المرحلة الثانية: مرحلة الاستقرار والتوسُّع النسبي: (1428-1439م)

كان مراد الثاني Murad II هو الحاكم السادس للدولة العثمانيَّة، وهو من الحكَّام المتميِّزين الذين ساعدوا في استقرار وضع الدولة العثمانية بعد كارثة أنقرة، ودور الفترة، وبذلك كان مكمِّلًا لدور أبيه في إعادة بناء الدولة العثمانيَّة.


حَكَم مراد الثاني الدولة العثمانيَّة ثلاثين سنة، من عام 1421م إلى 1451م، ويُمكن لنا -لسهولة فهم هذه الفترة الطويلة- أن نقوم بتقسيمها إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى، المرحلة الثانية، المرحلة الثالثة، المرحلة الرابعة، وتتميَّز كلُّ مرحلةٍ منها بصفاتٍ خاصَّة: والمرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا المقال هي المرحلة الثانية: وهي أحد عشر عامًا بدايةً من عام 1428م حتى عام 1439م، وفيها ستبدأ الدولة في التوسُّع واستعادة أملاكها المفقودة.


أدرك الجميع أن الدولة العثمانية صارت ثابتةً ومستقرَّةً بعد ولاية السلطان مراد الثاني؛ لذلك فبداية من عام 1428م والأحداث هادئة إلى حدٍّ كبيرٍ في الأناضول والروملي، ولا يمنع ذلك من حدوث بعض الاحتكاكات العسكريَّة هنا أو هناك، فمنها ذلك في الصدام الذي حدث مع البندقية في سالونيك عام 1430م، وتبعه عقد معاهدةٍ سلميَّةٍ في السنة نفسها، وهي المعاهدة التي حافظت على الهدوء على جبهة البندقية لمدَّة ثلاث عشرة سنةً كاملة.


أمَّا بالنسبة إلى المجر فهي لم تكن راضيةً عن التقدُّم الذي حقَّقته الدولة العثمانية في البلقان، ولم تكن قانعةً بمعاهدة الهدنة التي تمَّت بين الفريقين؛ لذلك فقد كان سعيها حثيثًا لإيجاد الفرص للتمدُّد في الأقطار البلقانيَّة، وأهمها صربيا، والبوسنة، وألبانيا، والإفلاق، ولقد نتج عن هذه التحرُّشات عدَّة صداماتٍ عسكريَّةٍ في هذه الفترة، وكانت في مجملها لصالح الدولة العثمانية، ويمكن أن نرصد بعض النتائج لهذه الصدامات على النحو التالي:


أولًا: في الجانب الروماني، ونتيجة الأطماع المجريَّة في إقليم الإفلاق، اضطرَّ مراد الثاني إلى الردِّ على تعديات المجر في هذه المنطقة بغزو الإفلاق؛ بل تجاوزها عام 1432م إلى ترانسلڤانيا Transylvania شمال رومانيا، ومرَّةً أخرى عام 1437م، وفي هذه المرَّة الأخيرة بقي السلطان مراد الثاني بنفسه في ترانسلڤانيا مدَّة خمسة وأربعين يومًا[3]، وهذا تحدٍّ كبيرٍ للمجر؛ حيث كان قريبًا منها وبعيدًا عن عاصمته إدرنة. تزامن مع هذا الغزو الأخير موت سيجيسموند ملك المجر (9 ديسمبر 1437)، وهذا أدَّى إلى ضعف المجر نسبيًّا، ممَّا دفع أمير الإفلاق آنذاك، وهو ڤلاد دراكول Vlad Dracul، الذي كان مواليًا للمجر، إلى قبول التبعيَّة للدولة العثمانية، ودفع الجزية السنوية إليها[4].


ثانيًا: اكتسح الجيش العثماني ألبانيا في 1431م وثبت أقدامه هناك، وضمَّ مدينة يانيا Ioannina[5]، وبذلك عادت ألبانيا إلى التبعيَّة العثمانية كسابق عهدها أيام بايزيد الأول.


ثالثًا: تكرَّرت المحاولات المجريَّة لوضع قدمٍ في البلقان، وكانت هذه المرَّة في البوسنة، وكانت النتيجة حدوث صراعاتٍ أهليَّةٍ في البوسنة بين ملكها تڤرتكو الثاني Tvrtko II، ومنافسه راديڤوي Radivoj، بدايةً من عام 1430م، وقد استعان الأول بالمجر، والثاني بالدولة العثمانية؛ ومع ذلك، وبعد تقلبات سياسيَّة كثيرة، غيَّر الفريقان البوسنيَّان ولاءهما، وصار تڤرتكو الثاني مواليًا للعثمانيِّين في عام 1436م، الذين ثبَّتوه مَلِكًا على البوسنة، ومِنْ ثَمَّ قَبِل بالتبعيَّة الكاملة، ودفع الجزية السنويَّة إلى الدولة العثمانيَّة[6][7].


على الرغم من هذه الانتصارات العسكرية فإنَّ التوسعات العثمانية لم تكن كبيرة في عهد السلطان مراد الثاني؛ وذلك أنه لم يكن حريصًا -على الرغم من تفوُّقه العسكري- على توسيع رقعة الدولة، ولم يكن حريصًا على تحيُّن الفرص للصدام مع الأعداء، والسِّرُّ في ذلك يرجع إلى أمرين:


أمَّا الأول فهو أنه كان بطبيعته يُؤْثِر السلم على الحرب؛ ومع أنه حارب في معارك شتى في حياته، إلا أنه لم يسعَ إلى القتال في أيٍّ من معاركه، إنما فُرِض عليه الصدام فرضًا، حتى عندما كان يُهاجم فإن ذلك يكون من منطلق الدفاع، فالهجوم في رؤيته خير وسيلةٍ للدفاع؛ ولكنه لم يكن يفعل ذلك إلا مع مَنْ هاجموه مرارًا قبل ذلك. ولقد شهد بسلميَّته هذه المؤرِّخون البيزنطيون النصارى الذين عاصروه؛ ومع أنهم ينتمون إلى دولةٍ معاديةٍ لمراد الثاني إلا أنهم شهدوا له شهاداتٍ عجيبة! يقول المؤرِّخ البيزنطي لاونيكوس تشالكوكونديليس Laonikos Chalkokondyles، الذي كان يعيش في أثينا في زمان مراد الثاني: «كان مراد الثاني رجلًا يُحبُّ العدل والقانون، وكان موفَّقًا تَسِيرُ الأمورُ إلى جانبه. كان يُقاتل للدفاع فقط، ولم يبدأ أيَّ أعمالٍ عدائيَّة، لكنَّه كان يُقاتل فورًا مَنْ قاتله. إذا لم يَتَحَدَّه أحدٌ للحرب فإنَّه لا يكون متحمِّسًا أبدًا للحملة العسكريَّة؛ ومع ذلك فهو لم يكن يخشى الحرب إذا حدثت. إذا قرَّر القتال فإنَّه يستطيع أن يفعل ذلك في الشتاء، وفي أسوأ الأحوال، ولا يهتمُّ حينئذٍ بالتعب أو المخاطر»[8]. ويقول المؤرِّخ البيزنطي دوكاس Doukas، الذي كان يعمل لدى حكومة چنوة الإيطاليَّة، التي أرسلته أكثر من مرَّة في مباحثاتٍ دبلوماسيَّةٍ مع البلاط العثماني[9]؛ وذلك في عهد مراد الثاني: «أعتقد أنَّ اللهَ عاملَ الرجل بحسب الأعمال الصالحة التي قام بها من أجل مصلحة الشعب، وبحسب الشفقة التي أبداها للمعوزين، ليس فقط لأولئك المحتاجين من أمَّته وأبناء عقيدته؛ ولكن للنصارى كذلك. المعاهدات التي عقدها وأقسم عليها بالأيمان المقدَّسة كان لا ينقضها أبدًا حتى النهاية. لو أنَّ بعض النصارى انتهكوا المعاهدات ونقضوا الأَيْمَان فإنَّهم كانوا لا يفلتون من عقاب الله. لقد كانوا يُعَاقَبون بعدالةٍ من المنتقم. لم يكن غضب مراد الثاني مُفْرِطًا. بعد النصر لم يكن يشرع في مطاردةٍ حاميةٍ للجيش الهارب؛ بل أكثر من ذلك لم يكن متعطِّشًا للتدمير الكامل للأمم المهزومة؛ ولكن بمجرَّد أن تتقدَّم الأمَّة المغلوبة بطلب السلام فإنَّه يقبل عرضها بشغف، ويُعيد سفراءهم في سلام. لقد كان بحقٍّ يزدري الحرب، ويُحبُّ السلام، ولهذا فقد منحه الله موتًا سِلْمِيًّا بدلًا من أن يموت بالسيف»[10]!


وأمَّا السبب الثاني في قلَّة فتوحات مراد الثاني بالقياس إلى أسلافه من السلاطين هو أنه كان شخصيَّةً متكاملةً تهتمُّ بكلِّ جوانب الدولة، ولقد حاول أن يُحقِّق التوازن في شكل دولته، فلا تكون دولةً جهاديةً فقط تعتمد على الحرب في وجودها؛ إنما أراد أن يستكمل بقيَّة الأوجه الحضاريَّة للدولة الجيِّدة، فكان يُفرِّغ من وقته وجهده ما يدعم استكمال النهوض بالمجالات الاقتصادية، والعلمية، والاجتماعية، والعمرانية، وغير ذلك من مجالات، ولقد كان السلطان مراد الثاني على سبيل المثال من أكابر المهتمِّين بالإعمار؛ فالجوامع والكليات الموجودة في بورصا وإدرنة من إنجازاته، وكذلك دار الحديث التي أسَّسها في عام 1435م، و-أيضًا- الجامع ذو الشرفات الثلاثة وكلِّيَّاته، وقد تأسَّست عام 1447م، وجسر أوزون (Uzunköprü أي الجسر الطويل باللغة التركية) على نهر أركنه Ergene River الذي استغرق تشييده ستَّة عشر عامًا، وافتُتح في عام 1443م[11]. لهذا يقول المؤرِّخ الأميركي چاستين مكارثي Justin McCarthy: «يُمكن اعتبار مراد الثاني رجل سلامٍ دُفِعَ إلى الحروب.


على المستوى الشخصي كان اهتمامه الأكبر بالإصلاحات الداخليَّة وبلاط الحكم، وتحت قيادته بدأ البلاط العثماني يُشبه البلاطات العظيمة لحكَّام الشرق الأوسط السابقين، وزادت إدرنة بشكلٍ كبيرٍ في الحجم والقوَّة الاقتصاديَّة، وأخذت المدينة شكل العاصمة الإسلاميَّة على الرغم من النسبة العالية للسكَّان النصارى. بنى مراد الثاني مدارس عظيمة ومبانيَ إسلاميَّة أخرى متميِّزة. كان مراد الثاني مهتمًّا بالبنية التحتيَّة الاقتصاديَّة للدولة»[12]. من الواضح إذن أن السلطان العظيم كان يُفَضِّل أن يُوَجِّه طاقاته إلى بناء الدولة واستقرارها؛ بل كان يبذل جهده الأعظم في بناء الإنسان، وهذا عاد على الدولة العثمانية بأفضل الآثار.


لم تشهد هذه المرحلة الثانية من حياة السلطان مراد الثاني أحداثًا مؤسفةً اللهم أمرين، وكلاهما كان في عام 1437م؛ أمَّا الأول فهو تمرُّد إبراهيم بك والي قرمان، وزوج أخت مراد الثاني، وقد واجه السلطان هذا التمرُّد بقوَّةٍ وقَمَعَه؛ ومع ذلك أبقى إبراهيم بك في منصبه! وأمَّا الحدث الثاني فكان وفاة الأمير أحمد وليِّ العهد، وابن السلطان مراد، عن عمرٍ يقلُّ عن ثمانية عشر عامًا، وكانت صدمةً كبيرةً للسلطان وللدولة، وصار الابن الأوسط علاء الدين وليًّا للعهد وهو في الثانية عشرة من عمره[13].[14].

[1] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م. صفحة 26/58.
[2] القرماني، أحمد بن يوسف بن أحمد: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، تحقيق: أحمد حطيط، فهمي السعيد، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1412هـ=1992م. صفحة 3/27.
[3] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول ، 1988 الصفحات 1/122، 123.
[4] Treptow, Kurt W.: Vlad III Dracula: The Life and Times of the Historical Dracula, The Center of Romanian Studies, First edition, 2000., p. 44.
[5] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م، صفحة 155.
[6] Zlatar, Zdenko: The Poetics of Slavdom: The Mythopoeic Foundations of Yugoslavia, Peter Lang, Bern, Switzerland, 2007., pp. 557-558.
[7] Pitcher, Donald Edgar: An historical geography of the Ottoman Empire from earliest times to the end of the sixteenth century with detailed maps to illustrate the expansion of the Sultanate, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1973.p. 71.
[8] Cazacu, Matei: Dracula, Brill, Leiden, The Netherlands, 2017, pp. 98-99.
[9] Kazhdan, Aleksandr Petrovich; Ševčenko, Nancy Patterson; Cutler, Anthony; Talbot, Alice-Mary Maffry & Gregory, Timothy E.: Oxford Dictionary of Byzantium, Oxford University Press, New York, USA, 1991., p. 656.
[10] Doukas: Decline and Fall of Byzantium to the Ottoman Turks, Translated: Harry J. Magoulias, Wayne State University Press, Detroit, USA, 1975., pp. 188-189.
[11] أوزتونا، 1988 صفحة 1/130.
[12] McCarthy, Justin: The Ottoman Turks: An Introductory History to 1923, Longman, London, UK, 1997, p. 62.
[13] Babinger, Franz: Mehmed the Conqueror and His Time, Princeton University Press, 1978., p. 14.
[14] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 184- 187.