شهر رمضان شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، شهر الصدقات والإحسان، شهر تُفتح فيه أبواب الجنان، وتضاعف فيه الحسنات، شهر تُجاب فيه الدعوات، وتُرفع فيه الدرجات، وتغفر السيئات؛ فعن أبي هريرة عن رسول الله قال: "مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. الصِّيَامُ جُنَّةٌ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"[1].


فسارعوا فيه إلى الطاعات؛ فهو شهر عظيم، جعله الله ميدانًا لعباده يتسابقون إليه فيه بالطاعات، ويتنافسون في أنواع الخيرات، وليكن شعارنا في رمضان "لن يسبقنا إلى الله أحد".


ومن نِعم الله علينا فيه أن الله جعل قيامه إيمانًا واحتسابًا مغفرةً للذنوب والآثام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله قال: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"[2].


ولكننا -وللأسف الشديد- لا نعلم جيدًا قيمة الوقت في حياتنا، مع أن الوقت هو الحياة؛ لذلك قال: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ"[3].


فالوقت ليس ملكيَّةً خاصَّةً تُوجب حُرِّيَّة التصرُّف فيها كيفما شاء صاحبُها، بل كل إنسان مسئول عن وقته في أي شيء قضاه؛ لقول رسول الله: "لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ"، وذكر منها "عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ"[4].


فما أحوجنا إلى حسن استثمار الأوقات واغتنامها جيدًا في حياتنا عامة وفي رمضان خاصة؛ فقد قال لرجلٍ وهو يعظه: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ"، وذَكَرَ منهما: "وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ"[5].


ونحن في رمضان قد أُصبنا بآفة قاتلة لأوقاتنا، ألا وهي آفة مشاهدة التليفزيون؛ إذ يصرف أغلب المسلمين أوقاتهم أمام مشاهدة المسلسلات والأفلام والبرامج التي لا تفيد، وحجتهم في ذلك قولهم: "أسلِّي صيامي". ورمضان لم يشرعه الله للتسلية وضياع الوقت، ولكن الله سبحانه وتعالى شرعه لتربية المجتمع المسلم على قيم ومبادئ يحيا بها ولها.


وهذه القيم والمبادئ لكي تتأصل في النفوس، فإنها تحتاج إلى أعمال تُؤدَّى مثل قراءة القرآن وصلاة القيام وصلة الأرحام والتصدق على الفقراء.. وغيرها. فما أحوجنا أن نتذكر حديث رسول الله، الذي يرويه عبد الله بن عمرو عن النبي قال: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ"[6].


فأداء مثل هذه الأعمال يحتاج إلى بذل وقت وجهد، وهذا لن يتأتَّى لرجلٍ يضيِّع وقته أمام التليفزيون بالساعات.


ولا شك أن المسلم يجب أن يضع نُصب عينيه أن ثواب الأعمال تتضاعف في رمضان، ولقد أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة؛ لذلك قال الزهري عن فضل تسبيح الله في رمضان: "تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره"[7].


فلا وقت لدى المسلم لضياعه في أعمال أقل فضلاً من أعمال رمضان، فما بالكم إن كان الوقت يضيع في مشاهدة بعض الأشياء المحرمة أصلاً! وحتى البرامج الإسلامية التي تذاع في هذا الشهر لا يجب علينا أن نكثر منها؛ لأننا نحتاج إلى كل دقيقة وثانية في هذا الشهر الفضيل لإعادة تربية أنفسنا وأسرتنا على مبادئ الإسلام وقيمه.


ولذلك أنصح كل مسلم يريد اغتنام شهر رمضان أن يرشد من مشاهدة التليفزيون حتى البرامج الإسلامية الملتزمة، فَلْتُجْرِ مسحًا شاملاً سريعًا للبرامج التليفزيونية، واخترْ أهم وأفضل برنامج أو برنامجين من وجهة نظرك، وضعْها ضمن خطتك في رمضان، وأعرضْ عن البرامج الأخرى رغم فائدتها الكبيرة؛ لأن الإنسان المسلم إنسان متوازن يدرك جيدًا واجب الوقت، ولا يُقدِّم أولوية ثانية أو ثالثة على الأولوية الأولى في حياته، وأولويتنا الآن هي اغتنام رمضان.


هكذا يجب أن نحيا في رمضان حياةً يملؤها الإيمان والتقوى، والحرص على الطاعات؛ لنعود بأمتنا من جديد إلى مجدها وعزها.


د. راغب السرجاني
-------------------
[1] رواه النسائي (2215)، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الترغيب والترهيب (978).
[2] البخاري: كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان (37)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (759).
[3] البخاري: كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ... (6049)، والترمذي (2304)، وابن ماجه (4170)، وأحمد (3207).
[4] رواه الترمذي (2417)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (7299) في صحيح الجامع.
[5] رواه الحاكم (7957)، والبيهقي في شعب الإيمان (9882)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (1077) في صحيح الجامع.
[6] رواه أحمد (6626)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (3882) في صحيح الجامع.
[7] ابن أبي الدنيا: فضائل رمضان ص25.