كان لا بُدَّ للإنجليز من وضع قدم في مصر! حاولوا قبل ذلك أيام محمد علي باشا في عام 1807م لكنهم فشلوا.


الآن وجد الإنجليز الفرصة سانحةً بعد الضعف الذي اعترى كلًّا من الدولة العثمانية ومصر معًا. لقد وافق السلطان عبد المجيد الأول سابقًا على الشرط الإنجليزي بتحديد الجيش المصري بثمانية عشر ألف جنديٍّ على الأكثر، والآن تدفع الدولة ثمن هذه الاستجابة للمطالب الإنجليزيَّة، خاصَّةً في ظلِّ حكم الخديوي توفيق الموالي للإنجليز الذين أمروا السلطان عبد الحميد الثاني بوضعه على حكم مصر!


كانت مصر في هذا الوقت تشهد أحداثًا ساخنة. ثار الجيش المصري بزعامة أحد كبار قادته -وهو أحمد عرابي باشا- على الخديوي توفيق يُطالبه فيها بإقالة رئيس الوزراء مصطفى رياض باشا، وتحسين أوضاع الجيش، ورفع عدده إلى الرقم المتَّفق عليه قبل ذلك مع الحكومة العثمانية -وهو ثمانية عشر ألفًا- وكان قد نقص عن ذلك، وتقليل النفوذ الأجنبي في الدولة، وتشكيل مجلس نوَّاب[1]، وقد تعاطف الشعب مع الثورة، وبلغت ذروتها في مظاهرةٍ حاشدةٍ أمام قصر عابدين بالقاهرة 9 سبتمبر عام 1881[2].


بعد سجالاتٍ كثيرةٍ رضخ الخديوي لمطالب الشعب، وتغيَّرت الحكومة، وجاء على رأسها شريف باشا المشهور بوطنيَّته ونزاهته، وقد اختار أحد الرجال الداعمين للثورة، وهو محمود سامي البارودي، وزيرًا للحربيَّة في الحكومة الجديدة[3].
لم يرضَ الإنجليز والفرنسيون عن هذا التطوُّر[4]، خاصَّةً أن الحكومة الجديدة صاغت دستورًا جديدًا لمصر، وأقرَّت تكوين البرلمان، وكان هذا الدستور يُقَلِّص من صلاحيَّات الخديوي، وكذلك من التدخُّل الأجنبي، ويجعل الحكومة مسئولةً أمام البرلمان[5].


أرسلت بريطانيا وفرنسا مذكرةَ تأييدٍ للخديوي، وأكَّدا له بقاءه في منصبه بدعمهما! قد يكون تأييد الإنجليز للخديوي توفيق مفهومًا لكون بريطانيا راغبةً في احتلال مصر، ولا تريد فيها دستورًا حقيقيًّا، أو برلمانًا حرًّا، أو جيشًا قويًّا، أو نضوجًا شعبيًّا، ولكن بعضهم يستغرب تعاون فرنسا مع الإنجليز -وهم في الأصل أعداء- في هذا الأمر.


واقع الأمر أن فرنسا كانت تخشى أن تقوم الدولة العثمانية بتشجيع ثورةٍ في مصر ضدَّ التدخل الأجنبي، وقد تمتدُّ هذه الثورة إلى تونس التي احتلها الفرنسيون حديثًا ولم يأخذ فيها السلطان عبد الحميد الثاني موقفًا جادًّا[6]. الحقُّ أن توقعات فرنسا لم تكن في محلِّها، ولم يكن هناك ردُّ فعلٍ مناسبٍ من السلطان العثماني، ممَّا جعل الدولتان تتصرَّفان في مصر كيفما شاءا!


اطمأنَّ الخديوي توفيق لدعم الأوروبيين فرفض الدستور، فاستقالت حكومة شريف باشا في 2 فبراير 1882، وتأزَّم الموقف، فاضطرَّ الخديوي إلى تكوين حكومةٍ جديدةٍ في اليوم التالي مباشرة -3 فبراير 1882- جعل على رأسها محمود سامي البارودي الذي اختار أحمد عرابي وزيرًا للحربية[7].


أقرَّت الحكومة الجديدة الدستور[8]، وبدا أن الجيش صار يسيطر على الأمور في الدولة، وهذا أقلق الأوروبيين في مصر، ومِنْ ثَمَّ بريطانيا وفرنسا[9]. تطوَّر الأمر إلى انفلاتٍ أمنيٍّ في البلاد، ونتيجة الشحن المعنوي ضدَّ الأجانب حدثت عدَّة مواجهات بين بعض الأوروبيين والمصريين، خاصَّةً في الإسكندرية[10]، وكان من نتيجتها حدوث عدَّة حوادث قتل بين الفريقين، وحينها أدركت بريطانيا أن الأمور قد تخرج من يدها إذا آلت الأمور للجيش المصري فحرَّكت أسطولها إلى مصر، واتجه الخديوي توفيق إلى الإسكندرية خوفًا من تطوُّر الموقف ضدَّه[11].


انتهى الأمر بوصول الأسطول الإنجليزي إلى الإسكندرية، وقصفه إيَّاها في 11 يوليو 1882م، ثم احتلال المدينة[12]. توجَّه الجيش الإنجليزي بعد ذلك جنوبًا في اتجاه القاهرة[13]، ولكنه وجد مقاومةً شديدة عند كفر الدوار، ولم يستطع إكمال الغزو من هذه الجهة[14]. قرَّر الجيش الإنجليزي اقتحام مصر من جهةٍ أخرى، فاحتلَّ بورسعيد، ودخل قناة السويس، ومن الإسماعيلية قرَّر الوصول إلى القاهرة[15]. التقى الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي والإنجليز في التل الكبير في 13 سبتمبر 1882م، وانتصر الإنجليز انتصارًا حاسمًا[16].


من الجدير بالذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني أصدر في هذا الوقت الدقيق فرمانًا أعلن فيه عصيان أحمد عرابي، وحذَّر فيه من الانضمام لجيشه، أو قتال الإنجليز، أصدقاء الدولة العثمانية، ولم يكتفِ السلطان بإرسال الفرمان عبر الوسائل الرسميَّة؛ إنما نشره في جريدة الجوائب العثمانية في 6 سبتمبر 1882م[17]، وذلك لكي يُرْسَل صورةً منه عن طريق البرق إلى مصر، فيتناوله العامَّة، فيتكاسلون عن حرب الإنجليز مع أحمد عرابي!


كان الفرمان شديد اللهجة، وكان ممَّا جاء فيه: «إن الدولة العليَّة السلطانيَّة تُعلن أن وكيلها الشرعي بمصر هو حضرة فخامتلو دولتلو محمد توفيق باشا، وأن أعمال عرابي باشا كانت مخالفةً لإرادة الدولة العليَّة، ثم التمس من جناب الخديوي العفو فعفا عنه، ونال -أيضًا- من الحضرة السلطانيَّة العفو العام، وأن الشرف الذي ناله أخيرًا من الحضرة العليَّة السلطانيَّة، إنما كان من تصريحه بالطاعة لأوامر السلطان المعظَّم الخليفة الأعظم. وقد تحقَّق الآن رسميًّا أن عرابي باشا رجع إلى زلَّاته السابقة واستبدَّ برئاسة العساكر دون حق، فيكون قد عرَّض نفسه لمسئوليَّةٍ عظيمةٍ لا سيَّما أنه تَهَدَّد أساطيل دولةٍ حليفةٍ للدولة العليَّة السلطانيَّة... وبناءً على ما تقدَّم يُحْسَب عرابي باشا وأعوانه عصاةً ليسوا على طاعة الدولة العليَّة السلطانيَّة، وأن تصرُّف الدولة العليَّة السلطانيَّة بالنظر إلى عرابي باشا ورفقائه وأعوانه يكون بصفة أنهم عصاة، ويتعيَّن على سكان الأقطار المصريَّة حالة كونهم رعيَّة مولانا وسيِّدنا الخليفة الأعظم أن يُطيعوا أوامر الخديوي المعظَّم، الذي هو في مصر وكيل الخليفة، وكل من خالف هذه الأوامر يُعرِّض نفسه لمسئوليَّةٍ عظيمة، وأن معاملة عرابي باشا وحركاته وأطواره مع حضرة السادات الأشراف هي مخالفةٌ للشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء ومضادَّةٌ لها بالكلِّيَّة»[18]!


كان هذا الفرمان نجدةً قويَّةً للإنجليز الذين قاموا بتوزيع نسخٍ منه على جيش أحمد عرابي قبيل موقعة التل الكبير، ممَّا جعل الكثير من الجند ينفضُّون عن أحمد عرابي، وكان ذلك من أسباب الهزيمة[19]. يقول الأميرالاي المؤرخ إسماعيل سرهنك -وهو من المعاصرين لهذه الفترة- تعليقًا على توزيع الإنجليز لفرمان السلطان: «وزَّع الإنجليز على معسكر عرابي جريدة الجوائب التي بها منشور الباب العالي بعصيان عرابي، فارتخت المفاصل، وانحلَّت العزائم، وانقطع الرجاء، وجهر الناس بالمخالفة كما سبق، فكان ذلك من أكبر أسباب نجاح الإنجليز في جهات التل إن لم يكن هو السبب الوحيد»[20].


لا أدري كيف كان يُفكِّر السلطان عبد الحميد الثاني في هذه المسألة؟! هل هو مطمئنٌّ إلى الإنجليز أكثر من اطمئنانه للجيش المصري وقادته؟! ألم يُلْدَغ من الإنجليز عشرات المرَّات؟ لُدغ منها في مؤتمر برلين، ولُدِغ في قبرص، ولُدِغ في تونس عندما شجَّعت بريطانيا الفرنسيين على احتلال البلد في مقابل احتلال الإنجليز لقبرص، والآن يُلْدَغ بشدَّة في مصر، وسيُلْدغ قريبًا من الإنجليز -كما سيأتي- في شرق إفريقيا، ثم في بلغاريا! إن هذه ألغازٌ تاريخيَّةٌ لا نفهم على وجه الحقيقة تفسيرها، ولا نعرف إن كان مردُّها إلى الجهل بالسياسة، أم إلى ضعف الشخصيَّة، أم إلى السذاجة المفرطة أمام المكر الإنجليزي الكبير، أم كنتيجةٍ طبيعيَّةٍ لإهمال رأي المستشارين والاعتماد على الرأي الفردي المطلق، أم إلى كلِّ ذلك معًا؟!


على كلِّ حال دخل الإنجليز القاهرة في 15 سبتمبر، وانتظر الخديوي توفيق عشرة أيَّامٍ في الإسكندرية حيث كان هاربًا، حتى تُأمَّن العاصمة، حتى تُزيَّن كذلك لاستقباله! في يوم 25 سبتمبر دخل الخديوي توفيق القاهرةَ دخول الفاتحين، محاطًا بخمسة آلاف جندي إنجليزي، ومُسْتَقْبَلًا من قائد جيش الاحتلال الإنجليزي جارنت وُلسلي Garnet Wolseley، وابن الملكة الإنجليزية فكتوريا Queen Victoria الأمير آرثر دوق كونوت Prince Arthur, Duke of Connaught[21]!
تعجز الكلمات عن تصوير حجم السخف والإسفاف في مثل هذه الأحداث، ولولا أنها حدثت لقلنا إنها مبالغات القصَّاصين وكُتَّاب الروايات الخياليَّة! حُوكِم قادة الجيش المصري في 3 ديسمبر[22]، وانتهى الأمر بنفي محمود سامي البارودي، وأحمد عرابي، وغيرهما، إلى جزيرة سيلان (سيريلانكا) بآسيا[23]، ليبدأ الاحتلال الإنجليزي لمصر، وبالتبعيَّة للسودان كذلك، والذي سيبقى إلى عام 1956[24].


كما رأينا لم يكن ردُّ فعل السلطان عبد الحميد الثاني يوازي الحدث، ولا قريبًا منه[25]. كانت وعود بريطانيا بمغادرة مصر سريعًا لا معنى لها[26]؛ لأن الجميع يعلم أن كلامهم مجرَّد تسكين، ولا تخرج مثل هذه الجيوش إلا بالقوَّة، ولا قوَّة يومئذٍ عند المسلمين![27].





[1] الرافعي، عبد الرحمن: الزعيم الثائر أحمد عرابى، دار ومطابع الشعب، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1968م. الصفحات 55-58.
[2] جودت، صالح: مصر في القرن التاسع عشر، مكتبة الشعب، القاهرة، (دون سنة طبع). صفحة 36.
[3] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م. صفحة 2/379.
[4] رتشتين، تيودور: تاريخ المسألة المصرية 1875 – 1910، ترجمه إلى العربية: عبد الحميد العبادي، محمد بدران، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1355هـ=1936م. الصفحات 152، 153.
[5] Brown, Nathan J.: Constitutions in a Nonconstitutional World: Arab Basic Laws and the Prospects for Accountable Government, State University of New York Press, Albany, New York, USA, 2002., p. 27.
[6] 686. Madden, Frederick & Fieldhouse, David (Editors): The Dependent Empire and Ireland, 1840-1900, Advance and Retreat in Representative Self-Government, Select Documents on the Constitutional History of the British Empire and Commonwealth, Volume 5, Greenwood Press, Westport, CT, USA, 1991, vol. 5, p. 709.
[7]Roper, Geoffrey: Barudi, Mahmud Sami aL- (1839-1904), In: Akyeampong, Emmanuel Kwaku & Gates, Henry Louis: Dictionary of African Biography, Oxford University Press, New York, USA, 2012., vol. 1, p. 393.
[8] رتشتين، 1936 الصفحات 165، 166.
[9] الشريف، عمر: أعلام منسية: دراسة تاريخية، ببلومانيا للنشر والتوزيع، القاهرة، 2015م. الصفحات 44، 45.
[10] جيمس، لورانس: شروق الإمبراطورية البريطانية وغروبها، مراجعة: شوقي عطا الله الجمل، ترجمة وتقديم: عبد الله عبد الرازق إبراهيم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2016م. صفحة 1/423.
[11] جودت، (دون سنة طبع) صفحة 37.
[12] روذستين، تيودور: تاريخ مصر قبل الاحتلال البريطاني وبعده، تعريب: علي أحمد شكري، مكتبة الهلال، القاهرة، 1345هـ=1927م. الصفحات 347، 348.
[13] روجان، يوجين: العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، ترجمة: محمد إبراهيم الجندي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011م. صفحة 166.
[14] بلنت، ولفريد سكاون: التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر: رواية شخصية للأحداث، مراجعة وتقديم: أحمد زكريا الشلق، ترجمة: صبري محمد حسن، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010م. صفحة 447.
[15] جيمس، لورانس: شروق الإمبراطورية البريطانية وغروبها، مراجعة: شوقي عطا الله الجمل، ترجمة وتقديم: عبد الله عبد الرازق إبراهيم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2016م. صفحة 1/424.
[16] بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1968م. الصفحات 591، 592.
[17] الرافعي، عبد الرحمن: الزعيم الثائر أحمد عرابى، دار ومطابع الشعب، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1968م. صفحة 184.
[18] الخفيف، محمود: أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، مؤسسة هنداوي، القاهرة، (دون سنة طبع). الصفحات 384، 385.
[19] السعيد، رفعت: الأساس الاجتماعي للثورة العرابية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1966م. صفحة 108.
[20] سرهنك، 1895 الصفحات 1/408، 409.
[21] الخفيف، (دون سنة طبع) الصفحات 407، 408.
[22] جودت، (دون سنة طبع) الصفحات 40، 41.
[23] أحمد عرابي: مذكرات أحمد عرابي: كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية، دراسة وتحقيق: عبد المنعم إبراهيم الجميعي، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 1426هـ=2005م. صفحة 3/1165.
[24] Goldschmidt Jr., Arthur: Historical Dictionary of Egypt, The Scarecrow Press, Lanham, Maryland, USA, Fourth Edition, 2013., p. 47.
[25] روذستين، 1927 الصفحات 355، 356.
[26] روذستين، 1927 الصفحات 16–27، 27–40.
[27] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 1140- 1145.