عظمة مصر (2) شجرة الدر
هناك سيدات كتب التاريخ من أجلهم فدخلوها من أوسع أبوابه، أشهرهم السلطانة شجرة الدر التي تعتبر أول امرأة تجلس علي العرش في تاريخ الإسلام، كانت جارية تمتلك عقلاً جباراً وذكاء خارق ،كانت جميلة جمال مبهر ولماحة ، وقد اختلف المؤرخون في تحديد جنسيتها; فقيل أنها رومانية, وقيل جركسية, ويقال أنها من بلدة في جبال القوقاز ساقهما النخاسون طفلة صغيرة إلي بلاد الشام.
تميزت شجرة الدر عن جواري عصرها بأنها كانت متعلمة تجيد الكتابة والقراءة لقبة بالصالحية لأنها كانت من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب عندما كان حاكماً للشام وقد أشتراها من حلب مع المملوك ركن الدين بيبرس ، وعندما ولدت له أبن يدعي خليل ( مات صغيراً في 2 صفر عام 648 هـ 1250م)أعتقها وتزوجها وأتت معه إلي مصر عند توليه السلطنة في مصر
وكان لها موقف لن ينساه التاريخ فعندما مات زوجها الملك الصالح نجم الدين أيوب في 23 نوفمبر 1249 والجيش المصري مقبل علي معركة مع الصليبين ، كان لشجرة الدر موقفًا عظيماً، تغلبت على أحزانها وحجبتها عن الجميع ، و قدمت المصالح العليا لمصر فوق كل مصلحة ، فقد كانت برجاحة عقلها مدركة لخطورة الموقف ، فأخفت خبر موت زوجها الصالح نجم الدين أيوب ، وأمرت أن تحمل جثته سرًا في سفينة إلى قلعة الروضة بالقاهرة ، ورتبت زيارات الأطباء لحجرة السلطان بصفة يومية كعادتهم ، وكذا جميع العادات اليومية الخاصة بالسلطان من مأكل ومشرب كانت تتم بصفة يومية موهمة الجميع أنه حي، وكانت الأوراق الرسمية تخرج كل يوم وعليها علامة السلطان، رتبت شجرة الدر كل أمور الدولة بما فيها شئون الجيش في ساحة القتال، عهدت للأمير "فخر الدين يوسف" بقيادة الجيش، وفي نفس الوقت أرسلت فخر الدين أقطاي إلى غياث الدين توران شاه ابن الصالح أيوب بالشام ليحضر إلي مصر ويتولي السلطنة مكان أبيه ، وقد حضر لمصر بعد ثلاثة أشهر من موت أبيه ، وهي الفترة التي أدارت شجرت الدر فيها البلاد .
أثر الانتصار الصليبين علي توارن شاه وأصابه بنشوة التعالي والخيلاء لم ينسي توران شاه أن أبيه ترك أمه من أجل شجرة الدر فعمد لمعاملتها بخشونة وقسوة وجفاء لم تتعوده بل أنه أمر بعودتها للحريم السلطاني وبدأ في مطالبتها بثروة أبيه , وتعالي توران علي الأمراء الذين حافظوا علي عرش البلاد بعد وفاة أبيه وقبل وصوله, وقام بإبعادهم، ونتيجة لمعاملته لزوجة أبيه وقواد الجيش من المماليك حيكت مؤامرة مشتركة بين شجرة الدر ومماليك أبيه لقتل توران شاه انتقام منه , حاول توارن شاه الفرار فعاجله بيبرس البندقداري بالسيف فقطع يده, فقفز توران في النيل وأدركه المنتقمون في وسط النيل ليجهزوا عليه وذلك في شهر المحرم من عام648 هجرية سنة 1250م ، بعد خمسة أسابيع من مبايعته ملكا, وألقيت جثته في العراء ثلاثة ايام ولا يعرف أحد أين دفنت, وهو أخر أسرة الأيوبيين في مصر ويخلو عرش مصر رسميا لشجرة الدر حيث بايعها الأمراء وكبار رجال الدولة لتكون أول ملكة تجلس علي العرش وحدها في تاريخ الإسلام, ولقبت بالملكة عصمة الدين والملكة ام خليل المستعصمية نسبة الي الخليفة المستعصم, ونقش اسمها علي الدراهم والدنانير, وبدأت في عهدها تسيير المحمل المصري الي الحجاز, والذي يحمل كسوة الكعبة الي بيت الله الحرام, بالاضافة إلي المؤن والأموال لأهل البيت ، وكان أول أمير للمحمل بيبرس البندقداري .

وقد جاءت ردود الفعل الغاضبة في مختلف بلاد الإسلام برفض تولي امرأة للعرش حيث أرسل الخليفة المستعصم بالله العباسي يقول: ويل لبلد تحكمه امرأة, إذا كانت مصر قد أقفرت من الرجال فأخبرونا حتي نرسل إليكم رجلا.
فطنت شجرة الدر إلي أنها لن تستقر في الحكم إلا في كنف رجل وكانت قد بلغت الخمسين من عمرها ، وظلت تحكم مصر بمفردها ثمانين يوماً ، نظرت فيمن حولها واختارت أطوعهم لها ، فتزوجت من الأمير عز الدين أيبك التركماني سنة648 هـ 1250 م وأصبح أسمه الملك المعز عز الدين أيبك ،لم يكن أيبك سهل الانقياد كما خيل لشجرة الدر ،ولكنه أظهر الانقياد لها ن وقد وجد اعتراض علي حكمه من قبل ألـ أيوب وتابعيهم ، ولإخماد فتنتهم أشارت عليه شجرة الدر باختيار أحد أمراء بني أيوب وهو الأمير الصغير موسي الأمير من سلالة الملك العادل ونصبوه ملكا بجوار أيبك ، ولقب بالملك الشرف موسي ، وبعد أن هدأت الأمور زجوا به في السجن ثم امر أيبك بقتله ليصفوا الجو له مع شجرة ويتمكن من توطيد أركان ملكه وبسط نفوذه وسلطانه ليكون صاحب الكلمة العليا ، عاش أيبك مع شجرة الدر سبعة أعوام تخللتها الكثير من المشاكل ، أخذ أيبك يخطط لتولي أبنه نور الدين علي العرش من بعده ، وأرسل إلي بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل يطلب منه أن يزوجه بابنته غضبت شجرة الدر, , دبرت شجرة الدر لقتل أيبك ، بدء غلمانها في قتل أيبك في وجودها, ويذكر المؤرخون إنها بدأت اغتياله بضربة القبقاب الأولي علي رأسه وتوالت ضربات الغلمان حتى أجهزوا عليه.
ثار مماليك عز الدين أيبك لمقتله وهاجموا قصر الملكة واقتادوها إلي أحد أبراج القلعة سجينة مجردة من سلطانها ونفوذها بعد أن فتكوا بالغلمان والحاشية من الخدم والعبيد الذين شاركوا في قتل أيبك ، ثم نادوا بالطفل نور الدين علي ملكا علي مصر والشام ولقب بالملك المنصور .
بعد قتل المعز بأيام تم قتل شجرة الدر بالقباقيب بواسطة ضرتها أم نور الدين علي وغلمانها ، ثم أقامت أم علي وليمة احتفاء بمقتل غريمتها وصنعت الحلوي للمدعوين وهي الحلوى المعروفة حتي اليوم بأم علي .
ماتت شجرة الدر أول ملكة في الإسلام في يوم 3 مايو 1257م الموافق 23 ربيع الأول655هـ بعد أن حكمت مصر ثمانية عشر عاما ، وتذكر كتب المؤرخين أن جثة شجرة الدر ألقيت عارية ، وظلت في العراء بضعة أيام إلي أن دفنها بعض هل الخير ، ووجد من دفنها جوهرة مربوطة في دكة سروالها .
قال عنها ابن تغري بردي ( كانت خيّرة دَيِّنة، رئيسة عظيمة في النفوس، ولها مآثر وأوقاف على وجوه البِرّ، معروفة بها ).