في 28 سبتمبر 1644م تمكَّن فرسان القديس يوحنا من السطو على سفينةٍ عثمانيَّةٍ مهمَّة[1] كانت متَّجهةً من إسطنبول إلى الإسكندرية، وكانت تحمل عددًا كبيرًا من رجال الدولة، بالإضافة إلى التجار، وبعض المسافرين للحج. قُتِل في الهجوم عددٌ كبيرٌ من العثمانيين، ثم سحب فرسان القديس يوحنا السفينة إلى جزيرة كريت -التابعة آنذاك للبنادقة- وباعوا هناك ثلاثمائة وخمسين رجلًا، بالإضافة إلى ثلاثين امرأة، كعبيدٍ للتجار الأوروبيين[2]. كان الخبر صادمًا في الديوان العثماني! كان الأمر يتطلب حربًا دون جدال؛ سواءٌ ضدَّ مالطة، وهي مقرُّ فرسان القديس يوحنا، أم ضدَّ كريت؛ حيث البنادقة المتعاونين مع الفرسان، أو ضدَّهما معًا. كانت الحرب ضدَّ مالطة صعبةً للغاية؛ لشدَّة حصانة الجزيرة، ولبُعْدِها، وقد فشل العثمانيون قبل ذلك في فتحها مرَّتين، أمَّا كريت فهي -على حصانتها- أقلُّ وطأةً من مالطة، وهي قريبةٌ جدًّا من الأناضول، وهي الجزيرة المهمَّة الوحيدة في شرق البحر المتوسط التي لا تتبع العثمانيين[3]، ولهذا كان قرار الديوان هو غزو كريت لا مالطة.


كانت جزيرة كريت هي آخر ما تبقى من أملاك للبنادقة في البحر المتوسط، وكانت تعتمد عليها كمركز لتجارتها الواسعة مع الشرق. كان الظرف مواتيًا نسبيًّا لفتح الجزيرة لانشغال أوروبا بحرب الثلاثين عامًا؛ ومِنْ ثَمَّ لا يُنتظر من الدول الأوروبية أن تساعد البندقية، التي كانت بدورها في مرحلة أفول، ولم يعد أسطولها كحالته الأولى في القرون الماضية. كان العامل المضاد لفكرة الفتح هو حالة الاضطراب الداخلي التي كانت عليها البلاد بعد إعدام الصدر الأعظم، وبوادر الحرب الأهليَّة. -أيضًا- لم يكن الأسطول العثماني في جاهزيَّته المعهودة. بقياس المصالح والمفاسد أخذ الديوان -بموافقة السلطان، ومعارضة الصدر الأعظم- قرار الغزو، والذي تأخَّر تنفيذه إلى صيف عام 1645م، لعدم القدرة على القيام بعمليَّات بحريَّة في الشتاء، بالإضافة إلى المباحثات الدبلوماسيَّة الحثيثة التي قامت بها البندقية لمنع الحرب؛ ولكن دون جدوى[4].


تحرَّك أسطولٌ عثمانيٌّ كبيرٌ إلى جزيرة كريت تحت قيادة قائد البحريَّة يوسف باشا، وكان الأسطول يضمُّ أكثر من أربعمائة سفينة، ويحمل واحدًا وسبعين ألف جندي[5]، واختار أن يهاجم غربها أولًا. تمَّ الإنزال العسكري للجنود في 23 يونيو 1645م غرب مدينة خانيه Canea، وهي ثاني أهم المدن في الجزيرة بعد العاصمة كانديا Candia. حوصرت المدينة، وبعد مقاومةٍ شديدة، سقطت في يد الجيش العثماني في 22 أغسطس. في سبتمبر وصلت مساعداتٍ محدودةً للبنادقة من البابا، وفرسان القديس يوحنا، ونابولي؛ لكنَّها لم تكن قادرة على تغيير الموقف، فانسحبت إلى قواعدها بعد حربٍ قصيرةٍ في أول أكتوبر[6]. هكذا سيطر العثمانيون على غرب جزيرة كريت؛ ولكن دخول الشتاء، وحصانة مدينة كانديا، دفعت الأسطول العثماني إلى العودة المؤقتة إلى إسطنبول لقضاء الشتاء، مع ترك حاميةٍ للدفاع عن الأجزاء المفتوحة من الجزيرة. ومع أن الحملة حقَّقت نجاحًا جزئيًّا إلا أن السلطان تعامل مع الموقف بعشوائيَّته المضطربة، فأعدم قائد الحملة، بل قائد البحريَّة كلِّها، يوسف باشا لتقصيره في فتحِ كاملِ الجزيرة[7]!


أدركت البندقية أنها لن تقدر على مواجهة الأسطول العثماني الكبير في حربٍ شاملةٍ في البحر، كما أنها بالإمكانات المحدودة التي معها لن تقدر على الصمود في كريت طويلًا، خاصَّةً أن استغاثتها بالأوروبيين وجدت آذانًا صُمًّا، باستثناء البابا المتحمِّس لحرب المسلمين. لهذا قرَّرت البندقية تغيير استراتيجيَّتها في الحرب؛ وذلك بمحاولة التضييق على الدولة العثمانية بغلق مضيق الدردنيل المهم، فتُحقِّق بذلك عدَّة مصالح في وقتٍ واحد؛ فهي أولًا ستمنع الإمدادات المستمرَّة المتَّجهة من إسطنبول إلى كريت، فتُخَفِّف الضغط عليها، وثانيًا ستمنع الحركة التجاريَّة خلال المضيق؛ ممَّا سيُؤثِّر على اقتصاد الدولة العثمانية فتقبل بالمفاوضات، وثالثًا ستؤدِّي إلى حالةٍ من التذمُّر الشعبي نتيجة توقُّف التجارة، وعدم الأمان في حركة الناس، وهذا التذمُّر، في وجود الاضطراب الداخلي المعروف، قد يُؤدِّي إلى الضغط على الحكومة، فتقلع عن الحرب.


بدأت البندقية في تنفيذ خطَّتها في ربيع 1646م، وبعد موقعةٍ عنيفةٍ في 26 مايو استطاعت السيطرة على جزيرة تينيدوس Tenedos المهمَّة في مدخل الدردنيل. كان هذا نجاحًا مهمًّا للبنادقة؛ ومع ذلك لم يكن كاملًا؛ حيث لم يستطع الأسطول البندقي منع المساعدات العسكريَّة التي خرجت بعد عشرة أيام من إسطنبول إلى كريت. بدأ العثمانيون نشاطهم في جزيرة كريت بحصار مدينة ريتيمو Rettimo (الآن ريثيمنو Rethymno)، وهي ثالث المدن أهميَّة بعد كانديا، وخانيه. بعد مقاومةٍ شرسةٍ استطاع الجيش العثماني إسقاط المدينة في 20 أكتوبر، ثم قلعتها في 13 نوفمبر[8]. لم تتم عمليَّاتٌ عسكريَّةٌ بعد ذلك لمدَّة سبعة شهور لتفشِّي الطاعون في الطرفين. كان الطاعون شديدًا، حتى وصل عدد الموتى من العثمانيين إلى أربعةٍ وأربعين ألفًا، ممَّا حدا بالغربيين إلى تسمية كريت «بمقبرة المسلمين»، خاصَّةً مع العدد الكبير الذي سيُفْقَد في الجزيرة لاحقًا في مراحل الفتح المختلفة[9]! لم يقترب العثمانيون حتى هذه اللحظة من كانديا، وهي أحصن مدينةٍ في الجزيرة.




تفاقم الاضطرابات في إسطنبول، واستمرار حرب كريت: (1647-1648م)
كان عام 1647م عصيبًا على الدولة العثمانية، وخاصَّةً إسطنبول. حدث إغلاقٌ بندقيٌّ شبه كاملٍ لمضيق الدردنيل؛ ممَّا ضيَّق على الناس حياتهم، ورفع حالة التذمُّر. مع ذلك استطاع الأسطول العثماني في يونيو من هذه السنة السيطرة على معظم شرق جزيرة كريت. لمواجهة تكاليف الحرب، وللإنفاق على بذخ السلطان مع حريمه، فُرِضَت ضرائب جديدة على الشعب؛ ممَّا زاد التذمُّر[10]. أدَّت هذه الممارسات إلى تدبير محاولة انقلابٍ على السلطان اشترك فيها الصدر الأعظم آنذاك، صالح باشا، وشيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي، مع السلطانة الوالدة قُسِم[11]! كانت قُسِم تهدف إلى خلع ابنها وتنصيب حفيدها الطفل محمد بن إبراهيم لتحكم من خلاله بصورةٍ أقوى! من المؤكَّد أن عقولنا لا تستوعب هذه الطريقة في التفكير عند هذه المرأة التي لم يعد عندها من عواطف الأمهات شيء! ولكن الواقع أن طول المكث في كرسي الحكم يُغيِّر طبائع الناس، فلا تُصبح اختياراتهم أو قراراتهم منطلقةً من الطبائع العاديَّة للبشر؛ إنما يتصرَّفون كخَلْقٍ آخر بلا قلبٍ أو عاطفة، وراجعوا حوادث الاغتيال والقتل الكثيرة للآباء، والأبناء، والأخوة، التي رأيناها في القصَّة العثمانية. فَشِل انقلاب 1647م، وأُعْدِم الصدر الأعظم صالح باشا في 16 سبتمبر، وعُيِّن مكانه أحمد باشا[12]، وتمَّت مواجهةٌ عنيفةٌ بين السلطان إبراهيم وأمِّه قُسِم، كان من نتيجتها إقصاء الأم عن السياسة، وعزلها في القصر القديم[13]!


على الرغم من هذه التطوُّرات المخيفة كانت الدولة العثمانية قادرةً على استكمال عمليَّاتها العسكريَّة في كريت. نعم لو كان حدث هذا الحصار في زمان الأوائل لما أخذ كلَّ هذا الوقت، خاصَّةً مع ضعف البنادقة الحالي، وانشغال أوروبا؛ لكن الاستمرار العثماني في حرب كريت مع كلِّ التقلُّبات السياسيَّة في الدولة أمرٌ لافتٌ للنظر، وهو يُؤكِّد على صفة «الثبات» التي اخترناها لتوصيف هذا القرن بكامله، فعوامل الضعف الكبرى كانت مصحوبةً بعوامل قوَّةٍ مماثلة، ولهذا حدثت هذه المشاهدات. في مايو 1648م، وفي أثناء الأزمة الداخليَّة الطاحنة، وفي ظلِّ تمرُّداتٍ خطرةٍ قام بها الإنكشاريَّة في إسطنبول، بدأ الجيش العثماني في حصار كانديا (الآن هيراكليون Heraklion)، وهي كما ذكرنا أحصن مدينة في كريت. هذا الحصار سيكون ثاني أطول حصارٍ في التاريخ كلِّه؛ حيث سيستمر إلى عام 1669م؛ أي إحدى وعشرين سنة! (أطول حصار في التاريخ هو حصار المغاربة لمدينة سبتة المحتلَّة من إسبانيا، واستمر ثلاثة وثلاثين سنة، من 1694 إلى 1727م، ولم يؤدِ إلى نتيجة[14]!).


ازداد الوضع سوءًا في إسطنبول. ثار الإنكشارية لتدنِّي قيمة العملة، ولفرض ضرائب عليهم. ازدادت سفاهة السلطان والتهاؤه بحريمه فكان يستورد لهم الفرو باهظ الثمن من روسيا بكمِّيَّاتٍ ضخمة ممَّا أرهق ميزانيَّة الدولة[15]، ووصل الأمر إلى تسمية عصره من قِبَل بعض المؤرِّخين «بعصر الفرو»[16]! في النهاية أرغم الإنكشاريةُ السلطانَ على عزل الصدر الأعظم أحمد باشا، وتعيين أحد الموالين لهم، وهو محمد باشا الصوفي. على الرغم من قبول السلطان بعزل الصدر الأعظم فإن الإنكشارية استمروا في تمرُّدهم، واستصدروا فتوى بخلع السلطان! خافت السلطانة قُسِم أن يُعْزَل السلطان إبراهيم، فيتولى ابنه الصغير محمد الحكمَ تحت رعاية أمِّه خديجة، فتخرج بذلك من الصورة كلِّيًّا، ولذلك قامت بدعم التمرُّد على ابنها بحجَّة أن الحكم قد يضيع بالكلِّيَّة إذا تم قتله وقتلها[17].


حاصر المتمرِّدون القصر الحاكم في 8 أغسطس 1648م، وقاموا بخنق الصدر الأعظم المعزول أحمد باشا لأنه موالٍ للسلطان، ثم قطَّعوه إربًا بسيوفهم. قُبِض في اليوم نفسه على السلطان إبراهيم وحبسه[18]. جاء المتمرِّدون بالطفل محمد ابن السلطان المخلوع ونصَّبوه على العرش، وهو في السادسة من عمره، تحت اسم محمد الرابع، تحت وصاية جدَّته السلطانة قُسِم[19]؛ وذلك على الرغم من وجود والدته السلطانة خديجة تورهان Turhan Hatice Sultan (تورهان لقب يعني الرحيمة)، وكانت على خلافٍ كبيرٍ مع الجدَّة القويَّة، وهذا التجاوز لوالدة السلطان سيخلق عداواتٍ مميتةً في الدولة[20].





[1] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م. صفحة 1/584.
[2] Setton, Kenneth Meyer: Venice, Austria and the Turks in the 17th Century, American Philosophical Society, Philadelphia, USA, 1991., p. 111.
[3] Faroqhi, Suraiya: The Ottoman Empire and the World Around It, Bloomsbury Academic, 2006., p. 51.
[4] Setton, 1991, p. 124.
[5] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/492.
[6] Setton, 1991, pp. 126-129.
[7] Finkel, Caroline: Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923, John Murray, London, UK, Basic Books, New York, 2006., p. 227.
[8] Setton, 1991, pp. 139-141.
[9] Spratt, Thomas Abel Brimage: Travels and Researches in Crete, John van Voorst, London, UK, 1865., vol. 2, p. 146.
[10] Houtsma, Martijn Theodoor: E. J. Brill's First Encyclopaedia of Islam 1913-1936, Leiden, Brill, Netherlands, 1987., vol. 1, p. 435.
[11] Börekçi, Günhan: Ibrahim I (b. 1615–d. 1648) (r. 1640–1648), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009 (B). p. 263.
[12] Hammer, vol. 2, pp. 237-238.
[13] Börekçi, Günhan: Ibrahim I (b. 1615–d. 1648) (r. 1640–1648), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009 (B).p. 263.
[14] Rézette, Robert: The Spanish Enclaves in Morocco, Nouvelles Editions Latines, Paris, France, 1976., p. 41.
[15] Kia, Mehrdad: Daily Life in the Ottoman Empire, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011., vol. 1, p. 90.
[16] أوزتونا، 1988 صفحة 1/489.
[17] Thys-Şenocak, Lucienne: Ottoman Women Builders: The Architectural Patronage of Hadice Turhan Sultan, Ashgate Publishing Company, New York, USA, 2006, p. 26.
[18] Houtsma, Martijn Theodoor: E. J. Brill's First Encyclopaedia of Islam 1913-1936, Leiden, Brill, Netherlands, 1987., vol. 1, p. 435.
[19] Peirce, Leslie Penn: The Imperial Harem: Women and Sovereignty in the Ottoman Empire, Oxford University Press, New York, USA, 1993., p. 250.
[20] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 660- 665.