أقبل ربيع عام 1481م، وكعادة السلطان محمد الفاتح فإنَّه لا يركن للهدوء أبدًا؛ فقد أقام معسكرًا ضخمًا للجيش في أسكودار في الناحية الآسيويَّة من المضايق، وعلى الجهة المقابلة لإسطنبول[1]، ولم يكن معلومًا للناس وجهة هذا الجيش؛ فبعضهم يفترض أنه كان متوجِّهًا إلى إيطاليا، خاصَّةً أن البابا أعلن في أبريل 1481م حملةً صليبيَّةً على الأتراك[2]، وبعضهم يفترض أن الجيش متَّجهٌ إلى رودس[3][4]، وبعضهم يظنُّ أنه متَّجهٌ إلى البغدان لحدوث بعض المناوشات العسكرية هناك في أبريل 1481م[5]، وبعضهم يفترض أن الجيش كان متَّجهًا إلى المجر؛ لأنَّه من الثابت أنَّ المجر أرسلت قوَّاتٍ عسكريَّةً إلى إيطاليا للمساعدة في استعادة أوترانتو[6][7]، ويفترض بعضهم أن الفاتح كان متَّجهًا لحرب المماليك في الشام لتحويل إمارة ذي القادر إلى إمارةٍ عثمانيَّة[8]، بل يفترض بعضهم أنَّ الوجهة النهائيَّة للفاتح قد تكون مصر ذاتها وليس مجرَّد الشام[9]، وأنا أميل إلى أنَّ وجهة هذا الجيش كانت إلى رودس أو إيطاليا، ورودس أقرب؛ لأنَّ غزو إيطاليا دون الانتهاء من مشكلة رودس يُمثِّل خطورةً عسكريَّةً كبيرة.


لماذا كل هذه الافتراضات دون الجزم؟!


لأن هذا الجيش لم يتحرَّك إلا بضع كيلومترات، وبعدها، وعند مالتبة Maltepe، في مكانٍ يُعرف بمرج السلطان Sultan's meadow، سقط فجأة الفارس العظيم، والقائد المهيب، السلطان محمد الفاتح، وصعدت روحه إلى بارئها، وكان ذلك على الأغلب في عصر يوم 3 مايو 1481م[10].


هكذا مات السلطان الذي غيَّر اللهُ به تاريخَ أوروبا والمسلمين..


هكذا مات السلطان المهيب وهو في التاسعة والأربعين من عمره!


مات في أرض الجهاد، وهو منطلقٌ إلى حملةٍ كبيرةٍ لإعلاء كلمة الله في مكانٍ ما..


يفترض بعضهم أنَّ الفاتح مات مسمومًا، ولكني أميل إلى أنَّ الفاتح مات ميتةً طبيعيَّةً بعيدةً عن شبهة القتل؛ فالمعروف أنَّ الفاتح في سنواته الأخيرة كان شديد المرض[11][12]، ولكن في كلِّ الأحوال انتهت حياة الرجل الذي أعزَّ الله به أمَّة الإسلام عقودًا متتالية، بل ثبَّت الله به أركان الأمَّة لعدَّة قرون، كتب سفير البندقية في إسطنبول رسالةً مقتضبة إلى مجلس الشيوخ البندقي بتاريخ 4 مايو، وكرَّر الرسالة بتاريخ 6 مايو، وكان في الرسالة جملة واحدة: «مات النسر العظيم»[13]! وصدق السفير البندقي! فقد كان الفاتح نسرًا عظيمًا حَلَّق بالمسلمين في آفاق المجد، فرحمه الله رحمةً واسعة[14].





[1] Rogerson, Barnaby: The Last Crusaders: East, West, and the Battle for the Center of the World, Little, Brown Book Group, London, UK, 2009., p. 109.
[2] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The American Philosophical Society, Philadelphia, USA, (Volume 2, The Fifteenth Century, 1978),, vol. 2, p. 370.
[3] Finkel, Caroline: Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923, John Murray, London, UK, Basic Books, New York, 2005, p. 128.
[4] Rogerson, 2009, p. 109.
[5] Eagles, Jonathan: Stephen the Great and Balkan Nationalism: Moldova and Eastern European History, I.B. Tauris, 2014., p. 216.
[6] Wolfe, Michael: The Medieval City Under Siege, The Boydell & Brewer press, Woodbridge, UK, 1995., p. 252.
[7] Giannone, Pietro: The Civil History of the Kingdom of Naples, Ttanslated into English: James Ogilvie, G. Strahan, Cornbill, London, UK, (Vol. 2, 1731)., vol. 2, p. 407.
[8] Har-El, Shai: Struggle for Domination in the Middle East, The Ottoman-Mamluk War, 1485-1491, Brill, Leiden, Netherlands, 1995., p. 102.
[9] Babinger, Franz: Mehmed the Conqueror and His Time, Princeton University Press, 1978., p. 396.
[10] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، صفحة 1/176.
[11] Freely, John: Inside the Seraglio: Private Lives of the Sultans in Istanbul, Viking, New York, USA, 1999., p. 28.
[12] القرماني، أحمد بن يوسف بن أحمد: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، تحقيق: أحمد حطيط، فهمي السعيد، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1412هـ=1992م.صفحة 3/36.
[13] Crowley, Roger: 1453: The Holy War for Constantinople and the Clash of Islam and the West, Hyperion , New York, USA, 2005, p. 254.
[14] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 318- 319.