عقدت القوى العظمى مؤتمرًا في لندن في 31 مارس 1877م، واتَّفقوا على صياغة إنذار فيه الطلبات نفسها التي طلبوها قبل ذلك في إسطنبول، ووجهوها إلى الدولة العثمانية[1]. عرض وزيرُ الخارجيَّة العثماني الانذارَ على مجلس النواب، وأفهمهم أن ردَّ الانذار معناه إعلان روسيا للحرب، وأن الخزينة لا يوجد بها نقود لمثل هذه الحرب، كما أن الدول الأوروبية لن تُساعدهم مثلما ساعدتهم في حرب القرم[2].


كان السلطان يرى الموافقة على الطلبات لتجنُّب الحرب[3]، وهو رأيٌ صائبٌ فيما أعتقد لضعف الجيش العثماني، ولنضوب خزينة الدولة، ولكن البرلمان اجتمع على رفض الطلب الأوروبي، فاضطرَّ السلطان إلى قبول رأي البرلمان[4]، وأُعْلِن رفض المجلس الإنذار الأوروبي في 9 أبريل 1877[5].


كانت هذه المعارضة البرلمانيَّة صادمةً للسلطان؛ حيث إن التاريخ العثماني لا يحمل مثل هذه الصورة أبدًا، وللمرَّة الأولى تكون هناك تجربةٌ برلمانيَّة، وللمرَّة الأولى يُعارض الوزراء ونوَّاب الولايات رأيَ السلطان صراحةً، فهذا أغضب السلطان، وأضمر في نفسه كراهيَّةً لهذا الكيان الجديد الذي يُقَلِّص من صلاحيَّاتٍ اعتاد آباؤه وأجداده أن يُمارسوها!


كانت ولايتا الإفلاق والبغدان قد توحَّدتا سويًّا في 1861م، وصدر لهما دستورٌ واحد، وأعطى هذا الدستور للكيان الجديد الموحَّد اسمَ رومانيا، وكان هذا الكيان تابعًا للدولة العثمانية. الآن -في 16 أبريل 1877[6]- اتَّفقت روسيا مع أمير رومانيا كارول الأول Carol I على عبور أرضه دون قتال، مع احترام الروس لسيادة الرومانيين على أرضهم[7]، ومع أن الرومانيين تابعون للعثمانيين إلا أنهم اتفقوا مع الروس لسعيهم لدعم رومانيا في الانفصال عن الدولة العثمانية.


في 24 أبريل 1877م أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية[8]، ولم تضيع وقتًا بل اجتازت جيوشها رومانيا بسرعةٍ في اتِّجاه الجنوب. في 21 مايو 1877م أعلنت رومانيا (الإفلاق والبغدان) استقلالها عن الدولة العثمانية[9]، وانضمَّ جيشها إلى الجيش الروسي في الحرب[10]. عبرت الجيوش الروسيَّة والرومانيَّة الدانوب في 27 يونيو، وأحرزت انتصارات خاطفة؛ فقد سقطت في أيديهم مدن شمال بلغاريا، مثل ترنوڤو Tarnovo، ونيكوبوليس Nikopolis[11]، وحاصروا مدينة بليڤن Pleven الاستراتيجيَّة[12]، ثم ما لبثت الجبل الأسود وصربيا أن أعلنتا دخولهما الحرب إلى جانب الروس[13].


شهدت الشهور القليلة التالية اكتساحَ روسيا وحلفائها للأراضي العثمانية في أكثر من جبهة؛ في بلغاريا سقطت صوفيا، وڤيدين، وبليڤن، وعلى الأدرياتيكي سقطت أنتيڤاري Antivari (الآن بار Bar في الجبل الأسود)، وفي صربيا هُزِم العثمانيون في نيش[14]، وفي الأناضول سقطت أرضروم، وأرداهان، وبايزيد[15]. توَّج الروس انتصاراتهم بدخول إدرنة في 20 يناير 1878م[16]، وأضحى الطريق إلى إسطنبول مفتوحًا! فوق كلِّ ما سبق أعلن اليونانيون في فبراير 1878م في إبيروس Epirus، وتراقيا، وكريت -وكلها أقاليم تابعة للعثمانيِّين- الثورةَ على الحكم العثماني مستغلِّين الحرب الروسيَّة الكاسحة[17]! لم تكن بريطانيا -وكذلك بقيَّة الدول الأوروبية- قادرةً على التدخل هذه المرَّة لمساعدة العثمانيِّين ضدَّ الروس لأن الرأي العام الإنجليزي كان ضدَّ الدولة العثمانية بقوَّة، وذلك بعد الهجمة الإعلاميَّة الكبرى عليها إثر الثورة البلغارية[18].


في هذا الوضع المذري اضطرَّ السلطان عبد الحميد الثاني أن يطلب من روسيا هدنة! وافقت روسيا في 31 يناير 1878م على الهدنة والجلوس للتفاوض، على أساس عدَّة مبادئ كلِّها مؤسف؛ كان منها قبول الاستقلال التام لصربيا، والجبل الأسود، ورومانيا، والتنازل عن بعض الأراضي لروسيا، ودفع غرامات حربيَّة، وغير ذلك، وعلى الرغم من شناعة الشروط وافق السلطان مضطرًّا[19][20].


وجدت بريطانيا أن هزيمة العثمانيين كارثيَّة، وأن التقدُّم الروسي زاد عن التوقُّعات، وخشيت من النتائج الوخيمة لتغيُّر موازين القوى لصالح الروس، فتقدَّمت الحكومة بعرض المساعدة العسكريَّة على الدولة العثمانية[21]. حمل السلطان العرض الإنجليزي أمام البرلمان في 13 فبراير 1878م، ودارت مناقشاتٌ حامية، واختلف النوَّاب في الرؤى، ووجَّه بعضهم النقد للسلطان[22] وهذا الاختلاف في الواقع أمرٌ طبيعيٌّ في ظلِّ هذا الموقف المعقَّد!


سئم السلطان من فكرة الشورى، والديموقراطية، وآراء الشعب! ظنَّ أن انفراده بالرأي سيكون أفضل، ومِنْ ثَمَّ أخذ في اليوم نفسه الذي اعترض فيه النوَّاب عليه -13 فبراير 1878م- القرارَ بحلِّ البرلمان، وتعطيل الدستور[23] [24]!! بل أمر شرطته بمطاردة الكثير من أعضائه، ونفى عددًا منهم[25]!


هل هكذا يُفْعَل بنوَّاب الشعب وممثِّليه؟! إنه خطأٌ فادحٌ في حقِّ النوَّاب والمستشارين، بل هو خطأٌ فادحٌ في حقِّ الشعب الذي انتخب هؤلاء النوَّاب، واختارهم ليصلوا بصوته إلى الحاكم والحكومة!


هذا -في رأيي- من أكبر الأخطاء التاريخيَّة في حياة السلطان عبد الحميد الثاني، وهو يُعبِّر عن انفعاليَّةٍ في القرارات، وعدم نضوجٍ في الرؤية. كان من الممكن أن نعتذر عنه بأنه قليل الخبرة، وفي مرحلة الشباب العصبيَّة التي لا يتروَّى فيها القادة تمامًا، ولكن للأسف كان الأمر أكبر من ذلك؛ إذ ظلَّ الدستور معطَّلًا، والبرلمان محلولًا، لأكثر من ثلاثين سنةً كاملةً بعد هذا اليوم! إنها سياسةٌ مطردةٌ إذن، ومنهجٌ فكريٌّ ثابتٌ لم ينتج عن موقفٍ عابر!


والحقُّ أن الأعذار التي يتعلَّل بها المحبُّون للسلطان عبد الحميد من أجل تبرير هذا الفعل منه كلَّها -في رأيي- واهيةٌ وغير مقبولة؛ فليس الظرف السياسي، ولا عدم نضج الشعوب، ولا المكائد التي تُحاك بالدولة، ولا الأعداء الذين يتربَّصون بالسلطان في الداخل والخارج، ولا المخاوف التي تُسيطر على السلطان من تكرار ما حدث مع السلطانَيْن عبد العزيز ومراد الخامس؛ ليس كل ذلك مبرِّرًا لإهمال الشورى، والاستغناء عن رأي الشعب بكامله، والانفراد بالحكم بشكلٍ مطلق، واعتبار كلِّ معارضٍ هدفًا ينبغي أن يُتَتبَّع؛ ليُغَيَّب في غياهب السجون، أو يُنْفَى من البلاد!


عمومًا لم تقم الدولة العثمانية بإعدادٍ دبلوماسيٍّ مناسبٍ قبل الجلوس مع الروس، وضغطت روسيا للإسراع بالتفاوض قبل قدوم القوى الأوروبية، ومِنْ ثَمَّ كانت المعاهدة المشينة؛ معاهدة سان ستيفانو، وذلك في 3 مارس 1878[26]![27].





[1] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م. الصفحات 620، 621.
[2] الخالدي، محمد روحي: أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، عني بتصحيحها: السيد حسين وصفي رضا، مكتبة المنار، القاهرة، 1326هـ=1908م. الصفحات 80–82.
[3] 83. نوري، عثمان: عبد الحميد الثاني ودور سلطنتي، حيات خصوصية وسياسة سي، الآستانة، 1909م. صفحة 1/218.
[4] 50. آصاف، عزتلو يوسف: تاريخ سلاطين بني عثمان من أول نشأتهم حتى الآن، تقديم: محمد زينهم محمد عزب، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1415هـ=1995م. صفحة 131.
[5] الخالدي، 1908 الصفحات 80–82.
[6] فريد، 1981 صفحة 627.
[7] Hitchins, Keith: A Concise History of Romania, Cambridge University Press, New York, USA, 2014., p. 117.
[8] الخالدي، 1908 صفحة 83.
[9] بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1968م.صفحة 587.
[10] Hitchins, 2014, p. 117.
[11] 237. لبيب، حسين: تاريخ المسألة الشرقية، مطبعة الهلال، القاهرة، 1921م. صفحة 81.
[12] 155. شاروبيم، ميخائيل: الكافي في تاريخ مصر الحديث والقديم، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1425هـ=2004م. صفحة 4/230.
[13] فريد، 1981 الصفحات 637، 638.
[14] أوزتونا، 1990 الصفحات 2/112، 113.
[15] فريد، 1981 صفحة 635.
[16] Somel, Selçuk Akşin: The A to Z of the Ottoman Empire, the Scarecrow press, Lanham, MD, USA, 2010., p. lxvii.
[17] Zelepos, Ioannis: Die Ethnisierung griechischer Identität, 1870-1912 (in German), Oldenbourg Wissenschaftsverlag, 2002., p. 119.
[18] روجان، يوجين: العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، ترجمة: محمد إبراهيم الجندي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011م. الصفحات 153، 154.
[19] كامل، 1898 صفحة 172.
[20] فريد، 1981 الصفحات 640، 641.
[21] صفوت، محمد مصطفى: مؤتمر برلين 1878 وأثره في البلاد العربية، معهد الدراسات العربية العالية-جامعة الدول العربية، القاهرة، 1957م. صفحة 41.
[22] نوري، 1909 الصفحات 1/343، 344.
[23] Somel, 2010, p. lxvii.
[24] ﭼورﭼو، فرانسوا: النزاع الأخير (1878 - 1908)، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م. صفحة 2/164.
[25] نوري، 1909 صفحة 1/345، 346.
[26] Somel, 2010, p. lxvii.
[27] انظر: دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 1123- 1126.