في 28 أبريل 1828م أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية[1]، وفورًا، ودون مقدِّماتٍ كثيرةٍ اقتحم مائة ألف مقاتل روسي[2] بقيادة الإمبراطور نيكولاس الأول نفسه الحدودَ العثمانية في البغدان[3].


في الوقت نفسه كانت جيوشٌ روسيَّةٌ أخرى تقتحم القوقاز لتُهاجم الأناضول من الشرق. حقَّق الروس في الجبهتين نجاحًا كبيرًا. في الجبهة البغدانيَّة، وبعد أيَّامٍ قليلةٍ من الغزو، احتلَّ الروس ياسي العاصمة، ثم تقدَّموا جنوبًا فاقتحموا الإفلاق، وسقطت بوخارست في أيديهم، وفي 16 يونيو 1828م كانت الإفلاق كلُّها في أيديهم، بل لم تقف الجيوش الروسيَّة عند هذا الحد فعبرت الدانوب إلى بلغاريا[4]! في الجبهة الشرقيَّة تمكَّن الروس من احتلال قارص Kars شرق الأناضول، وبعدها سقطت أكالكالاكي Akhalkalaki، ثم أكالتسيكي Akhaltsikhe (كلاهما في چورچيا الآن)[5]!


ينبغي لفت النظر إلى الفارق المهول في التسليح وأعداد الجنود بين الطرفين الروسي والعثماني، وينبغي لفت النظر كذلك إلى أن الجيش الذي كان يقاوم الروس هو الجيش الوليد الذي أسَّسه محمود الثاني عقب إنهاء الإنكشاريَّة في صيف 1826م، أي منذ عامين فقط، وقد كانت مقاومته شرسةً لولا فارق العدَّة والعتاد، ولقد شهد سفير روسيا في فرنسا بوتزو دي بورجو Pozzo di Borgo بأن الجنود الروس لاقوا من الجيش العثماني الجديد ما لم يلاقوه قبل ذلك من الإنكشاريَّة، وأنه لو تأخَّرت روسيا في إعلان الحرب عامًا واحدًا لما أمكنها تحقيق هذه النجاحات[6].


في ظلِّ هذا الاكتساح جلست القوى الأوروبية مع محمد علي باشا لتُقنعه بعدم جدوى القتال في اليونان. لم يكن الوالي المصري يحتاج إلى مفاوضاتٍ طويلة؛ لأنه كان يُدرك بحاسَّته العسكريَّة أن القضيَّة محسومةٌ لصالح الأوروبيين، وأن الحكمة السياسية تقتضي الخروج بأقلِّ الخسائر، خاصَّةً مع ورود الأنباء باكتساح الروس للدولة العثمانية شرقًا وغربًا.


وافق محمد علي باشا على الانسحاب[7]، وأرسل إلى ابنه إبراهيم باشا -الذي مرَّ عليه قرابة عام في المورة بعد كارثة ناڤارين- وأمره بالعودة. تردَّد إبراهيم باشا الذي كان يرى الوضع في المورة هادئًا، لكنه في الواقع لم يكن يرى الصورة الكاملة التي يراها أبوه. وضحت الصورة لإبراهيم باشا عندما فوجئ في 29 أغسطس 1828م بوصول قوَّات التدخل السريع الفرنسيَّة تستحثه على مغادرة المورة. بالنظر إلى فارق القوَّتين أيقن إبراهيم باشا أن الحرب خاسرةٌ حتمًا، فبدأ في الانسحاب في 7 سبتمبر[8]، لينتهي الوجود المصري في اليونان.


على الناحية الأخرى، وعلى الرغم من انسحاب الجيش المصري، ثم سقوط ڤيدين Vidin في 20 سبتمبر 1828م، وڤارنا Varna في 11 أكتوبر 1828م (كلاهما في بلغاريا جنوب الدانوب)، في أيدي الروس، وغلق الأسطول الروسي للدردنيل في 15 أكتوبر 1828م[9]، فإن السلطان محمودًا الثاني كان لا يزال مصرًّا على استكمال المقاومة، ويرفض الاعتراف بالحكم الذاتي لليونان كما تريد القوى العظمى.كانت هذه شجاعةً منه لكنَّها لم تكن رؤيةً عميقة.


ينبغي للقائد أن يملك القدرة على تقدير موازين القوى ليخرج بأقلِّ الخسائر، ولئن خسرت الدولةُ اليونانَ فقط فهذا أفضل لها من خسارة اليونان والإفلاق والبغدان معًا، ولئن أنهت الدولةُ الحربَ وقتلى المسلمين عشرة آلاف فهذا أفضل من أن يكونوا خمسين ألف مثلًا، ولا ننسى أن طريق الدولة العثمانية مفتوحٌ الآن لإعداد جيشٍ جديدٍ دون إعاقةٍ من الإنكشاريَّة، فلو أتاح السلطان لنفسه فرصةً للبناء لكان جيشه أقوى بعد سنواتٍ قليلة، أمَّا لو قاوم وجيشه ما زال ضعيفًا فإنه سيهلك قبل أن يتمكَّن من القيام على أقدامه! إن الروس استفزُّوا السلطان للإسراع بقبول القتال، وكان ينبغي له أن يُجَنِّب العاطفة، ويُحَكِّم العقل، ويختار أهون الضررين.


كان من الواضح في هذه المحطَّة من التاريخ العثماني أن محمد علي باشا قد انفصل بمصر عن الدولة العثمانية؛ فقد أخذ قرار الانسحاب من المورة دون الرجوع إلى السلطان، وعلى العكس من رغبته، بل سيتطوَّر الأمر إلى صراعٍ بينهما لاحقًا، ولهذا الأمر مبرِّراتٌ سنأتي لها في حينها.


في 21 ديسمبر 1828م عَقَدَت القوى الثلاث مؤتمرًا في جزيرة بوروس Poros اليونانيَّة، وفيه رسموا حدود الدولة اليونانيَّة التي يريدونها، وكانت تضمُّ المورة، وأجزاء من اليونان الوسطى، أي شمال المورة، و-أيضًا- أكثر من مجموعةٍ من مجموعات جزر بحر إيجة، أهمها جزر السيكلايدس Cyclades، والسبورادس Sporades، وساموس Samos، وكريتCrete.


أرسلت القوى الثلاث هذا المرسوم إلى السلطان محمود الثاني طالبين موافقته على حكمٍ ذاتيٍّ لليونانيين في هذه المناطق. كان ردُّ السلطان على هذا البيان هو الرفض القاطع[10]. اجتمعت القوى الثلاث مرَّةً أخرى في لندن في 22 مارس 1829م، ورسموا حدودًا جديدة أقلَّ من السابقة، حيث لم يضموا وسط اليونان، وكذلك كريت[11]، ولكن السلطان رفض كذلك، والحقُّ أنه كان ينبغي أن يقبل؛ لأن المستقبل سيكون أصعب، والحكم الذاتي بتبعيَّةٍ عثمانيَّةٍ أفضل من الاستقلال التامِّ دون تبعيَّة، خاصَّةً أن هذا الاستقلال سيخلق دولةً معادية، وليس مجرَّد دولةٍ مجاورة، ولا ننسى أن هذه المفاوضات تدور والقوَّات الروسيَّة محتلةً للبغدان، والإفلاق، وأجزاء من بلغاريا، وچورچيا، وشرق الأناضول!


إزاء هذا الرفض العثماني استأنف الروس الحرب في ربيع 1829م. في 17 مايو، و17 يونيو، تعرَّض العثمانيون لهزيمتين حول ڤارنا وهم يحاولون تحريرها من الروس، وكان الضحايا ثمانية آلاف، وفي 30 يونيو سقطت سيلسترا Silistra الحصينة جنوب الدانوب، بعد استسلام حاميتها العثمانيَّة المكوَّنة من ثمانية آلاف جندي[12]، وفي الجبهة الشرقيَّة سقطت إرضروم Erzerum في شهر يوليو من السنة نفسها[13]، وصار الطريق مفتوحًا إلى طرابزون وشمال الأناضول.


تضاعفت الكارثة في 22 أغسطس 1829م باحتلال الروس لإدرنة[14]، العاصمة الثانية للدولة العثمانية، وهي في عمق البلقان الشرقي، وكان السكان المسلمون قد أخلوها قبل الاحتلال[15]، وتجاوزها الروس إلى الشرق في طريق إسطنبول، وانخلعت قلوب العثمانيِّين! هنا انتفضت بريطانيا وفرنسا؛ فهما لا يقبلان بإسقاط الروس للدولة العثمانية كلِّها وإسطنبول لصالحها، فهذا يُغيِّر من موازين القوى تمامًا، لذلك سارعوا بالضغط على روسيا لتُوقِف القتال، وراسلوا السلطان محمود الثاني الذي قَبِل بالتفاوض مع الروس بوساطة بروسيا، فكانت معاهدة أدرنة[16][17][18].




[1] Somel, Selçuk Akşin: The A to Z of the Ottoman Empire, the Scarecrow press, Lanham, MD, USA, 2010., p. lx.
[2] Robarts, Andrew: Russo-Ottoman Wars (1787–1878), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009., p. 496.
[3] كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م. صفحة 509.
[4] Robarts, 2009, p. 496.
[5] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 3, pp. 1152-1153.
[6] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 432.
[7] الرافعي، عبد الرحمن: عصر محمد علي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة السادسة، 2001م. الصفحات 213، 214.
[8] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 428.
[9] Clare, Israel Smith: The Unrivaled History of the World: Nineteenth century, Volume 5, The Werner Company, Chicago, USA, 1893., vol. 5, p. 1542.
[10] Brewer, David: The Greek War of Independence: The Struggle for Freedom from Ottoman Oppression, Overlook Duckworth, London, UK, 2011, pp. 344-345.
[11] Özkan, Dilek: The Final Phase of the Greek Revolution: Delimitation, Determination and Demarcation of the First Greek Borders in Ottoman Sources, In: Stamatopoulos, Dimitris: European Revolutions and the Ottoman Balkans: Nationalism, Violence and Empire in the Long Nineteenth-Century, Bloomsbury Publishing, London, UK, 2019, p. 115.
[12] Clare, 1893, vol. 5, p. 1542.
[13] مانتران، روبير: بدايات المسألة الشرقية (1839-1774)، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م (د). صفحة 2/43.
[14] Somel, 2010, p. lx.
[15] Gibb, Hamilton Alexander Rosskeen; Kramers, Johannes Hendrik; Lewis, Bernard; Pellat, Charles; Schacht, Joseph & et al.: The Encyclopaedia of Islam, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1991, vol. 2, p. 684.
[16] فريد، 1981 صفحة 433.
[17] كينروس، 2002 صفحة 510.
[18] انظر: دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 1017- 1020.