لم يمر على الحرب الأهلية إلا ثلاث سنوات حتى دخلت الدولة العثمانية في مستنقعٍ جديدٍ لم يكن ينبغي لها أن تدخل فيه، وهو مستنقع الحرب مع دولة المماليك المسلمة، وهذه هي المرَّة الأولى منذ نشأة الدولة العثمانية التي تدور فيها حربٌ حقيقيَّةٌ بين الدولتين، ولذلك عُرِفت في التاريخ بالحرب العثمانية المملوكية الأولى، واستمرَّت ستَّ سنواتٍ كاملة؛ من 1485 إلى 1491م[1]، ولم تكن لها آثارٌ جغرافيَّةٌ كبيرة؛ إذ ظلَّ الوضع بعد الحرب كما كان عليه قبلها، إلا أن الآثار النفسية كانت عميقة، وهذا ما سيقود إلى حربٍ ثانيةٍ بعد انتهاء الأولى بخمسٍ وعشرين سنة، وستكون هذه الحرب الأخيرة من أعنف حروب المنطقة، وأشدها أثرًا.


إنَّ الصراع بين العثمانيِّين والمماليك هو صراعٌ جيوسياسي في الأساس، والصراع الجيوسياسي هو الصراع السياسي الذي نتج عن أسبابٍ جغرافيَّة؛ بمعنى أنَّه ليس هناك خلفيَّات عَقَدِيَّة، أو اجتماعيَّة، أو اقتصاديَّة، أو غيرها، أو على الأقل ليست هناك خلفيَّات مهمَّة في هذه الوجوه؛ إنَّما نشأ الخلاف بين الفريقين نتيجة ظروفٍ جغرافيَّةٍ معيَّنة، وهي في حالة العثمانيِّين والمماليك كانت ظروفَ تَجَاوُرِ الأناضول مع شمال الشام؛ فالأناضول صار عثمانيًّا إلى حدٍّ كبير، بينما الشام كله مملوكي، ومِنْ ثَمَّ صارت المناطق الجغرافيَّة الفاصلة بين الدولتين بؤرة صراعٍ ومنافسة، وهي إمارات: ذي القادر، وقرمان، وبني رمضان. هذه الإمارات جميعًا كانت تُعطي ولاءها للمماليك، فلمَّا علا نجم العثمانيِّين في الأناضول استطاعوا أن يضمُّوا قرمان إلى ملكيَّتهم، وسعوا إلى تكرار الشيء نفسه مع ذي القادر. كان هذا في زمن بايزيد الأول (1389 -1402م) ثم عادت الأمور إلى سابق عهدها بعد موت بايزيد الأوَّل، وانهيار الدولة العثمانيَّة نتيجة الصدام مع تيمور لنك. هدأت العلاقة بين المماليك والعثمانيِّين زمن محمد چلبي (1413 -1421م)، وكذلك زمن مراد الثاني (1421 -1451م)، ولكنَّها عادت للتوتُّر من جديد زمن محمد الفاتح (1451 -1481م)، والسبب في ذلك هو ضمُّ الفاتح لإمارة قرمان عام 1468م، ومحاولاته المتكرِّرة للتدخل في شئون إمارة ذي القادر، وكانت آخر هذه المحاولات في 1480م قبل ولاية بايزيد الثاني بعام واحد[2].


الآن، ولأسبابٍ تافهةٍ لا ترقى إلى أن تكون أسبابًا لحرب، قام النزاع العسكري بين القوات العثمانية وقوات المماليك في جنوب شرق الأناضول، وكانت البداية من طرف العثمانيين. كان ولاء القبائل التركمانية الموجودة في المنطقة متردِّدًا بين العثمانيين والمماليك، وإن كان للمماليك أقرب، وكانت الحرب طوال السنوات الست سجالًا بين الطرفين مع تفوُّقٍ طفيفٍ للمماليك[3][4]. ومع أن الحرب تبدو حربًا يسيرةً حيث لم يتوسَّع أحد الطرفين على حساب الآخر، إلا أن العبء الاقتصادي على الدولتين كان كبيرًا، بالإضافة إلى الخسائر البشرية المهمَّة. وأكثر من ذلك هو حدوث بعض التطوُّرات السياسيَّة في المنطقة والعالم، وكان لهذه الحرب دورٌ فيها، ومن هذه التطوُّرات على سبيل المثال:




1. عدم انتباه الطرفين؛ العثماني والمملوكي، إلى التطوُّرات الخطرة التي تحدث في إيران، والتي كان من نتيجتها قيام الدولة الصفوية الشيعية[5]، إحدى أشدِّ الدول عداوةً للشعوب السُّنِّيَّة في العالم، ولو كان التوافق موجودًا بين العثمانيين والمماليك لأمكن تغيير الأمر هناك.


2. عدم انتباه الطرفين كذلك إلى التطوُّرات الحادثة في الأندلس؛ حيث كانت مملكة غرناطة المسلمة -وهي آخر ما تبقَّى للمسلمين في الأندلس- تُعاني ضغطًا شديدًا من الإسبان، وفي ظلِّ الحرب العثمانية المملوكية لم يجد الطرفان المسلمان الكبيران مساحةً لمساعدةٍ ذات جدوى لمسلمي الأندلس، ومِنْ ثَمَّ حدث الانهيار الكامل بعد انتهاء الحرب بعامٍ واحد؛ أي في عام 1492م.


4. احتلت البندقية في عام 1489 قبرص[6]، التي كانت تحت حكومةٍ نصرانيَّةٍ مستقلَّة، وذلك لتضمن عدم اتخاذها كقاعدةٍ بحريَّةٍ من طرف العثمانيين أو المماليك في الحرب الدائرة بينهما، وهذا الاحتلال صبَّ بلا شك في مصلحة البندقية عدوَّة الدولة العثمانية.


4. كانت الدول الغربية الكاثوليكية تتابع أحداث الحرب بشغف، وتتمنَّى الهزيمة للعثمانيين، وسعوا بقوَّة للضغط على فرسان القديس يوحنا لتسليمهم الأمير چم ليستخدموه كورقة ضغطٍ ضدَّ العثمانيين، ولما كان الفرسان في حرجٍ من تسليمه لدولةٍ دون أخرى سلَّموه إلى البابا أنوسنت الثامن Innocent VIII عام 1489[7]، فصار البابا بذلك ضاغطًا على السلطان بايزيد بورقة چم، وقد انتهى الأمر بقبول بايزيد دفع إتاوةٍ سنويَّةٍ للبابا في مقابل الاحتفاظ بالأمير الأسير[8]!


أدرك الطرفان؛ العثماني والمملوكي، بعد ستِّ سنواتٍ من النزال، أن هذه الحرب لا طائل من ورائها، ولا غالب فيها أو مغلوب، ومِنْ ثَمَّ قَبِلا بوساطة سلطان الحفصيِّين التونسي[9]، الذي عقد معاهدة صلحٍ بين الطرفين على أن يعود الوضع الجغرافي والحدود إلى ما كانت عليه قبل الحرب[10]، وبذلك انتهت هذه الأزمة[11].





[1] كولن، صالح: سلاطين الدولة العثمانية، ترجمة: منى جمال الدين، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1435هـ=2014م، 2014 صفحة 85.
[2] دهمان، محمد أحمد: بين المماليك والعثمانيين الأتراك، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، 1986م.صفحة 28.
[3] حليم، إبراهيم: التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية، مطبعة ديوان عموم الاوقاف، القاهرة، الطبعة الأولى، 1323هـ=1905م. الصفحات 71، 72.
[4] موير، وليم: تاريخ دولة المماليك في مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1415هـ=1995م.صفحة 174.
[5] إقبال، عباس: تاريخ إيران بعد الإسلام من بداية الدولة الطاهرية حتى نهاية الدولة القاجارية، راجعه: السباعي محمد السباعي، نقله عن الفارسية وقدم له وعلق عليه: محمد علاء الدين منصور، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1989م. صفحة 641.
[6] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م. صفحة 19/202.
[7] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م. صفحة 181.
[8] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م.صفحة 1/520.
[9] إيڤانوڤ، نيقولاي: الفتح العثماني للأقطار العربية 1516 – 1574، راجعه وقدم له: مسعود ضاهر، نقله إلى العربية: يوسف عطا الله، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 1988م. صفحة 56.
[10] إينالچيك، خليل: تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة: محمد الأرناءوط، دار المدار الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م. الصفحات 50، 51.
[11] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 350-353.