عظمة مصر (3) الملك المعظم غياث الدين توران شاه
كان ملك علي مصر والشام لمدة خلال المدة من إلي تسلطن بعد موت أبيه الملك الصالح أيوب ، وبعد أن تسلطنت زوجة والده أم خليل شجرة الدر .
هو السلطان الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين محمد أبي بكر ابن نجم الدين أيوب بن شادي سلطان الديار المصرية الأيوبي الكردي آخر ملوك بني أيوب بمصر
ملحوظة : عين السلطان المعز لدين الله أيبك أمير من بني أيوب ليكون ملك بجانبه في بداية توليه حكم مصر وهو الملك الأشرف ثم عندما أستتب له الأمر قبض عليه وقتله .
حضر الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا إلي مصر بعد موت أبيه الملك الصالح بمدة أختلف فيها المؤرخين فمنهم من قدرها بشهرين ونصف ومنهم من قال أنها أربعة أشهر ونصف وكان قدومه من حصن كيفا إلى المنصورة في ليلة مستهل المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة ‏.‏ويقول المقريزي ( وقد سار من حصن كيفا في نصر شهر رمضان فمر على دمشق وتسلطن بقلعتها في يوم الاثنين لليلتين بقيتا منه وركب إلى مصر فنزل الصالحية طرف الرمل لأربع عشرة بقيت من ذي القعدة فأعلن حينئذٍ بموت الصالح ولم يكن أحد قبل ذلك قد علم بموته ).
كما هو معلوم أخفت شجرة الدر وفاة زوجها الملك الصالح أيوب حتي لا تفت في عضد الجيش الذي كان علي أعتاب معركة مع الصليبين بقيادة الملك لويس ، اخذت شجرة الدر البيعة لابنه توران شاه وظلت شجرة الدر تدبر الأمور وتخفي موت السلطان الملك الصالح إلى أن حضر توران شاه من حصن كيفا حيث كانٍ نائبًا لأبيه الملك الصالح على حصن كيفا وغيرها من ديار بكر إلى المنصورة في أول المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة‏.‏
بعد وصول توران شاه إلى المنصورة قاد الجيش المصري المدعم بأولاد البلد حتي انتصر علي الصليبين .

وعن سير المعركة : مع كل احتياطات شجرة الدرّ إلا أن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسربت ووصلت إلى الصليبيين ، مما أدي لانخفاض معنويات الجيش المصري ، فهجم قائد من قادة الفرنسيين كان يقوم بالاستطلاع علي مخيم جيش المسلمين علي حين غرة وقتل منهم الكثيرين ومنهم الوزير فخر الدين يوسف ، ثم وضع الفارس فخر الدين أقطاي وركن الدين بيبرس خطة لمقابلة الجيش الفرنسي في المنصورة، وحصلا علي موافقة شجرة الدر، ، وأخذ الجيش المصري مواقعه، واستعد للقاء.
في اليوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هجرية دارت موقعة المنصورة العظيمة، وانتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً، ثم تابعوا الهجوم على جيش الملك لويس التاسع في اليوم السابع من ذي القعدة سنة 647 هجرية وق كان يعسكر خارج المنصورة، ، ولكن الملك لويس التاسع تمكن من صد ذلك الهجوم ، وبهد عشرة أيام وصل توران شاه إلى المنصورة في السابع عشر من ذي القعدة سنة 647 هجرية، وتسلم السلطان مقاليد الحكم، وأعلن رسمياً وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولاية توران شاه حكم مصر والشام.
بدأ توران شاه في التخطيط للمعركة ، وكانت حالة الجيش الصليبي قد ساءت، وبدأ بالانسحاب ناحية دمياط، بينما ارتفعت معنويات الجيش المصري جداً للانتصارات السابقة، وخاصة انتصار المنصورة، ولوصول توران شاه في الوقت المناسب.
طال القتال بين الجيش المصري والفرنجة مما تسبب في ضعف حال جيش الفرنجة لانقطاع الميرة عنهم وتفشي وباء بين خيولهم فقرر لويس التاسع على أن يركب في أول الليل ويسير إلى دمياط فأقاموا ‏ جسرًا عظيم من الأشجار على النيل ليعبروا عليه ، علم قادة الجيش المصري بخطة الفرنج فعبروا علي الجسر إلى منطقة تمركز الفرنجة وأحدقوا بهم يتخطفونهم طول الليل قتلًا وأسرًا ،التجأ الصليبين إلى قرية منية أبي عبد الله وتحصنوا بها ، حاصرها جيش مصر ودار حولها وظفروا بأسطول الفرنجة بمن فيها‏.‏

ظل من الفرنسيس خمسمائة فارس في حوش منية أبي عبد الله فأحدق بهم المصريين وحملوا عليهم حتى أبادوهم ولم يبق منهم سوى فارسين فرموا نفوسهم بخيولهم إلى البحر فغرقوا وغنم المصريين ما لا يوصف ‏وقيل أن عدد قتلي الفرنسيس سبعة آلاف نفس ، وقيل ثلاثين ألف ،وقالت مصادر أن عددهم فاق مائة ألف ، وكان عدد قتلي المصريين أقل من مائة شخص .
أرسل توران شاه كتاب إلى جمال الدين بن يغمور نائب الشام يقول‏:‏ ‏ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ‏، نبشر المجلس السامي الجمالي بل نبشر الإسلام كافة بما من الله به على المسلمين من الظفر بعدو الدين فإنه كان قد استفحل أمره واستحكم شره ويئس العباد من البلاد والأهل و الأولاد فنادوا ‏:‏
{وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) }سورة يوسف ، ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة المباركة تمم الله على الإسلام بركتها فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال وفرقنا السلاح وجمعنا العربان والمطوعة واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى فجاءوا من كل فجٍ عميق ومن كل مكان بعيد سحيق ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع عليه الاتفاق بينهم وبين الملك العادل أبي بكر فأبينا‏ ( يقصد معاهدة سابقة بين الصليبين والملك العادل ) ، ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم وقصدوا دمياط هاربين فسرنا في آثارهم طالبين وما زال السيف يعمل فيهم عامة الليل ويدخل فيهم الخزي والويل‏.‏ فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفًا غير من ألقى نفسه في اللجج‏ .‏
وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج والتجأ الفرنسيس إلى المنية وطلب الأمان فأمناه وأخذناه وأكرمناه وتسلمنا دمياط بعونه وقوته وجلاله وعظمته ‏"‏‏.‏
وأرسل الملك المعظم مع الكتاب إلى ابن يغمور المذكور بغفارة الفرنسيس فلبسها ابن يغمور في دست مملكته بدمشق وكانت سقراط أحمر بفرو سنجاب‏.‏
فكتب ابن يغمور في الجواب إلى السلطان الملك المعظم توان شاه بيتين ‏:‏ أسيد أملاك الزمان بأسرهم تنجزت من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدا ويلبس أسلاب الملوك عبيده ‏.‏

قال العلامة شمس الدين يوسف بن قز أوغلي في تاريخه عن توران شاه ‏:‏ تم كسر الفرنج عند قدومه فتيمن الناس بطلعته غير أنه بدت منه أسباب نفرت القلوب عنه ، فاتفقوا على قتله‏.‏
والواقع أن الصراع دار بين مماليك أبيه الذين ناصروه وحاربوا الفرنسيس وبين ما تبقي من بني أيوب فانحاز توران شاه إلي بني أيوب ، وأخذ يبعد المماليك خاصة المماليك البحرية ، كما طالب شجرة الدر بأموال أبيه وأعادها للحريم بعد أن كانت ملكة علي مصر فتأمروا ليه وقتلوه .
قالوا عنه إنه كان فيه خفة وكان سكيراً وكان إذا سكر يجمع الشموع ويضرب رؤوسها بالسيف فيقطعها ويقول‏:‏ كذا أفعل بالبحرية‏!‏ يعني مماليك أبيه الذين كان جعلهم بقلعة البحر بجزيرة الروضة ثم يسمي مماليك أبيه بأسمائهم وأهانهم وقدم الأراذل وأبعد الأماثل‏.‏ ووعد الفارس أقطاي أن يؤمره ولم يف له فاستوحش منه ، وكان يحتجب عن الناس مقلداً أبيه ، ‏!‏ قال الأمير حسام الدين بن أبي علي‏:‏ كان توران شاه لا يصلح للملك كنا نقول لأبيه الملك الصالح نجم الدين أيوب‏:‏ ما تنفذ تحضره إلى هاهنا‏!‏ فيقول‏:‏ دعوني من هذا فألححنا عليه يومًا فقال‏:‏ أجيبه إلى هاهنا أقتله ‏!‏
وفي يوم الاثنين سابع عشرين المحرم جلس توران شاه على السماط
يتناول طعام الإفطار في خيمته السلطانية بفارسكور فهجم عليه مجموعة من المماليك بعد شكوكهم بنواياه تجاههم ومنهم بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وأقطاي الجمدار وضربوه بالسيوف حتي قطعوا أصابعه ، صعد البرج وهو يقول‏:‏ ما أريد ملكًا‏!‏ دعوني أرجع إلى الحصن ، ما فيكم من يصطنعني ويجيرني‏!‏ والعساكر واقفة فما أجابه أحد والنشاب تأخذه فتعلق بذيل الفارس أقطاي فما أجاره فقطعوه قطعًا وبقي على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخًا لا يجسر أحد أن يدفنه حتى شفع فيه رسول الخليفة فحمل إلى ذلك الجانب فدفن به‏.‏
قتل توران شاه في يوم الاثنين تاسع عشر من المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة ‏.‏

وبموته انقضت دولة بني أيوب من ديار مصر بعدما دامت إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يومًا وملك منهم ثمانية ملوك‏.‏
دمتم بخير