كان بايزيد الثاني على المستوى الشخصي والإنساني من أصحاب الأخلاق الرفيعة. كان كما يقول القرماني: «وكان رحمه الله ملكًا جميلًا، كبيرًا، عالمًا، ورعًا، مجاهدًا، مرابطًا»[1]، وكان ملتزمًا جدًّا ببنود الشريعة، وكان يحب العلم والعلماء، وينفق النفقات الواسعة في أعمال الخير[2]، وبالإضافة إلى ذلك فإنه ورث من أبيه حبَّ العمران والتنظيم، فأكثر من بناء المساجد والأسواق والجسور والقلاع[3]، كذلك نظَّم الجيش والبحرية وزاد في أعداد الجند، واهتمَّ بتدريبهم ورعايتهم[4]. هذه كلُّها صفاتٌ طيِّبةٌ جعلت له مكانةً عند العلماء، وكذلك عند الشعوب والعامَّة، ومع ذلك فقد كان السلطان بايزيد يفتقر إلى صفاتٍ مهمَّةٍ ينبغي أن تكون في زعيم البلاد. لم تكن -في رأيي- لدى السلطان رؤيةٌ واضحةٌ للدولة؛ فكانت تسير في كثيرٍ من الأحيان بشكلٍ متخبِّط، وهذا أطمع فيها العدو والصديق، ولم يكن حاسمًا في قرارته، وكان ضعيفًا بشكلٍ غير مقبول، وفي هذا الزمن الذي ينشط فيه العسكريون لا يُقْبَل الضعف أبدًا، فإن مَنْ أَمِنَ العقوبةَ أساء الأدب! فكان نتيجة هذا الضعف البيِّن أن قامت عليه الثورات من أقرب الناس إليه، وكذلك من أبعدهم عنه، وكان ذلك في أوَّل حكمه وآخره، أي في كلِّ حياته، لأن هذه الثورات لم تكن مرتبطةً بظرفٍ معيَّن، إنما مرتبطةٌ في الأساس باستخفاف الثائرين بشخصيَّة الزعيم.


أعلم أن بايزيد الثاني ظُلِمَ من بعض المؤرخين فانتقصوه أكثر ممَّا ينبغي[5][6]، ولكنهم -أيضًا- معذورون لأن المرحلة التاريخية التي عاش فيها بايزيد حتَّمت على المؤرخين الموضوعيِّين انتقاصه؛ وذلك لوقوع بايزيد الثاني في ترتيب حكَّام الدولة العثمانية بين أقوى وأقدر سلاطينها قاطبة! فالذي قبله هو السلطان العظيم محمد الفاتح، والذي بعده هو السلطان الشديد سليم الأول، وهذان هما «أقوى» سلاطين الدولة بلا جدال، وأملكهما لملكات القيادة والإدارة والسياسة، فكانت مقارنة بايزيد الثاني بهما ظالمةً له بشكلٍ كبير، ولو كان يُقارن بغيرهما لكان أمره عاديًّا، بل لعله يكون متميِّزًا ومتفوِّقًا! أضف إلى ذلك أنه في هذه الحقبة من التاريخ لم تكن هناك حدودٌ معروفةٌ للدول والإمبراطوريات، وكان طبيعيًّا أن تتوسَّع الدول وتزداد، والذي لا يزيد لا بُدَّ أن ينقص، وكانت الفترة مليئةً بالأحداث الصاخبة، وظهرت قوى عالمية كبرى؛ مثل الإسبان، والبرتغاليين، والنمساويين، والصفويين، فلا معنى هنا لما يعتذر به بعضهم عن بايزيد في أنه لم يتوسَّع في مساحة البلاد والفتوحات لأن البلاد كانت قد وصلت إلى حدودٍ ثابتةٍ ومعروفة[7]، فلا حدود في ذلك الزمن، ولو لاحظ الأعداء ضعف الدولة أو قائدها اجترأوا عليها، واقتحموا حدودها، وقلَّصوا من مساحتها، وهكذا فعل الصفويون، والبنادقة، والإسبان، والمجريون، والبغدانيون مع بايزيد الثاني، بل أحسب أن الله لطف ببايزيد في كونه جاء بعد السلطان القدير محمد الفاتح، الذي ترك رهبةً في قلوب زعماء أوروبا حفظت الدولة عدَّة عقود، فتردَّد الأعداء في الصدام بها مع علمهم أن قدرات بايزيد محدودة، ولو كان بايزيد الثاني يحكم في فترةٍ أخرى لوقعت الدولة العثمانية فريسةً لطغاة العالم.


ليست هذه شدَّة -فيما أرى- في الحكم على السلطان بايزيد الثاني؛ لأن آثار ضعفه وافتقاره لملكات القيادة كانت وخيمة، ولعل من أبرزها تطاول سليم ابنه عليه بهذه الصورة، ثم وصول هذه الشخصية الشرسة إلى كرسي الحكم، فإذا علمنا أن سليم الأول لم يكن يهتمُّ كثيرًا بالرؤية الشرعية، ولا بمعايير الإسلام، أدركنا أن الدولة ستدخل في منعطفٍ تاريخي، وانحرافٍ فكري، لم يحدث قبل ذلك في قصَّتها إلا نادرًا؛ فقوَّة سليم الأول الكبرى مع غياب الضابط الشرعي ستُحْدِث -على الرغم من تضخم الدولة جدًّا في عصره- خللًا في الصورة النقيَّة للدولة العثمانية، وآثارًا سلبيَّة ما زالت موجودةً إلى زماننا الآن[8].


[1] القرماني، أحمد بن يوسف بن أحمد: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، تحقيق: أحمد حطيط، فهمي السعيد، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1412هـ=1992م. صفحة 3/41.
[2] خليفة، حاجي: فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار (تاريخ ملوك آل عثمان)، حققه وقدمه له وترجم حواشيه: سيد محمد السيد، كلية الآداب–جامعة جنوب الوادي، سوهاج-مصر، (دون سنة طبع). صفحة 228.
[3] شيمشيرغيل، أحمد: سلسلة تاريخ بني عثمان، ترجمة: عبد القادر عبداللي، مهتاب محمد، ثقافة للنشر والتوزيع، أبو ظبي-بيروت، الطبعة الأولى، 1438هـ=2017م.الصفحات 3/90-92.
[4] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/211.
[5] Waters, Clara Erskine Clement: Constantinople: The City of the Sultans, Estes and Lauriat Publishers, Boston, USA, 1895, p. 110.
[6] Toynbee, Arnold Joseph & Myers, Edward DeLos: A Study of History, Oxford University Press, New York, USA, 1948., 1948, vol. 1, p. 382.
[7] طقوش، 2013 صفحة 142.
[8] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 376- 378.