ولكن ليس بحماسته الأولى نفسها.

ثالثًا: لا يُستبعد أن تكون التربية الصوفيَّة الروحيَّة لها أثرٌ في هذا القرار؛ فقد يتملَّك الفرد حينئذٍ رغبة في الانعزال عن الحياة بكلِّ لذَّاتها ومُتَعِها، وقد يترك مسئوليَّاتٍ جسامًا ملقاةً على كتفيه لزهده في الدنيا برمَّتها، وبالطبع ليس هذا سلوكًا سليمًا، خاصَّةً إذا كان تركه للدنيا سيُوقع مجتمَعَه وأمَّته في أزمة؛ بل ينبغي له أن يُرتِّب الأمور بشكلٍ جيِّدٍ قبل أن ينعزل، وقد كان رسول الله ؛ أعظم الزاهدين في الدنيا ولكنَّه كان يقوم بكامل أعماله تجاه نفسه، وأسرته، وأصحابه، وأمَّته، دون تقصيرٍ أو إهمال.


رابعًا: أمَّا السبب الرابع فهو مهمٌّ جدًّا، ويكمن في إحساس مراد الثاني بأنَّ مستقبل الدولة العثمانيَّة صار في خطرٍ كبيرٍ بعد فَقْد وليِّ العهد الثاني، فلم يبقَ إلَّا الأمير محمد، فلو مات مراد الثاني لأيِّ سببٍ عارضٍ فإنَّ انهيار الدولة سيكون متوقَّعًا جدًّا؛ لذلك من الممكن أن يكون تنازل مراد الثاني للأمير الصغير هو نوعٌ من دعم استقرار الدولة مستقبلًا، على أساس أنَّه يفعل ذلك في حياته، فحتى لو انسحب إلى مانيسا فهو يراقب الأمر من بعيد، وسيكون جاهزًا للظهور في أيِّ لحظةٍ تحتاجها الدولة، وسيقف إلى جوار ابنه إذا ما تطلَّب الأمر ذلك، وعلى ما أعتقد أنَّ مرادًا الثاني كان يرغب في القيام بهذه الخطوة منذ أكثر من عام عندما مات علاء الدين وليُّ العهد؛ ولكن ظروف الدولة العسكريَّة والسياسيَّة لم تكن تسمح بذلك، فلمَّا عقد السلطان معاهدتين مع المجر وقرمان، حان وقت تنفيذ الرغبة المؤجَّلة، ولهذا كان الأمر سريعًا بهذه الصورة، ممَّا قد يعني أنَّ الترتيب له كان معدًّا من قبل، وليس مستبعدًا أن يكون الأمر مرتَّبًا من قبل مع الصدر الأعظم خليل چاندرلي، أو مع بعض القادة في الجيش.


إنَّ مراجعة تاريخ مراد الثاني يُؤكِّد أنَّ هذا السبب الرابع له مكانٌ في قصَّتنا؛ لأنَّه مرَّ بصراعاتٍ كثيرةٍ عندما تسلَّم الحكم عام 1421م، ولولا توفيق الله عز وجل له ما وصل إليه الحكم قط، ولولا لطف الله بالدولة العثمانيَّة لانقسمت في هذه الصراعات عدَّة أقسام، فأراد مراد الثاني أن يُجَنِّب دولته مثل هذا المصير بالاطمئنان على مستقبلها تحت قيادة وليِّ العهد، ويُؤخَذ في الاعتبار -أيضًا- أنَّ مرادًا الثاني أدار الدولة بكفايةٍ من أوَّل يومٍ تسلَّم فيه الحكم، وقد كان حينئذٍ في السابعة عشرة من عمره، ولم يكن أبوه السلطان محمد چلبي إلى جواره لموته المفاجئ، أمَّا الوضع الآن فأفضل؛ إذ إنَّ أمارات النجابة والذكاء عند الأمير محمد أعلى منها عند السلطان مراد الثاني يوم أن تولَّى الإمارة، والتربية التي تلقَّاها هذا الأمير الصغير أفضل من التربية التي تلقَّاها مراد الثاني في طفولته، بالإضافة إلى أنَّ السلطان نفسه سيكون موجودًا إلى جوار ولده إذا احتاج إليه؛ بينما كان مراد الثاني وحيدًا حين تولَّى العرش. كلُّ هذه عوامل شجَّعت مرادًا الثاني على الإقدام على أخذ هذا القرار الجريء في وقتٍ سريع.


هل كان هذا القرار صائبًا إِذَنْ؟!


لا يُمكن الجزم بذلك! بل إنَّني أميل -على الرغم من كلِّ هذه المسوِّغات- إلى قول: إنَّ هذا القرار كان متسرِّعًا، ولم يكن سليمًا فيما أعتقد، وكان الأَولى أن يستمرَّ الأب في قيادة الدولة مع إعطاء مساحةٍ أكبر للأمير محمد، كأن يأتي به من مانيسا إلى إدرنة ليكون إلى جواره، كأن يُوكِل إليه بعض مهامِّ الدولة الكبرى تحت إشرافه، فيكون الأمر متدرِّجًا بشكلٍ طبيعي؛ وذلك منعًا لحدوث فتنة، ولقطع رغبات الطامعين في الدولة، الذين يُمكن أن يسعوا لإصابة الدولة في مقتلٍ عند رؤية طفلٍ صغيرٍ يعتلي عرش البلاد في هذه الظروف الاستثنائيَّة.


أيًّا ما كان الأمر فإنَّ الأمير محمدًا صار سلطان البلاد، ومن هذا اليوم عُرِف «بمحمد الثاني»؛ لأنَّ محمدًا الأوَّل هو جدُّه محمد چلبي، الذي حكم من عام 1413 إلى عام 1421، وهذا هو اللقب الذي اشتهر في المراجع الأجنبيَّة (Mehmed II)، ويُكتب كذلك (Mehmet II)، وهو الذي سيُعرَف لاحقًا بعد فتحه للقسطنطينيَّة بمحمد الفاتح (The Conqueror)، فهذه كلُّها ألقابٌ للشخص نفسه.


هل مرَّ الأمر بسلام؟!


على المستوى الداخلي لم يحدث ما يُزْعِج، ممَّا يُوحِي أنَّ الأمر كان معدًّا له في الخفاء، ولم يُعلَن إلَّا في هذه اللحظة.


لكن على المستوى الخارجي كان تطوُّر الأحداث نتيجة هذا الخبر أكبر من كلِّ التوقُّعات!


لقد أثلج الخبر صدور المجريِّين والبولنديِّين والبابا في روما، وتحرَّك مبعوث البابا چوليانو سيزاريني لإقناع ع¤لاديسلاع¤ الثالث ملك بولندا والمجر، وكذلك چون هونيادي الزعيم المجري الكبير، لقطع معاهدة سسيچيد مع الدولة العثمانيَّة، وتحريك حربٍ صليبيَّةٍ كبرى لإخراجهم من البلقان، وأكَّد لهم سيزاريني أنَّه يجوز الحنث باليمين إذا كان هذا اليمين مع الكفَّار «Infidel»، خاصَّةً إذا لم يكن هذا اليمين مؤكَّدًا من البابا، وجاء التأكيد من البابا أوچين الرابع بأنَّه لم يكن موافقًا على السلام مع المسلمين!


هكذا يفعلون بالوعود!


هكذا يفعلون بالمواثيق التي أقسموا عليها بالأيمان!


هكذا هي دبلوماسيَّتهم!


نذكر هذا الموقف للأوروبِّيِّين، وإلى جواره نذكر شهادة المؤرِّخ الأميركي ذي الأصول المجريَّة بيتر شوجر Peter Sugar وهو يقول في حقِّ العثمانيِّين: «ومن الملاحظ أنَّ العثمانيِّين تمسَّكوا بما عقدوا من مواثيق واتفاقيَّات طالما حَفِظَ الأمراء الأوروبِّيُّون تلك المواثيق»!


وهذه شهادةٌ تأتي في موضعها التاريخي المهم؛ حيث إنَّها أتت من عالِمٍ ذي أصولٍ مجريَّة؛ أي ينتمي إلى تلك الدولة التي حاربت العثمانيِّين طويلًا، وغدرت بهم في هذه المعاهدة.


لم يأخذ الأوروبِّيُّون وقتًا كبيرًا في التفكير؛ فقد عبرت الجيوش الأوروبِّيَّة الدانوب بالقرب من بلجراد في الفترة ما بين 18 و22 سبتمبر 1444م (انظر خريطة رقم 12)، فمعنى هذا أنَّ قرار نقض المعاهدة لم يأخذ إلَّا أيَّامًا قليلة بعد وصول خبر تنازل مراد الثاني عن العرش لابنه محمد الثاني.




اتَّحدت في هذه المعركة جيوش المجر وبولندا، مع فِرَقٍ عسكريَّةٍ من الإفلاق، وكذلك مع بعض المتمرِّدين من بلغاريا مع العلم أنَّ الإفلاق وبلغاريا كانتا تابعتين للدولة العثمانيَّة، ممَّا يعني أنَّ هذا انشقاق داخلي في الدولة. انضمَّت إلى هذه القوَّات مجموعةٌ من السفن البحريَّة التابعة لغرب أوروبَّا على النحو التالي: ثمانية سفن باباوية، وثمانية أخرى من البندقية، مع أربع سفنٍ من بورجاندي Burgundy الفرنسيَّة، وكذلك سفينتان من جمهوريَّة راجوزا Ragusa الإيطاليَّة، وانضمَّت إلى هذه القوَّات البحريَّة سفن الدولة البيزنطيَّة، وكان غرض هذه القوَّة البحريَّة هو غلق مضيق الدردنيل لمنع قوَّات الدولة العثمانيَّة من العبور من الأناضول إلى البلقان؛ وذلك لإعطاء الجيوش الأوروبِّيَّة الفرصة للتقدُّم السريع نحو العاصمة العثمانيَّة إدرنة، بغية استئصال الوجود العثماني من أوروبا بالكلِّيَّة.


تتفاوت المصادر بشدَّة في تحديد عدد الجيوش الصليبيَّة؛ تذكر المصادر التركيَّة أنَّ الجيوش الصليبيَّة تجاوزت المائة ألف مقاتل؛ بينما تُؤكِّد المصادر الأوروبِّيَّة أنَّ العدد كان عشرين ألف مقاتلٍ، وعادةً ما يكون هناك مبالغاتٌ بالزيادة والنقصان من كلِّ طرف، وقد تكون حقيقة الأعداد بينهما!


اختارت الجيوش الأوروبِّيَّة أن تتَّجه مباشرةً إلى ساحل البحر الأسود الغربي لتتجاوز القلاع العثمانيَّة في بلغاريا، وبذلك ستسير جنوبًا حتى تصل إلى إدرنة العاصمة، وستكون المباغتة بذلك كبيرةً جدًّا للدولة العثمانيَّة؛ إذ سينتقل القتال إلى عقر دارها.


وصلت الأنباء المفزعة إلى السلطان الجديد محمد في إدرنة!


لم تكن الأمور أصلًا مستقرَّةً في قصر الحكم في إدرنة؛ فقد كانت هناك عداواتٌ بين رجال الدولة في القصر الحاكم. كان الصدر الأعظم خليل چاندرلي يُمثِّل حزبًا من كبار الشخصيَّات؛ بينما يُمثِّل زاجانوس باشا وشهاب الدين باشا -وهما من كبار رجال الجيش- حزبًا آخر، وهذان الأخيران كانا من المربِّين الشخصيِّين للأمير الصغير. كان هذا الصراع الداخلي متوقَّعًا في ظلِّ غياب السلطان الكبير مراد الثاني، وإذا كان كلُّ حزبٍ من الحزبين يُريد فرض هيمنته فهذا هو الوقت المناسب!
في الحقيقة لم تكن الدولة العثمانيَّة بحاجةٍ لكلِّ هذه التداعيات في هذا التوقيت؛ ولكن هكذا سارت الأمور، نتيجة تنازل السلطان مراد الثاني لابنه الصغير محمد.


من ناحيةٍ عمليَّةٍ وَجَد السلطان الجديد نفسه أمام أزمةٍ قد تعصف بالدولة كلِّها.


لم يكن هناك بُدٌّ من الاستعانة بالسلطان المتقاعد مراد الثاني! رفض مراد الثاني القدوم أوَّل الأمر لكيلا يكسر ابنه، لكنَّ ابنه أرسل إليه رسالةً ذكيَّةً لم تجعل هناك خياراتٍ كثيرةً أمام السلطان صاحب الخبرة. قال محمد الثاني في أوَّل رسالةٍ يكتبها كسلطان: «إنْ كنَّا نحن البادشاه -أي السلطان بالتركيَّة- فإنَّنا نأمرك: تعالوا على رأس جيشكم، وإن كنتم أنتم فتعالوا دافعوا عن دولتكم»!.


جاء السلطان مراد الثاني على رأس جيشٍ كبيرٍ من الأناضول، ولكنَّه فوجئ بالقوَّات البحريَّة الأوروبِّيَّة تقطع عليه طريق الدردنيل؛ ومع ذلك فقد وُفِّق لعبور المضايق عن طريق التعاون مع بعض سفن چنوة، وچنوة كانت معادية دومًا للبندقيَّة، وحيث إنَّ البندقية كانت في الحلف الصليبي وقفت چنوة إلى جوار مراد الثاني مع كونه مسلمًا! وهذا من لطف الله بالدولة العثمانية والمسلمين.


كانت الجيوش الصليبيَّة قد اقتربت من مدينة ع¤ارنا Varna البلغاريَّة على ساحل البحر الأسود الغربي، فأسرع مراد الثاني بجيشه بعد عبوره المضايق، ومرَّ على إدرنة العاصمة، والتقى وولده في لقاءٍ سريع، ثم تركه في القصر الحاكم، وانطلق مسرعًا ليُقابل الجيوش الصليبيَّة قبل أن تتوغَّل أكثر في الأراضي العثمانية، ووصل بالفعل إلى جنوب ع¤ارنا في 7 نوفمبر 1444، وضرب معسكره هناك.


في يوم (10 نوفمبر 1444م الموافق 28 رجب 848هـ) دارت موقعة ع¤ارنا، وهي واحدةٌ من أهمِّ المعارك في التاريخ الأوروبي كلِّه.


مع أنَّها كانت معركة يومٍ واحدٍ إلَّا أنَّ نتائجها كانت حاسمةً للغاية؛ في هذه المعركة قُتِل ملكُ بولندا والمجر ع¤لاديسلاع¤ الثالث، وقُتِل كذلك الكاردينال چوليانو سيزاريني، ومُزِّق الجيش الصليبي، وصار بين قتيلٍ وأسير، وبصعوبةٍ هرب چون هونيادي القائد المجري الشهير.

أجمع المؤرِّخون على فداحة الخسارة الأوروبِّيَّة في هذه المعركة، والأجمل هو أنَّ الكثير منهم ربط هذه الخسارة بالغدر الذي ارتكبه القادة الصليبيُّون في عهدهم مع الدولة العثمانية!


لقد أدَّت هذه الموقعة إلى آثارٍ مهمَّةٍ للغاية، يمكن رصد بعضها على النحو التالي:


الأثر الأوَّل: أحدثت المعركة دويًّا كبيرًا في أوروبَّا. يقول المؤرِّخ الألماني بابينجر: «أُصيبت الولايات الأوروبِّيَّة الملاصقة للدولة العثمانيَّة بالشلل من الخوف». ويتجاوز المؤرِّخ والقس الإنجليزي مانديل كريتون Mandell Creighton الولايات الأوروبِّيَّة المجاورة للدولة العثمانيَّة إلى أوروبَّا كلِّها فيقول: «ملأت أخبارُ هزيمة ع¤ارنا أوروبَّا بالذعر»!


الأثر الثاني: كانت هذه المعركة هي التي حدَّدت مستقبل الدولة البيزنطيَّة؛ فقد ظهر من خلال الأحداث أنَّ الدولة العريقة صارت غير قادرةٍ بالمرَّة على الدفاع عن نفسها، حتى صارت تستجدي العون من أعدائها الكاثوليك، فلمَّا هُزِم الكاثوليك في ع¤ارنا أدركت الدولة البيزنطيَّة أنَّ مصيرها صار محتومًا، وأنَّ سقوطها في يد العثمانيِّين صار مسألة وقت؛ ومع أنَّ الدولة البيزنطيَّة كانت متعاونةً مع الكاثوليك في معركة ع¤ارنا إلَّا أنَّ ردَّ فعل إمبراطورهم چون الثامن كان عجيبًا بعد المعركة! يقول المؤرِّخ الأسكتلندي چورچ فينلاي George Finlay، وهو يسخر من الإمبراطور البيزنطي: «لقد تأكَّد الإمبراطور البيزنطي چون الثامن من تهوُّر وعدم اتِّزان القوى الأوروبِّيَّة؛ لذلك ففي اللحظة التي سمع فيها بالنصر العظيم للسلطان مراد الثاني في ع¤ارنا أرسل له سفارةً لتهنئته، ولتأكيد سيادته عليه، كما (استجداه) في طلب إعادة التحالف معه»! ويقول المؤرِّخ الروسي ألكسندر ع¤اسيليع¤ Alexander Vasiliev، وهو يُعتبر أحد أهمِّ من كتب عن الدولة البيزنطية: «كانت معركة ع¤ارنا هي المحاولة الأخيرة لأوروبَّا الغربيَّة لمساعدة الدولة البيزنطيَّة؛ بعد هذه المعركة تُرِكَت القسطنطينيَّة لمصيرها»!


هكذا إِذَنْ يُمكن اعتبار أنَّ معركة ع¤ارنا كانت مقدِّمةً منطقيَّةً لفتح القسطنطينية بعد تسع سنوات؛ أي في عام 1453م.


الأثر الثالث: على العكس من الوضع المزري للدولة البيزنطيَّة في القسطنطينيَّة، كان الحال في الجزء اليوناني التابع للدولة البيزنطيَّة، وهو مقاطعة المورة Despot of the Morea، وكان هذا الجزء تحت قيادة أخي چون الثامن، وهو الأمير قُسطنطين Constantine، الذي سيُصبح مستقبلًا إمبراطورًا للدولة البيزنطيَّة. لقد كان لهذا الأمير طموحاتٌ كبيرة؛ بل إنَّه استغلَّ فترة تنازل مراد الثاني عن الحكم لابنه محمد في صيف 1444م -أي قبل معركة ع¤ارنا- وضمَّ بعض المدن اليونانيَّة مثل مدينتي ثيفا Thebes، وأثينا Athens، وكانت الأخيرة تحت حكم أمير فلورنسي تابعٍ للدولة العثمانيَّة هو نيرو الثاني Neiro II، وقد أجبره قُسطنطين على دفع الجزية إليه، وكان هذا تعدِّيًا صارخًا على الدولة العثمانيَّة. بعد موقعة ع¤ارنا ازداد قُسطنطين عنادًا، وظلَّ محتفظًا بما حصل عليه من أملاك. أدرك مراد الثاني أنَّ هذا الرجل سيكون معاديًا للدولة العثمانيَّة بدرجةٍ كبيرةٍ في الفترة القادمة؛ ولكن لم يأخذ تجاهه موقفًا لانشغال الدولة العثمانيَّة بالقوى الأوروبِّيَّة الغربيَّة في هذه الفترة.


الأثر الرابع: أنهت معركة ع¤ارنا وموت الملك البولندي ع¤لاديسلاع¤ الثالث فكرةَ الاتِّحاد بين المجر وبولندا تمامًا، وهذا بلا شَكٍّ كان في مصلحة الدولة العثمانيَّة؛ إذ إنَّ الاتِّحاد بين هاتين القوَّتين الكبريين كان يُمثِّل خطرًا داهمًا على الدولة، ولقد صار توجُّه المجر بعد هذه المعركة إلى الإمبراطوريَّة النمساويَّة بدلًا من بولندا، وهذا كان أهون في المرحلة التاريخيَّة المقبلة؛ لأنَّ النمسا لم يكن لها حدودٌ مع الدولة العثمانيَّة؛ بينما كانت بولندا تُمثِّل الحدود الشماليَّة لها، ومن هنا صار الانقسام بين بولندا والمجر مفيدًا من الناحية العسكريَّة للعثمانيِّين.


الأثر الخامس: كان الأثر على بولندا كبيرًا جدًّا! لقد كان هناك حزبان متعارضان في بولندا بخصوص مسألة الصدام مع الدولة العثمانيَّة. كان أحدهما يُشجِّع بقوَّة الدخول في حربٍ صليبيَّة؛ بينما كان الآخر يتحفَّظ بشدَّة. يقول المؤرِّخ البولندي أوسكار هاليكي Oscar Halecki: «بعد موقعة ع¤ارنا صارت اليد العليا في بولندا لأولئك الذين يُعارضون حربًا صليبيَّةً ضدَّ الدولة العثمانيَّة». وقد قال المؤرِّخ البولندي هذا الكلام مع أنَّ الذي حكم بولندا بعد قتل ع¤لاديسلاع¤ الثالث هو أخوه كازيمير الرابع Casimir IV، وهو؛ كما يقول عنه المؤرِّخ السويسري الشهير چوهانس ع¤ون مولر Johannes von Müller: «هو واحدٌ من أعظم ملوك أوروبَّا في زمانه». ومع ذلك فصدمة ع¤ارنا جعلت هذا الملك العظيم يُقرِّر عدم الدخول مع الدولة العثمانيَّة في صدام، وهذا بلا شَكٍّ كان له مردوده الإيجابي على ما تبقَّى من فترة حكم مراد الثاني؛ بل على فترة حكم السلطان القادم محمد الثاني.


الأثر السادس: دخلت المجر في حربٍ أهليَّةٍ بعد هذه المعركة نتيجة غياب الحُكم البولندي، وعودة الصراع على كرسي الحكم بعد مقتل ع¤لاديسلاع¤ الثالث، وزهد أخيه كازيمير الرابع في عودة الاتِّحاد مع المجر، وتفاصيل هذه الحرب الأهليَّة كثيرة، ويُمكن الرجوع إليها في مصادر تاريخ المجر؛ لكن الشاهد أنَّ هذه الحرب الأهليَّة الداخليَّة أمَّنت الحدود العثمانيَّة إلى حدٍّ ما فترةً من الزمان، على الرغم من وجود القائد العسكري الفذ چون هونيادي.


الأثر السابع: أدرك الأوروبِّيُّون مع موقعة ع¤ارنا أنَّ اقتلاع العثمانيِّين من البلقان صار أمرًا مستحيلًا، وهذا له أثره النفسي الكبير على كلِّ الأوروبِّيِّين؛ سواء الحكَّام منهم أم المحكومون. يقول المؤرِّخ السياسي الأميركي چاكوب جريچيل Jakub Grygiel: «كانت معركة ع¤ارنا من أشدِّ الهزائم الأوروبِّيَّة في كلِّ تاريخ العلاقات الأوروبِّيَّة العثمانيَّة. لقد أنهت هذه المعركة كلَّ المحاولات لطرد العثمانيِّين من أوروبَّا». ويُؤكِّد المؤرِّخ البولندي إدوارد بوتكوع¤سكي Edward Potkowski على هذه الحقيقة فيقول: «أدَّى الذعر الناتج عن مذبحة ع¤ارنا إلى عدم رغبة ملوك المجر وألمانيا وبولندا في حرب الأتراك، ولمدَّة قرونٍ بعد المعركة»! وقد انتقلت هذه الروح السلبيَّة بشكلٍ تلقائيٍّ إلى شعوب البلقان؛ بل كان المؤرِّخ والسياسي الإنجليزي بيري أندرسون Perry Anderson صريحًا للغاية عندما فسَّر عدم رغبة الشعوب البلقانيَّة في مقاومة العثمانيِّين، خاصَّةً بعد موقعتي نيكوبوليس عام 1396م، وع¤ارنا 1444م، بأنَّ ذلك نتيجة الظلم الشديد الذي أوقعه نبلاء أوروبَّا النصارى على شعوبهم قبل الفتح العثماني، ممَّا أدَّى إلى هشاشة البنيان الاجتماعي في هذه المنطقة، ومِنْ ثَمَّ قَبِلَت هذه الشعوب قَدَرَها الجديد؛ بل ذكر المؤرِّخ الإنجليزي أنَّ الحكم العثماني لهم كان بمثابة تحرير الفقراء «Liberation of the poor».


من المؤكَّد أنَّ هذه النفسيَّة المتقبِّلة للوجود العثماني؛ سواءٌ عن اضطرارٍ عند الأمراء والملوك لذعرهم، أم عن رضا وسكون من الشعوب لراحتهم، قد ساعدت الدولة العثمانيَّة على الاستقرار؛ سواء في الفترة المتبقية في عهد مراد الثاني، أم في فترة محمد الثاني بعد ذلك.


الأثر الثامن: استغلَّ مراد الثاني الانتصار في ع¤ارنا لتدعيم العلاقات مع العالم الإسلامي؛ فأرسل رسائل ببشريات النصر إلى القاهرة عاصمة دولة المماليك، وقد أحسن السلطان چقمق سلطان المماليك استقبال السفارة، وأقام الاحتفالات بالقاهرة، وكانت هذه بادرةً طيِّبةً ساعدت في تدعيم العلاقات بين الدولتين الإسلاميَّتين الكبريين.


هذه بعض الآثار التي رأيناها لهذه الموقعة الكبيرة في هذا التحليل السريع، وبعد قراءة هذه الآثار يُمكن أن نفهم كلمة المؤرِّخ التركي خليل إينالچيك حين قال: «ع¤ارنا نقطة تحوُّلٍ Turning point في تاريخ شرق أوروبَّا».

دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 187- 207.