من لطف الله بالدولة العثمانية أن مَنَّ عليها برجل قوي كان له الفضل في الحفاظ على الكيان العثماني الكبير، هذا الرجل هو الصدر الأعظم محمد صوقللو باشا الذي تولى الصدارة العظمى في الدولة العثمانية مدة أربعة عشر عامًا، بدايةً من سنة 1565م، وحتى سنة 1579م، وقد أدار محمد صوقللو باشا البلاد في هذه الحقبة بكفاءةٍ عالية حفظت الدولة من التفكُّك في ظلّ وجود سلاطين ضعاف وغير أكفاء.


أصول محمد صوقللو ونشأته
يأتي محمد صوقللو من أصول بوسنية على الأغلب، وهو من مواليد عام 1505م، وقد نشأ في الإنكشارية، وظهرت مواهبه مبكرًا جدًا، وتقلَّد بسبب ذلك عدَّة مناصب كبرى، حتى صار في عام 1540م -أي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره- قائدًا للحرس الإمبراطوري الخاص بالسلطان سليمان القانوني (1520- 1566م)، وهذا جعله قريبًا من السلطان سليمان، فاستفاد بذلك من الملكات القيادية والإدارية العظيمة للسلطان، كما اطَّلع السلطان على كفاءاته من قرب.


ولاية محمد صوقللو للصدارة العظمى
في عام 1546م تولَّى محمد صوقللو باشا قيادة الأسطول البحري كلِّه بعد وفاة خير الدين بربروسا، ثم تولَّى بعد ذلك عدَّة مناصب في قيادة الولايات أو في الوزارة، حتى صار الصدر الأعظم في 28 يونيو سنة 1565م، وهو في الستِّين من عمره .


تُعتبر ولاية محمد صوقللو باشا للصدارة العظمى في الدولة العثمانية نقطةً مهمَّةً في التاريخ العثماني؛ حيث كان على كفاءةٍ عاليةٍ للغاية، وقد امتدَّت فترة ولايته من سنة 1565م وحتى سنة 1579م، وبهذا يكون قد عاصر سلطانين بعد السلطان سليمان القانوني، وهما السلطان سليم الثاني (1566- 1574م) والسلطان مراد الثالث (1574- 1595م) وحيث إن كفاءة هذين السلطانين كانت أقلّ من الكفاءة المعتادة للسلاطين العثمانيِّين حتى هذه المرحلة التاريخيَّة، فإن وجود هذا الوزير كان مؤثِّرًا للغاية، وكان من الأسباب الرئيسة التي جعلت الدولة العثمانية تحافظ على المكاسب التي حقَّقتها في زمن سليم الأول (1512- 1520م) وسليمان القانوني، بل وأن تُحقِّق بعض النجاحات التي لم يستطع السابقون تحقيقها.


اغتيال الصدر الأعظم محمد صوقللو باشا
في 11 أكتوبر 1579م طَعَن رجلٌ مجهولٌ الصدرَ الأعظم محمد صوقللو باشا طعنةً أودت بحياته، لينهي مسيرةً طويلةً من العمل السياسي الجاد لصالح الدولة العثمانية، كان منها أربعة عشر عامًا في كرسي الصدارة العظمى؛ حيث كان الممثِّل الوحيد للدولة في معظم المعاملات الدبلوماسيَّة.


فقدت الدولة العثمانية باغتيال محمد صوقللو شخصيَّةً مؤثِّرةً كان لها الفضل في الحفاظ على الكيان العثماني الكبير في ظلِّ وجود سلاطين ضعاف، كسليم الثاني، أو مراد الثالث.


لم يطعن أحدٌ في حرصه على تحقيق المصلحة للدولة، على الأقل من وجهة نظره. كان الرجل عبقريًّا، على المستوى الإداري، والسياسي، والدبلوماسي، بالإضافة إلى كاريزما قياديَّة لافتة، جعلته مؤثِّرًا على جميع القيادات التي تحته، بما فيهم قيادات الجيش والإنكشاريَّة.


هذه القوَّة الواضحة خلقت له أعداءً بلا شك؛ سواءٌ في الداخل أم الخارج. هذه العداوات الكثيرة جعلت اغتياله مسألةً مبهمة. بعضهم يتَّهم السلطان مراد الثالث الذي لا يستطيع أن يتقدَّم على صدره الأعظم في القرارات، واكتفى في مواجهته بأن عزل بعض مقرَّبيه لتقليص قوَّته دون أن يقوى على عزله هو شخصيًّا، وبعضهم يتَّهم زوجة السلطان صفيَّة التي لا تستطيع أن تُمْلي أوامرها في ظلِّ وجود الصدر الأعظم القوي، وبعضهم يتَّهم الإنكشاريَّة الذين لا يستطيعون التحرُّك بأهوائهم في ظلِّ سيطرة الصدر الأعظم عليهم، وبعضهم يتَّهم قوًى خارجيَّة؛ سواءٌ كانت إيرانية، أم أوروبية. بصرف النظر عن القائم بعمليَّة الاغتيال فإن الخطوة كانت مؤثِّرةً سلبًا على الدولة بشكلٍ كبير. حدث فراغٌ سياسيٌّ كبيرٌ لم يستطع أحدٌ أن يملأه.


في غضون الستة عشر عامًا المتبقية في حكم السلطان مراد الثالث بعد اغتيال صوقللو باشا، أي من سنة 1579م، وحتى سنة 1595م، عُيِّن عشرة صدور عظام في تلك الفترة، وهذا يدلُّ بوضوح على أن أيًّا منهم لم يكن مقنعًا، بل قد برز الفساد في أروقة الدولة بشكلٍ واضح، وصارت المراكز القيادية تُباع وتُشترى بشكلٍ سافر، يُضاف إلى ذلك جرأة الإنكشارية في الاعتراض والتمرُّد، بل وقتلهم لبعض الوزراء عند عدم تحقُّق مطالبهم، هذه تغيُّراتٌ محوريَّةٌ في مسار الدولة.


تزامنت هذه الأحداث قدرًا مع اكتشاف إسبانيا لجبالٍ من الفضة في أميركا اللاتينيَّة، وخاصَّةً في بيرو، والمكسيك؛ ومِنْ ثَمَّ دخلت كميَّاتٌ كبيرةٌ من الفضة إلى أوروبا، لتسدَّ العجز الذي عانى منه الاقتصاد الأوروبي عدَّة عقود.


كان هذا السيل من الفضة في صالح إسبانيا وحلفائها، وكان وبالًا على الدولة العثمانية، التي عانت من تضخُّمٍ كبيرٍ أثَّر على قيمة عملتها، وأدَّى إلى أزمةٍ ماليَّةٍ كبيرة، وزيادةٍ في أسعار السلع وصلت إلى ستَّة أضعاف، وتناقصٍ في الأجور؛ ومِنْ ثَمَّ تمرُّدات وثورات، خاصَّةً من الإنكشاريَّة الأقوياء.


هكذا بدأت تظهر على السطح مشاكل كانت موجودةً بدرجةٍ نسبيَّة؛ لكنَّها انكشفت بجلاءٍ بعد اغتيال الصدر الأعظم الكبير محمد صوقللو باشا، يمكن اعتبار قتل هذا الوزير القدير نقطة تحوُّلٍ في تاريخ الدولة العثمانية[1].





[1] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م 1/ 513، 514 و 5621- 563.