شاء الله أن تنتهي حياة السلطان مراد الثاني رحمه الله في الثالث من فبراير عام 1451[1] الموافق الثاني والعشرين من ذي الحجة 854هـ[2]. لقد حدث ما كان يتوقَّعه مراد الثاني؛ إذ مات وهو في السابعة والأربعين فقط من عمره! ليترك المجال لابنه محمد الثاني لارتقاء العرش وهو في التاسعة عشرة من العمر.


فقدت الدولة العثمانيَّة بموته شخصيَّةً جديرةً بالاحترام حقًّا..


قال عنه السخاوي: «وصار من عظماء ملوك الروم (أي أرض الروم، التي هي الأناضول وشرق أوروبا)، وأهلك الله على يديه مَلِكًا عظيمًا من ملوك بني الأصفر (يقصد ڤلاديسلاڤ الثالث Vladislav III ملك بولندا والمجر في معركة ڤارنا)[3].
ويقول عنه المؤرِّخ الألماني هانز كيسلينج Hans Kissling: «بولاية مراد الثاني اكتسبت الدولة العثمانيَّة سلطانًا قادرًا وحازمًا، الذي كان في الوقت نفسه محترِمًا للقانون، مؤْثِرًا للإصلاح الهادئ. كانت الحرب بالنسبة إليه شرًّا غير متجنَّب وليست جزءًا لا يتجزَّأ من الحياة»[4].


أمَّا المؤرِّخ البيزنطي الشهير چورچ فرانتزس George Phrantzes، وهو معاصر لمراد الثاني، فيقول: «لقد مَيَّز مراد الثاني نفسه باهتمامه بممارسة العدل، وبإصلاحاته للتعدِّيات الظالمة التي كانت منتشرةً تحت حكم الأباطرة اليونانيِّين. لو أنَّ أيَّ واحدٍ من قادته أو قضاته ظلم رعاياه النصارى فإنَّه كان يُعاقبهم بلا رحمة». وقد نقل هذه الشهادة المؤرِّخ الأسكتلندي چورچ فينلاي في كتابه عن تاريخ اليونان، وذكر أنَّ مثل هذه الشهادة في حقِّ مراد الثاني تكرَّرت كذلك في حقِّ السلاطين الأربعة الذين سبقوه، وهم: أورخان، ومراد الأوَّل، وبايزيد الأوَّل، ومحمد الأوَّل. وقال: «إنَّ هذا السلوك من السلاطين الخمسة -هؤلاء الأربعة ومراد الثاني- هو الذي فتح الطريق لفتح اليونان، خاصَّةً إذا ما قُورِن بعنايةٍ بسلوك الأباطرة المعاصرين»[5]!
والواقع أننا نحتاج إلى دراسةٍ متعمِّقةٍ لحياة هذا العَلَم الكبير مراد الثاني، ليس فقط لفهم الإنجازات التي حقَّقها للدولة العثمانية في فترة حكمه؛ ولكن لفهم التطوُّر العظيم الذي حدث بعده في فترة حكم ابنه محمد الثاني (الفاتح)، والتي لا يمكن أن تُستوعَب إلا بإدراك الجهود العظيمة التي بذلها هذا السلطان القدير، وسوف نقوم بإيجاز ما تركه لابنه قبل وفاته:


أوَّلًا: ترك مراد الثاني دولةً واسعةً مترامية الأطراف، تقترب من حجم الدولة التي كان يحكمها بايزيد الأوَّل قبل كارثة أنقرة عام 1402م، وكانت الدولة عند موت مراد الثاني قد وصلت إلى مساحةٍ 650 ألف كيلو متر مربع، وكانت تضمُّ أجزاءً تُدار بشكلٍ مباشرٍ تشمل: الثلث الغربي من الأناضول، والجزء الأوروبي من تركيا الحديثة باستثناء إسطنبول، وشمال شرق اليونان، ودول بلغاريا، ومقدونيا، وكوسوڤو. وكانت تضمُّ كذلك أجزاءً تتبع الدولة العثمانيَّة وإن كانت تُدار بأهلها، وهذه هي: إمارتا قرمان وإسفنديار في الأناضول، ومملكة البوسنة، ودوقيَّة الهرسك، وجمهوريَّة راجوزا (دوبروڤ***)، وإمارة المورة اليونانيَّة، وإمارة أتيكا التي تشمل مدينة أثينا في اليونان.


بالإضافة إلى بعض الإمارات التي لم تكن مستقرَّةً في ولائها، مثل: الإفلاق الرومانيَّة، وصربيا، وألبانيا. لكن على العموم كانت دولة مراد الثاني من الدول الراسخة الكبيرة في أوروبَّا والأناضول، ولم يكن من الممكن لأيِّ دولةٍ في هذه المناطق الواسعة أن تأخذ قرارًا في سياساتها دون حساب أمر هذه الدولة الكبيرة القويَّة، وهذا ولا شَكَّ أعطى محمدًا الثاني عند بداية حكمه مكانةً محترمةً يُمكن أن ينطلق منها إلى آفاقٍ أوسع.


ثانيًا: جيش الدولة العثمانية عند وفاة مراد الثاني كان جيشًا قويًّا قاهرًا، ومن أفضل جيوش أوروبَّا بلا جدال، ولم يكن يتميَّز بالعدد الكبير فقط؛ إنَّما بالشجاعة الظاهرة، والمهارة الفائقة، وكانت عُدَّته حديثة معاصرة، وكان مزوَّدًا بالمدافع التي تقذف قذائف البارود، ومزوَّدًا كذلك بالبنادق الناريَّة، علمًا أنَّ جيوشًا كثيرةً في الأرض كانت لا تزال تُقاتل بأسلحة القرون الوسطى من سيوفٍ ورماحٍ وسهام فقط.


ثالثًا: استطاع مراد الثاني قبل موته أن يقمع معظم الأعداء المتربِّصين بالدولة العثمانيَّة، ممَّا سيُوَفِّر لمحمد الثاني وَسَطًا هادئًا يستطيع أن يُحقِّق طموحاته فيه دون مقاومةٍ كبيرةٍ من المناوئين.
قنع چون هونيادي حاكم المجر بتجنُّب الدولة العثمانيَّة بعد هزيمتي ڤارنا وكوسوڤو الثانية. قَبِلَت البندقية عقد المعاهدات التجاريَّة مع العثمانيِّين على الرغم من تعرُّضها لهجماتٍ في بحر إيجة.


العلاقات مع چورچ برانكوڤيتش زعيم الصرب كانت هادئة ومتعاوِنة. استكان اليونان بعد هزيمة قُسطنطين وإخوته في المورة، حتى عندما تحوَّل قُسطنطين لقيادة الدولة البيزنطيَّة فعل ذلك هادئًا دون تصعيدٍ أمام الدولة العثمانيَّة.
كان ملك البوسنة ودوق الهرسك يدفعان الجزية بانتظام، وكذلك كانت تفعل جمهوريَّة دوبروڤ*** الإيطاليَّة.


رابعًا: أدَّت الضربات المتتالية للدولة البيزنطيَّة في عهد مراد الثاني إلى استكانتها بشكلٍ واضح، حتى رأينا البيزنطيِّين يحرصون على أخذ اعتراف مراد الثاني بالإمبراطور الجديد، ورأيناهم عند اختلافهم وصراعهم يلجئون إلى السلطان العثماني ليُعِين أحدهم على الآخر، وهذا كلُّه يصبُّ في إحداث هزيمةٍ نفسيَّةٍ عند البيزنطيِّين، ورفعٍ للمعنويَّات عند العثمانيِّين.


خامسًا: من أروع ما تركه مراد الثاني في دولته بشكلٍ عامٍّ، وفي البلقان بشكلٍ خاص، حالةُ الرضا الشعبي عن أداء الحكومة العثمانيَّة وقيادتها، وهو ما لمسناه في شهادات المؤرِّخين البيزنطيِّين، فهذا الهدوء العام، والقبول التلقائي من شعوب الدولة العثمانيَّة -خاصَّةً النصارى منهم- لحكم السلطان مراد الثاني وأجداده من قبله، كان له الأثر المباشر في تهيئة الأجواء لمحمد الثاني لحكم دولةٍ مستقرَّةٍ داخليًّا، ممَّا سيُعطيه فرصةً كبيرةً للتوسُّع خارجيًّا وهو مطمئنٌّ للوضع في بلاده.


سادسًا: ترك مراد الثاني عند وفاته الأناضول هادئًا إلى حدٍّ كبير. نَعَمْ لم يكن العثمانيُّون يحكمون بشكلٍ مباشرٍ إلَّا ثلث الأناضول الغربي، ونَعَمْ لم تكن إمارة قرمان قابلةً بشكلٍ تامٍّ بأمر التبعيَّة للدولة العثمانيَّة؛ لكن الأجواء كانت هادئةً منذ عام 1444م؛ أي لمدَّة سبع سنوات قبل موت مراد الثاني في عام 1451م، ممَّا دعم بشكلٍ أكبر وَضْع محمد الثاني، وفتح له المجال لإحداث مزيدٍ من التوسُّع والاستقرار في الأناضول.

هكذا كانت الأوضاع السياسيَّة والعسكريَّة في الدولة العثمانيَّة عند اللحظات الأخيرة من حكم مراد الثاني وبداية حكم محمد الثاني؛ ومع ذلك لم تكن كلُّ الأمور على ما يرام؛ بل كانت هناك بعض المشكلات التي لم يصل فيها مراد الثاني إلى حلٍّ يُريح الدولة وسلطانها الجديد؛ وذلك مثل مشكلة تمرُّد ألبانيا، وكذلك مشكلة تمرُّد الإفلاق، فهاتان الإمارتان ما زالتا خارجتين عن الدولة العثمانيَّة. ألبانيا كانت شبه مستقلَّة ومدعومة من الغرب، والإفلاق كانت تُعطي ولاءها للمجر.


وبالإضافة إليهما كانت إمارة صربيا متردِّدةً في ولائها؛ فقد حصلت على استقلالها بعد معاهدة سسيچيد عام 1444م؛ لكن بعد نقض المعاهدة صار العثمانيُّون في حِلٍّ من استقلال صربيا؛ ومع ذلك فالقوَّة العثمانيَّة لم تكن قادرةً على إعادة ضمِّ صربيا إليها بعد انتصاري ڤارنا وكوسوڤو الثانية، ومِنْ ثَمَّ استمرَّت صربيا في استقلالها؛ ومع ذلك كان برانكوڤيتش حريصًا على إظهار وُدِّه للسلطان مراد الثاني تجنُّبًا لإعادة ضمِّ صربيا إلى الدولة العثمانيَّة.


وينبغي قبل إنهاء التعليق على جهود مراد الثاني في فترة حكمه ألَّا نغفل الحديث عن اهتمام السلطان القدير بأمور النهضة، والعمران، والعلوم، والحضارة بشكلٍ عامٍّ؛ فهذه النقلة النوعيَّة للدولة العثمانيَّة من دولةٍ تهتمُّ بالأمور العسكريَّة والجهاديَّة فقط إلى دولةٍ متكاملةٍ تهتمُّ بشتَّى المجالات الحياتيَّة، هي نقلةٌ يرجع فيها الفضلُ لمراد الثاني بلا جدال، فخطواته في هذا المجال ليست مسبوقةً، خاصَّةً في هذه المنطقة من العالم الإسلامي.


كما ينبغي الإشارة -أيضًا- إلى بروز الروح الإسلاميَّة عند السلطان مراد الثاني، الذي كان حريصًا على إبراز إسلاميَّة الدولة، وعلى تذكير جنوده أنَّ جهادهم هذا هو في سبيل الله، وكان يقول لهم قبل المعارك: «من يعش منكم فسيكون مجاهدًا، ومن يمت سيكون شهيدًا»[6]. وكان حريصًا في انتصاراته على أن يأخذ الانتصارُ الشكلَ الشرعيَّ الإسلاميَّ الصحيح، فكان يمنع جنوده من الإفساد في الأرض، ويمنعهم من الإثخان في القتل[7]، وهذا كلُّه لإيصال الدعوة الإسلاميَّة بشكلٍ صحيحٍ إلى أعدائها. لا شَكَّ أن هذه الشخصيَّة الإسلاميَّة المتكاملة كان لها أثرٌ كبيرٌ في تكوين السلطان الجديد محمد الثاني.


هكذا كانت الأوضاع في فبراير 1451م يوم مات السلطان القدير مراد الثاني[8].


[1]أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، صفحة 1/129.
[2] آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م.صفحة 120.
[3] السخاوي، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 1412هـ=1992م. صفحة 10/152.
[4] Kissling, Hans Joachim: The Ottoman Empire to 1774, In: Kissling, Hans Joachim; Bagley, F. R. C.; Spuler, Bertold; Barbour, N.; Trimingham, J. S.; Braun, H. & Hartel, H.: The Muslim world, A Historical Survey: The Last Great Muslim Empires, translated: F. R. C. Bagley, Brill, Leiden, The Netherlands, 1969., vol. 3, p. 16.
[5] Finlay, George: A History of Greece from its Conquest by the Romans to the Present Time, B. C. 146 to A. D. 1864, The Clarendon Press, Oxford, UK, 1877., vol. 3, p. 479.
[6] Anooshahr, Ali : The Ghazi Sultans and the Frontiers of Islam, Routledge‏, London, UK, 2014., pp. 150-151.
[7] Finkel, Caroline: Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923, John Murray, London, UK, Basic Books, New York, 2005., p. 46.
[8] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 221- 223.