كان انتصار السلطان الفاتح على جمهورية البندقية في الحرب الكبرى التي دارت بينهما من 1463م إلى 1479م واضحًا، وكُسِرَت فيه أنف الجمهورية العتيدة، واهتزَّت مكانتها، وقَبِلَت بذلَّة أن تُوقِّع معاهدةً هي الأسوأ في تاريخها، فلمَّا مات السلطان الفاتح شعرت البندقية أنها قد خرجت من طوق السيطرة العثمانية، خاصَّةً أن السلطان بايزيد الثاني اشتُهِر بالمسالمة، وانشغل بحرب أخيه چم، ثم المماليك، بالإضافة إلى شعور البنادقة أن بساط التجارة العالمية بدأ في الانسحاب من تحت أقدامهم بعد اكتشاف البرتغاليين لرأس الرجاء الصالح، وكذلك بعد الظهور المفاجئ للإمبراطورية الإسبانية.


كلُّ هذه عوامل دفعت البندقية للرعونة في التعامل مع ملفِّ الدولة العثمانية، فقامت بعدَّة تعدِّيَّات على الجزر والسواحل العثمانية[1]، وكان سكوت السلطان بايزيد عن الأمر نتيجة انشغاله بحروبه الداخلية دافعًا للبندقية لمزيد من التعدِّيَّات، وبدا وكأنَّ البندقية تحفر قبرها بيدها؛ إذ إن السلطان التفت إليها بقوَّة في عام 1499م، وأغلق ملفَّاته الأخرى انتظارًا لحسم مسألة هذه الجمهورية، ومِنْ ثَمَّ اندلعت الحرب من جديد بعد عشرين سنةً من انقضاء الحرب الأولى، واستمرَّت أربع سنوات من 1499م إلى 1503م.


كانت بداية الحرب ساخنة، وظهر فيها الأسطول العثماني بشكلٍ بارز، وبدا أن السلطان بايزيد كانت له جهودٌ كبيرةٌ في تنمية هذا الأسطول وتطويره، وقد استطاع الأسطول العثماني بقيادة الأدميرال البحري الشهير كمال ريس من تحقيق نصرٍ خالدٍ على البنادقة في معركة زونكيو Zonchio في أغسطس 1499م[2]، وتُعرف -أيضًا- بمعركة سابينزا Sapienza ، كما تُعرف كذلك بمعركة ليبانتو Lepanto الأولى[3]، وترجع أهميَّة هذه المعركة إلى أنها أول معركةٍ في التاريخ تُستخدم فيها المدفعيَّة طويلة المدى من فوق السفن[4]، كما أن هذه المعركة أعطت السيادة الكاملة للعثمانيين للمرَّة الأولى في تاريخهم على خليج كورنث Gulf of Corinth الاستراتيجي شمال المورة، ويضاف إلى ذلك أن هذه المعركة هي التي أدخلت الأسطول العثماني مصافَّ الأساطيل العالمية؛ حيث حقَّق فيها النصر على واحدٍ من أقدر الأساطيل في هذه الحقبة التاريخية، وهو الأسطول البندقي. استغلَّ العثمانيون النصر بسرعةٍ فتمكَّنوا بمساعدة القوَّات البرية من إسقاط مدينة ليبانتو شمال المورة[5]، وهي من أهمِّ المدن الاستراتيجية في المنطقة، وكانت في يد البنادقة منذ عام 1407م[6]، أي ما يقرب من مائة عام! وأكثر من هذا؛ فقد هاجمت القوات البرية العثمانية في السنة نفسها الأملاك البندقية في إقليم دالماسيا الكرواتي على البحر الأدرياتيكي[7]، مما أوقع الجمهورية في حرجٍ شديد.

في عام 1500م حقَّق الجيش العثماني مجدًّا جديدًا بإسقاط مدينتي مودون Modon، ثم كورون Coron على السواحل الجنوبية للمورة اليونانية[8]، وهما أعظم مدينتين للبنادقة في الشرق، وكان يُطلق عليهما: «عينا الجمهورية» «Two eyes of the republic»[9]! وهذا النصر أعطى الدولة العثمانية للمرَّة الأولى في التاريخ السيادة المطلقة على اليونان. هزَّ النصر البندقية فلجأت إلى طلب المساعدة من البابا وإسبانيا، واستطاعت بمساعدة الأسطول الإسباني أن تحتلَّ جزيرة كيفالونيا العثمانية في مدخل الأدرياتيكي، وذلك في ديسمبر 1500م[10].


في 13 مايو عام 1501م اضطرَّت البندقية أن تعقد معاهدةً مع المجر تقضي بدفاع المجر عن الأملاك البندقية في دالماسيا وألبانيا في مقابل ضريبةٍ باهظة[11]، ومع ذلك استطاع الجيش العثماني أخذ مدينة دوريس Durrës الألبانية الاستراتيجية على الأدرياتيكي[12]، فأصبحت ألبانيا بذلك عثمانيَّةً خالصة، ممَّا مثَّل ضغطًا جديدًا على البندقية. وفي السنة نفسها -1501م- حاول الأسطول الفرنسي مساعدة البنادقة في احتلال جزر في مدخل الدردنيل، لكنَّه غرق بفعل بعض العواصف، وفشلت المهمة[13].


في عام 1502م استطاع البنادقة بمساعدة الأسطول البابوي احتلال جزيرة ليفكادا Lefkada العثمانية في مدخل الأدرياتيكي، وتُعْرَف -أيضًا- بجزيرة سانتا مورا Santa Maura، وكذلك ليفكاس Lefkas[14].


ردًّا على هذا التدخل البابوي أراد السلطان بايزيد الثاني أن يحسم المسألة ففعل مثلما فعل أبوه من قبل؛ فنظَّم حملات إغارة على إقليم الفريولي شرق إيطاليا بالقرب من مدينة البندقية نفسها[15]. لم تستطع البندقية تحمُّل الخسائر المتتالية فسعت إلى الصلح في بدايات عام 1502م[16]، وبعد مفاوضاتٍ مطوَّلةٍ وَقَّع الطرفان معاهدةً في مايو 1503م[17] كانت في مجملها لصالح الدولة العثمانية؛ حيث احتفظت الدولة بالمدن اليونانية التي فتحتها، وكذلك بمدينة دوريس الألبانية، كما أعادت البندقية جزيرة ليفكادا للعثمانيين، بينما ظلَّت جزيرة كيفالونيا في أيدي البنادقة. اتَفق الطرفان في هذه المعاهدة -أيضًا- على عودة الحياة الطبيعية بين الفريقين، ممَّا يُعطي البندقية الحقَّ في الإبحار في البحر الأسود في مقابل ضريبة، وكذلك تعيين سفير في إسطنبول يتغيَّر كلَّ ثلاث سنوات[18][19][20].


كان لهذه الحرب، ثم المعاهدة، آثارٌ مهمَّةٌ يمكن إيجازها في النقاط التالية:


1. صارت الدولة العثمانية سيِّدة اليونان بلا منازع، وهذا أعطاها سيطرةً شبه كاملةٍ على بحر إيجة؛ حيث لم يبقَ فيه من القوى النصرانية إلا فرسان القديس يوحنا في رودس.


2. صار الأسطول العثماني مشهورًا في البحر، ولم يعد ممكنًا استثناؤه من أيِّ معادلةٍ عسكريَّةٍ بحريَّة.


3. حافظت هذه المعاهدة على سلميَّة البندقية خمسًا وثلاثين سنةً كاملة، ولن تقوم الحرب بينها وبين العثمانيين حتى عام 1538م.


4. أدركت المجر أنها لن تقوى على حرب العثمانيين دون البندقية، خاصَّةً في ظلِّ ضعفها الذي أشرنا إليه من قبل، فطلبت الهدنة مع الدولة العثمانية، فتمَّ ذلك في عام 1503م، ولمدَّة سبع سنوات[21].


5. ترك الانتصار العثماني ظلاله على القوى الأوروبية المختلفة، فحذت حذو المجر، ووُقِّعَت هدنة بين الدولة العثمانية وعدَّة دولٍ أوروبيَّةٍ دفعةً واحدة؛ وهي دول فرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، وبولندا، ونابولي، بالإضافة إلى فرسان القديس يوحنا، وذلك في 20 أغسطس 1503م[22]، وهذا حفظ هدوء الجبهات الأوروبية لمدَّة عقدين كاملين تقريبًا[23].





[1] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م.صفحة 1/521.
[2] Jamieson, Alan G.: Faith and Sword: A Short History of Christian-Muslim Conflict, Reaktion Books, 2006, p. 220.
[3] Norwich, John Julius Viscount: A History of Venice, Penguin, London, 2003., pp. 383-385.
[4] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، ، 1988 صفحة 1/199.
[5] خليفة، حاجي: فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار (تاريخ ملوك آل عثمان)، حققه وقدمه له وترجم حواشيه: سيد محمد السيد، كلية الآداب–جامعة جنوب الوادي، سوهاج-مصر، (دون سنة طبع).صفحة 221.
[6] Pitcher, Donald Edgar: An historical geography of the Ottoman Empire from earliest times to the end of the sixteenth century with detailed maps to illustrate the expansion of the Sultanate, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1973., p. 67.
[7] Raukar, Tomislav: «Hrvatska na razmeđu XV i XVI. stoljeća»، Senjer Jahrbuch (in Croatian), City Museum Senj – Senj Museum Society, Senj, Croatia, Volume 10, Issue 1, 1990., p. 9.
[8] أوزتونا، 1988 صفحة 1/200.
[9] Harkavy, Robert E.: Strategic Basing and the Great Powers, 1200-2000, Routledge, 2007., p. 35.
[10] فاتان، نيقولا: صعود العثمانيين 1362-1451م، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م. صفحة 1/162.
[11] Raukar, 1990, p. 9.
[12] فاتان، 1993 صفحة 1/162.
[13] أوزتونا، 1988 صفحة 1/200.
[14] فاتان، 1993 صفحة 1/162.
[15] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 185.
[16] Finlay, Robert: Venice Besieged: Politics and Diplomacy in the Italian Wars, 1494-1534, Ashgate, 2008., p. 68.
[17] Imber, Colin: The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power, Red Globe press, London, UK, Third edition, 2019., p. 29.
[18] فاتان، 1993 صفحة 1/162.
[19] أوزتونا، 1988 صفحة 1/200.
[20] سرهنك، 1895 صفحة 1/523.
[21] Imber, 2019, p. 29.
[22] أوزتونا، 1988 صفحة 1/200.
[23] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 363- 367.