كان مراد الثاني Murad II هو الحاكم السادس للدولة العثمانيَّة، وهو من الحكَّام المتميِّزين الذين ساعدوا في استقرار وضع الدولة العثمانيَّة بعد كارثة أنقرة، ودور الفترة، وبذلك كان مكمِّلًا لدور أبيه في إعادة بناء الدولة العثمانيَّة. ومع أنه كان عند توليه الحكم يبلغ سبعة عشر عامًا فقط إلا إنه كان قائدًا حكيمًا موهوبًا، وكان؛ كما وصفه المؤرِّخ الأميركي ول ديورانت بقوله: «كان قائدًا كأحسن ما يكون القادة»[1]. أمَّا القرماني فقد قال عنه: «كان ملكًا، عالمـًا، عاقلًا، شجاعًا، وكان يُبدي العناية بالعلم والعلماء»[2].


لم تكن التحدِّيَّات التي واجهت هذا السلطان الشاب عند استلامه للحكم بعد وفاة أبيه المفاجئة سهلة؛ إنما كانت في الواقع بالغة التعقيد، وكان صغر سنِّه دافعًا لأطماع أعداء الدولة أن تتزايد، فبرز من هؤلاء الأعداء الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني، وبرز كذلك الأمراء الأتراك في الأناضول، كما برز بوضوح عدَّة قادة أوروبيين؛ في المجر، والإفلاق، والبوسنة، واليونان، وصربيا، وألبانيا، والبندقية، ويبدو أن فترة السلام النسبي التي عاشتها هذه الدول في أثناء فترة حكم محمد الأول كانت سببًا في إعطائهم الفرصة لتقوية جيوشهم، وتنمية أطماعهم في التخلُّص من كابوس الدولة العثمانية.


حَكَم مراد الثاني الدولة العثمانيَّة ثلاثين سنة، من عام 1421م إلى 1451م، ويُمكن لنا -لسهولة فهم هذه الفترة الطويلة- أن نقوم بتقسيمها إلى أربع مراحل، تتميَّز كلُّ مرحلةٍ منها بصفاتٍ خاصَّة:


المرحلة الأولى: سبع سنوات من سنة 1421م إلى سنة 1428م، وكانت معنيَّةً بتثبيت الأقدام، واستقرار الأمور، وتقليص أطماع الأعداء في الدولة.


المرحلة الثانية: أحد عشر عامًا بدايةً من عام 1428م حتى عام 1439م، وفيها ستبدأ الدولة في التوسُّع واستعادة أملاكها المفقودة.


المرحلة الثالثة: مرحلة صعبة وخطرة، وتمتدُّ لخمس سنوات؛ من 1439م إلى 1444م، وفيها ستتعرَّض الدولة لبعض الأزمات السياسيَّة والعسكريَّة، التي ستُمثِّل تهديدًا حقيقيًّا لاستقرارها.


المرحلة الرابعة والأخيرة: سبع سنوات من عام 1444م إلى 1451م، وفيها ستعود الأمور إلى الاستقرار، ويستعيد السلطان بعضًا ممَّا فقدته الدولة في المرحلة السابقة.


المرحلة الأولى: مرحلة تثبيت الأقدام: (1421- 1428م)
يمكن الحديث عن هذه المرحلة تحت أربعة عناوين رئيسة:


أولًا: الدولة البيزنطية: كان السلطان مراد الثاني راغبًا في الاطمئنان على الوضع الداخلي في الدولة، خاصَّةً في الأناضول؛ لذلك سعى إلى تجديد الصلح الذي قام به أبوه قبل ذلك مع الإمبراطور البيزنطي؛ ولكن الإمبراطور أراد استغلال الظرف الصعب الذي تمرُّ به الدولة العثمانية، فقرَّر الضغط على السلطان الشاب بطلب تسليم اثنين من إخوته رهينة لديه لضمان تنفيذ الصلح، وإلا سيُطْلِق عمَّ السلطان، وهو الأمير مصطفى بن بايزيد الأول[3]، والمأسور في الدولة البيزنطية منذ عام 1416م، وقد وجد السلطان مراد الثاني في طلب الإمبراطور إهانةً له وللدولة فرفضه، ومِنْ ثَمَّ أطلق الإمبراطور الأميرَ مصطفى، ودعمه بالسلاح، وسرعان ما بدأ هذا العمُّ في تجميع الأنصار، وحقَّق بعض الانتصارات، وهزم جيشًا عثمانيًّا كان بقيادة الوزير الأول في الدولة، فاضطرَّ السلطان مراد الثاني إلى أن يواجهه شخصيًّا بحملةٍ كبيرةٍ كان النصر حليفه فيها، وقُبِض على المتمرِّد مصطفى ثم أُعدِم؛ وذلك في عام 1422م[4].


لم يكتفِ السلطان مراد الثاني بما حقَّقه من نجاحٍ في وأد الفتنة التي أشعلها إمبراطور بيزنطة، إنما أراد أن يستغلَّ هذا النجاح في تقليص خطر الدولة البيزنطية إلى أكبر درجةٍ ممكنة، فحاصر مدينة القسطنطينية في عام 1422، وقذفها بالمدافع الناريَّة[5]. يُحْتَمل أن تكون هذه هي المرَّة الأولى التي يستخدم فيها الجيش العثماني هذه المدافع. -أيضًا- حاصر السلطان مدينة سالونيك المهمَّة في عام 1423م[6]. كانت النتيجة أن أذعن الإمبراطور للسلطان، وطلب الصلح على أن يدفع جزيةً سنويَّةً إلى الدولة العثمانية قيمتها ثلاثمائة ألف أقجة فضية، وكانت هذه المعاهدة في 1424م[7]. مات الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني في 21 يوليو 1425، وخلفه ابنه الإمبراطور چون الثامن John VIII على الحكم[8]. لم يحدث تغيير سياسي في ظلِّ الولاية الجديدة لچون الثامن، ومِنْ ثَمَّ ساد الهدوء على الجبهة البيزنطية لمدَّة خمس عشرة سنةً كاملة!


ثانيًا: الإمارات التركية في الأناضول: كانت هذه الإمارات تابعةً للدولة العثمانية أيام بايزيد الأول؛ ولكن خلال موقعة أنقرة انضمت أثناء القتال إلى تيمور لنك فحدثت الكارثة العسكريَّة المشئومة، ومن يومها وهم مستقلون، ولقد اكتفوا أيام محمد الأول بالتوازن مع الدولة العثمانية، أمَّا الآن، وفي وجود السلطان صغير السنِّ فقد زادت الطموحات، ورغبوا في التوسُّع على حساب العثمانيين. كانت البداية في إمارة قرمان، المنافس التقليدي للعثمانيِّين، وقامت ثورةٌ ضدَّ الدولة العثمانية؛ لكنها انتهت بمقتل أمير قرمان محمد بك الثاني[9].


لتهدئة الأوضاع في قرمان -وهي أخطر الولايات في الأناضول- دَعَم السلطانُ إبراهيم بك بن القتيل محمد الثاني في الوصول إلى حكم الإمارة في عام 1424م؛ وذلك بعد حربٍ داخليَّةٍ فيها، على أن يكون تابعًا له[10]. لضمان هذه التبعيَّة زوَّج السلطان أخته لإبراهيم بك؛ بل زوَّج أختين كذلك لابنين آخرين من أبناء محمد الثاني، ثم أرسلهما ليكونا قادة بعض المناطق في الروملي (أوروبا)[11]، وقد آثر أن يُفَرِّق أولاد أمير قرمان في أماكن مختلفة في الدولة حتى لا تتجمع لهم قوَّةٌ في قرمان يمكن أن تُحْدِث خطرًا مستقبليًّا. كان هذا نجاحًا كبيرًا للسلطان الجديد، وكان لا بُدَّ له أن يستثمر هذا الحدث في تثبيت قدمه في الأناضول. التفت السلطان فورًا إلى إمارة چاندار (قسطموني)، التي دعمت الثورة ضدَّ الدولة، وقد رضخ أميرها بسرعةٍ لضغط السلطان، وتنازل عن نصف أراضيه له؛ بل زوَّجه من ابنته لتأكيد الولاء[12].


كان من نتيجة هذا النجاح أن رضخت كذلك إمارات منتشه، وتكة، وآيدن، ودخلت كلُّها في الدولة العثمانية عام 1425[13]. وبعد هذه الأحداث بثلاث سنوات؛ أي في سنة 1428، تُوفِّي أمير إمارة كرميان دون عقب، فأوصى بالإمارة إلى السلطان مراد الثاني، فدخلت بذلك في حدود الدولة العثمانية[14]، وبذلك يكون مراد الثاني قد استردَّ تقريبًا جميع ما فصله تيمور لنك عن الدولة العثمانية عقب موقعة أنقرة، باستثناء المناطق الشرقية الجنوبية من الأناضول، التي كانت تدين بالولاء لدولة المماليك في مصر؛ فقد آثر السلطان مراد الثاني أن يتعامل معها دبلوماسيًّا ليضمن حسن العلاقة مع الدولة المصرية، وهذا في الواقع من حسن تدبيره، وسموِّ أخلاقه.


ثالثًا: البندقية: مرَّ بنا أن السلطان مراد الثاني حاصر مدينة سالونيك عام 1423م، وكان السلطان يرى أن هذه المدينة تابعةٌ للمسلمين وليس للدولة البيزنطية؛ لأنها كانت قد ضُمَّت للعثمانيين عام 1387م، واستردَّها البيزنطيون في عام 1403م بعد كارثة أنقرة[15]. في هذه العشرين سنة حصلت سالونيك على حكمٍ ذاتيٍّ في ظلِّ الإمبراطورية البيزنطية[16]، وكان حاكمها في الفترة من 1408 إلى 1423م هو أندرونيكوس Andronikos، ابن الإمبراطور مانويل الثاني[17].


لم تكن لهذا الأمير قدرةٌ على مقاومة الحصار العثماني الذي بدأ في عام 1423م، فسلَّم مدينته للبنادقة أعداء العثمانيين، نظير مبلغ خمسين ألف دوقيَّة ذهبيَّة، ليضمن عدم ذهاب المدينة للدولة العثمانية[18]. كان هذا استفزازًا للدولة العثمانية التي تجهَّزت لحرب البنادقة، فأسرعت الجمهوريَّة بإرسال مبعوثٍ للتفاوض؛ ولكن السلطان ردَّ عليه بحسم قائلًا: «هذه المدينة جزء من الدولة العثمانية منذ عهد جدِّي بايزيد الذي فتحها من أيدي البيزنطيين، فما لكم أنتم أيها الإيطاليون اللاتين بهذه المناطق من بلادنا؟»[19]. أدَّى فشل المفاوضات إلى حربٍ بين العثمانيين والبنادقة؛ ولكنها لم تكن حربًا على نطاقٍ واسع؛ إنما أخذت شكل المناوشات العسكريَّة؛ سواء حول سالونيك التي يحاصرها العثمانيون منذ 1423م، أم في بحر إيجة في عدَّة نقاطٍ حربيَّةٍ أخرى[20].


تخلَّل هذه الحرب اتفاقات سلمية قَبِل فيها البنادقة بدفع جزية إلى الدولة العثمانية في مقابل حكم سالونيك؛ ولكن سرعان ما كانت تنهار هذه الاتفاقات وتعود المناوشات[21]. من الجدير بالذكر أنه أثناء هذا الصراع البندقي العثماني كان كثيرٌ من سكان سالونيك اليونانيين يُفَضِّلون التسليم للعثمانيِّين على البقاء تحت حكم اللاتين البنادقة؛ بل كان بعضهم يهرب من المدينة بالفعل إلى جانب العثمانيِّين[22]. انتهى الصراع بنصرٍ كبيرٍ للدولة العثمانية على البنادقة، ودخل السلطان مراد الثاني مدينة سالونيك فاتحًا في 29 مارس 1430م[23]، واضطرَّت البندقية إلى طلب الصلح حرصًا على مصالحها التجارية في المنطقة، فعُقدَت معاهدة جاليبولي في يوليو 1430م، وتمَّ التصديق عليها في 4 سبتمبر 1430م، وفيها أقرَّت البندقية بامتلاك الدولة العثمانية لسالونيك[24].


رابعًا: المجر: عقد السلطان مراد الثاني فور توليه الحكم معاهدة هدنة مع دولة المجر القويَّة لمدَّة خمس سنوات[25][26]. عندما اشتعلت الصدامات بين الدولة العثمانية والبندقية أراد ملك المجر سيجيسموند اللكسمبورجي Sigismund of Luxemburg استغلال انشغال العثمانيِّين في هذه الحروب، في محاولة توسيع النفوذ المجري في صربيا، فحاصر في ربيع عام 1428م قلعة جلوباك Golubac التابعة للدولة العثمانية (في صربيا على بعد مائة كيلو متر شرق بلجراد، على نهر الدانوب) وقذفها بالمدافع.


لم تكن المدافع آنذاك متطوِّرةً بالدرجة التي يمكن أن تُدمِّر أسوار جلوباك الحصينة؛ لكنها كانت إشارةً إلى حرص المجر على الوصول إلى أعلى التقنيَّات العسكريَّة آنذاك. يُعتبر الملك سيجيسموند هو الأوَّل من ملوك المجر استخدامًا للمدافع الناريَّة، وهو أوَّل من أنشأ ترسانةً عسكريَّةً في العاصمة بودا[27]. يُذْكَر أن الدولة العثمانية أدخلت المدافع النارية قبل المجر بسنوات؛ حيث وردت بعض التقارير تفيد أنه من المحتمل أن العثمانيِّين استخدموا المدافع في معركة كوسوع¤و الأولى عام 1389م، وفي معركة نيكوبوليس عام 1396م[28]، غير أنه من المؤكَّد أن مرادًا الثاني استعملها في حصار القسطنطينية عام 1422م كما مرَّ بنا.


صمدت الحامية العثمانية في جلوباك، وأرسل إليها السلطان مراد الثاني فرقةً تمكنت من رفع الحصار عن القلعة، ثم أتى بنفسه، وحقَّق النصر الحاسم على الجيش المجري عند مدينة ع¤يدين Vidin البلغارية[29]. كان من نتيجة المعركتين؛ جلوباك وع¤يدين، أن طلبت المجر الهدنة من جديد مع العثمانيِّين، فوُقِّعَت لمدَّة ثلاث سنوات[30]. كانت للمعركة نتائج كبرى أخرى؛ إذ كانت الدولة العثمانية والمجر متصارعتين دومًا على صربيا، وكلٌّ منهما يسعى لجعلها تابعةً له؛ ولكن بعد هذا الانتصار الأخير أعلن چورچ برانكوع¤يتش George Brankovic أمير صربيا ولاءه الصريح للدولة العثمانية، وقَبِل بدفع جزيةٍ سنويَّةٍ قدرها خمسون ألف دوكا ذهبية، وتنازل للعثمانيين عن مدينة كروشيع¤اتس Kruإ،evac المهمَّة لتكون قاعدةً عسكريَّةً لهم، وقطع علاقاته الدبلوماسيَّة مع المجر، وفوق ذلك زوَّج ابنته مارا Mara من السلطان مراد الثاني[31]! وبذلك تكون الدولة العثمانية قد وضعت قدمًا راسخة في جنوب صربيا، وهو ما سيُؤثِّر إيجابيًّا لصالحها في السنوات القادمة.


هذه هي المرحلة الأولى في فترة حكم السلطان مراد الثاني، وقد كانت مفاجِئةً للجميع؛ حيث تحقَّق فيها من النجاح أضعاف ما كان يتوقَّعه أشدُّ المتفائلين؛ إذ استقرَّت الأوضاع في الأناضول، وانضوت تحت جناح الدولة العثمانيَّة معظم الإمارات التركيَّة، وتحقَّق النصر في أكثر من معركةٍ على قوى عالميَّةٍ مهمَّة مثل المجر، والبندقية، والدولة البيزنطية، وأقرَّت صربيا بالتبعيَّة للدولة العثمانية، وصار الطريق مفتوحًا لإنجازاتٍ أخرى على الساحة الأوروبية، والأهم من كلِّ شيءٍ هو عودة الهيبة للدولة؛ فقد صار لها من الرصيد في قلوب الأوروبيين ما كان لها في أيَّام بايزيد الأول.


المرحلة الثانية: مرحلة الاستقرار والتوسُّع النسبي: (1428-1439م)
أدرك الجميع أن الدولة العثمانية صارت ثابتةً ومستقرَّةً بعد ولاية السلطان مراد الثاني؛ لذلك فبداية من عام 1428م والأحداث هادئة إلى حدٍّ كبيرٍ في الأناضول والروملي، ولا يمنع ذلك من حدوث بعض الاحتكاكات العسكريَّة هنا أو هناك، فمنها ما مرَّ بنا قبل ذلك في الصدام الذي حدث مع البندقية في سالونيك عام 1430م، وتبعه عقد معاهدةٍ سلميَّةٍ في السنة نفسها، وهي المعاهدة التي حافظت على الهدوء على جبهة البندقية لمدَّة ثلاث عشرة سنةً كاملة. أمَّا بالنسبة إلى المجر فهي لم تكن راضيةً عن التقدُّم الذي حقَّقته الدولة العثمانية في البلقان، ولم تكن قانعةً بمعاهدة الهدنة التي تمَّت بين الفريقين؛ لذلك فقد كان سعيها حثيثًا لإيجاد الفرص للتمدُّد في الأقطار البلقانيَّة، وأهمها صربيا، والبوسنة، وألبانيا، والإفلاق، ولقد نتج عن هذه التحرُّشات عدَّة صداماتٍ عسكريَّةٍ في هذه الفترة، وكانت في مجملها لصالح الدولة العثمانية، ويمكن أن نرصد بعض النتائج لهذه الصدامات على النحو التالي:


أولًا: في الجانب الروماني، ونتيجة الأطماع المجريَّة في إقليم الإفلاق، اضطرَّ مراد الثاني إلى الردِّ على تعديات المجر في هذه المنطقة بغزو الإفلاق؛ بل تجاوزها عام 1432م إلى ترانسلع¤انيا Transylvania شمال رومانيا، ومرَّةً أخرى عام 1437م، وفي هذه المرَّة الأخيرة بقي السلطان مراد الثاني بنفسه في ترانسلع¤انيا مدَّة خمسة وأربعين يومًا[32]، وهذا تحدٍّ كبيرٍ للمجر؛ حيث كان قريبًا منها وبعيدًا عن عاصمته إدرنة. تزامن مع هذا الغزو الأخير موت سيجيسموند ملك المجر (9 ديسمبر 1437م)، وهذا أدَّى إلى ضعف المجر نسبيًّا، ممَّا دفع أمير الإفلاق آنذاك، وهو ع¤لاد دراكول Vlad Dracul، الذي كان مواليًا للمجر، إلى قبول التبعيَّة للدولة العثمانية، ودفع الجزية السنوية إليها[33].


ثانيًا: اكتسح الجيش العثماني ألبانيا في 1431م وثبت أقدامه هناك، وضمَّ مدينة يانيا Ioannina[34]، وبذلك عادت ألبانيا إلى التبعيَّة العثمانية كسابق عهدها أيام بايزيد الأول.


ثالثًا: تكرَّرت المحاولات المجريَّة لوضع قدمٍ في البلقان، وكانت هذه المرَّة في البوسنة، وكانت النتيجة حدوث صراعاتٍ أهليَّةٍ في البوسنة بين ملكها تع¤رتكو الثاني Tvrtko II، ومنافسه راديع¤وي Radivoj، بدايةً من عام 1430م، وقد استعان الأول بالمجر، والثاني بالدولة العثمانية؛ ومع ذلك، وبعد تقلبات سياسيَّة كثيرة، غيَّر الفريقان البوسنيَّان ولاءهما، وصار تع¤رتكو الثاني مواليًا للعثمانيِّين في عام 1436م، الذين ثبَّتوه مَلِكًا على البوسنة، ومِنْ ثَمَّ قَبِل بالتبعيَّة الكاملة، ودفع الجزية السنويَّة إلى الدولة العثمانيَّة[35][36].


على الرغم من هذه الانتصارات العسكرية فإنَّ التوسعات العثمانية لم تكن كبيرة في عهد السلطان مراد الثاني؛ وذلك أنه لم يكن حريصًا -على الرغم من تفوُّقه العسكري- على توسيع رقعة الدولة، ولم يكن حريصًا على تحيُّن الفرص للصدام مع الأعداء، والسِّرُّ في ذلك يرجع إلى أمرين:


أمَّا الأول فهو أنه كان بطبيعته يُؤْثِر السلم على الحرب؛ ومع أنه حارب في معارك شتى في حياته، إلا أنه لم يسعَ إلى القتال في أيٍّ من معاركه، إنما فُرِض عليه الصدام فرضًا، حتى عندما كان يُهاجم فإن ذلك يكون من منطلق الدفاع، فالهجوم في رؤيته خير وسيلةٍ للدفاع؛ ولكنه لم يكن يفعل ذلك إلا مع مَنْ هاجموه مرارًا قبل ذلك. ولقد شهد بسلميَّته هذه المؤرِّخون البيزنطيون النصارى الذين عاصروه؛ ومع أنهم ينتمون إلى دولةٍ معاديةٍ لمراد الثاني إلا أنهم شهدوا له شهاداتٍ عجيبة! يقول المؤرِّخ البيزنطي لاونيكوس تشالكوكونديليس Laonikos Chalkokondyles، الذي كان يعيش في أثينا في زمان مراد الثاني: «كان مراد الثاني رجلًا يُحبُّ العدل والقانون، وكان موفَّقًا تَسِيرُ الأمورُ إلى جانبه. كان يُقاتل للدفاع فقط، ولم يبدأ أيَّ أعمالٍ عدائيَّة، لكنَّه كان يُقاتل فورًا مَنْ قاتله. إذا لم يَتَحَدَّه أحدٌ للحرب فإنَّه لا يكون متحمِّسًا أبدًا للحملة العسكريَّة؛ ومع ذلك فهو لم يكن يخشى الحرب إذا حدثت. إذا قرَّر القتال فإنَّه يستطيع أن يفعل ذلك في الشتاء، وفي أسوأ الأحوال، ولا يهتمُّ حينئذٍ بالتعب أو المخاطر»[37]. ويقول المؤرِّخ البيزنطي دوكاس Doukas، الذي كان يعمل لدى حكومة چنوة الإيطاليَّة، التي أرسلته أكثر من مرَّة في مباحثاتٍ دبلوماسيَّةٍ مع البلاط العثماني[38]؛ وذلك في عهد مراد الثاني: «أعتقد أنَّ اللهَ عاملَ الرجل بحسب الأعمال الصالحة التي قام بها من أجل مصلحة الشعب، وبحسب الشفقة التي أبداها للمعوزين، ليس فقط لأولئك المحتاجين من أمَّته وأبناء عقيدته؛ ولكن للنصارى كذلك. المعاهدات التي عقدها وأقسم عليها بالأيمان المقدَّسة كان لا ينقضها أبدًا حتى النهاية. لو أنَّ بعض النصارى انتهكوا المعاهدات ونقضوا الأَيْمَان فإنَّهم كانوا لا يفلتون من عقاب الله. لقد كانوا يُعَاقَبون بعدالةٍ من المنتقم. لم يكن غضب مراد الثاني مُفْرِطًا. بعد النصر لم يكن يشرع في مطاردةٍ حاميةٍ للجيش الهارب؛ بل أكثر من ذلك لم يكن متعطِّشًا للتدمير الكامل للأمم المهزومة؛ ولكن بمجرَّد أن تتقدَّم الأمَّة المغلوبة بطلب السلام فإنَّه يقبل عرضها بشغف، ويُعيد سفراءهم في سلام. لقد كان بحقٍّ يزدري الحرب، ويُحبُّ السلام، ولهذا فقد منحه الله موتًا سِلْمِيًّا بدلًا من أن يموت بالسيف»[39]!


وأمَّا السبب الثاني في قلَّة فتوحات مراد الثاني بالقياس إلى أسلافه من السلاطين هو أنه كان شخصيَّةً متكاملةً تهتمُّ بكلِّ جوانب الدولة، ولقد حاول أن يُحقِّق التوازن في شكل دولته، فلا تكون دولةً جهاديةً فقط تعتمد على الحرب في وجودها؛ إنما أراد أن يستكمل بقيَّة الأوجه الحضاريَّة للدولة الجيِّدة، فكان يُفرِّغ من وقته وجهده ما يدعم استكمال النهوض بالمجالات الاقتصادية، والعلمية، والاجتماعية، والعمرانية، وغير ذلك من مجالات، ولقد كان السلطان مراد الثاني على سبيل المثال من أكابر المهتمِّين بالإعمار؛ فالجوامع والكليات الموجودة في بورصا وإدرنة من إنجازاته، وكذلك دار الحديث التي أسَّسها في عام 1435م، و-أيضًا- الجامع ذو الشرفات الثلاثة وكلِّيَّاته، وقد تأسَّست عام 1447م، وجسر أوزون (Uzunkأ¶prü أي الجسر الطويل باللغة التركية) على نهر أركنه Ergene River الذي استغرق تشييده ستَّة عشر عامًا، وافتُتح في عام 1443م[40]. لهذا يقول المؤرِّخ الأميركي چاستين مكارثي Justin McCarthy: «يُمكن اعتبار مراد الثاني رجل سلامٍ دُفِعَ إلى الحروب. على المستوى الشخصي كان اهتمامه الأكبر بالإصلاحات الداخليَّة وبلاط الحكم، وتحت قيادته بدأ البلاط العثماني يُشبه البلاطات العظيمة لحكَّام الشرق الأوسط السابقين، وزادت إدرنة بشكلٍ كبيرٍ في الحجم والقوَّة الاقتصاديَّة، وأخذت المدينة شكل العاصمة الإسلاميَّة على الرغم من النسبة العالية للسكَّان النصارى. بنى مراد الثاني مدارس عظيمة ومبانيَ إسلاميَّة أخرى متميِّزة. كان مراد الثاني مهتمًّا بالبنية التحتيَّة الاقتصاديَّة للدولة»[41]. من الواضح إذن أن السلطان العظيم كان يُفَضِّل أن يُوَجِّه طاقاته إلى بناء الدولة واستقرارها؛ بل كان يبذل جهده الأعظم في بناء الإنسان، وهذا عاد على الدولة العثمانية بأفضل الآثار.


لم تشهد هذه المرحلة الثانية من حياة السلطان مراد الثاني أحداثًا مؤسفةً اللهم أمرين، وكلاهما كان في عام 1437م؛ أمَّا الأول فهو تمرُّد إبراهيم بك والي قرمان، وزوج أخت مراد الثاني، وقد واجه السلطان هذا التمرُّد بقوَّةٍ وقَمَعَه؛ ومع ذلك أبقى إبراهيم بك في منصبه! وأمَّا الحدث الثاني فكان وفاة الأمير أحمد وليِّ العهد، وابن السلطان مراد، عن عمرٍ يقلُّ عن ثمانية عشر عامًا، وكانت صدمةً كبيرةً للسلطان وللدولة، وصار الابن الأوسط علاء الدين وليًّا للعهد وهو في الثانية عشرة من عمره[42].


المرحلة الثالثة: مرحلة الاضطراب (1439-1444م)
مع أن بداية هذه المرحلة كانت انتصارًا كبيرًا للعثمانيين على الجيوش الأوروبية إلا أن تداعيات هذا النصر كانت وخيمةً على الدولة العثمانية؛ وذلك لتزامن عدة أحداث مع بعضها البعض أدَّت إلى هذا التطوُّر. تبدأ القصة بخيانة أمير صربيا چورچ برانكوع¤يتش لعهده مع السلطان مراد الثاني مستغلًّا انهماك السلطان في قمع التمرُّد القرماني الذي أشرنا إليه آنفًا، فتعدَّى الأمير الصربي على الأراضي العثمانية، وتواصل مع المجريين لأجل دعمه، متجاهلًا معاهدته مع السلطان العثماني، والتي دعمها قبل ذلك عن طريق تزويج ابنته مارا من السلطان! كان ردُّ السلطان حاسمًا على هذه الخيانة، فقام بحملةٍ عسكريَّةٍ كبرى على بلاد الصرب، وضرب الحصار على مدينة سمندرية Smederevo في يونيو 1439م، وهذه من أهمِّ المدن في صربيا بعد بلجراد، ثم أسقطها في أغسطس من السنة نفسها، ممَّا دعا برانكوع¤يتش إلى الهروب إلى المجر لطلب المساعدة[43]. تبع هذا التفوُّق موتٌ فجائيٌّ لملك المجر ألبرت King Albert في أكتوبر 1439م، وقيام حربٍ أهليَّةٍ في المجر للتَّصارع على الحكم[44]، واستغلَّ مراد الثاني هذه الأحداث ليُحاصر بلجراد في أبريل عام 1440م[45]، وبلجراد عاصمة الصرب هي مدخل وسط أوروبَّا، وبوابة الدخول إلى العالم الكاثوليكي، ولهذا فقد سبَّب حصارها حركةً نشيطةً في الأوساط الأوروبِّيَّة، وبالتالي تداعياتٍ كبرى على الدولة العثمانيَّة؛ ومع أنَّ الأحداث التي ذكرناها في عام 1439م وبدايات 1440م كانت في صالح العثمانيِّين إلَّا أنَّ التطوُّر السياسي والعسكري في السنوات الأربع التالية -أي من سنة 1440م إلى سنة 1444م- كان في صالح الأوروبيين؛ وذلك نتيجة تزامن بعض الأمور، ومنها ما يلي:


أوَّلًا: على عكس ما كان متوقَّعًا من حدوث أزمةٍ في المجر نتيجة الصراع على كرسي الحكم بعد وفاة الملك ألبرت، دعا مجلس الشيوخ في المجر ملكَ بولندا ع¤لاديسلاع¤ الثالث Vladislav III لحكم المجر وكرواتيا بالإضافة إلى حكم بولندا[46]، وكان ذلك في 8 مارس 1440م[47]. كانت النتيجة تكوُّن دولةٍ كبيرةٍ تصل من الشمال الغربي للبحر الأسود إلى بحر البلطيق في الشمال، وتضمُّ عدَّة جيوشٍ قويَّةٍ في كيانٍ واحد، ولا شَكَّ أنَّ هذا لم يكن في صالح الدولة العثمانيَّة.


ثانيًا: تعرَّضت الجيوش العثمانيَّة لهزيمةٍ قاسيةٍ في عام 1440م عند أسوار بلجراد بعد حصار ستَّة أشهرٍ كاملة، وبينما لم تذكر المصادر العثمانيَّة شيئًا عن خسائر مراد الثاني في المعركة ذكرت المصادر الغربيَّة أنَّ القتلى المسلمين تجاوزوا سبعة عشر ألف مقاتل[48]، وسواءٌ صحَّ هذا الرقم أم لم يصح فإنَّ السلطان مرادًا الثاني أعلن الرحيل في أكتوبر 1440م، ولم ينجح في فتح المدينة، وكان من الواضح أنَّ الأزمة كبيرة؛ لأنَّ العثمانيِّين لم يُفكِّروا في غزو المدينة مرَّةً أخرى إلَّا بعد ست عشرة سنةً متتالية في زمن السلطان محمد الفاتح عام 1456م[49].


ثالثًا: ظهرت شخصيَّةٌ عسكريَّةٌ قويَّةٌ في المجر في ذلك الوقت، وهو العسكري القدير چون هونيادي John Hunyadi، وهو أحد أبرز العسكريِّين في تاريخ المجر، وكذلك في تاريخ رومانيا، التي كان شمالها يتبع المجر آنذاك، ويُعدُّ من الأبطال القوميِّين في هذه البلاد إلى زماننا الآن[50]، وقد أيَّد هذا العسكري الملكَ ع¤لاديسلاع¤ الثالث للتثبيت في حكم المجر وكرواتيا، ممَّا جعل الملك يُعطيه في فبراير 1441م ولاية إقليم ترانسلع¤انيا الروماني[51]، وهذا جعله مواجِهًا للحدود العثمانيَّة، ومِنْ ثَمَّ صار مسئولًا عن حرب العثمانيِّين في هذه المرحلة، وهذا سبَّب أذًى كبيرًا للجيوش العثمانيَّة.


رابعًا: لم تكن هذه هي الهزيمة الوحيدة للجيوش العثمانيَّة؛ بل تعرَّضت لعدَّة هزائم أخرى في عامي 1441م و1442م، وكانت في معظمها على يد چون هونيادي ممَّا جعل له شهرةً واسعةً في أوروبَّا كلِّها، وأثَّر سلبًا على معنويَّات العثمانيِّين[52].
خامسًا: حمَّست هذه الانتصارات البابا أوچين الرابع Eugene IV على تجميع العالم النصراني في حربٍ صليبيَّةٍ ضدَّ الدولة العثمانيَّة، فبدأ بخطوة الإصلاح بين المتخاصمين في مملكتي المجر وبولندا؛ وذلك عن طريق إرسال الكاردينال چوليانو سيزاريني Giuliano Cesarini إلى المجر لعقد الصلح بين ع¤لاديسلاع¤ الثالث والمتنافسين معه على حكم المجر[53]، كما توسَّط الكاردينال نفسه لعقد معاهدةٍ بين ع¤لاديسلاع¤ الثالث وفريدريك الثالث Frederick III إمبراطور النمسا وألمانيا لضمان تفرُّغ ع¤لاديسلاع¤ لحرب العثمانيِّين بعد أن يأمن جانب النمسا وألمانيا[54].


سادسًا: في يناير 1443م أعلن البابا أوچين الرابع حملةً صليبيَّةً على الدولة العثمانيَّة تهدف إلى إخراجها بالكلِّيَّة من البلقان، وتفاعلت المجر وبولندا تمامًا مع الحملة، وكذلك عدَّة ممالك أوروبِّيَّة أخرى[55]. هذه الحملة هي نتاج دراسةٍ كبيرةٍ للموقف من البابا الكاثوليكي، الذي كان يُفكِّر في أمر هذه الحملة منذ أربع سنوات كاملة؛ أي من أوائل عام 1439م؛ وذلك حين جاء الإمبراطور البيزنطي چون الثامن إلى إيطاليا طالبًا الدعم من الغرب الأوروبي ضدَّ العثمانيين، وعُقِد حينها مجمعٌ كنسيٌّ مهمٌّ في فلورنسا Council of Florence، وأُخِذ فيه القرار بدمج الكنيستين الأرثوذكسية البيزنطية مع الكاثوليكية في نظير تقديم الغرب للمساعدة العسكريَّة للدولة البيزنطية[56]، والآن حان الوقت للقيام بالحملة العسكرية، وتحقيق الحلم البابوي بالسيطرة على الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية معًا.


سابعًا: في هذه الأثناء -أيضًا- انقلب حاكم قرمان المسلم إبراهيم بك مرَّةً جديدةً على الدولة العثمانيَّة، وتعاون مع ملك بولندا والمجر، بغية تقسيم الدولة العثمانيَّة بينهما[57]!


بإعادة تحليل هذه النقاط مجتمعة نعلم أنَّ وضع الدولة العثمانيَّة في هذه الحقبة التاريخيَّة صار خطرًا للغاية؛ فالأمم الصليبيَّة مجتمعةٌ عليها بشكلٍ لافت، والحرب دينيَّةٌ في المقام الأوَّل، وهناك رموزٌ عسكريَّةٌ قويَّةٌ في الجانب الصليبي يُمكن أن تُحقِّق انتصاراتٍ كبرى، بالإضافة إلى اضطراب الوضع الداخلي نتيجة التعاون السافر بين إمارة قرمان والأعداء الصليبيِّين.


مع هذا الوضع المتأزِّم الذي كانت الدولة العثمانيَّة تُعاني منه تلقَّت العائلة العثمانيَّة صدمةً جديدةً كبيرةً بوفاة وليِّ العهد علاء الدين بن مراد في مارس 1443م عن عمرٍ يُناهز ثمانية عشر عامًا[58]!


كانت وفاة علاء الدين كارثةً كبيرةً أصابت مرادًا الثاني بشدَّة، فهذا هو الابن الثاني الذي يفقده، ومن جديد فَقَدَه بعد أن كان قد تدرَّب على أمور القيادة في هذه الظروف الصعبة التي تمرُّ بها الدولة، وصار بذلك الأمير محمد -وهو أصغر الأخوة- وليًّا للعهد، وهو في الحادية عشرة من عمره، وهذا الأمير الأخير هو الذي سيصير لاحقًا محمدًا الفاتح.


لم يعد الأمر متعلِّقًا إِذَنْ بهزيمةٍ أو عدَّة هزائم ضدَّ الجيوش الأوروبِّيَّة؛ إنَّما صار الأمر متعلِّقًا بمستقبل الدولة ووجودها من الأساس، فالأوضاع الخارجيَّة والداخليَّة تُنذر بشرورٍ كثيرة، وهذا كلُّه أحبط نفسيَّة مرادٍ الثاني بشكلٍ كبير.


استمرَّت الأزمة العسكريَّة التي تُعاني منها الدولة العثمانيَّة في التفاقم، وأعلنت المجر وبولندا الحرب على الدولة العثمانيَّة في ربيع 1443م[59]، وأخذت في تجميع الجيوش من هنا وهناك، ثم بدأت الحرب في أكتوبر 1443م، وحقَّقت عدَّة انتصارات، كان أهمُّها انتصار نيشNish في 3 نوفمبر 1443م، وهي مدينةٌ في جنوب صربيا، وكان الانتصار كبيرًا بحيث إنَّه أدَّى إلى انسحاب الجيش العثماني وسقوط صوفِيا Sofia -وهي أهمُّ مدينةٍ عثمانيَّةٍ في هذه المنطقة- في يد چون هونيادي[60].


تداركت الجيوش العثمانيَّة عافيتها نسبيًّا، وحقَّقت نصرًا على جيوش أوروبَّا عند مدينة زلاتيتسا Zlatitsa، وهي مدينةٌ بلغاريَّةٌ على بُعْد حوالي خمسةٍ وستين كيلو مترًا شرق صوفِيا العاصمة، وكان هذا النصر في ديسمبر 1443م، وهو ما أوقف الجيوش الأوروبِّيَّة عن التقدُّم إلى إدرنة عاصمة الدولة العثمانيَّة[61].


كانت تداعيات هذه الحملة الصليبيَّة كبيرةً على الدولة العثمانيَّة، ويُمكن حصر الآثار السلبيَّة لهذه الحملة في النقاط التالية:


أوَّلًا: فَقَدَت الدولة العثمانيَّة معظم إمارة صربيا في هذه الحملة؛ وذلك بعد سيطرة المجريِّين على نيش.


ثانيًا: دُمِّرَ غربُ الدولة العثمانيَّة تمامًا؛ فقد أُحْرِقت صوفِيا وتحوَّلت المزارع الكثيفة في هذه البقاع إلى مناطق متفحِّمة تمامًا؛ وذلك أنَّ الأراضي كانت تُحْرَق من الطرفين؛ فكان المجريون يحرقونها بدافع التدمير، وكان العثمانيُّون يحرقونها عند انسحابهم لكيلا يستفيد المجريُّون منها[62].


ثالثًا: كانت هناك خسائر بشريَّة ضخمة في الجيش العثماني، كما كانت هناك خسائر كبرى كذلك في الجيوش المجريَّة والبولنديَّة[63]؛ لكن خسائر الجيش العثماني في رأيي كانت أخطر؛ لأنَّها أوَّلًا أكثر، وثانيًا من الجيش النظامي الرئيس؛ بينما كان المجريُّون والبولنديُّون يعتمدون على المرتزقة.


رابعًا: حدث اضطرابٌ إداريٌّ كبيرٌ في الجيش العثماني، وتبادل القادة الاتهامات نتيجة الهزائم، وقد فسَّر بعضهم الهزائم العثمانيَّة أنَّها نتيجة خلافاتٍ بين قادة الجيش، مثل ذلك الخلاف الذي حدث بين قاسم باشا وتوراهان بك[64]؛ بل وصل الأمر إلى اتِّهام توراهان بك بأخذ الرِّشوة من الزعيم الصربي برانكوع¤يتش لكي لا يشترك في القتال، ولعلَّه نتيجة هذا الاتهام سَجَنَ مرادٌ الثاني توراهان بك في سجن توقات Tokat. ومع ذلك فقد أُطْلِق سراح القائد بعد قليل، وأُعيد إلى منصبه[65][66]، ممَّا يُوحي أنَّ الأمر لم يكن يعدو إشاعاتٍ غير صحيحة، وأيًّا كان الأمر فإنَّ هذا يدلُّ على مدى الاضطراب الذي كان يُعانيه الجيش العثماني.


خامسًا: أمَّا أخطر الآثار السلبيَّة لهزائم العثمانيِّين في هذه الفترة فكانت حادثة ارتداد أحد القادة العثمانيِّين عن الإسلام بعد هزيمة موقعة نيش (1443م)، وهو القائد الألباني إسكندر بك Scanderbeg، وكان نصرانيًّا قبل ذلك ثم أسلم، وترقَّى في مناصب الجيش العثماني على مرِّ السنوات[67]، ثم انتهى به المطاف إلى أن يكون أحد القادة في موقعة نيش، فلمَّا حدثت الهزيمة انسحب هو وثلاثمائة من الجنود الألبان من أرض القتال، ثم انطلقوا إلى ألبانيا معلنين رِدَّتهم عن الإسلام، وقد استطاع هذا القائد أن يحتلَّ كرويه Krujë، عاصمة ألبانيا في ذلك الوقت، وأن يُجمِّع حوله الأنصار لينفصل بذلك بإقليم ألبانيا التابع للدولة العثمانيَّة منذ عام 1385م[68]. في أوَّل مارس عام 1444م جمع إسكندر بك نبلاء ألبانيا في مدينة ليزهي Lezhë ليُكوِّن اتِّحادًا يُدير ألبانيا تحت قيادته عُرِف باتحاد ليزهي League of Lezhë[69]، وسوف يستمرُّ هذا الاتِّحاد بقيادة إسكندر بك في مقاومة الدولة العثمانيَّة لمدَّة أربعٍ وعشرين سنةً كاملة؛ أي إلى وفاة إسكندر بك عام 1468م؛ بل ستستمرُّ مقاومة الألبان إلى ما بعد موته إلى عام 1479م.


إنَّه حدثٌ فارقٌ في تاريخ الدولة العثمانيَّة في هذه الحقبة.


وينبغي قبل إنهاء التعليق على جهود مراد الثاني في فترة حكمه ألَّا نغفل الحديث عن اهتمام السلطان القدير بأمور النهضة، والعمران، والعلوم، والحضارة بشكلٍ عامٍّ؛ فهذه النقلة النوعيَّة للدولة العثمانيَّة من دولةٍ تهتمُّ بالأمور العسكريَّة والجهاديَّة فقط إلى دولةٍ متكاملةٍ تهتمُّ بشتَّى المجالات الحياتيَّة، هي نقلةٌ يرجع فيها الفضلُ لمراد الثاني بلا جدال، فخطواته في هذا المجال ليست مسبوقةً، خاصَّةً في هذه المنطقة من العالم الإسلامي، وهذا سيكون له الأثر الواضح على فكر وأسلوب محمد الثاني، وهو يُفسِّر بسهولةٍ كثيرًا من القرارات والاتجاهات التي اختارها السلطان الجديد في دولته، وهو ما سيعود بالنفع الغزير على الدولة العثمانيَّة بشكلٍ خاص، وعلى المسلمين بشكلٍ عامٍّ. كما ينبغي الإشارة -أيضًا- إلى بروز الروح الإسلاميَّة عند السلطان مراد الثاني، الذي كان حريصًا على إبراز إسلاميَّة الدولة، وعلى تذكير جنوده أنَّ جهادهم هذا هو في سبيل الله، وكان يقول لهم قبل المعارك: «من يعش منكم فسيكون مجاهدًا، ومن يمت سيكون شهيدًا»[204]. وكان حريصًا في انتصاراته على أن يأخذ الانتصارُ الشكلَ الشرعيَّ الإسلاميَّ الصحيح، فكان يمنع جنوده من الإفساد في الأرض، ويمنعهم من الإثخان في القتل[205]، وهذا كلُّه لإيصال الدعوة الإسلاميَّة بشكلٍ صحيحٍ إلى أعدائها. لا شَكَّ أن هذه الشخصيَّة الإسلاميَّة المتكاملة كان لها أثرٌ كبيرٌ في تكوين السلطان الجديد محمد الثاني[206].


هكذا كانت الأوضاع في فبراير م1451م يوم مات السلطان القدير مراد الثاني!


وهكذا صارت البلاد مؤهَّلةً لاستقبال أعظم سلاطينها على الإطلاق: محمد الفاتح!


دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 179- 227.