توترت العلاقة من جديد بين الدولة العثمانية والدولة البيزنطية ممَّا دفع بايزيد إلى بناء قلعة أناضولي حصار Anadoluhisarı على الجانب الآسيوي من المضايق في مواجهة القسطنطينية؛ وذلك عام 1394م[1]، ثم حصار القسطنطينية بدايةً من عام 1395م[2]، وهو الحصار الذي سيستمر إلى آخر عهد بايزيد الأول، وفي عام 1395م -أيضًا- بسط العثمانيون سيطرتهم على مناطق واسعة جنوب الدانوب؛ بل وسيطروا على نقاط التحرُّك من الجنوب إلى الشمال عبر النهر، وصار الوجود العثماني في هذه المناطق كثيفًا ممَّا حرَّك مخاوف ملك المجر سيجيسموند Sigismund، والذي بدأ في التحرُّك في اتِّجاهات دبلوماسيَّة كثيرة تهدف إلى تجميع القوى لمواجهة بايزيد الأول صاحب الطموحات الكبيرة في تكوين إمبراطورية ضخمة في شرق أوروبا.


أثمرت جهود سيجيسموند ملك المجر عن نتائج عظمى؛ إذ استجاب البابا الكاثوليكي بونيفاس التاسع Boniface IX لاستغاثة المجر، وبدأ في تجميع الجيوش الصليبية من غرب أوروبا، فكانت أكبر الدول استجابةً هي فرنسا؛ حيث أرسلت عشرة آلاف مقاتل[3]، ولم تكن أهميَّة الجيش الفرنسي في عدده فقط؛ بل في القادة والأمراء الكبار الذين صاحبوه، واستجابت كذلك عدَّة ممالك أوروبية كبرى لهذه الحملة، فجاء الجنود من إنجلترا، وإسكتلندا، وألمانيا، وبولندا، والنرويج، ومملكتي قشتالة Castile وأراجون Aragon الإسبانيتين، وفرسان تيتون Teutonic Order، ورودس Rhodes، وكذلك من عدَّة جمهوريَّات إيطاليَّة، أهمها چنوة، ودولة البابا، بالإضافة إلى الأسطول البندقي[4].


كان مجموع الجيوش الأوروبية الغربية المشاركة في الحملة يصل إلى سبعين ألف مقاتل، بالإضافة إلى ستين ألف جندي مجري، ممَّا يجعل الحملة تصل إلى مائةٍ وثلاثين ألف مقاتل، وهو رقمٌ كبيرٌ للغاية، خاصَّةً إذا نظرنا إلى الطبيعة المهاريَّة العالية لمعظم الفرق المشاركة في الحملة. اكتملت العدَّة الصليبية في صيف 1396م، ودار التنسيق بينها وبين إمبراطور الدولة البيزنطية لضرب الجيش العثماني في أكثر من موضع، ووصلت الأخبار إلى بايزيد الأول، فجهَّز جيشًا من سبعين ألف جندي، واتَّجه من فوره إلى تارنوڤو ببلغاريا؛ حيث أتمَّ استعداده هناك[5]؛ بينما زحفت القوَّات الصليبية جنوبًا حتى تجمَّعت في بودا عاصمة المجر، ثم انطلقت من هناك إلى مدينة نيكوبوليس Nicopolis شمال بلغاريا بعد أن عبروا الدانوب جنوبًا لينقلوا المعركة إلى أرض العثمانيين. تحاول بعض المصادر الغربية تقليل أعداد المقاتلين؛ وذلك للتقليل من أهميَّة المعركة، حتى تُقدِّر جيش الصليبيين بسبعة عشر ألفًا، وجيش المسلمين بخمسة عشر ألفًا[6]، وهذا في الواقع مستحيلٌ نظرًا إلى النتائج الحاسمة التي أفضت إليها المعركة، والتي تؤكد أن الأعداد كانت فيها كبيرةً جدًّا، كما أن هذه المصادر نفسها ذكرت التكوين الأممي للجيش الصليبي، واشتراك عددٍ كبيرٍ من الدول الأوروبية في إعداده، ممَّا يستحيل أن يكون في النهاية مجرَّد سبعة عشر ألف مقاتل!


في 25 سبتمبر 1396م دارت رحى معركة نيكوبوليس[7]، وهي من أهمِّ المعارك في تاريخ أوروبا؛ حيث كان الصدام مروعًا بين الجيش العثماني وأوَّل حملة كاثوليكية صرفة في قصَّة الدولة العثمانية.


لم يكن التنسيق جيِّدًا بين فرق الجيش الصليبي، وكانت الاضطرابات واضحةً بين القيادات المختلفة، ولم يكن الجميع -خاصَّةً الجيش الفرنسي- منصاعًا لقيادة سيجيسموند ملك المجر، كما كانت اللغات الكثيرة للفرق المشاركة في الحملة سببًا في عدم القدرة على التواصل الجيِّد في المواقف الحرجة؛ بينما كان الجيش العثماني متماسكًا ومترابطًا، وكانت إدارته على أعلى درجة من درجات المهارة والكفاية، وسرعان ما بدأت الكفَّة تميل لصالح الجيش العثماني، واستدرج الصليبيين، وخاصَّةً الفرنسيين، في كمائن متعدِّدة[8]، وما هي إلا ساعات حتى لحقت الهزيمة النكراء بالجيش الصليبي.


لقد كان يومًا من الأيَّام التاريخيَّة في قصة أوروبا بشكلٍ عام!


سقط من الجيش الصليبي مائة ألف قتيل! وأُسِر عشرة آلاف، ولم يتمكن من الهرب إلا عشرون ألفًا، كان منهم سيجيسموند ملك المجر، وهنري الرابع Henry IV الذي سيُصبح ملك إنجلترا لاحقًا، والأميرال البندقي موسينجو Mocenigo، الذي سيُصبح رئيسًا لجمهورية البندقية لاحقًا[9]! وصف المؤرخ الإنجليزي بيتر بورتون Peter Purton المعركة بأنها هزيمةٌ كارثيَّةٌ للأوروبيين[10]!


كانت نتائج المعركة وآثارها غير عاديَّة؛ فقد ثبت للجميع أن استئصال الأتراك من أوروبا صار مستحيلًا بعد هذه المعركة، وفقد البيزنطيون الأمل في استرجاع البلقان، وأدرك المجريون أن حربهم مع العثمانيين عسيرةٌ للغاية، فلن يجرءوا على اقتحام الحدود العثمانية في العقود القادمة، وقطعت فرنسا كلَّ أملٍ في أيِّ حربٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ على الشرق، وترسَّخت الهيبة للدولة العثمانية في شرق أوروبا؛ بل في أوروبا بكاملها. لم تكن الآثار كبيرة على أوروبا فقط؛ بل وصلت أخبار الانتصار العظيم إلى بقاع العالم الأخرى، وكان من جرَّاء ذلك أن أنعم الخليفة العباسي، والذي كان يعيش في القاهرة في كنف دولة المماليك، على الزعيم العثماني بايزيد الأول بلقب «سلطان»[11]، وهو لقبٌ كبيرٌ لا يُعطى إلا للقائد الذي لا يتبع أحدًا، وبذلك أعطى شرعيَّةً كبرى لبايزيد الأول جعلته -والعثمانيِّين من بعده- يُطالبون بقيادة كلِّ القبائل التركيَّة الموجودة في الأناضول، والعراق، وإيران، بشكلٍ رسميٍّ ومنطقي.


وطَّد هذا الانتصار أركان الحكم العثماني بشكلٍ كبيرٍ في البلقان والأناضول، وظهرت أمارات القوَّة والهيمنة في أرجاء البلاد، وعمَّ الأمن والأمان في كلِّ المدن والقرى حتى كانت تترك البضائع في الشوارع دون حمايةٍ فلا يتعرَّض لها أحد[12]![13].





[1] Finkel, Caroline: Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923, John Murray, London, UK, Basic Books, New York, 2006., p. 24.
[2] Mango, Cyril: The Oxford History of Byzantium, Oxford University Press, New York, First published Edition, 2002., pp. 273-274.
[3] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 1, p. 316.
[4] Tuchman, Barbara W.: A Distant Mirror: the Calamitous 14th Century, Alfred A. Knopf, New York, USA, 1978., p. 548.
[5] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، صفحة 1/107.
[6] Nicolle, David: Constantinople 1453 The End of Byzantium, osprey publishing, Oxford, UK, 2000., p. 37.
[7] Jaques, Tony: Dictionary of Battles and Sieges, Greenwood Press, Westport, CT, USA, 2007., vol. 2, p. 729.
[8] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م. صفحة 23/33.
[9] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/106، 108.
[10] Purton, Peter Fraser: A History of the Late Medieval Siege, 1200-1500, The Boydell press, Woodbridge, UK, 2010., p. 188.
[11] İnal, Halil İbrahim: Osmanlı İmparatorluğu Tarihi, Nokta Kitap, İstanbul, 2007., p. 90.
[12] Boyar, Ebru & Fleet, Kate: A Social History of Ottoman Istanbul, Cambridge University Press‏, NewYork, USA, 2010., p. 170.
[13] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 151- 154.