يُعدُّ نابليون أحد أبرز القادة العسكريِّين في التاريخ، كما أنه من رجال السياسة المعدودين، وإليه يُنْسب القانون الفرنسي الذي صار نموذجًا لمعظم قوانين العالم بعد ذلك. تولى نابليون حكم فرنسا عام 1799م كالقنصل الأول من ثلاثة قناصل، ثم انفرد بالحكم بعد ذلك وأسَّس الإمبراطوريَّة الفرنسيَّة عام 1804م. في خلال الفترة من 1803م إلى 1815م قاد عدَّة حروب ضخمة في أوروبا عرفت بالحروب النابوليونية Napoleonic Wars، كانت له الغلبة على أعدائه في معظمها.


في كلِّ هذه الحروب لم تقوَ دولة أوروبية على حرب نابليون بمفردها؛ إنما كانوا ينظمون تحالفات كبرى وصلت إلى سبع تحالفات متتابعة، كانت تُمَوَّل في الأساس من بريطانيا، بالإضافة إلى النمسا، وبروسيا، وغيرها من الدول. حقَّق نابليون أعظم انتصاراته على التحالف الثالث المكوَّن أساسًا من روسيا والإمبراطورية الرومانية المقدَّسة (النمسا)، وذلك في معركة أوسترليتز Austerlitz (في التشيك الآن) في ديسمبر 1805م. هذه المعركة أدَّت إلى تحلُّل الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة بعد أكثر من ثمانية قرون من تأسيسها (962-1806م).


في خلال هذه الحروب -أيضًا- احتل نابليون عدَّة دولٍ في أوروبا تشمل البرتغال عام 1807م، وإسبانيا عام 1808م. في نهاية المطاف دفع الغرورُ نابليون إلى اقتحام روسيا بجيشه العملاق المكوَّن من 650 ألف مقاتل في عام 1812م، ومع أنه حقَّق النصر، ودخل موسكو، إلا أنه فَقَد معظم جيشه بسبب الحرب والبرد. أقل تقديرٍ لعدد القتلى والمفقودين في جيش نابليون يتجاوز الأربعمائة ألف جندي! كانت هذه نقطة تحوُّلٍ ولم يستطع الجيش الفرنسي أن يستردَّ عافيته بعد ذلك.


في سنة 1813م، هُزِم نابليون من التحالف الأوروبي السادس المكوَّن من روسيا، وبروسيا، والنمسا، والسويد، وذلك في معركة لايبزج Leipzig، والمعروفة -أيضًا- بمعركة الأمم Battle of the Nations. في 1814م اجتاحت قوَّات التحالف السادس فرنسا، ودخلت باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش في أوائل أبريل، ونُفِي إلى جزيرة إلبا Elba الإيطاليَّة.


هرب بونابرت من منفاه بعد أقلَّ من سنة، وعاد ليتربَّع على عرش فرنسا في فبراير 1815م. استجاب الأوروبيون بتكوين التحالف السابع المكوَّن أساسًا من بريطانيا، وبروسيا، وهولندا، الذي حقَّق نصرًا نهائيًّا على نابليون في معركة واترلو Waterloo الشهيرة (في بلچيكا الآن) في 18 يونيو 1815م، وبعدها نُفِيَ بونابرت إلى جزيرة سانت هيلانة St Helena، جنوب المحيط الأطلنطي، ليموت بعد ستِّ سنواتٍ من النفي.


كان نابليون بونابرت -في رأيي- طاغيةً مدمِّر ارتكب كثيرًا من المذابح غير الضروريَّة، وحقَّق أمجادًا شخصيَّة لحظيَّة على حساب أرواح البشر، بل على حساب أمَّته وقومه، فقد جلب لها الخراب الكبير بعد المجد القصير! اقتربت ضحايا الحروب النابوليونية من ستَّة ملايين قتيل، من العسكريِّين والمدنيِّين، وفقدت فرنسا مكانتها المرموقة التي حقَّقتها أيام نابليون، وتصدَّرت بريطانيا المشهد العالمي دون منازع. يقول المؤرِّخ الأميركي ڤيكتور هانسون Victor Hanson تعليقًا على حروب نابليون المدمِّرة: «بعد هذه الأمجاد العسكريَّة غير القابلة للنقاش، وبعد سبعة عشر عامًا من الحروب، فقدت أوروبا حوالي ستَّة ملايين قتيل، وأفلست فرنسا، وفقدت مستعمراتها العالميَّة»[1]!


عقد الحلفاء مؤتمر ڤيينا Congress of Vienna في يونيو 1815م، وفيه رسموا الحدود في أوروبا من جديد بعد اضمحلال القوَّة الفرنسيَّة. يمكن القول إن هذا المؤتمر حفظ السلام بشكلٍ كبيرٍ في أوروبا لمدَّة قرنٍ كامل، أي إلى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914م.


يُعتبر نابليون بونابرت من أكثر الشخصيَّات العالميَّة التي اهتمَّ المؤرِّخون بكتابة قصته، وتحليل سيرته، ولمعرفة تفاصيل أكثر عن حياته يمكن قراءة كتاب «حملات نابليون» للمؤرِّخ الإنجليزي الكبير ديڤيد تشاندلر David Chandler[2]، وكتاب «حياة نابليون» للمؤرِّخ الإنجليزي -أيضًا- أندرو روبرت Andrew Roberts[3][4].





[1] Hanson, Victor Davis: The Little Tyrant, A review of Napoleon: A Penguin Life, The Claremont Institute, Upland, California, USA, Vol. 3, No. 3, 2003..
[2] Chandler, David G.: The Campaigns of Napoleon, Simon and Schuster, 2009.
[3] Roberts, Andrew: Napoleon: A Life, Penguin‏ group, London, UK, 2014..
[4] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 894- 896.