كيف زاد العثمانيون من أعداد جهازهم الإداري والعسكري، وكيف وفَّروا قادةً متميِّزين في كلِّ المجالات التي تحتاجها الدولة مع أن العائلة العثمانيَّة صغيرةٌ نسبيًّا؟


درجة الحساسيَّة في إجابة هذا السؤال هو فتح موضوع الدوشيرمة Devshirme، وهي الطريقة التي ساعدت العثمانيين على أداء هذا الدور الإداري والقتالي بكفايةٍ كبيرة، وقد تعرَّض كثيرٌ من الكُتَّاب -خاصَّةً الغربيين- إلى نقد هذه الطريقة وذمِّها؛ بينما تحمَّس لها آخرون ودافعوا عنها؛ فما الدوشيرمة؟!


المقصود اصطلاحًا بالدوشيرمة هو تجميع الأطفال النصارى من رعايا الدولة العثمانية، وتربيتهم على الإسلام، ثم على مفاهيم القيادة والإدارة؛ ومِنْ ثَمَّ استخدامهم في المناصب الكثيرة المهمَّة التي تحتاجها الدولة، وهذه الكلمة عُرِفت في المصادر الأوروبية «بضريبة الغلمان» «boy tribute»؛ أي الضريبة التي يفرضها العثمانيون على الأسر المسيحية لتقديم أولادهم قسرًا لخدمة الدولة في مجالاتها المختلفة.


والواقع أن أمر الدوشيرمة قد فُهِم على نحوٍ خاطئ بشكلٍ كبير؛ وذلك إمَّا عمدًا من جانب مَنْ يريدون الهجوم على الدولة العثمانية، أو جهلًا نتيجة عدم توفُّر التأريخ الرسمي والمنهجي للفترة الأولى من عمر الدولة العثمانية، وكذلك لعوامل الجهل باللغة التركية وأصولها؛ خاصَّةً أن اللغة التركية العثمانية كانت تُكْتَب بالحروف العربية؛ بينما تُكْتَب اللغة التركية الحديثة بالحروف اللاتينيَّة؛ ممَّا سبَّب انعزالًا كبيرًا عن معاني بعض الكلمات المهمَّة، ومنها الدوشيرمة.


ومع خطورة وأهميَّة فهم معنى الدوشيرمة، فإنَّ هناك اختلافًا كبيرًا بين المؤرِّخين حول الأصل اللغوي لكلمة الدوشيرمة؛ ممَّا يُفسِّر الاضطراب الكبير الذي يُعانيه الدارسون لهذا الاصطلاح؛ فبعضهم يذكر أن معنى كلمة الدوشيرمة هو: الجمع والاقتطاف[1]، وقد ورد هذا المعنى في أكثر من قاموس تركي وهي تكتب بالحروف اللاتينية بهذه الصورة: «devşirmek»، وهذا الذي حدا ببعض المترجمين أن يكتبوها بالفاء؛ أي دفشرمة، ويذكر بعضهم الآخر أن أصل الاصطلاح هو كلمة: «Dosorme»؛ أي الإسقاط أو السقوط، وتطلق على الأجِنَّة الأموات الذين ينتجون من عملية الإجهاض، أو أولئك اللقطاء الذين لا عائل لهم[2]، وفريقٌ ثالثٌ من الباحثين يرى أن أصل الكلمة يوناني، ويعني في اللغة اليونانية جمع الأطفال من العائلات المسيحية[3].


وأيًّا كان الأمر فإن الأصول كلها تصبُّ في النهاية في معنى تأسيس مؤسَّسة قائمة على الأطفال النصارى في الدولة، وهذا في الواقع حقيقي؛ لكن الاختلاف بين المؤرخين يكمن في الطريقة التي جُمِّع بها هؤلاء الأطفال، وفي المبادئ التي تربُّوا عليها.


ويتَّجه المهاجمون للدولة العثمانية إلى فكرة الجبر والإكراه، فيزعمون أن الحكومة العثمانية كانت تأخذ هؤلاء الأطفال قسرًا من عائلاتهم، ولهذا أطلقوا عليها «ضريبة»، كما يزعمون أنها كانت تكرههم على اعتناق الدين الإسلامي[4][5]. وصرَّح المؤرخ الإنجليزي ديڤيد نيكول David Nicolle أن هذا كان استرقاقًا للأطفال النصارى[6]، والحقُّ أن هذه فرية مزعومة لا أصل لها، وهي تحتاج إلى دراسةٍ وتفنيد؛ وذلك من خلال النقاط التالية:


أولًا: ليس هناك مصادر موثوقة تشرح هذا الأمر، وكل المراجع الأوروبية التي ذكرت الحدث على أنه ضريبة قسرية لم تذكر دليلًا حقيقيًّا على صدق المسألة[7]، وهي تجمع قصاصات من هنا وهناك لتكوين رؤية معيَّنة يراها الكاتب.


ثانيًا: بينما تذكر بعض المراجع الغربية مسألة ضريبة الغلمان هذه، نجد أن المراجع نفسها تشهد بلا تردُّد على السماحة العثمانية في التعامل مع الشعوب الأوروبية، وتذكر دلائل كثيرة على ما عُرِفَ في التاريخ «بالسِلْم العثماني»، فكيف يمكن أن يُوصَف العثمانيون بالتسامح الشديد ثم هم في الوقت نفسه يختطفون الأطفال من أحضان ذويهم؟!


ثالثًا: الواقع الذي نرتضيه لفهم مسألة الدوشيرمة أنها عمليَّة تجميع للأطفال لتكوين نواة للجيش العثماني، وكان هذا التجميع بالرضا التامِّ من الوالدين النصارى؛ فالمؤسَّسة التي تجمع الأطفال كانت أشبه بالمدرسة الداخليَّة التي نعرفها في زماننا الآن، التي قد تجمع المتفوِّقين في مجالٍ معيَّنٍ في طفولتهم ليعيشوا فيها معيشةً كاملة، تُربِّيهم فيها على أمورٍ يمكن أن تُفيد مستقبل حياتهم على نحوٍ معيَّن، وكانت هذه المدارس تُعَلِّم الأطفال فنونًا مختلفة، ثم عندما تبرز لبعضهم مواهب معيَّنة فإنهم يُوجَّهون إلى الوظائف التي تُناسبهم، سواءٌ كانت هذه الوظائف في الجيش، أم في السلك السياسي، أم في القصر، أم في الجهاز الإداري للدولة[8]، وهي كلُّها وظائف رفيعة المستوى.


رابعًا: لم تكن هذه المدارس «الدوشيرمة» مفتوحةً لكلِّ الناس؛ إنما لأصحاب المواهب فقط، فالعدد فيها محدود، وهي لا تستطيع أن تُربِّي أطفال الدولة كلِّها، ولهذا يحدث الانتقاء من المتقدِّمين، فالأمر على عكس ما يُتصوَّر تمامًا، فالمراجع الأوروبية تُصوِّر العائلات على أنها تهرب من هذه «الضريبة»؛ بينما الحقُّ أنها كانت تتنافس على هذه «الفرصة»!


خامسًا: يُثبِت أن الأمر كان «فرصة» للبعض، وليس قسرًا أو جبرًا لهم، أنَّ أهل البوسنة -على سبيل المثال- كانوا يدفعون الرشوة أحيانًا؛ وذلك عند فساد النظام العثماني في أواخر عهوده، لكي يُعطوا أبناءهم فرصة الالتحاق بالدوشيرمة[9].


سادسًا: أصل «الفرصة» هنا أن هؤلاء الأطفال هم من أبناء الشعب البسطاء، فآباؤهم من الفلاحين، والعمال، والصيادين، والحرفيين، وهؤلاء ليست لهم أيُّ فرصةٍ في الظروف الطبيعية لتولي منصبٍ قياديٍّ في الدولة؛ بل ليست لهم فرصةٌ حقيقيَّةٌ للخروج من نطاق الفقر الذي يعيشونه؛ وذلك في زمنٍ لا يقود فيه إلا النبلاء، وأبناء العائلات الكبرى، ومن هنا كان التنافس على الالتحاق بالدوشيرمة، وقد شهد المؤرخ الكندي وليام كليڤلاند William Cleveland على أن الدوشيرمة قدمت فرصًا غير محدودة للشباب الفقراء يصلون بها إلى وظائف راقية[10].


سابعًا: لم يكن الارتباط بالدوشيرمة أمرًا مهينًا على شكل الضريبة، بدليل أن المتخرجين من هذه المدارس كانوا يمثِّلون الدولة داخليًّا وخارجيًّا، وهذا يمكن أن يكون مطعنًا في شرف الدولة وهيبتها، خاصَّةً في هذا الزمن، وقد رأينا أمثلةً كبرى لعظماء في الدولة خرجوا من مدارس الدوشيرمة، منهم على سبيل المثال خسرو باشا والذي كان والي ديار بكر، والمعماري المشهور سنان باشا، والذي وصل إلى منصب رئيس المعماريين في الدولة العثمانية[11]؛ أي في مقام وزير، ومنهم محمود باشا الذي صار صدرًا أعظم للدولة[12]؛ أي أعظم المناصب بعد منصب السلطان، وغير هذا كثير.


ثامنًا: هذه الدوشيرمة تُحْسَب للدولة العثمانية لا عليها، فهي طريقةٌ فريدةٌ في زمن القرون الوسطى لتوصيل أصحاب الكفاية إلى القيادة والإدارة بصرف النظر عن أصولهم، وهي طريقةٌ تختفي منها العنصريَّة والطبقيَّة، ولا تعتمد إلا على القدرات والمواهب، ومن هنا فالعقلاء من الدول المعاصرة كانوا يحسدون الأتراك على جرأتهم في استعمال هذه الطريقة، وإعراضهم عن المظاهر الكاذبة التي تعتمد عليها الدول الأوروبِّيَّة في اختيار قياداتها وإداريِّيها، ومن أبرز الشهادات في حقِّ الدولة العثمانية في هذا الشأن ما شهد به السفير النمساوي لدى الدولة العثمانية في زمن سليمان القانوني؛ حيث قال السفير النمساوي أوچير دي بوسبيك Ogier de Busbecq: «إن الأتراك يُسرُّون إذا هم ظفروا برجلٍ فريد المواهب، فكأنهم كسبوا تحفةً ثمينة، وتجدهم لا يبخلون بأوقات عملهم ولا بجهدهم للأخذ بيده، خاصَّةً إذا رأوا أن له استعداداتٍ كبيرةً في فنِّ الحرب؛ أمَّا نحن فمختلفون كبير الاختلاف عن الأتراك؛ لأننا إذا وجدنا كلبًا، أو بازًا، أو حصانًا، نُسرُّ بذلك، ولا نألو جهدًا في الوصول به إلى منتهى الكمال؛ ولكن إذا صادف أن وجدنا رجلًا له استعدادات فائقة، فإننا لا نكلِّف أنفسنا عناء استكمال قدراته، ولا نفكِّر -أيضًا- في وجوب تربيته»[13].


تاسعًا: كانت أولى الخطوات في دخول أطفال الدوشيرمة إلى هذا النظام هو إعلان الإسلام، ثم التربية عليه، وهذا كان شرطًا لدخول المؤسَّسة[14]؛ بحيث إن الأسر التي ترفض اعتناق أبنائها للإسلام لا يسمح بدخول أطفالها إلى الدوشيرمة، والسبب أن الوظائف التي سيترقَّى إليها هؤلاء الأطفال تعتمد على الدين بشكلٍ أساسيٍّ؛ فالذين سينتقلون إلى الجيش سيُجاهدون بعد ذلك في سبيل الله، وسيكون الدافع الرئيس لهم في القتال هو التضحية من أجل هذه العقيدة الإسلامية، والبحث عن رضا الله عز وجل، والسعي إلى دخول الجنة، وسيتم تحفيزهم وتحريكهم في هذه العملية بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواقفه، وهذا كله لا يمكن أن يقوم به إنسانٌ غير مؤمنٍ أصلًا بهذه العقيدة، ولا يعرف الله الذي يؤمن به هذا الجيش، ولا يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يسمع أحاديثه ومواقفه. إن جيش العثمانيين لم يكن كجيوش المرتزقة الذين يُدْفَع إليهم المال نظير القتال؛ إنما كان جيش عقيدةٍ يتحرَّك من أجل الآخرة قبل أن يتحرَّك من أجل الدنيا. وما قلناه على الجيش ينسحب على بقيَّة الوظائف القيادية والولايات؛ فكلُّها يعتمد على الشريعة الإسلامية، وعلى قانون القرآن والسنة، وهذا كله لا يستقيم إلا مع المسلمين، وهذا لا يعني إكراه الأطفال على الإسلام؛ بل هو أحد شروط الاختيار في هذه الوظيفة، فمن أراد الالتحاق بها أسلم، ومن لم يُرِد الالتحاق بها ظلَّ على نصرانيَّته؛ ولكن يظلُّ غير مؤهَّلٍ لهذه المناصب المعتمدة على العقيدة، وهذا قد لا يستوعبه مواطني عالمنا المعاصر؛ لأن الدول الحاليَّة وأنظمتها في معظمها علمانية لا تعترف بالدين، أمَّا في دولةٍ إسلاميَّةٍ كالدولة العثمانية، تعتمد اعتمادًا كلِّيًّا على دينها، فإنه يمكن فهم هذا الأمر بشكلٍ أيسر بكثير، وعمومًا فإن الدول النصرانية المعتمِدة على دينها في نظامها، ككلِّ الدول المعاصرة للدولة العثمانية في ذلك الزمن، كإنجلترا، وفرنسا، والنمسا، وإسبانيا، وغيرها، لا يمكن أن تجعل في جيوشها، أو على قيادتها مسلمين.


عاشرًا: لهذا السبب لم يكن يُؤخذ في نظام الدوشيرمة الرجال البالغين[15]؛ لأنهم قد كوَّنوا عقيدتهم بالفعل، ومن الصعب أن يغيروها؛ بل هناك خطر أكيد من اعتناقهم للإسلام ظاهريًّا مع إضمارهم للنصرانية بغية الحصول على الوظيفة الراقية، وهذا قد يُضعف كيان الدولة، ويبثُّ في جهازها الجواسيس والخونة؛ ولذلك اعتمد هذا النظام على الأطفال بعد رضى أهاليهم.


حادي عشر: كان النظام معتمدًا على النصارى الأرثوذكس فقط، ولم يُسْمَح فيه بالدخول للأرمن، ولا اليهود، ولا الكاثوليك[16]، ولعلَّ هذا راجع إلى خوف الدولة العثمانية من هذه الطوائف التي كانت تُضمر عداءً للدولة في بعض مراحلها، بالإضافة إلى كونهم قلَّةً محدودةً في الدولة؛ ممَّا قد يدفع بعضهم إلى الدخول في هذه الوظائف بغية التعيين في وظيفةٍ من المستحيل الوصول إليها في الظروف الطبيعيَّة، وكان العثمانيون يطمئنُّون إلى الأرثوذكس أكثر من اطمئنانهم لغيرهم من الطوائف، وقد ورد في بعض المصادر أن بعض الأرمن واليهود كانوا يدفعون بأطفالهم عن طريق التزوير والرشوة إلى الدوشيرمة بدلًا من بعض الأطفال الأرثوذكس[17]، وهذا في حدِّ ذاته دليلٌ قويٌّ على أن الدوشيرمة لم تكن «ضريبة»؛ بل كانت فرصةً يجتهد بعضهم في التحايل حتى يحصلوا عليها. ولقد شهد المستشرق الألماني الشهير كارل بروكلمان Carl Brockelmann على تنافس الشعب للدخول في نظام الدوشيرمة، فقال: «والواقع أنه استثار حسد الأتراك أنفسهم، فكانوا يسعون في أحوالٍ كثيرةٍ إلى دسِّ أبنائهم في صفوف الغلمان من النصارى»[18]، فهل سيسعى الأتراك إلى الدخول في نظامٍ يعتمد على الأخذ القسري من العائلات النصرانية، أو هل سيسعون إلى الدخول في نظامٍ يُوقِع الظلم على أبنائهم؟


ثاني عشر: لم يكن يسمح نظام الدوشيرمة بدخول مسلمين؛ لأنه كان يعتمد في سنواته الأولى على تعليم الداخلين فيه قواعد الشريعة والدين الإسلامي، وهذه يعرفها المسلمون في أسرهم ومدارسهم العاديَّة، ولهذا كان يُقْصَر الجهد في مدارس الدوشيرمة على تعليم الأطفال النصارى الإسلام؛ حيث كانت طاقات المدارس مهما زادت محدودة.


ثالث عشر: كانت الدوشيرمة نوعًا من تبادل المصالح بين الحكومة العثمانية والشعوب المحكومة بها؛ فالحكومة العثمانية التي تُدير هذه القطاعات الكبرى من البلاد والإمارات والجيوش تحتاج إلى أفراد كُثر أصحاب مواهب وقدرات، أمَّا الشعوب الكثيرة فهي تحتاج إلى وظائف مرموقة يُفْتَح لها المجال للدخول فيها، فكان هذا النظام يُحقِّق المصلحة للطرفين؛ حيث تحسن الدولة قيادة مجالاتها بأبرع القادة، وفي الوقت نفسه يُفْتَح المجال لعموم الشعب لإبراز مواهبه وقدراته، وهذا بلا شكٍّ أعطى الدولة العثمانية عمرًا أطول؛ حيث استفادت بما لا تستفيد به عامَّة الدول المعاصرة لها، وفي الوقت نفسه أعطى الشعوب راحةً واستقرارًا؛ حيث صار أمامها طموحٌ كبيرٌ لا يمكن أن تصل إليه في ظلِّ النمط الأوروبي المعتمد على النبلاء والعائلات الكبرى فقط.


رابع عشر: كان هذا النظام موُصِّلًا لفكرة المواطنة؛ حيث صار هؤلاء الخرِّيجون وعائلاتهم وقراهم؛ بل عروقهم وأصولهم- منتمين إلى الدولة التي يعملون بها، وهذا ولا شَكَّ أدَّى إلى استقرارٍ كبيرٍ في الدولة، على الأقلِّ في قرونها الأولى.
خامس عشر: لكي تُقَدَّر قيمة هذا النظام لا بُدَّ أن يُنْظَر إليه في ضوء الاستعباد الذي كانت تقوم به كلُّ الإمبراطوريات في ذلك الزمن للشعوب التي كانت تُسيطر عليها، مع الأخذ في الاعتبار شهادة المؤرخين الأوروبيين، ومنها شهادة بيتر شوجر التي مرَّت بنا منذ قليل، والذي شهد أن القوانين العثمانية لم تكن تسمح بالاسترقاق، وفي هذه الشهادة دليلٌ جديدٌ على أن الدوشيرمة لم تكن ضريبةً قسريَّةً على المواطنين المسيحيين.


سادس عشر: لست مع المؤرخ الأميركي دونالد كواترت؛ حيث ذكر في دفاعه عن الدولة العثمانية أنها حين أخذت الأطفال لم تفعل شيئًا جديدًا على زمانها، فكل الدول القديمة استرقَّت الضعفاء حين سيطرت عليهم، فهو يُدافع عن الدولة العثمانية من منطق أن المهاجمين لها يفعلون الشيء نفسه، ومِنْ ثَمَّ لا ينبغي لهم القيام بهذا الهجوم عليها، لكنَّنا لا نُدافع عن الدولة العثمانية من هذا المنطلق؛ إنما نقول: إن الآخرين فعلوا ذلك، وهي لم تتأثَّر بعدوانيَّتهم في التعامل؛ إنما تعاملت بأخلاق الإسلام، وهي مختلفةٌ عن أخلاقيَّات الحضارات الأخرى.


سابع عشر: أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة لحدوث هذا الاضطراب حول تفسير الدوشيرمة هذا الخلط بينها وبين قانونٍ آخر كان متداولًا في الدولة العثمانية، وهو قانون «البنج يك»، وهو يعني قانون «الخُمْس»[19]، وهو إعطاء خمس الأسرى في الحروب للدولة تتصرَّف فيهم بالطريقة التي تريد حسب الشريعة الإسلامية، والواقع أن هذا قانونٌ مختلفٌ يتعامل مع أسرى الحروب فقط، ولا علاقة له بالمدنيِّين من الشعوب، والذين لا يشتركون في الحروب، والخلط جاء من قناعة المؤرخين الغربيين -سواءٌ عن جهل أم قصد- بأن الدولة العثمانية كانت تُمارس المبدأ نفسه مع عموم النصارى حتى لو كانوا غير محاربين، ومن هنا ظهر الحديث عن أخذ طفلٍ من كلِّ خمسة أطفال في الأسرة النصرانية الواحدة[20]، وهذا في الواقع غير حقيقي، وغير مدعومٍ بالسند التاريخي، كما أنه ليس منطقيًّا؛ لأنه لو كان الأمر يتم بهذه النسبة لكان عدد الأطفال في الدوشيرمة كبيرًا للغاية، بالإضافة إلى أن هناك بعض المصادر التي تذكر أن عملية التجميع لم تكن تتم كلَّ سنة؛ بل كانت تتم كلَّ خمس أو ستِّ سنوات[21]، ممَّا ينفي عنها شكل الضريبة، وتذكر بعض المصادر الأخرى أن التجميع كان يتم بواقع طفلٍ واحدٍ من كلِّ أربعين أسرة[22]، وهذا -أيضًا- ينفي فكرة الضريبة عن الدوشيرمة، وهذا التضارب في النسب يُبيِّن أن تحديد أخذ طفلٍ من كلِّ خمسة أطفال من عموم الأسر النصرانية أمرٌ خياليٌّ غير صحيح، ممَّا ينسف فكرة ضريبة الغلمان من أساسها.


ثامن عشر: تذكر بعضُ المصادر بعضَ القوانين المتعلِّقة بالدوشيرمة، والتي تنفي عنها شكل الجبرية والقسرية العنيف الذي حاول المؤرخون إلصاقه بالمؤسَّسة، ومن هذه القوانين مثلًا ما ورد في أن قانون الدوشيرمة كان يُرجِّح أخذ أبناء العائلات الأصيلة، أو أبناء القساوسة، في حال الترجيح بين طفلين، أو في حال أخذ عددٍ محدودٍ من الأطفال[23]؛ وهذا يعني أن الانتماء إلى الدوشيرمة شرفٌ كبيرٌ يُعْطَى للعائلات الكبرى في حال الاقتصار على عددٍ محدودٍ من الأطفال، ولو كان قسريًّا ما نُفِّذ مع الأسر الكبرى التي يُخْشَى عادةً من التعدِّي عليها، أو مع أبناء القساوسة الذين كانت تهتمُّ الدولة العثمانية بالاتِّفاق معهم وترضيتهم، ومن قوانين الدوشيرمة -أيضًا- أنه لا يؤخذ وحيد أبويه حتى لو وافق الأبوان على ذلك[24]؛ وذلك حفاظًا على التماسك الاجتماعي في الدولة، فلا تُتْرك عائلةٌ بلا ابن، ولا تُحْرم أسرةٌ من التكوين الطبيعي لها، وفي هذه الرحمة ما ينفي عن الدوشيرمة شكل الجبرية التي كانت تمارسها الإمبراطوريات القوية في ذلك الزمن؛ حيث كانت لا تعترف بهذه العواطف ولا الإنسانيات.


هذه هي الدوشيرمة فيما أرى، ليس فيها جبرٌ ولا إكراه؛ ولكنَّها نظامٌ سمح للدولة باستغلال إمكانيَّاتها دون نظرٍ إلى عرقٍ أو عنصرٍ أو طبقةٍ اجتماعيَّة، وأعطى الموهوبين فرصة أن يصلوا إلى المراكز التي يستحقُّونها، وأضاف عمرًا طويلًا لدولةٍ كبيرة، محقِّقًا النجاح لتجربةٍ لم تتكرَّر كثيرًا في حضارات العالم المختلفة.


وما أجمل أن نختم هذا المقال بكلمات المؤرخ الأميركي ألبرت ليبير Albert Lybyer وهو يصف الدوشيرمة بقوله: «إن نظامها كان لا يعترف بالفروق الاجتماعية؛ فالدولة تجمع أبناء رعاياها المسيحيين من الريف، والأغلبية الساحقة منهم يعملون في فلاحة الأرض، ورعي الأغنام، وفيهم الفقراء الذين لهم قدمٌ راسخةٌ في محالفة الفقر ومزاملته، حتى التصق بهم الفقر والتصقوا به، وأصبحوا هم جزأً لا يتجزَّأ من حياة البؤس والفقر والحرمان، وإذا بأولاد هؤلاء المعذَّبين في الأرض قد بلغوا بمضيِّ الأيام أرقى المناصب: صدورًا عظامًا، ووزراء، وقادةً عسكريين، وحكامًا، في دولةٍ إسلاميَّةٍ مترامية الأطراف في القارَّات الثلاثة، التي كانت تُشكِّل العالم القديم آنذاك»[25].[26].


[1] الأنسي، محمد على: الدراري اللامعات في منتخبات اللغات (قاموس اللغة العثمانية)، (دون سنة طبع). صفحة 259.
[2] أبو غنيمة، زياد: جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان-الأردن، الطبعة الأولى، 1403هـ=1983م. صفحة 126.
[3] عمر، عمر عبد العزيز: محاضرات في تاريخ الشعوب الإسلامية في العصر الحديث، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية–مصر، (دون سنة طبع) (ج). صفحة 38.
[4] أرنولد، توماس . و .: الدعوة إلى الإسلام، مكتبة النهضة العربية، القاهرة، 1970م. صفحة 175.
[5] چيبون، إدوارد: اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، ترجمة: محمد سليم سالم، مراجعة: محمد علي أبو درة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1969م. صفحة 3/278.
[6] Nicolle, David: Devshirme System, In: Mikaberidze, Alexander: Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011., vol. 1, p. 273.
[7] أبو غنيمة، 1983 الصفحات 124، 125.
[8] آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م.صفحة 73.
[9] Malcolm, Noel: Bosnia: A Short History, New York University Press, London, 1996., p. 46.
[10] Cleveland, William L. & Bunton, Martin: A History of the Modern Middle East, Westview Press, Uk, 2013., 2013, p. 46.
[11] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 74.
[12] مراد، طه زاده عمر فاروق بن محمد: تاريخ أبو الفاروق: تاريخ عثمانيده سياست ومدينت اعتباريله حكمت اصليه نك تحريسنه تشبت، (دون سنة طبع).صفحة 2/30.
[13] Clot, André: Suleiman the Magnificent: The Man, His Life, His Epoch, Editor: Jana Gough, Translated: Matthew J. Reisz, Saqi Books, London, 1992., p. 439.
[14] المصري، حسين مجيب: معجم الدولة العثمانية، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 1425هـ=2004م.صفحة 89.
[15] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 73.
[16] Shaw, Stanford Jay: History of the Ottoman Empire and Modern Turkey: Empire of the Gazis: The Rise and Decline of the Ottoman Empire, 1280–1808, Volume I, Cambridge University Press, New York, USA, 1976., vol. 1, p. 114.
[17] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 74.
[18] بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1968م. صفحة 465.
[19] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 الصفحات 70، 71.
[20] چيبون، 1969م.صفحة 3/277.
[21] أوزجان، عبد القادر: النظم العسكرية العثمانية، ضمن كتاب: إحسان أوغلي، أكمل الدين: الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، ترجمة: صالح سعداوي، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، إستانبول، 1999م. 1/383.
[22] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 73.
[23] أوزجان، 1999 صفحة 1/383.
[24] TAŞKIN, Ünal: Klasik donem Osmanli egitim kurumlari – Ottoman educational foundations in classical terms, Journal of International Social Research, vol. 1/3, 2008., pp. 343–366.
[25] Lybyer, Albert Howe: The government of the Ottoman empire in the time of Suleiman the Magnificent, Russell & Russell, New York, 1966., pp. 45-47.
[26] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 138- 146.