مصر كما قال هيرودوت: "هبة النيل" وتُعد أقدم أمم العالم، وتاريخها يُعد من أقدم تواريخ البشرية بأجمعها، ويكفي تاريخ مصر فخرًا أن عصوره المختلفة شهدت وفود العديد من الرسل والأنبياء عليهم السلام، يقول الرحالة المسلم المقدسي البشاري واصفًا ذلك: "هذا هو الإقليم الّذي افتخر به فرعون على الورى، وقام على يد يوسف بأهل الدنيا، فيه آثار الأنبياء، والتيه وطور سيناء، ومشاهد يوسف وعجائب موسى، وأليه هاجرت مريم بعيسى، وقد كرّر الله في القرآن ذكره، وأظهر للخلق فضله"[1].

وقد يكون المصريون أفخر الناس بانتمائهم إلى بلادهم، ليس فقط لما لها من حضارة عريقة، وليس فقط لما حباها الله بها من ميزات طبيعية، ولكن لأن الإنسان المصري هو الذي أهدى إلى البشرية أعظم ما يمكن أن يُهدى، حيث أنه هو الذي ابتكر الكتابة، والكتابة هي بداية كل العلوم والمعارف، وبغيرها لا يكون أي تقدم وتطور.

فمصر هي كنانة الله في الأرض.. هي الأرض الطيبة الزكية التي يجري نيلها عذبًا سلسبيلًا فتنبت الخير وتزدهر في أرجائها الحضارات، هي موطن الصالحين والعابدين والناس الطيبين، ولذلك هي على مدى تاريخها مطمع الطامعين، حيث تعرضت للغزو أو محاولات الغزو نحوًا من ثلاثين مرة على مدار تاريخها.


مصر في عصر ما قبل التاريخ
كان يطلق على مصر قديمًا اسم كمي، وتعني هذه الكلمة الأرض السوداء، وكانت تطلق على الوادي الخصب المنزرع، وقد بقي هذا الاسم محفوظًا إلى أن جاء الإغريق فأسموها أجبتيوس، ولم يفسر أصل اشتقاق هذا الاسم تفسيرًا شافيًا إلى الآن، وينحصر عصر ما قبل التاريخ المصري في المدة التي بدأ الإنسان يظهر فيها في وادي النيل، وقد أسفرت البحوث التي قام بها العلماء عن تقسيم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

العصر الأول: ويطلق عليه اسم عصر ما قبل الحجري القديم «الأيوليتي».
العصر الثاني: ويطلق عليه اسم العصر الحجري القديم «الباليوليتي» ومنه يتفرع العصر الحجري الحديث، « النيوليتي ».
العصر الثالث: ويطلق عليه عصر بداية استعمال المعادن «الأنيوليتي» وقد استعمل في هذا العصر الحجر والنحاس والحديد لعمل الآلات جنبًا إلى جنب.

مصر في عصر الفراعنة (3200 ق.م- 332)
في عصور ما قبل التاريخ كان الأقوام الذين يقيمون على ضفاف النيل قد أنشئوا لهم حكومة من نوع ما، وانقسموا أقسامًا ينتسب سكان كل قسم منها إلى أصل واحد، وظلت هذه الوحدات الإقليمية قائمة، وظل لحكامها نوع من السلطان يختلف قوة وضعفًا واستقلالًا باختلاف قوة الملك الأعظم وضعفه، وقد أخذت هذه الوحدات تنظم نفسها حتى تكونت منها مملكتان واحدة في الجنوب وأخرى في الشمال، ولعل هذا التقسيم أدى إلى صورة من النزاع بين أهل الجنوب وأهل الشمال.

وقد سوى هذا النزاع الملك مينا[2]الذي قام بتوحيد القطرين تحت سلطانه الموحد، وأقام أولى الأسر المالكة التاريخية، وشيَّد عاصمة جديدة لملكه في مدينة منف "منفيس" وأدخل في البلاد وسائل النعيم والحياة المترفة.
ولم يكن الملوك في بلد من البلاد بالكثرة التي كانوا بها في مصر القديمة، والتاريخ يضمهم جميعًا في أسر، تشمل كل أسرة ملوكًا من بيت واحد أو ذرية واحدة؛ ولكن عدد هذه الأسر نفسها يثقل الذاكرة التي لا تطيق كثرتها، وقد أراد المؤرخون أن يسهلوا الأمر على أنفسهم فجمعوا الأسر في عصور هي:

عصر الدولة القديمة: ويشمل الأسر من الأولى إلى السادسة، وتليها فترة من الفوضى فيما يعرف بعصر الانتقال الأول ويمتد من بداية الأسرة السابعة، وينتهي مع نهاية الأسرة العاشرة.

عصر الدولة الوسطى: ويشمل الأسرتين الحادية عشرة والثانية عشرة، ثم تأتي بعدها فترة أخرى من الاضطراب والفوضى تعرف بعصر الانتقال الثاني والذي يمتد فيما بين عصر الأسرة الثالثة عشرة، حتى نهاية عصر الأسرة السابعة عشرة.

عصر الدولة الحديثة: ويبدأ بعصر الأسرة الثامنة عشرة، ويمتد إلى نهاية عصر الأسرة العشرين.

العصور المتأخرة: واستمرت من بداية عصر الأسرة الحادية والعشرين، إلى نهاية عصر الأسرة الثلاثين في عام 332 ق.م.

لم تكن شخصية مينا الذي سوى النزاع بتوحيده القطرين، أعظم شخصية في التاريخ المصري القديم فحسب، بل كانت هناك شخصية فنان وعالم، وتلك هي شخصية إمحوتب الطبيب والمهندس، وكبير مستشاري الملك زوسر (أحد ملوك الأسرة الثالثة)، حيث كان له على الطب المصري من الفضل ما جعل الأجيال التالية تتخذه رمزًا ومنشئ للعلوم والفنون، وتقول الرواية المصرية: أنه هو الذي وضع تصميم أقدم بناء مصري قائم إلى هذه الأيام وهو هرم سقارة المدرج.

وقد كانت الأسرة الرابعة من أهم الأسر الحاكمة في تاريخ مصر، حيث سخر خوفو أحد ملوك هذا البيت المصريين في تشييد هرمه المعروف باسم الهرم الأكبر، أما خفرع خليفته على العرش ومنافسه في البناء أنشأ الهرم الثاني (هرم خفرع)، وقد حكم خفرع مصر ستًا وخمسين سنة، وعلى مسافة من الهرم الأول والثاني يقوم هرم آخر هو هرم منقورع خليفة خفرع على عرش مصر، ولعل ما طرأ على العادات من تطور ورقي في ذلك العهد جعل الناس يحبون السلم ويبغضون الحرب، مما أدى إلى قيام إنسان جديد باغتصاب العرش من منقورع وقضى على أسرة بُناة الأهرام.

وقد كانت هناك شخصية أخرى في الدولة المصرية القديمة، وتلك هي شخصية بيبي الثاني أحد الفراعنة الذين حكموا في الأسرة السادسة، وقد حكم أربعة وتسعين سنة، وهي أطول مدة حكم في التاريخ كله، إلاّ أنَّ حكمه الطويل هذا كان في غير صالح مصر والمصريين، حيث عمت الفوضى البلاد وأدت إلى الانحلال، وطغى على البلاد عصر مظلم سادته الفوضى أربعة قرون.

وفي عصر الدولة الوسطى وتحديدًا في عهد الأسرة الثانية عشرة عاد الاستقرار إلى البلاد وعاد نظامًا من الحكم والإدارة دام طويلًا، وظهرت شخصية سنوسرت الأول الذي حفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، وصد الغزاة النوبيين، ولكن في أواخر عهد هذه الأسرة عاد الاضطراب إلى مصر على أثر النزاع الذي قام بين المتنافسين المطالبين بالعرش، وانقضى عهد الدولة الوسطى في حال من الفوضى والتفكك.

ثم تعرضت مصر لغزو الهكسوس (1650- 1542ق.م)، وهم بدو من آسية وُصفوا بأنهم الرعاة، وقيل عنهم العمالقة، جاءوا إلى مصر من فلسطين متسلحين بعربات القتال التي تجرها الخيول، فأحرقوا مدنها وهدموا هياكلها وبددوا ما تجمع من ثروتها، وقضوا على كثير من معالم فنونها، وظل هذا البلاء حتى حوالي 1570 ق.م، حيث جمع المصريون شملهم، وبدأت حرب التحرير من طيبة على يد سقن رع الذي قتل في الحرب، فخلفه ابنه كامس الذي قتل أيضًا، فخلفه أخوه أحمس الذي استطاع أن يطردهم خارج البلاد.

وبطرد الهكسوس تأسست الأسرة الثامنة عشرة أول أسر الدولة الحديثة، وقد بلغت البلاد في أيامها درجة من القوة والمجد لم تبلغها من قبل، وتعتبر الأسرة الثامنة عشرة فريدة من نوعها بين الأسر المصرية الأخرى، إذ قدمت امرأتان حكمتا مصر بصفة فرعون، وهن الملكة حتشبسوت، والملكة نفر نفر آتون التي تُعرف باسم نفرتيتي، وكان حور محب آخر فراعنة هذه الأسرة، والذي خلفه في الحكم رفيقه في الجيش رمسيس الأول الذي أسس الأسرة التاسعة عشرة، وجاء من بعده ابنه سيتي الأول، ثم ارتقى العرش رمسيس الثاني آخر الفراعنة العظام، ويعتقد البعض أن رمسيس الثاني هو بعينه فرعون موسى، وبعد وفاة رمسيس الثاني قام النزاع خلال حكم خلفائه الذين تولوا الملك بعده في الوقت الذي كان فيه الغزاة الأجانب يعدون العدة للانقضاض على مصر، فانقض عليها اللوبيون من الغرب في عام 945 ق. م، وعاثوا فيها فسادًا يخربون ويدمرون، وفي عام 722 ق. م غزاها الأحباش من الجنوب، وفي عام 673 ق.م، اجتاحها الآشوريون من الشمال وأخضعوا لسلطانهم مصر وألزموها بأداء الجزية لهم.


مصر في عهد الإسكندر والبطالمة (332 ق.م- 30 ق.م)
خرج الإسكندر المقدوني[3] بجيشه من اليونان، وبعد أن هزم الفرس أكثر من هزيمة ساحقة وصل إلى مصر في جيش مقداره أربعين ألفًا، وسار من غزة إلى الفرما ثم إلى منف، واستسلم الوالي الفارسي للإسكندر دون مقاومة سنة 332 ق.م، وأنشأ الإسكندر مدينة الإسكندرية ثم سار غربًا حتى سيوه وعاد إلى منف ثم غادر مصر سنة 331 ق.م، ليواصل فتوحاته.


بعد أن توفي الإسكندر سنة 323 ق.م، تمزقت إمبراطوريته واقتسمها قادته من بعده، فكانت مصر من نصيب بطلميوس بن لاجوس وتوارثت ذريته من بعده حكم مصر إلى أن بلغوا أربعة عشر بطلميوسًا، وكان حكم البطالمة لمصر حكمًا عنصريًا عاملوا فيه المصريين باحتقار، وفي نهاية حكمهم انتهى الأمر إلى كليوباترة أخت بطلميوس الثالث عشر وبطلميوس الرابع عشر.

وقد لعبت كليوباترة دورًا شاذًا في التاريخ، إذ تزوجت يوليوس قيصر حاكم الدولة الرومانية، ثم انتقلت إليه في روما، وبعد اغتيال يوليوس قيصر عادت كليوباترة من روما إلى الإسكندرية، وأعادت الكرَّة مع أنطونيوس قيصر وتزوجته، ووقعت الحرب بين أنطونيوس وأكتافيوس قيصر، واستطاع أكتافيوس أن يهزم أنطونيوس وكليوباترة في معركة أكتيوم البحرية غرب اليونان، وفر أنطونيوس وكليوباترة إلى الإسكندرية في حين اتجه أوكتافيوس إلى الفرما فاحتلها بعتبارها مدخل مصر الشرقي، ثم زحف منها نحو الإسكندرية واشتبك مع أنطونيوس وهزمه مرة أخرى فانتحر أنطونيوس وانتحرت معه كليوباترة، وصارت مصر حينذاك ولاية رومانية في عام 30 ق.م.

مصر في عصر الرومان (30 ق.م- 639م)
بدأ الحكم الروماني لمصر واستمر قرابة سبعة قرون، فكان أطول وأسوأ فترات تاريخها، وعندما سقطت الدولة الرومانية الغربية سنة 476م آلَت أملاك الدولة الرومانية الغربية -ومنها مصر- إلى الدولة الرومانية الشرقية (الدولة البيزنطية) وعاصمتها القسطنطينية.

وقد أبقى الرومان في مصر حامية رومانية أخضعت البلاد وأخمدت ثوراتها وأحالتها إلى مزرعة تمد الإمبراطورية الرومانية بالمال والغلال لاسيما القمح، ولا خلاف في أن روما كانت تنظر لمصر على أنها بقرة حلوب دأبت على استنزاف لبنها، وأصبحت مصر مستعمرة بمعنى الكلمة، وعاملت روما شعب مصر على أنه شعب مغلوب مقهور، بل اتسم الحكم الروماني بفداحة الضرائب والعسف في الجباية وعاش المصريون قرونًا معيشية ضنكة حتى خربت البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا.

وعلى صعيد الحالة الدينية فقد انتشرت المسيحية في مصر، وذلك لقربها من فلسطين مهد المسيحية، وأثار انتشار المسيحية في المجتمع المصري مخاوف الرومان المخالفين لهم في العقيدة، واعتبرت السلطان الرومانية أنَّ المسحيين عنصرًا خطيرًا في المجتمع، فعمدوا إلى إضطهاد دعاة المسيحية ومعتنقيها، وكانوا يعاملونهم بقسوة شديدة، واستمر هذا الاضطهاد على الأقلية المسيحية المصرية، حتى خطا الصحابي الجليل عمرو بن العاص خطواته الأولى على أرض مصر فاتحًا في نهاية عام 18هـ= 639م.


الفتح الإسلامي لمصر
استأذن عمرو بن العاص الخليفة عمر بن الخطاب في فتح مصر، واتجه بجيشه إلى العريش واحتلها دون مقاومة، ثم سار إلى الفرما، وقاومه الروم شهرًا أو شهرين ثم تمكن من احتلالها، مرورًا يعد ذلك بمعارك بلبيس وأم دنين وعين شمس، وحصن بابليون، ثم معاركه في الدلتا حتى فتح الإسكندرية سنة 21هـ= 642م، وقد استغرق فتح مصر نحو ثلاث سنوات، وكان أسهل فتح حققه المسلمين في بلد من البلاد، بسبب ترحيب المصريين بهم ومساعدتهم لهم، وقد كانوا عند حسن ظن المصريين بهم، فأحسنوا معاملتهم واحترموا عقيدتهم، ووفروا لهم حرية الدين التي افتقدوها في العهد البيزنطي.

مصر في عصر الولاة (21- 254هـ= 642- 868م)
بعد الفتح الإسلامي أصبحت مصر ولاية تابعة للخلافة الإسلامية في العهد الراشدي، ثم في العهد الأموي، ومن بعدهما في العهد العباسي، ومن أشهر ولاة مصر في ذلك العصر (عصر الولاة) عمرو بن العاص، أول والٍ عليها، وتولى من قِبل الخليفة عمر بن الخطاب، وكان واليًا عادلًا، عمل على نشر الأمن والأمان، ومنح الأقباط الحرية الدينية التي افتقدوها قبل الفتح الإسلامي، كما قام بالإصلاحات المالية والإدارية وأسس مدينة الفسطاط (مصر القديمة حاليًا) لتكون عاصمة لمصر الإسلامية، ثم أسس مسجده الذي لايزال يحمل اسمه حتى الآن، كما قام بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، لتسهيل السفر والتجارة بين مصر والجزيرة العربية، وكان اسم هذه القناة: «خليج أمير المؤمنين».

ومن أشهر ولاة مصر في عصر الولاة أيضًا مسلمة بن مخلد الأنصاري الذي تولى من قِبل الخليفة الأموي معاوية بن أبى سفيان من سنة 47هـ= 667م، وحتى سنة 62هـ= 681م، وكان من خيرة الولاة في حسن السياسة ونشر العدل، وأيضًا من أشهر الولاة عبد العزيز بن مروان الذي تولى من قِبل أبيه الخليفة مروان بن الحكم من سنة 65هـ= 684م، واستمر حتى سنة 86هـ= 705م، أيضًا من الولاة المشهورين صالح بن على بن عبد الله بن عباس، وهو من أشهر ولاة مصر في العصر العباسي، حيث أسس لمصر عاصمة جديدة أسماها مدينة العسكر (منطقة السيدة زينب الحالية)، وقد ظلت مصر ولاية تابعة للخلافة الإسلامية فترة قرنين وربع القرن من الزمان تقريبًا، وذلك من سنة 21هـ= 642م وحتى سنة 254هـ=868م، حتى استقلت عن الخلافة العباسية بقيادة أحمد بن طولون.

مصر في عهد الدولة الطولونية (254- 292هـ= 868- 905م)
تنسب الدولة الطولونية إلى مؤسسها أحمد بن طولون الذي كان أبوه مملوك تركي يعمل رئيس الحرس الخاص لدى الخليفة المأمون، وقد تعلَّم أحمد بن طولون على يد والده الفنون العسكرية وعلوم اللغة والدين، فأصبح موضع ثقة الخلفاء العباسيين لشجاعته وعلمه، وعمل تحت رعايتهم، وفي عام 254هـ= 868م عين الخليفة العباسي أميرًا تركيًا على مصر (بايكباك) والذي بدوره أناب عنه أحمد بن طولون، فاستقل أحمد بمصر، واستمر حكمه من سنة 254هـ= 868م، وحتى سنة 270هـ= 883م.

حكم بعد أحمد بن طولون ابنه خمارويه (270هـ= 883م- 282هـ= 895م) الذي جرت بينه وبين الخلافة العباسية عدة حروب، ثم تحسنت العلاقة وعقد الخليفة العباسي مع خمارويه اتفاقًا يقضي بمنحه هو وورثته الحكم في مصر والشام لمدة ثلاثين عامًا، ثم تزوج الخليفة العباسي المعتضد ابنة خمارويه قطر الندى.

بعد وفاة خمارويه سنة 282هـ= 895م بدأت الدولة الطولونية في الانحلال حيث تولَّى زمامها طائفة من أفراد البيت الطولوني (أبو العساكر جيش- أبو موسى هارون- شيبان) وكانت تنقصهم الحنكة السياسية، وكان ذلك إيذانًا بزوال الدولة الطولونية في سنة 292هـ= 905م بعد أن حكمت مصر مدة ثمانية وثلاثين عامًا، وعادت مصر مرة ثانية إلى حظيرة الخلافة العباسية حتى سنة 323هـ= ‏935م.

مصر في عصر الدولة الإخشيدية (323- 358هـ= 935- 969م)
في سنة 323هـ= ‏935م تأسست الدولة الإخشيدية على يد ‏محمد بن طغج الملقب بالأخشيد[4]، الذي تقلد حكم مصر من قبل الخليفة العباسي الراضي بالله‏، وكانت علاقة الإخشيديين بالخلافة العباسية علاقة ولاء كامل، فقد حصل محمد بن طغج من الخليفة العباسي على حق توريث حكم البلاد التي تحت يده لأسرته من بعده، فأصبحت هذه الولايات في عداد الدول المستقلة.

بذل محمد بن طغج جهودًا كبيرة في إعادة الاستقرار والأمان إلى بلاده، واستطاع بكفاءته وذكائه أن يتغلب على العواقب التي صادفته كافة، وظل وفيًا للخلافة العباسية، فعاش حياته عزيزًا كريمًا حتى مات سنة 334هـ= 946م، وقد أوصى بالـمُلك من بعده لولديه الصغيرين، أبو القاسم أنوجور (334- 349هـ= 946- 960م)، وأبو الحسن علي (349- 355هـ= 960- 966م)، على أن يتولى مولاه كافور الحبشي أمر الوصاية عليهما.

قام كافور بتدبير الأمور، وأصبح بحكم وصايته صاحب السلطان المطلق في إدارة الدولة، وتمكن من القبض على زمام الأمور بيده، واستطاع خلال وصايته أن يحافظ على تماسك الدولة وأن يدفع عنها الخطر، وفي سنة 355هـ= 966م استصدر كافور كتابًا من الخليفة العباسي يقره فيه على توليته مصر بدلًا من أمر الوصاية، وتولى كافور حكم مصر ودُعِي له على المنابر بعد الخليفة، واستمر في الحكم حتى وفاته في سنة 357ه، وفي هذه المدة التي تولاها راجت التجارة في عصره، وشجع الأدباء والشعراء ومنهم أبو الطيب المتنبي.

بعد وفاة كافور اختار الجند أبي الفوارس أحمد الذي كان طفلًا لم يبلغ الحادية عشرة من العمر حكمًا للدولة، فلم تستقر البلاد في عهده، وعمت الفوضى والاضطرابات معظم أنحاء مصر، وتدهورت أحوالها الاقتصادية، فأصابها القحط والوباء والغلاء الشديد، في الوقت الذي عجزت فيه الخلافة العباسية عن إعادة الأمور إلى نصابها في مصر، فسقطت الدولة سقوطًا مروعًا على يد جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358هـ= 969م.‏

مصر في عصر الدولة العبيدية (الفاطمية) (358- 567هـ=969م- 1171م)
الدولة الفاطمية قامت في المغرب العربي سنة 297= 910م، غير أنها سيطرت على مصر سنة 358هـ= 969م، حيث سار جوهر الصقلِّي قائد جيوش الخليفة الفاطمي المعز لدين الله إلى مصر على رأس جيش للفاطميين، وتمكن من الاستيلاء على مصر سلمًا وبغير مقاومة، وبدأ عهد جديد لمصر في ظل الحكم الفاطمي، ووُضع الأساس لبناء مدينة القاهرة والتي نقل المعز مقر الحكم إليها سنة 362هـ= 973، أيضًا بدأ بناء الجامع الأزهر سنة 359هـ، وقد استغرق بناؤه سنتين، وذلك ليكون خاصًا بشعائر المذهب الفاطمي، وبما أنَّ الدولة الفاطمية كانت دولة شيعية المذهب جُعل الجامع الأزهر رمزًا ومنبرًا للدعوة الشيعية التي ينضوي الفاطميون تحت لوائها، وأقيمت الصلاة في الجامع الأزهر لأول مرة 7 رمضان سنة 361هـ، وتحولت الدعوة على المنابر إلى الخليفة المعز، وضرب السكة باسم الخليفة الفاطمي بدلًا من اسم الخليفة العباسي.

مصر في عصر الدولة الأيوبية (567- 648هـ= 1171- 1250م)
من أسرة كردية من أذربيجان هاجرت إلى العراق، انبثق فجر صلاح الدين الأيوبي قائد هذه الدولة التي لعبت بقيادته دورًا من أروع أدوار تاريخنًا، وقد كان لاشتراك صلاح الدين مع عمه أسد الدين شيركوه في الحملات العسكرية التي كان يرسلها نور الدين محمود إلى مصر، أثر كبير في تعميق خبرته وإبراز مواهبه، وما إن مات عمه أسد الدين سنة 564هـ، حتى أسند إليه الخليفة الفاطمي في مصر العاضد الوزارة، ولقبه بالملك الناصر، فظفر صلاح الدين بحب الشعب واحترامه نظرًا لحزمه وعدالته، ولم تأت سنة 567هـ=1171م حتى مات الخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين، وبذلك طويت صفحة الدولة الفاطمية في مصر، وعادت مصر عاصمة كبرى للعباسيين تحت قيادة الدولة الأيوبية وقائدها صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد مصر للمذهب السني.

ظل صلاح الدين يعمل على توحيد العالم الإسلامي مدة عشر سنوات في الفترة من سنة 572ه= إلى سنة 582ه، حتى تحقق له ما أراد واستعد لمواجهة الصليبيين المتربصين بالعالم الإسلامي، فأعلن ثورة إسلامية، وأصبح هو رمزها ومحورها فسجل له التاريخ أبرز صور البطولة في واقعة حطين سنة 583هـ= 1187م، والتي نصره الله فيها نصرًا عزيزًا، ونال الصليبيون على يديه هزيمة ساحقة، وكان هذا الانتصار بداية لسلسلة من الحروب من أجل استخلاص إمارات إسلامية استولى عليها الصليبيون كأنطاكية وطرسوس والرها وبيت المقدس وطرابلس، وشاءت إرادة الله أن يكون تحرير المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدي هذا البطل الشجاع الذي حاصر مدينة بيت المقدس حتى اضطر مَنْ بداخلها إلى الاستسلام وطلب الصلح.

هكذا كانت حياة هذا الرجل العظيم الذي طالما ما كان يخرج للجهاد تاركًا خلفه كل ملذات الحياة، وعلى الرغم من طول فترة حكمه التي بلغت نحو أربعة وعشرين عامًا فإنه لم يمكث في مقر حكمه في مصر سوى ثماني سنوات فقط، ومما يبرهن على حبه الكبير للجهاد ضد أعداء الإسلام أنَّه مرض في أثناء مفاوضاته مع الصليبيين في صلح الرملة الذي كان سنة 588هـ= 1192م، ثم لقى ربه في سنة 589هـ= 1193م، وله من العمر خمسة وخمسون عامًا، بعد أن أسر الناس بجليل أعماله، وقهر الصليبيين بشجاعته.

وبوفاة صلاح الدين بقيت الدولة الأيوبية التي تنسب إليه تؤدي دورها قريبًا من ستين سنة، لكن هؤلاء الحكام الذين أتوا بعده لم يستطيعوا لعب الدور الذي لعبه، حيث انقسمت السلطنة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين بين أبنائه الثلاثة وأخيه وبعض أقاربه، وقد استقل أصغر أبنائه العزيز عماد الدين (589- 595هـ= 1193- 1199م) على عرش مصر.

كان العزيز عماد الدين شابًا يتصف بالشجاعة والأخلاق الحميدة، إلا أنه كان يفتقد إلى الدراية السياسية في تسيير أمور البلاد، فاستعان بعمه الملك العادل واستوزره ليقوم بهذه المهمة، وبعد موت العزيز خلفه في الحكم ابنه الملك المنصور (595- 596هـ= 1199- 1200م)، وكان طفل في التاسعة من عمره مما جعل الملك العادل يتولى عرش مصر خوفًا من انهيار الدولة، وذلك بعد أن تشاور مع العلماء والفقهاء.

تولى الملك العادل من سنة 596هـ- 1200م، وحتى سنة 615هـ= 1218م، ويعد الملك العادل أعظم سلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين، حيث اشتهر بالكفاءة والدهاء والدراية بشئون الحكم، ولم يتأخر في حمل المسئولية حين رأى تدهور الأوضاع بمصر وحاجتها إليه، فكان الرجل المناسب لتلك المرحلة.

بعد موت الملك العادل تولى الحكم من بعده ابنه الملك الكامل (615- 635هـ= 1218- 1238م) الذي سرعان ما دب الخلاف بينه وبين ابن أخيه بسبب النزاع على إحدى المدن، ولكي يتفرغ الملك الكامل لمحاربة ابن أخيه عقد صلحًا مع الصليبيين كان من بين شروطه تسليمهم بيت المقدس وبعض المدن الأخرى مما استجلب سخط العالم الإسلامي كله، وبذلك أضاع الملك الكامل كل ما بذله عمه صلاح الدين، وسلم للصليبيين مدينة القدس سنة 626هـ= 1229م بدون حرب ليحارب ابن اخيه مقابل ملك دنيوي سرعان ما زال بموته عام 635هـ=1237م.

بعد وفاة الكامل عيَّن الجند والأمراء بعده ابنه الملك العادل الذي يعرف بالعادل الثاني (635- 637هـ= 1237- 1240م) ولكن اضطراب الأوضاع، وضعف الدولة جعلاه لا يستمر طويلًا في حكم البلاد، فتولى مكانه أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب (637- 647هـ= 1240- 1249م، الذي أعلن الحرب على الصليبيين، وانتصر عليهم سنة 642هـ= 1244م واستخلص منهم بيت المقدس وأعادها إلى حوزة الإسلام.

كان الملك الصالح نجم الدين أيوب قد أكثر من استجلاب المماليك لمساعدته في حروبه ضد الصليبيين، فنبغ منهم عدة أشخاص كان لهم أكبر الأثر في تغيير مجرى السياسة المصرية، ومنهم زوجته الملكة شجرة الدر، والتي أخفت خبر وفاته عندما مات فجأة وكانت الحرب لاتزال دائرة بين المسلمين والصليبيين، ولم تعلن خبر موته إلا بعد انتصار المسلمين على الصليبيين وحضور ابنه توران شاه (647- 648هـ= 1249- 1250م) الذي تسلم زمام الـمُلك بعد أبيه، ولكن توران شاه قتل ولم يمكث كثيرًا على عرش السلطة، فتولت شجرة الدرة زمام الأمور عقب مقتله، ثم تزوجت من كبير المماليك عز الدين أيبك وتنازلت له عن السلطة، وبذلك انتهى ملك الأيوبيين بمصر سنة 648هـ= 1250م.

مصر في عصر دولة المماليك (648- 923هـ= 1250م- 1517م)
بعد أن زالت دولة الأيوبيين في مصر انتقل الحكم إلى المماليك، وهم طائفة من الأرقَّاء الذين اشتراهم سلاطين مصر، لاسيما في العهد الفاطمي والعهد الأيوبي، ثم تهيأت لهم الظروف ليحكموا مصر والشام وبلاد أخرى، وامتد حكمهم على مدى قرنين ونصف من الزمن، تخلَّل هذه المدة مراحل من الجهاد الإسلامي للدفاع عن الدين والأرض ضد الأخطار التي كانت من التتار والصليبيين والغرب الأوربي، وينقسم المماليك باتفاق معظم المؤرخين إلى المماليك البحرية والمماليك البرجية.

المماليك البحرية: وعددهم سبعة وعشرون سلطانًا، وهم الذين أسكنهم نجم الدين أيوب معه في قلعة الروضة، وسماهم البحرية، وحكموا من سنة 648هـ= 1250م، وحتى سنة 784هـ= 1382م، وسطروا إبان حكمهم صفحة مضيئة من تاريخ مصر خاصة، والتاريخ الإسلامي عامة، حيث عملوا على توحيد البلاد، ورفع رايات الجهاد، وأهم سلاطينهم: عز الدين أيبك (648-655هـ=1250-1257م)، وسيف الدين قطز (657-658هـ=1259-1260م)، الذي تحطمت آمال التتار على يديه في معركة عين جالوت سنة 658هـ= 1260م.

أيضًا من أبرز سلاطين المماليك البحرية الظاهر بيبرس (658-676هـ=1260-1277م) الذي يُعدُّ المؤسس الفعلي لدولة المماليك وأعظم سلاطينها، إذ اجتمعت فيه صفات العدل والفروسية والإقدام، فقد وهب حياته للجهاد، وجعل هدفه رفع شأن الأمة الإسلامية، وإليه يرجع الفضل في انتقال الخلافة العباسية إلى القاهرة سنة 659هـ= 1261م بعد سقوطها في بغداد على يد التتار سنة 656هـ= 1258م، وأصبحت مصر دار الخلافة الإسلامية، كذلك السلطان المنصور سيف الدين قلاوون (678- 689هـ= 1279- 1290م)، والذي استمرت السلطنة في بيته وأسرته حتى انتهاء دولة المماليك البحرية في سنة 784هـ= 1382م.

المماليك البرجيّة: أو الشراكسة، وهم الذين أكثر المنصور قلاوون من شرائهم، وجعلهم في أبراج القلعة فسموا البرجية، وهم يختلفون في الجنس عن المماليك البحرية لأن معظمهم من الشراكسة، وأولئك من الترك وقد عُرفوا المماليك البرجية باسم الشراكسة، نسبة إلى بلاد الشركس (القوقاز) موطنهم الأصلي، وكان عدد سلاطين دولة المماليك البرجية خمسة وعشرون، وحكموا من سنة 784هـ=1382م، حتى سنة 923هـ= 1517م، ومن أشهر سلاطينهم السلطان برقوق الذي يُعدُّ المؤسس الأول لدولة المماليك البرجية، وتولى الحكم مرتين، في المرة الأولى من سنة 784هـ= 1382م وحتى سنة 790هـ= 1388م، وفي المرة الثانية من 792هـ= 1390م حتى سنة 801هـ= 1399م، والسلطان قانصوه الغوري (906 - 922هـ= 1501- 1516م)، والسلطان طومان باي الثاني (922- 923هـ= 1516- 1517م) آخر سلاطينهم، والذي جلس على العرش في فترة كانت شديدة الحرج، إذ في عهده سقط المماليك في الشام على يد السلطان العثماني سليم الأول بعد هزيمتهم في موقعة مرج دابق سنة 922ه= 1516، وباءت كل محاولات طومان باي بالفشل في إعادة المماليك إلى قوتهم، وساءت الأحوال بمصر، وانتهى الأمر بهزيمة المماليك مرة أخرى على يد العثمانيين في موقعة الريدانية الشهيرة سنة 923هـ= 1517م، ودخل العثمانيون مصر، وتمكنوا من القبض على طومان باي ثم شنقوه على باب زويلة، وبذلك سقطت دولة المماليك، ودخلت مصر مرحلة جديدة باتت فيها تحت حكم العثمانيين.

لعب المماليك في تاريخنا الإسلامي دورًا هامًا جدًا، إلا أنَّ بعض سلاطينهم كان يميل إلى الظلم والعسف، فأثقلوا كاهل الأمة بالضرائب، وكثرت الثورات والفتن في البلاد، على أنهم بالرغم من شقاقهم فيما بينهم كانوا يدًا واحدة على الأعداء فحفظوا البلاد من الغارات نحو قرون من الزمان، لذلك عظمت هيبة دولة المماليك في نظر المسلمين بعد أنْ أوقفوا زحف التتار المدمر بقيادة هولاكو ومن أتى بعده من أسرته، وتمكنوا من طرد الصليبيين من بلاد الشام ومصر، وهذا ما جعل لهذه الدولة مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين إضافة إلى ضمها لخلفاء بني العباس وإعادة الخلافة بعد سقوطها.

مصر في عهد محمد علي وأسرته (1220- 1372هـ= 1805- 1952م)
كان محمد على أحد الجنود الألبان الذين جاءوا ضمن الجيش العثماني لإخراج الفرنسيين من مصر، وبعد انسحاب الحملة الفرنسية من مصر لم يمض وقت طويل حتى انسحب الإنجليز من مصر أيضًا، مما أدى إلى فترة من الفوضى، نتيجة الصراع على الحكم بين العثمانيين والمماليك شمل ذلك الصراع مجموعة من المؤامرات والاغتيالات في صفوف الطرفين، وراح ضحيتها أكثر من والٍ من الولاة العثمانيين.

حينئذ كانت الفرصة مواتية أمام محمد على لكي يستفيد من تنازع النفوذين المملوكي والعثماني في السيطرة على مقدرات الأمور في مصر لكنه آثر التريث حتى استطاع أن يكسب ثقة الشعب المصري، وتحالف معه، لذا أجمع الشعب بقيادة الزعماء والعلماء على تعيينه واليًا على مصر سنة 1220هـ= 1805م..

حرص محمد على في أول حكمه على استمالة زعماء الشعب المصري اعترافًا منه بفضلهم وانتظارًا للفرصة المواتية للتخلص منهم حتى ينفرد بالحكم، وما إن استتب له الأمر حتى قضى على هذه الزعامات الشعبية تمامًا، ثم بعد ذلك تخلص من المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة 1226هـ=1811م.

هكذا انفرد محمد علي وحده بحكم مصر، وبعد ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية في الجزيرة العربية لجأ إليه السلطان العثماني ليعاونه في إخماد هذه الحركة، فسَّير إليها حملتين وبعد سبع سنوات تمكن محمد على من القضاء على الحركة الوهابية ودولتها السعودية سنة 1233هـ= 1817م .

اتجه محمد على بعد ذلك إلى السودان في سنة 1235هـ= 1820م، حيث أرسل جيشه بقيادة ابنه إسماعيل فسقطت المدن السودانية تباعًا، وقد زادت حملة محمد على في السودان من رقعة البلاد التي يسيطر عليها، وفي سنة 1236هـ= 1821م في الوقت الذي كان فيه محمد على يوطد دعائم دولته، دعاه السلطان العثماني ليخوض معركة ضد بلاد المورة التي ثارت على حكم العثمانيين، ووافق محمد على وأرسل جيوشه أملًا في الحصول على الشام هدية من السلطان العثماني، وبدأ جيش محمد علي في إخماد الثورة، غير أن تدخل روسيا وبريطانيا في الحرب وتحطيمهما للأسطول المصري في معركة نوارين جعل محمد على يقبل الهدنة ويسحب جيشه من المورة.

بعد وفاة محمد علي سنة 1266هـ= 1848م بقيت سلالته تحكم مصر حوالي مائة عام، حيث تولى الحكم من بعده حفيده عباس بن طوسون، ومن بعده تولى سعيد، ثم إسماعيل الذي كانت له إنجازات في توسيع رقعة البلاد وفى المجالات الثقافية والسياسية، ولكن لحق بعهده تشويه كبير نظرًا لاستهانته بأمور الدين وتقليده للغرب، كذلك كثرة البذخ والديون لاسيما ما أنفقه في حفل افتتاح قناة السويس التي تم الاتفاق على حفرها في عهد سعيد، تلك الديون التي بدورها أدت إلى تدخل فرنسا وانجلترا في كافة شؤون مصر، بل تدخلت دول أوربا في عزل إسماعيل نفسه من الحكم، وتعيين بدلًا منه الخديوي توفيق (1297هـ= 1879م-1310هـ= 1892م) الذي كان ضعيفًا وشديد الارتباط بأوروبا، وفي عهده احتل الإنجليز مصر في سنة 1299هـ= 1882م، ومن ثم ظهرت المقاومة الوطنية بقيادة أحمد عرابي وقواته الذين توجهوا إلى التل الكبير لمجابهة القوات البريطانية، ووقعت بينهما معركة لم تكن في مصلحة القوات المصرية، رغم ما أظهرته هذه القوات من الاندفاع والحماسة، كما برز أيضًا زعماء وطنيون قريبين من الاتجاه الإسلامي أمثال مصطفي كامل (1874- 1908م)، ومحمد فريد (1868 - 1919م)، وقد نكل بهم الانجليز، ولم يكن للاحتلال صفة رسمية، أو وضع قانوني، بل إنَّ مصر رسميًا كانت تابعة للدولة العثمانية واستمرت هذه التبعية حتى إعلان الحماية البريطانية على مصر سنة 1331هـ= 1914م، والتي استمرت حتى سنة 1340هـ= 1921م، عندما أعطوا مصر استقلالًا صوريًا ينص على بقاء قوات عسكرية إنجليزية بمصر، وحق إنجلترا في الدفاع عن مصر ضد أي تدخل أجنبي وحماية الأجانب في مصر.

ثم عقدت إنجلترا بعد ذلك مع مصر معاهدة في سنة 1355هـ= 1936م، والتي بدورها غيرت بعض البنود مثل حماية مصر للأجانب بدلًا من الإنجليز والاحتفاظ بقوات عسكرية إنجليزية في منطقة القناة والعمل على إلغاء نظام الامتيازات الأجنبية في مصر، وبعد نهاية حكم الملك فاروق سنة 1372هـ= 1952م، أُلغيت الملكية وأُعلنت الجمهورية[5].

[1] المقدسي البشاري.
[2] ويسمى نعرمر ومينيس.
[3] هو الإسكندر الثالث.
[4] ‏محمد بن طغج: أحد أبناء ملوك «فرغانة» ببلاد «ما وراء النهر»، وكان الملوك فى هذه البلاد يتخذون من لفظة «الإخشيد» لقبًا لهم، فأطلق هذا اللقب على «محمد بن طغج»، وتسمت به دولته، وعُرفَت باسم «الدولة الإخشيدية».
[5] انظر: محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، وسليم حسن: موسوعة مصر القديمة، ومحمد سهيل طقوش: التاريخ الإسلامي الوجيز، وأحمد معمور العسيري: موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام (تاريخ ما قبل الإسلام) إلى عصرنا الحاضر، والموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، والموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي، وول ديورانت: قصة الحضارة، وأحمد عادل كمال: الفتح الإسلامي لمصر.