بعد الحملة الناجحة على اليونان، وبعد تسكين الجبهات الشماليَّة والشماليَّة الغربيَّة، صار الهمُّ الأكبر لمراد الثاني هو إخضاع ألبانيا لسيطرة الدولة العثمانيَّة؛ فالتمرُّد الذي قام به إسكندر بك منذ عام 1443م ما زال مستمرًّا؛ بل تعرَّض الجيش العثماني لهزيمةٍ من الألبان في فترة حكم محمد الثاني، وهناك بوادر توسُّع للألبان في مقدونيا، ويبدو أنَّ الأوروبِّيِّين بعد حملة مراد الثاني على اليونان قد فَقَدوا الأمل في التعاون مع البيزنطيِّين ضدَّ الدولة العثمانيَّة، ولهذا صارت آمالهم معلَّقةً برموزٍ مقاوِمَةٍ أخرى، وكان من أبرزهم إسكندر بك.


كان القرار هو إخراج حملةٍ همايونيَّة -أي بقيادة السلطان نفسه- إلى ألبانيا، وقد بلغ تعداد الجيش العثماني في بعض التقديرات حوالي مائةٍ وسبعين ألف مقاتل، وإن كان الأصوب أنَّه حوالي ثمانين ألف مقاتل[1]، وهو في كلِّ الأحوال رقمٌ كبيرٌ؛ حيث إنَّ جيوش إسكندر بك كانت حوالي ثمانية آلاف جنديٍّ فقط في المجمل[2]، وقد استدعى السلطان مراد الثاني ابنه محمدًا الثاني من مانيسا ليشترك في الحملة[3].


كانت وجهة السلطان مراد الثاني هي قلعة سڤيتيجراد، البوابة الشرقيَّة لألبانيا، وقد وصل إليها بالفعل، وضرب حولها الحصار، بدايةً من 14 مايو 1448م[4]، واستمرَّ الحصار أكثر من شهرين، ثم سقطت القلعة في يد المسلمين بعد أن أعطى السلطان مراد الثاني الأمان لحاميتها، وقد خرجت الحامية بكاملها في يوم 31 يوليو 1448م، ووفَّى السلطان بوعده فلم يتعرَّض بأذًى لأيِّ فردٍ من أفرادها، وتسلَّم المسلمون القلعة[5].


موقعة كوسوڤو الثانية
عاد السلطان مراد الثاني إلى إدرنة فورًا بعد تسليم القلعة؛ ولكن بمجرَّد وصوله أتته الأخبار بتصعيدٍ جديدٍ في الجبهة الغربيَّة أيضًا؛ ولكن مع عدوٍّ جديدٍ هو چون هونيادي حاكم المجر!
لقد كانت الأولويَّة الكُبرى عِند چون هونيادي في هذه المرحلة هي الانتقام من الدولة العثمانيَّة وسلطانها مراد الثاني بعد هزيمة ڤارنا، وكان يعلم أن صِدامًا مع الجيش العثماني الكبير سيكون أمرًا صعبًا على جيشه منفردًا؛ لذلك سعى بكلِّ طاقته لاستنفار زعماء أوروبا لمساعدته في هذه المهمَّة، ولقد جاءت ردود الفعل متفاوتةً بشكلٍ كبير! وإن كانت في المجمل سلبيَّةً على غير ما توقَّع هونيادي! لقد جاء ردُّ فعل البابا صريحًا بالرفض لشكِّه في نجاح الحرب ضدَّ العثمانيين في هذه المرحلة[6]، وكذلك فعلت البندقية، التي كانت حريصةً على استمرار عَلاقاتها السلميَّة بالدولة العثمانيَّة، ومثلهما فعل ملك أراجون ونابولي Naples ألفونسو الخامس Alfonso V، و-أيضًا- چورچ برانكوڤيتش أمير صربيا[7]. ومع ذلك فقد جاءته موافقةٌ للمشاركة بأعدادٍ صغيرةٍ نسبيًّا مِن مملكة بوهيميا (جزء من دولة التشيك الآن)، وكذلك من بعض الإمارات الألمانيَّة[8]، أمَّا الموافقة الأكبر فقد جاءت من زعيم التمرد الألباني إسكندر بك[9].


تحرَّك السُّلطان مراد الثاني بجيوشه بسرعةٍ في اتِّجاه الغرب، مصطحبًا معه وليَّ العهد الأمير محمد الثاني، وكان تعداد الجيش العثماني في بعض التَّقديرات أربعين ألف مقاتل[10]، وارتفعت به تقديراتٌ أخرى إلى ستين ألف مقاتل[11]؛ بينما كان جيش هونيادي يُقَدَّر بحوالي 30 ألف مقاتل[12]، وارتفعت به بعض التَّقديرات إلى 47 ألف مقاتل[13]، وهذا يعني أن الجيوش كانت متكافئةً نسبيًّا في العدد مع زيادةٍ طفيفةٍ في الجانب العثماني.


في يوم 4 أكتوبر 1448م، أو قبله بيوم، وصل مراد الثاني إلى سهل كوسوڤو[14]؛ حيث يتوقَّع مراد الثاني أن يقطع هنا الطريق على جيش هونيادي الذي يرغب في الوصول إلى ألبانيا لمصاحبة حليفه إسكندر بك، ومن اللطيف أن هذا السهل شهد موقعةً ضاريةً قبل تسعٍ وخمسين سنةً من هذه الأحداث؛ أي في عام 1389م، بين الجيش العثماني بقيادة مراد الأول (أبو جدِّ السلطان مراد الثاني) ودولة صربيا بقيادة ملكها لازار، فيما عُرِف في التاريخ بمعركة كوسوڤو الأولى، وكان النصر فيها حليف الجيش العثماني[15]، ولهذا ستُعرَف المعركة التي ستدور الآن بين الجيش العثماني وجيش المجر بمعركة كوسوڤو الثانية.


وصل چون هونيادي إلى ساحة كوسوڤو في يوم 17 أكتوبر 1448م[16]؛ أي بعد الجيش العثماني بأسبوعين كاملين، ولا شَكَّ أن هذا كان في مصلحة العثمانيين، وقد بدأ القتال فورًا واستمرَّ ثلاثة أيَّامٍ كاملة (17 -19 أكتوبر)، وكان القتال ضاريًا، وسقط القتلى بالآلاف، وكانت الكِفَّة في يوم 18 أكتوبر لصالح المجريِّين؛ ولكن في يوم 19 أكتوبر الموافق (20 شعبان 852هـ)[17][18] صارت في صالح الجيش العثماني، وسرعان ما قرأ هونيادي أن الهزيمة آتيةٌ لا محالة، ومِنْ ثَمَّ أخذ القرار المفاجئ بالهرب تاركًا عددًا كبيرًا من رجاله وأسلحته في أرض القتال[19][20][21].


كانت الهزيمة كارثيَّةً على الجيش المجري؛ فَقَدَ هونيادي في هذه المعركة 17 ألف قتيل[22]، ولم تكن الخسارة في الجنود فقط؛ إنما سقط كلُّ النبلاء والقادة الذين كانوا في جيش هونيادي، وكان هو الوحيد من نبلاء المجر الذي نجا بحياته[23]، بالإضافة إلى أمير الإفلاق الروماني ڤلاديسلاڤ الثاني[24].


تتفاوت التَّقديرات بشدَّة في خسائر الجيش العثماني، فبينما يذكر بابينجر أنها تقترب من 35 ألف قتيل[25] يهبط بها أوزتونا إلى أربعة آلاف شهيد فقط[26]، وبين هذا وذاك توجد تقديرات أخرى كثيرة؛ ولكن على العموم فإن كلَّ المراجع بلا استثناء -سواء كانت تركية أم غربية- تؤكد أن النصر كان للجيش العثماني بشكلٍ حاسم؛ بل إن بعض المؤرِّخين يعدُّون هذه المعركة أهمَّ من معركة ڤارنا الشهيرة (عام 1444م)، فعلى سبيل المثال يصف المؤرخ الأرجنتيني، والأستاذ بجامعة سوانزي الإنجليزية، روبرت بيديلو Robert Bideleux- موقعة كوسوڤو الثانية بالقياس إلى ڤارنا قائلًا: «كانت أقلَّ شهرةً لكنَّها أكثر حسمًا»[27]. ويقول المؤرخ المجري بال إنچل Pál Engel: «انتهت معركة كوسوڤو الثانية بهزيمةٍ ثقيلةٍ Heavy defeat للنصارى، وهلك الجزء الأعظم من جيوشهم»[28].


هذه هي معركة كوسوڤو الثانية عام 1448م! وهي لا تختلف كثيرًا عن معركة كوسوڤو الأولى عام 1389م؛ إذ تحقَّق في كُلٍّ منهما النصر الحاسم للمسلمين.


هكذا انتهى الصدام العسكري الكبير بين الدولة العثمانيَّة والمجر، وتحوَّل هونيادي من سياسة الهجوم إلى سياسة الدفاع، ولم يبقَ في البلقان رافعًا راية الحرب ضدَّ العثمانيين إلا متمرد ألبانيا إسكندر بك، وعليه كانت تُعوِّل النصرانية الغربية في مقاومة الدولة العثمانيَّة، وإن كانت موقعة كوسوڤو الثانية قد أنهت كلَّ طموحات الغرب في إخراج العثمانيين من البلقان بشكلٍ كاملٍ[29].






[1] Francione, Gennaro: Skënderbeu, një hero modern: (Hero multimedial) [Skanderbeg, a modern hero (Hero multimedia)] (in Albanian), Editor: Donika Aliaj, Tasim Aliaj, Naim Frashëri, Tiranë, Albania, 2003., p. 74.
[2] Fox, Robert: The inner sea: the Mediterranean and its people, Alfred A. Knopf, New York, USA, 1993., p. 195.
[3] Babinger, Franz: Mehmed the Conqueror and His Time, Princeton University Press, 1978., p. 51.
[4] Tibbetts, Jann: 50 Great Military Leaders of All Time, Vij Books, New Delhi, India, 2016., p. 567.
[5] Hodgkinson, Harry: Scanderbeg.. From Ottoman Captive to Albanian Hero, Centre for Albanian Studies, London, UK, 1999., p. 102.
[6] Teke, Zsuzsa: Hunyadi János és kora [John Hunyadi and his Times] (in Hungarian), Gondolat, Budapest, 1980., p. 168.
[7] Babinger, Franz: Mehmed the Conqueror and His Time, Princeton University Press, 1978., pp. 51- 52.
[8] Rogers, Clifford J. (Editor): The Oxford Encyclopedia of Medieval Warfare and Military Technology, Oxford University Press, New York, USA, 2010., vol. 1, p. 471.
[9] Mureşanu, Camil: John Hunyadi: Defender of Christendom, The Center for Romanian Studies, Iasi, Romanian, 2001., p. 152.
[10] Bennett, Matthew; Connolly, Peter; Gillingham, John & Lazenby, John: The Hutchinson Dictionary of Ancient and Medieval Warfare, Routledge, New York, USA, 1998, p. 182.
[11] Sedlar, Jean W.: East Central Europe in the Middle Ages, University of Washington Press, Seattle, USA, 1994., p. 248.
[12] Bennett, et al., 1998, p. 182.
[13] Babinger, Franz: Mehmed the Conqueror and His Time, Princeton University Press, 1978., p. 52.
[14] Babinger, 1978, p. 54.
[15] Cox, John K: The History of Serbia, Greenwood Publishing Group, westport, CT, USA, 2002., p. 29.
[16] Venning, Timothy: A Chronology of the Byzantine Empire, palgrave Macmillan, Now York, USA, 2006., p. 720.
[17] شيمشيرغيل، أحمد: سلسلة تاريخ بني عثمان، ترجمة: عبد القادر عبداللي، مهتاب محمد، ثقافة للنشر والتوزيع، أبو ظبي-بيروت، الطبعة الأولى، 1438هـ=2017م. الصفحات 2/121، 122.
[18] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م. صفحة 159.
[19] Engel, Pál: The Realm of St Stephen: A History of Medieval Hungary, 895–1526, I.B. Tauris Publishers, London, UK, 2001., p. 291.
[20] Babinger, 1978, pp. 55-56.
[21] Freely, John: The Grand Turk: Sultan Mehmet II, Conqueror of Constantinople and Master of an Empire An Empire And Lord Of Two Seas, The Overlook Press, New York, 2009., p. 18.
[22] Cartledge, Sir Bryan: The Will to Survive: A History of Hungary, Columbia University Press, New York, USA, 2011., p. 58.
[23] Engel, 2001, p. 291.
[24] Cazacu, Matei: Dracula, Brill, Leiden, The Netherlands, 2017., p. 53.
[25] Babinger, 1978, p. 55.
[26] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، صفحة 1/129.
[27] Bideleux, Robert & Jeffries, Ian: A History of Eastern Europe: Crisis and Change, Routledge, London, UK, 2006., 2006, p. 68.
[28] Engel, 2001, p. 291.
[29] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 216- 218.