لم يكن السلطان محمود الثاني راضيًا عن نتيجة معاركه السابقة مع محمد علي باشا، وكان ينتظر الفرصة للتراجع عن الاتفاق الذي سلَّم فيه الشام له. حاول السلطان بدايةً بالطرق السلميَّة، فأرسل في عام 1837م صارم أفندي كمبعوثٍ للتفاوض، فعرض على الوالي المصري أن يجعل حكمه توارثيًّا في مصر على أن يقبل بالانسحاب من الشام كلِّه باستثناء الجنوب (فلسطين)، على ألا يكون الحكم وراثيًّا في جنوب الشام. رفض محمد علي باشا هذا الطرح، وكان يُدرك ان إمكانات الدولة العثمانية لا تسمح لها بطرده من الشام، ففشلت المفاوضات[1].


هنا قرَّر السلطان المواجهة العسكريَّة مع إبراهيم باشا المتمركز في الشام، لكنَّه قبل ذلك عمل على تهييج الشعب السوري للقيام بتمرُّدٍ على الجيش المصري ليُسَهِّل الصدام العسكري على العثمانيِّين[2][3]. كان السوريُّون غاضبين من الحكم المصري لكونه رفع قدر الضرائب المفروضة عليهم لتنفيذ المشاريع المدنيَّة والحربيَّة في الإقليم[4][5]، وكذلك بسبب مسألة التجنيد الإجباري في الجيش[6]، لهذا كان من السهل إثارة الناس عبر آليَّات المخابرات المعروفة.


في ربيع 1839م حرَّك السلطان محمود الثاني جيشه بشكلٍ صريحٍ إلى الحدود الجديدة بينه وبين محمد علي باشا[7]، وأمر الوالي المصري ابنه بعدم البدء بالقتال، والحرص على عدم الظهور بمظهر المعتدي[8]. لم يكترث الجيش العثماني بالبحث عن سببٍ قانونيٍّ لمخالفة اتفاق كوتاهية السابق (1833م) مع محمد علي باشا على أساس أن الوالي المصري هو الذي بدأ سابقًا بالتعدِّي دون اعتبارٍ لتبعيَّته للسلطان. اقتحم حافظ باشا بجيشه الأرض التابعة للمصريين، فتقدَّم إبراهيم باشا بجيشه؛ ليلتقي الجيشان في 24 يونيو 1839م عند مدينة نصيبين[9] على بعد مائة كيلو متر شمال شرق حلب (تُعْرَف المدينة -أيضًا- بنزيب[10] Nizip، وهي في تركيا الآن).


كان هذان الجيشان هما أفضل جيوش المسلمين في هذه الحقبة! الجيش المصري كان متطوِّرًا للغاية، والجيش العثماني كان قد طُوِّر على قدر الإمكان في السنوات الأخيرة. كان الجيشان متقاربَيْن في العدد تقريبًا (أربعون ألف مصري في مواجهة ثمانية وثلاثين ألف عثماني)، ولكن الجيش المصري كان أفضل من ناحية المهارة والتسليح[11].


لم يكن ينبغي قط لهذين الجيشين أن يصطدما سويًّا، خاصَّةً مع إدراك الجميع أن الخاسر الرئيس في هذه المعركة -أيًّا كانت نتيجتها- هم المسلمون، وأن المعركة ستصبُّ في كلِّ الأحوال في مصلحة القوى الأوروبِّيَّة وروسيا، لكن قدَّر اللهُ وما شاء فعل! أنا أُقَدِّر مشاعر السلطان المقهور محمود الثاني، لكني أراه تسرَّع في قرار الحرب؛ فحالة الدولة والجيش لا تتحمَّل صدامًا جديدًا، وليس من الحكمة فتح الأبواب للأوروبيين للتدخُّل من جديد في بلاد المسلمين، وحتمًا سيتدخلون! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ[12] فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا»[13].


كانت معركة يومٍ واحد! انتصر الجيش المصري انتصارًا ساحقًا في المعركة يفوق انتصاراته السابقة كلها! كاد الجيش العثماني يفنى في أرض القتال، وأُسِر خمسة عشر ألف جنديٍّ منهم[14]! غنم المصريون من مدافع الجيش العثماني مائةً وستَّةً وستِّين مدفعًا، كما غنم عشرين ألف بندقيَّة[15]، وصار الطريق من جديد إلى إسطنبول مفتوحًا. أكثر من هذا توجَّه الأسطول العثماني بكامله -مع أنه لم يكن مشاركًا في القتال- إلى الإسكندرية ليضع نفسه -مختارًا- تحت رهن إشارة محمد علي باشا[16][17]!!


هذه المشاهدات لا تعني إلا معنًى واحدًا لا ثاني له: هذا سقوطٌ كاملٌ للدولة العثمانية، وتحويل دفَّة قيادة الأمَّة المسلمة من السلطان محمود الثاني العثماني إلى محمد علي باشا! لم يلفت هذا المشهد أنظار المعاصرين، ولم يلفت أنظار كثيرٍ من المؤرِّخين، الذين مرُّوا على الحدث بشكلٍ عابر، وهم يتأسَّفون على ما حدث للدولة الجريحة؛ الدولة العثمانية، وللسلطان المكلوم محمود الثاني، لكن هذا الحدث لفت نظر الأوروبيين، وخاصَّةً الإنجليز! إنهم لا يسمحون بضخِّ دماءٍ جديدةٍ في عروق المسلمين! لا ينبغي لقائدٍ مسلمٍ أن يتقوَّى إلى الدرجة التي تُمكِّنه من جمع المسلمين تحت رايةٍ واحدة، ولا يمكن أن تسمح القوى الأوروبِّيَّة بتكرار تجربة الدولة العثمانية الكبيرة التي أرهبت أوروبا عدَّة قرون، ولا يمكن أن يتركوا القاهرة تحلُّ محلَّ إسطنبول بهذه السهولة! لكلِّ هذا فزعت أوروبا، وحرَّكت دبلوماسيِّيها، وجنودها، ومدافعها، ولم تترك الأمور للاحتمالات، وصار هذا الحدث هو الشغل الشاغل لبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وبروسيا، والنمسا، مع أن الصدام داخلي بين المسلمين! قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: 64]!


ماذا فعل السلطان محمود الثاني بعد هذه الهزيمة القاسية؟!


الواقع أن اللهَ رحمه من سماع أخبار هذه الكارثة العسكريَّة والسياسيَّة؛ إذ وافته المنيَّة في أوَّل يوليو 1839م، بعد المعركة بأسبوعٍ واحد، عن عمرٍ قارب أربعًا وخمسين سنة[18]، ولم يكن الخبر قد وصل إسطنبول بعد[19]!
كانت مشكلة كبيرة أن يموت القائد المخضرم في هذه الظروف، خاصَّةً أن وليَّ العهد -ابنه الأمير عبد المجيد- كان يبلغ من العمر ستَّة عشر عامًا فقط! إن هذا الشاب الصغير سيواجه واحدةً من أعتى مشكلات الدولة العثمانية في كلِّ تاريخها!
تعليقٍ ختاميٍّ على فترة حكم السلطان محمود الثاني.


من أصعب الأمور حقًّا أن تسعى لتقييم شخصيَّةٍ «مُصْلِحَة» في زمن انهيار! أوَّلًا ستكون أركان الدولة متصدِّعةً بشكلٍ لا تتحقَّق معه أيُّ نتيجةٍ إيجابيَّةٍ مهما كان الإصلاح عبقريًّا! ثانيًا ستكون الأمور في غاية الإبهام بالنسبة إلى المـُصْلِح لاتِّساع الخرق على الراقع، وبالتالي في ظلِّ الفتن الكثيرة التي تجتاح الدولة لن تكون الرؤية واضحةً له أبدًا. ثالثًا تختلف طرق التحليل للأحداث؛ فالسياسة الشرعيَّة تختلف عن السياسة التي يمارسها الناس في أمورٍ كثيرة، والتحليل الواقعي يختلف عن التحليل المثالي، والتحليل بقواعد زماننا المعاصر يختلف عن التحليل الذي كان يمارسه السياسيُّون في هذه الحقبة. رابعًا وأخيرًا لا تتوفَّر لدينا كلُّ المعلومات التي بسببها أخذ السلطان قرارًا ما، خاصَّةً في هذا الزمن المليء بالمكائد والمؤامرات، فيسعى حينئذٍ كلُّ طرفٍ إلى إخفاء أكبر قدرٍ من الحقيقة.


ومع ذلك يمكن القول إن السلطان محمودًا الثاني كان مجتهدًا تمام الاجتهاد في إنقاذ دولته. تعرَّضت الدولة في زمانه لخسائر عسكريَّة كثيرة، بعضها كان مهينًا، لكن هذا لم يكن في معظم الأحوال نتيجة خطأ منه؛ إنما لضعف الجيش والدولة بشكلٍ عام، وهذا نتيجة أخطاءٍ متراكمةٍ منذ أكثر من قرنين. اهتزَّ اقتصاد الدولة كذلك نتيجة هذه الخسائر، وفقدت الدولة هيبتها، واستجدت المساعدة من أعدائها. على الرغم من ذلك سعى السلطان محمود الثاني بصبرٍ وإصرارٍ إلى رسم خريطةٍ صالحةٍ للدولة، يمكن للسلاطين القادمين بعد ذلك أن يسترشدوا بها للخروج من الأزمة إذا تغيَّرت الظروف.


انتقد بعضهم سعيه بناء دولته على النظم الأوروبية، وعدَّ بعضهم هذا مسخًا لعقيدة الولاء والبراء! ولكن هذا في الواقع ظلمٌ للسلطان المصلح الذي كان يجتهد في الجمع بين قواعد الشريعة الإسلاميَّة وبين ما وصلت إليه أوروبا من تفوُّقٍ في علوم الحرب، والسياسة، والإدارة، والاقتصاد، وغير ذلك، ولا يمنع هذا أن يكون قد وقع في بعض الأخطاء، أو اختار خلاف الأولى، أو كانت له موازناتٌ لا نطَّلع عليها، لكن كل هذا لا يحرمه من «أجر» الاجتهاد حتى لو أخطأ. قال رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[20]. ولا ننسى أن علماء الدولة العثمانية أحنافٌ بشكلٍ حصري، وهؤلاء ينتمون جميعًا لمدرسة «الرأي»، ويعتمدون كثيرًا على القياس، وبالتالي قد يختارون رأيًا شرعيًّا في مسألة، ويُخالفهم في ذلك كثيرٌ من العلماء الآخرين المنتمين إلى مدرسة «الحديث».


عمومًا، على الرغم من كلِّ شيء، وعلى الرغم من النتائج القاسية، وعلى الرغم من الموت والبلاد بهذه الحالة، سيظلُّ محمود الثاني واحدًا من أعظم السلاطين العثمانيِّين حرصًا على مصلحة الدولة، ومن أكثرهم جديَّةً في العمل، ومن أشدِّهم إصرارًا على الكفاح على الرغم من كلِّ المعوقات. لا أحسب أنه رأى يومًا واحدًا سعيدًا في حياته، فأسأل الله أن يغفر ذنوبه، ويُسْعِد آخرته[21].




[1] بازيلي، قسطنطين ميخالوفيتش: سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي من الناحيتين السياسية والتاريخية، مراجعة: منذر جابر، ترجمة: يسر جابر، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1988م. الصفحات 213، 214.
[2] جوان، إدوارد: مصر في القرن التاسع عشر، تعريب: محمد مسعود، القاهرة، الطبعة الأولى، 1340هـ=1921م. صفحة 789.
[3] دولينا، نينل الكسندروفنا: الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، ترجمة: أنور محمد إبراهيم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999م. صفحة 91.
[4] 248. مشاقة، مخائيل: مشهد العيان بحوادث سوريا ولبنان، منشئه: ملحم خليل عبدو، أندراوس حنا شماشيري، مصر، 1908م. صفحة 111.
[5] لوتسكي: تاريخ الأقطار العربية الحديث، ترجمة: عفيفة البستاني، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الثامنة، 1985م. الصفحات 134، 135.
[6] أوبنهايم، ماكس فرايهير فون؛ وكاسكل، ورنر؛ وبرونيلش، آرش: البدو، تحقيق وتقديم: ماجد شبر، ترجمة: محمود كبيبو، شركة دار الوراق للنشر المحدودة، لندن، الطبعة الثانية، 2007م. صفحة 1/420.
[7] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م. صفحة 453.
[8] مبارك، علي: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008م. 1/190، 191.
[9] قاسم، محمد؛ وحسني، حسين: تاريخ القرن التاسع عشر في أوروبا منذ عهد الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العظمى، مطبعة دار الكتب المصرية-لجنة التأليف والنشر، القاهرة، الطبعة السادسة، 1348هـ=1929م. صفحة 190.
[10]بكديللي، كمال: الدولة العثمانية من معاهدة قينارجه الصغرى حتى الانهيار، ضمن كتاب: إحسان أوغلي، أكمل الدين: الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، ترجمة: صالح سعداوي، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، إستانبول، 1999م. صفحة 1/101.
[11] الرافعي، عبد الرحمن: عصر محمد علي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة السادسة، 2001م. 274، 275.
[12] بالسَّنَة؛ أي: بالقَحْط العامِّ.
[13] مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (2890)، عن سعد بن أبي وقاص t، وابن ماجه (3951)، وأحمد (1516)، وابن حبان (7237)، والحاكم (8579).
[14] الرافعي، 2001 الصفحات 277-281.
[15] فريد، 1981 صفحة 453.
[16] قاسم، وحسني، 1929 صفحة 190.
[17] بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1968م. صفحة 560.
[18] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، صفحة 2/23.
[19] إبراهيم أفندي: مصباح الساري ونزهة القاري، بيروت، الطبعة الأولى، 1272هـ=1856م. صفحة 279.
[20] البخاري: كتاب الاعتصام بالله، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (6919)، عن عمرو بن العاص t، ومسلم: كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (15).
[21]دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 1059- 1063.