في عام 1700م بدأت حرب الشمال العظمى بين إمبراطورية السويد العملاقة من جهة، وبين روسيا، وحلفائها؛ الدنمارك، والنرويج، وبروسيا الألمانية، من جهةٍ أخرى.


حقَّقت السويد انتصارات كبرى في السنوات الست الأولى، ممَّا شجَّع إمبراطورها شارل الثاني عشر Charles XII على عبور البلطيق، ودخول بولندا، والسعي لاقتحام روسيا نفسها، بل التخطيط للوصول إلى موسكو! بدأ الإمبراطور السويدي حركته من ساكسوني عام 1707م، وحقق انتصارات على حلفاء الروس، وانتهى به الأمر إلى الصدام المباشر مع الجيش الروسي بقيادة القيصر بطرس الأكبر عند مدينة بولتاڤا Poltava[1] الأوكرانية في 8 يوليو 1709م[2].


في هذه الموقعة المفصلية في الحرب كلها تعرَّض الجيش السويدي، وهو من أقدر الجيوش العالمية آنذاك، لهزيمة قاسية من الجيش الروسي[3]، واضطر الإمبراطور شارل الثاني عشر إلى النجاة بنفسه عن طريق الهرب في الاتجاه الجنوبي الشرقي لمسافة تقترب من خمسمائة كيلو متر، ليعبر في النهاية نهر الدنيبر Dnieper River، ويدخل في حدود الدولة العثمانية عند مدينة بيندري Bendery[4] البغدانية (في مولدوڤا الآن)، طالبًا اللجوء السياسي من العثمانيين، الذين قبلوا ذلك دون تردد[5].


طلب القيصر الروسي بطرس الأكبر من الدولة العثمانية تسليم الإمبراطور السويدي، وقوبل الطلب بالرفض القاطع مرات عديدة.


في النهاية، وبعد أكثر من عام، ركب الغرورُ القيصرَ، ودفعه إلى اقتحام الأراضي العثمانية ليطارد الإمبراطور شارل الثاني عشر[6]، فأعلنت الدولة العثمانية الحرب فورًا على روسيا في 20 نوفمبر 1710م[7]. تواصل القيصر الروسي مع أمير البغدان ديميتري كانتيمير Dimitrie Cantemir التابع للدولة العثمانية، وأغراه بالتبعية له، فوافق الأمير البغداني، ووقَّع اتفاقية مع الروس في 13 أبريل 1711م تقضي بمشاركته معهم في الحرب ضد الدولة العثمانية، وهي المعروفة بمعاهدة لوتسك Treaty of Lutsk[8]!


اتَّحد الجيش الروسي مع البغداني في شمال البغدان العثمانية ثم اتَّجها جنوبًا بمحاذاة نهر بروت Prut River (يُكتب كذلك بروث Pruth)، وهو النهر الفاصل الآن بين حدود رومانيا ومولدوڤا، بهدف اختراق الدانوب، وغزو البلقان. أخرجت الدولة العثمانية جيشًا عملاقًا، تصل به بعض التقديرات إلى مائتي ألف مقاتل[9][10]، بقيادة الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا Baltacı Mehmet Pasha[11].


التقى الجيشان عند مدينة ستانيليشتي Stănilești (في رومانيا الآن على بعد حوالي ثلاثمائة كيلو متر شمال شرق بوخارست) في 18 يوليو 1711م. دارت معركة شرسة على مدار أربعة أيام متصلة، وانتهى الأمر بنصر ساحق للجيش العثماني، وإحاطة كاملة بالمعسكر الروسي[12]، وأعلن القيصر بطرس الأكبر الاستسلام، وطلب الدخول في المفاوضات[13].


ارتكب الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا واحدًا من أفدح الأخطاء في التاريخ عندما وافق على إطلاق سراح القيصر الروسي بطرس الأكبر وجيشه في مقابل إعادة الروس لميناء آزوڤ للعثمانيين، والوعد بعدم التدخُّل في شئون بولندا، مع إفساح الطريق للإمبراطور السويدي للعودة إلى بلاده سالمـًا[14]!


وُقِّعَت بذلك اتفاقية في 21 يوليو 1711م عُرِفَت بمعاهدة بروت[15] نسبةً إلى النهر الذي وُقِّعَت على ضفافه، وتُعْرَف -أيضًا- بمعاهدة فلكزن Falksen نسبة إلى القرية التي تمَّت فيها[16]. يُجْمِع المؤرخون على أن العثمانيين لو احتفظوا بالقيصر الروسي كأسير حرب لتغير وجه التاريخ! تتحدث مصادر كثيرة عن رشوة باهظة من المجوهرات والأموال أخذها الصدر الأعظم من القيصر الروسي للموافقة على هذه المعاهدة التافهة[17][18] [19][20]. مصادر أخرى تشير إلى أن مستشاري الصدر الأعظم هم الذين أخذوا الرشوة[21] ليؤثِّروا على الصدر الأعظم، فيقبل بالثمن الزهيد الذي عرضه القيصر ليتخلَّص من الأسر، ومع ذلك فهناك مصادر تنفي الرشوة من الأساس[22]. أيًّا ما كان الأمر فقد نجا القيصر من الأسر وعاد بسلام إلى بلاده!


رجع ميناء آزوڤ بذلك إلى الدولة العثمانية، لكنها خسرت فرصة ذهبية لفتح روسيا، بل والوصول بلا مبالغة إلى موسكو، خاصةً إذا توصَّلت إلى اتفاق شراكة مع إمبراطورية السويد. المشكلة الأكبر أن الأسير لم يكن قيصرًا عاديًّا؛ إنما هو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية الروسية، ولو انتهى دوره في التاريخ عند هذه المرحلة لخسرت روسيا خسارة لا يمكن تعويضها، ولكان من الصعب عليها أن تهدم الدولة العثمانية مستقبلًا. نعم تأجلت مشاريع روسيا في الوصول للبحر الأسود لكنها لن تنتهي، بل سينجحون في ذلك لاحقًا، بفضل جهود بطرس الأكبر ومَنْ بعده.


كانت المعاهدة التي عُقِدَت قريبًا من أرض القتال، وبعيدًا عن إسطنبول، صادمةً للسلطان أحمد الثالث، وكذلك للإمبراطور السويدي[23]. اكتفى السلطان أحمد بعزل الصدر الأعظم ونفيه[24] لقيامه بهذا الخطأ التاريخي الشنيع، ولعل هذا العقاب اليسير نسبيًّا ينفي شكَّ السلطان في مسألة الرشوة؛ وإلا كان العقاب المتوقع هو الإعدام بلا شك.


تلكأت روسيا في تسليم ميناء آزوڤ، وفي الانسحاب من بولندا، فأعلن السلطان أحمد الثالث عليها الحرب مرتين؛ واحدة في عام 1712م وتم تدارك الأمر عبر الدبلوماسية الروسية[25]، والثانية في عام 1713م، وفيها رضخت روسيا، ونفذت المطالب العثمانية، ووُقِّعت بذلك معاهدة جديدة في إدرنة في 24 يونيو 1713م[26]، وبذلك أُغْلِق هذا الملف، على الأقل في هذه المرحلة.


في العام التالي، 1714م، عاد الإمبراطور السويدي إلى بلاده بعد أكثر من خمسة أعوام من اللجوء للدولة العثمانية[27].


كشفت هذه الحرب السابقة عن جاهزية الدولة العثمانية في هذه الفترة للقتال المفاجئ، وكشفت كذلك عن الجهد الضخم الذي بذله السلطان أحمد الثالث وقادة الدولة من أجل إعادة الجيش العثماني إلى المستوى اللائق به، فحقق الانتصار على الجيش الروسي القوي بقيادة قيصر روسيا نفسه، كما كشفت عن صلابة السلطان أحمد الثالث في مسألة حماية الإمبراطور السويدي، واهتمامه بعزة الدولة العثمانية، وعزمه على القتال مرة أخرى مع الروس عندما تلكأوا في تنفيذ معاهدة بروت.


-أيضًا- كشفت المعاهدة عن أن الدولة العثمانية كانت لا تزال في هذه الفترة تتمتع بمكانة عالمية كبرى تسمح لها في الدخول في هذه الصراعات الضخمة دون وجل أو تردد. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الإيجابيات، فإن هذه الحرب كشفت عن بعض أوجه القصور المهمة في الدولة العثمانية في هذه المرحلة التاريخية؛ منها ولاية غير الأكفاء لبعض المناصب الكبرى في الدولة، ومنها وجود فساد يصل إلى رشوة بعض كبار رجال الدولة، سواء كان الصدر الأعظم أو المستشارين، ومنها عدم عمق الرؤية الاستراتيجية للدولة حيث لم تكتشف مبكِّرًا (منذ أواخر القرن السابع عشر) قيمة الإمبراطورية السويدية وأهميتها، ولو كان لدي العثمانيين الاطلاع الكامل والواعي على موازين القوى لكان التحالف مع السويديين أمرًا ضروريًّا لمواجهة الروس لاحقًا، لكن هذا لم يحدث.


هذا هو الخطأ نفسه الذي ذكرناه سابقًا عند حديثنا عن الحرب العثمانية البولندية حين قلنا: إنه كان ينبغي للدولة العثمانية السعي إلى التحالف مع البولنديين ضد الروس بدلًا من حرب الاثنين معًا، وها هي الآن روسيا تجتاح بولندا، وتنتصر على السويد، وتنفرد بكل قوة من قوى المنطقة على حدة! ستنتهي حرب الشمال العظمى بانتصار كاسح للروس، وبداية الاضمحلال للإمبراطورية السويدية، وسيطرة الروس على بحر البلطيق، ومن ثم على بولندا وأوكرانيا، وبتضخم مرعب للإمبراطورية الروسية سيكون له آثار مدمرة على الدولة العثمانية، والفضل في ذلك يعود إلى محمد بلطجي باشا![28].


[1] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م، صفحة 1/616.
[2] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 2, pp. 700-708.
[3] بوغانوف: حياة بطرس الأكبر، دار التقدم، موسكو، 1990م، صفحة 270.
[4] حليم، إبراهيم: التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية، مطبعة ديوان عموم الاوقاف، القاهرة، الطبعة الأولى، 1323هـ=1905م، صفحة 152.
[5] سرهنك، 1895 صفحة 1/616.
[6] 127. كينروس، چون باتريك: القرون العثمانية قيام وسقوط الإمبراطورية التركية، ترجمة وتعليق: ناهد إبراهيم دسوقي، منشأة المعارف، الإسكندرية-مصر، 2002م، صفحة 412.
[7] Moss, Walter G.: A History of Russia: To 1917, Volume 1, Anthem Press, London, UK, 2005., vol. 1, p. 233.
[8] Brezianu, Andrei & Spânu, Vlad: Historical Dictionary of Moldova, The Scarecrow Press, Lanham, Maryland, USA, Second Edition, 2007., p. 219.
[9] 75. ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م، صفحة 33/ 37.
[10] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م، صفحة 313.
[11] سرهنك، 1895 صفحة 1/616.
[12] Mikaberidze, Alexander (Editor): Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011 (A), vol. 2, p. 772.
[13] ديورانت، 1988 الصفحات 33/ 37، 38.
[14] سرهنك، 1895 صفحة 1/616.
[15] Mikaberidze, 2011 (A), vol. 2, p. 726.
[16] Voltaire: The History of Charles the Twelfth, King of Sweden, and Peter the Great, Emperor of Russia, Translated from the French: Tobias Smollett, Walker and Edwards, London, UK, 1817, p. 455.
[17] سرهنك، 1895 صفحة 1/616.
[18] بروكلمان، كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1968م، صفحة 523.
[19] كينروس، 2002 صفحة 413.
[20] Stone, Elizabeth (Sutherland Menzies): Turkey, Old and New: Historical, Geographical and Statistical, W. H. Allen & Co., London, UK, 1880., vol. 2, p. 8.
[21] آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م، صفحة 340.
[22] بوغانوف، 1990 صفحة 295.
[23] ديورانت، 1988 صفحة 33/ 38.
[24] إبراهيم أفندي: مصباح الساري ونزهة القاري، بيروت، الطبعة الأولى، 1272هـ=1856م، صفحة 211.
[25] بوغانوف، 1990 الصفحات 303، 304.
[26] مانتران، روبير: الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر: الضغط الأوروبي، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م (ج)، صفحة 1/406.
[27] ديورانت، 1988 صفحة 33/ 38.
[28] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 2/ 803- 807.