تعدَّى بايزيد الأول على مدينة ملطية التابعة لدولة المماليك في جنوب الأناضول، ممَّا أدَّى إلى توتُّر العلاقة جدًّا بين العثمانيين والمماليك، وقضى على إمكانيَّة التعاون المشترك بين الدولتين، ولم يكتفِ بايزيد بذلك، إنما احتلَّ كذلك عدَّة مدنٍ مملوكيَّةٍ أخرى مثل حصن منصور، والبستان؛ وذلك في عام 1399م[1]؛ ومع أن الوحدة الأناضوليَّة تحت الزعامة العثمانيَّة قد تحقَّقت إلا أنَّ ذلك كان على حساب علاقات متوتِّرة ومضطربة بين الإمارات المختلفة، ممَّا يُنذر بتفكُّكٍ كبيرٍ في الدولة إذا واجهت خطرًا كبيرًا في هذه الظروف، والواقع أن الخطر الكبير سرعان ما جاء، وكان هذا الخطر في صورة زحف عسكري خطر على الأناضول من القائد العسكري الشهير تيمور لنك Tamerlane؛ وذلك في عام 1400م!


كان تيمور لنك فاتحًا عسكريًّا شجاعًا قديرًا من أصول تركيَّة أوزبكستانيَّة، وقد استطاع أن يُكوِّن مملكةً واسعة الأرجاء في غضون سنواتٍ قليلة حيث شملت دولته بلادًا آسيويَّة كثيرة كأوزبكستان، وأفغانستان، وإيران، وأذربيچان، وأرمينيا، وچورچيا، والهند، وامتدَّ ملكه إلى العراق والشام، وصارت دولته بذلك مجاورةً لدولة المماليك في مصر والشام، ودولة الجلائريين في العراق، وكذلك الدولة العثمانية في الأناضول. كان تيمور لنك من أعنف القادة العسكريِّين، وتصل بعض التقديرات بعدد القتلى في معاركه إلى 17 مليون قتيل[2]! وهو عدد مهول بالقياس إلى عدد سكان الأرض آنذاك، واختلف المؤرخون في طبيعة انتمائه الديني والمذهبي، فبعضهم يذكر أنه مسلمٌ سني[3]، وبعضهم يُؤكِّد أنه من غلاة الشيعة[4]؛ بينما يذهب فريقٌ ثالثٌ إلى كونه غير مسلمٍ أصلًا[5]، نظرًا إلى حربه الشديدة ضدَّ المسلمين، وأرى أنه مسلمٌ منحرفٌ كانت شروره في العالم أكثر بكثيرٍ من خيراته.


لم يكن من المتوقَّع أن يقبل قائدان كبيران كتيمور لنك وبايزيد الأول بالتجاور السلمي دون قتال، خاصَّةً مع الغرور الكبير الذي صاحب القائدين نتيجة الانتصارات المتتالية التي حقَّقها كلاهما في الأعوام السابقة، ومِنْ ثَمَّ فبمجرَّد تقارب الحدود بين الدولتين نشبت الخلافات وتصاعدت حتى وصلت إلى الصدام العسكري.


كان الصدام الأول بين الفريقين في عام 1400م، وكان صدامًا سريعًا استطاع فيه تيمور لنك أن يأخذ ملطية وسيواس من يد بايزيد الأول، ثم انسحب بعد ذلك إلى قفقاسيا (القوقاز) Caucasus غرب آسيا[6] ثم تكرَّر الصدام من جديد في عام 1402م؛ ولكنَّه في هذه المرَّة كان صدامًا مروِّعًا؛ بل يُعدُّ أحد أكبر الصدامات العسكريَّة التي تمَّت في القرون الوسطى، وهو الذي حدث على أرض أنقرة في وسط الأناضول في صيف هذا العام.


تبادل القائدان الكبيران عدَّة رسائل قبل الصدام العسكري، وكانت نبرة الاستعلاء والغرور واضحةً في لغة كلٍّ منهما، وكان التوافق الدبلوماسي صعبًا في ظلِّ هذه الأجواء، وسرعان ما أخذ تيمور لنك القرار بغزو الدولة العثمانية، وتوغَّلت قوَّاته بشكلٍ حاسمٍ وسريعٍ في الأناضول، حتى وصلت بسهولة، ودون مقاومةٍ تُذكر، إلى أنقرة. اختلف المؤرخون حول تعداد الجيشين، والأقرب أن الجيش المصاحب لتيمور لنك كان يصل إلى مائةٍ وأربعين ألف مقاتل، على درجةٍ عاليةٍ من التنظيم والقوَّة؛ بينما لم يستطع بايزيد الأول أن يُجمِّع أكثر من خمسة وثمانين ألف مقاتل[7].


لم تكن الأزمة في فَرْقِ الأعداد والتسليح فقط؛ بل تمثَّلت الأزمة بشكلٍ أكبر في أمرين؛ أمَّا الأول فهو اضطراب المخابرات العثمانية، وعدم درايتها بتحرُّكات الجيش المعادي، ممَّا أدَّى إلى مفاجأة الجيش العثماني، فاضطرَّ إلى القتال بعد أن سار ثمانية أيَّامٍ كاملة في الصحراء القاحلة المؤدِّية إلى أنقرة[8]، وعندما وصل إلى هناك وجد أن جيش تيمور لنك قد سيطر على آبار المياه[9]، فاضطرَّ الجيش العثماني إلى القتال وهم في حالةٍ من الضعف الشديد[10] نتيجة العطش وطول المسافة التي قطعوها إلى أرض المعركة. وأمَّا السبب الثاني للأزمة، وهو السبب الأهم والأعظم، فهو أن ولاء الجيش العثماني لم يكن خالصًا لبايزيد الأول؛ فقد انحازت كلُّ الفرق التركية غير العثمانية لتيمور لنك بمجرَّد أن بدأ القتال[11]؛ وذلك لسوء العلاقة بينهم وبين بايزيد الأول؛ حيث كان قد نزعهم من إماراتهم قبل ذلك بالقوَّة، وكان من نتيجة ذلك أن تواصلوا سرًّا مع تيمور لنك، الذي وعدهم بإعادتهم إلى قيادة إماراتهم في حال هزيمة بايزيد الأول، وهكذا بمجرَّد بداية القتال تحرَّكت هذه الفصائل التركية إلى صفِّ تيمور لنك، ممَّا أدَّى إلى اضطرابٍ كبيرٍ في الجيش العثماني.


دارت المعركة العنيفة في الثامن والعشرين من شهر يوليو 1402م[12]، وفيها تحقَّقت أكبر هزيمة في التاريخ العثماني كلِّه، وحدثت إحدى أكبر الكوارث على الدولة العثمانية؛ حيث كانت النتائج أكبر بكثيرٍ من كلِّ توقُّع!
لم تكن الكارثة فقط بسبب انضمام القبائل التركيَّة إلى تيمور لنك؛ بل إن الكارثة تضاعفت لاختلال القيادة العسكريَّة العثمانيَّة؛ حيث كانت هناك خلافات في الرؤية الاستراتيجيَّة والتخطيط بين مختلف القادة العسكريِّين، ولم يبدُ واضحًا أن قيادة بايزيد الأول قادرةٌ على تجميع كلِّ الآراء في اتِّجاهٍ واحد؛ لذلك حدث تخبُّط كبير، وأصابت الضربات التيموريَّة جيش العثمانيِّين في أكثر من موضع، ممَّا دفع سليمان -وهو الابن الأكبر لبايزيد الأول- إلى الانسحاب بفرقته دون الرجوع إلى أبيه في هذا الأمر[13]، فزاد الأمر صعوبة، ومرَّ اليوم طويلًا على العثمانيِّين، وفي نهايته كانت الهزيمة المرَّة التي لم يتوقَّعها أحد! قُتل من الجيش العثماني حوالي أربعون ألف جندي، وهو رقمٌ مماثلٌ لقتلى الجيش التيموري[14]؛ ومع ذلك فالكارثة كانت أفجع للعثمانيين؛ لأن عدد الجيش أقل جدًّا من جيش تيمور لنك، بالإضافة إلى أن الكثير من جنود الجيش العثماني فرُّوا إلى جانب تيمور لنك، ممَّا أفقد الجيش العثماني كيانه تقريبًا، أمَّا الكارثة الأكبر فكانت أَسْرَ السلطان بايزيد الأول في نهاية اليوم[15]، وهي المرَّة الوحيدة في التاريخ العثماني كلِّه التي يُؤسر فيها السلطان، وكان هذا الأَسْرُ يعني أن إمكانيَّة النهوض من الكارثة صارت مستحيلة، فضاعت فرصة أيِّ مقاومةٍ للجيش التيموري القادر.


انطلق الجيش التيموري يتتبَّع الفارِّين من الجيش العثماني، وكان سليمان بن بايزيد الأول قد وصل إلى مدينة بورصا في فراره، واستطاع أن يأخذ خزانة الدولة وحريم العائلة العثمانية وينطلق بكلِّ شيءٍ عابرًا البوسفور إلى أوروبا[16][17]، ولم تُدركه جيوش تيمور لنك، فعادت الجيوش إلى بورصا وأحرقتها[18] كما عاثت في الأناضول فسادًا في أكثر من موضع.


انهارت الدولة العثمانية بعد هذه الكارثة؛ إذ إن بايزيد الأول ترك خلفه عدَّة أبناء متصارعين يبغي كلٌّ منهم أن يتولى الحكم، ومِنْ ثَمَّ تعقَّدت الأمور بشكلٍ أكبر، ولم يعد هناك كيانٌ واضحٌ يجمع الشتات الذي نجم عن كارثة أنقرة، ومِنْ ثَمَّ دخلت الدولة العثمانية في فترةٍ حرجةٍ جدًّا في تاريخها ليس لها فيها قائدٌ محدَّد، ولهذا تُعرف هذه المرحلة «بدور الفترة»؛ أي الفترة التي عاشتها الدولة بلا قيادة، واستمرَّت هذه الفترة إحدى عشرة سنةً كاملة؛ أي من سنة 1402م إلى سنة 1413م، وجديرٌ بالذكر أن بايزيد الأول -السلطان المأسور- مات في أسره بعد سبعة شهور فقط من المعركة الأليمة، وتحديدًا في 3 مارس عام 1403م[19]؛ ومع أن المصادر تتضارب في طريقة معاملة تيمور لنك لأسيره العظيم السلطان العثماني؛ حيث تذكر بعض المصادر أنه كان يُهينه بشكلٍ دائمٍ ومتكرِّر[20]؛ بينما تُسهب مصادر أخرى في إظهار احترام تيمور لنك للأسير العثماني الكبير[21]، إلا أنه في كلِّ الأحوال نحن على يقينٍ من أن حالة الحزن والاكتئاب التي عاشها السلطان الكبير كانت أكبر من تحمُّل البشر؛ لذلك لم تطل عليه الأيام في الأسر؛ بل مات ليترك وراءه تركةً مثقلةً بالأحزان والهموم[22].





[1] أوزتونا، 1988 صفحة 1/106.
[2] Saunders, John Joseph: The history of the Mongol conquests, Routledge & Kegan Paul Ltd, 1971., p. 174.
[3] Manz, Beatrice Forbes: The Rise and Rule of Tamerlane, Cambridge University Press, New York, USA, 1999., p. 17.
[4] الغزي، كامل بن حسين بن محمد بن مصطفى البالي الحلبي: نهر الذهب في تاريخ حلب، دار القلم، حلب، الطبعة الثانية، 1419هـ=1998م. صفحة 3/164.
[5] ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد: إنباء الغمر بأبناء العمر، تحقيق: حسن حبشي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية-لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، 1969م. صفحة 2/303.
[6] Imber, Colin: The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power, Red Globe press, London, UK, Third edition, 2019., p. 12.
[7] Nicolle, David: Armies of the Ottoman Turks 1300-1774, Osprey Publishing, London, 1983., p. 29.
[8] المقريزي، أحمد بن علي بن عبد القادر: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.صفحة 6/81.
[9] ابن عربشاه، أبو محمد أحمد بن محمد: عجائب المقدور في أخبار تيمور، كلكتا، الهند، 1817م. الصفحات 268، 269.
[10] ابن حجر العسقلاني، 1969 صفحة 2/225.
[11] ابن عربشاه، 1817 صفحة 270.
[12] Kia, Mehrdad: The Ottoman Empire: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2017., vol. 1, p. 5.
[13] Imber, 2019, p. 12.
[14] Tucker, Spencer C.: Battles that Changed History: An Encyclopedia of World Conflict, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011., p. 141.
[15] Kia, 2017, vol. 1, p. 5.
[16] خليفة، حاجي: فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار (تاريخ ملوك آل عثمان)، حققه وقدمه له وترجم حواشيه: سيد محمد السيد، كلية الآداب–جامعة جنوب الوادي، سوهاج-مصر، (دون سنة طبع). صفحة 167.
[17] القرماني، أحمد بن يوسف بن أحمد: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، تحقيق: أحمد حطيط، فهمي السعيد، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1412هـ=1992م.صفحة 3/20.
[18] Petersen, Andrew: Dictionary of Islamic Architecture, Routledge, 2002., p. 41.
[19] Ágoston, Gábor: Bayezid I (Yıldırım, or Thunderbolt) (b. 1354–d.1403) (r. 1389–1402), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009 (C).p. 82.
[20] ابن عربشاه، 1817 صفحة 279.
[21] مروذي، جاستن: تيمورلنك - قاهر الملوك والسلاطين وغازي العالم، مراجعة: هاني تابري، ترجمة: مايا إرسلان، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2011م. الصفحات 338-341.
[22] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 154- 159.