يمنع منعا باتا وضع روابط تحميل لأي موسيقى أو أغاني أو برامج أو أي ملفات أو مواد ذات حقوق ملكية فكرية
وأي مشاركة مخالفه لحقوق الملكية الفكرية والنسخ والتوزيع مهما كانت سيتم حذفها وإيقاف عضوية صاحبها فورا
برجاء مراجعة قوانين المنتدى

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 63

الموضوع: لأن الكتابة ....فن

  1. #21

    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    13,188
    موضوع راقى يا جيهان ..
    يقطر عذوبة على ألحان النفس الفنانة الهامسة ..
    أتابع باستمتاع..


    تحياتى

  2. #22

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليمامة مشاهدة المشاركة
    موضوع راقى يا جيهان ..
    يقطر عذوبة على ألحان النفس الفنانة الهامسة ..
    أتابع باستمتاع..


    تحياتى
    اهلا يا ندى
    سعيدة والله بمتابعتك للموضوع والف شكر على اطرائك الرقيق يا حبيبتى
    وان شاء الله تجدى فيه ما يمتعك دايما
    تحياتى



    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  3. #23

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... وتكاثُر .





    أودّ أن أقول لكم أنّ القصيدة _ من وجهة " شِعري " الشّخصيّة _ كائن حيّ .! , ..
    كائِن متحوّل , ومتطوّر, ويستجيب لمتغيّرات اللحظة , والمِزاج , والحالة الظرفـ زمانية / مكانيّة / نفسيّة للكاتب , ..

    وقد تنمو القصيدة وحيدة وتتكاثر من تلقاء شِعرها وتُنجب لنا أبياتَ شعرٍ كثيرة ; دونما أي تدخّل بشري كـ " سِتّنا مريِم " , ولا تحتاج لأيّ شيءٍ سوى أن تهزّ إليها شجرة اللّغة لتسّاقط عليها القوافي شِعراً جنِيّا .

    وقد تتكاثر بسرعة فائِقة بعد أن تُمارس خطيئة الشّعر وغـَزْلِ القوافي بشكل جماعي ومتكرر كـ " سالومي " ; دون أن يكتشف أحدٌ من هوَ الأب الشّرعي لقصيدتكـَ / ـكـِ الأخيرة ..
    وهذه " سكّه خَطَر " قد تودي بحياتك الشّعرية .! , إن لم تكُن من العارفين بحواري الشّعر الخلفيّة , ..
    لأنّ " سالومي " _ في النّهاية _ قد تطلب أن يُقدّم إليها رأسك على طبقِ من نّحاس إن لم تتجاوب وشبَقها الشّعري ..

    بالضبط ..
    تماماً كما فعلت بالنبيّ يحيى ..
    لا تدّعوا نبوّة الشّعر مثلي , لا تدّعوا فتسقطَ رؤوسكم .! .

    فمن يُمارس عمليّة إعادة تخليق القصيدة وتجميلها عدّة مرّات يجب أن يكون قد تخرّج معي من مدرسة :
    [ أن تكتبَ نَصّا واحداً مِئة مرة , أفضل من أن تكتبَ مِئة نصٍّ مرّة واحِدة ] ..

    يجب أن يكون قد جلس معي على نفس الطاولة , وفي نفس الفصل .
    وكتبَ ومسحَ , وكتبَ ومسحَ , وكتبَ ومسحَ معي على نفسِ السبّورة ..

    وبعد أن تغيّرَتْ قوانين الزواج في بلدي / دولة الشّعر ..
    .
    .
    الآن صِرتُ أكثرَ شقاوة ..
    وصارت القصائِدُ أكثرَ عُهراً .




    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  4. #24

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... و .. بس





    في الحقيقة .! , الكِتابة فنّ فعلاً.
    والفنّ يحتاج لمِزاج , والمِزاج حالة , والحالة وقتٌ قصيٌر استثنائيّ , والوقت القصير الاستثنائيّ نادر , والنّدرة تعني القيمة , والقيمة تساوي التميّز , والتميّز يعني اختلاف , والاختلاف يعني العبقرية , والعبقريّة جنونٌ , والجنون لدى الكُتّاب مؤقّت , والجنون المؤقّت يحتاج لوقتٍ قصير , والوقت القصير يعني حالة , والحالة مزاج , والمزاج فنّ , والفنّ في الحقيقة يعني الكِتابة , والكتابة فنّ , والفنّ يحتاج لمِزاج , والمِزاج ............. لديكم وقت ؟!





    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  5. #25

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... وتحضير أرواح .



    ساعات فرجينيا وولف الأخيرة
    ---------------------------------------------

    بقلم : فـاطـمـة نـاعـوت


    رواية "السـّاعات" The Hours 2002، لـ "مايكل كننجام Michael Cunningham ، الحائزة جائزة "بوليتزر" ، تناولت آخر يوم في حياة الأديبة الإنجليزية "فرجينيا وولف ".

    وقد تحوّلت الرواية إلى فيلمٍ فاز بأوسكار و يُعرض حاليًا في معظم دور سينمات العالم ، جسدّت نيكول كيدمان الممثلة الأمريكية الجميلة دور فرجينيا وولف.لعب المؤلف لعبته الذكيّة حين استعار تقنية وولف في بنائها الدراميّ ووظفّها في تشكيل روايته عنها، فتذكّر القارئُ أسلوبَ وولف اللاسرديّ في معالجة نصوصِها حيث الأحداث تتجاور وخطُّ الزمن أفقيّ ، فيخلو القصُّ من تيمة السَّرد الخطيّ التقليديّ الذي تتنامى فيه الأحداث مع التصاعد الزمنيّ .

    تتناول الرواية /الفيلم - الساعات الأخيرة في حياة فرجينيا وولف عبر رصد يوم واحد في ثلاثة عصور ، ومن خلال ثلاث نساء : محررّة صحفيّة من الزمن الحالي2002، كلاريسا ، ربّة منزل في الزمن اللاحق للحرب العالمية الثانية مباشرة عام 51، لورا ، ثم الخَّيط الرابط بينهما ، فرجينيا وولف ( كيدمان)، عام 23 حين تحاول الشروع في كتابة روايتها الأشهر "مسز دالواي".

    لقطة المفتتح للفيلم عام 41 وهو العام الذي أنهت وولف فيه حياتها بإغراقِ نفسها في نهر " أووز" حيث يصوّر مشهد الانتحار ، وبعدها يعود فلاش باك ليرصدَ لحظات حميمة من حياة وولف ، تلك اللحظات التي تمسك بقلمها وتكتب. عام 51 حيث إحدى القارئات ( لورا) تقرأ رواية "السيدة دالواي" وابنها الصغير ريتشارد الذي سيصبح أحد شخوص تلك الرواية عام 2002 ، ثم الزمن الراهن و السيدة دالواي ( كلاريسا) ذاتها تعدُّ الترتيبات لإقامة حفل تكريم لهذا الذي أصبح شاعرًا مشهورا غير أنه أصيب بأزمة نفسية نتيجة مرضٍ خطير مما يدفعه إلى القفز من شرفة منزله المنعزل يوم تكريمه.

    استعاد "كننجام" فرجينيا وولف للحياة ، ناسجًا قصتها في تواشج ذكيّ مع امرأتين أكثر معاصرةً.في أحد صباحات لندن الرماديّة عام 1923 تصحو وولف على حُلمٍ كئيب و متكرر ، سوف يقودها إلى محاولة كتابة روايتها الجديدة "مسز دالواي ".بينما في الزمن الحاضر ، وعلى نحوٍ متوازٍ، أحد أيام يونيو في بلدة جرين ويتش " ، كلاريسّا فوجان ذات ال 52 عاما ، تعدُّ الترتيبات من أجل حفل تكريم صديقها القديم ريتشارد ، الشاعر الذي فاز بجائزة أدبية كبرى والذي يموت ببطء بعد إصابته (بالإيدز! ).

    وعلى الجانب الثالث، في لوس أنجلوس عام 1951 ، لورا براون ، ربّة البيت التي تنتظر طفلا ، تشعر باضطرابٍ و إحباط ، يتملكها إحساسٌ عدميّ كلما حاولت أن تجد مبررًا لوجودها خارج دور الأم والزوجة ، سوى أنها مع هذا ، تفعل ما في وسعها من أجل الترتيب لعيد ميلاد زوجها ، غير أنها لا تستطيع التوقف عن متابعة قراءة رواية "مسز دالواي "لفرجينيا وولف. لقطات سريعة لحياتيّ هاتين المرأتين وخطٌّ عريض يتقاطع معهما يمسُّ حياةَ وولف ذاتها فتجد ذروةً دراميةً واحدةً تضفِّر حيوات تلك السيدات الثلاث بخيوطٍ تتقاطع مع رواية دالواي و تلك اللحظات الثمينة التي يحاول فيها المرءُ فعلَ أمرٍ ما وينجح بعد جَهدٍ في الوصول ، في هذا تقول كلاريسا: "من هدايا الحياة الصغيرة لنا تلك الساعة التي تحتشد فيها حياتنا –بالرغم من رِهاناتنا و توقعاتنا – لتتفتح فجأة طاقة نورٍ تهبنا كل الأشياء التي حلُمنا بها.

    فيما يتجول كننجام بين النساء الثلاث ، بانتقالاتٍ ناعمة غير مفتعلة ، تلتقط وولف في نهاية الفصل الأول قلمَها لتخطَّ جملتها الأولى في الرواية " قالت السيدة دالواي إنها سوف تشتري الورود بنفسِها."وفي بداية الفصل الثاني تمرُّ عين "لورا" على هذا السطر و تبتهج لاستغراقها الوشيك في خيال الرواية التي تقرأ.على الجانب الآخر ، يصبح يوم كلاريسا انعكاسًا مرآويًا ليوم السيدة دالواي مع مسحة تحديثية تناسب زمن الألفية الثالثة ( وتلك هي اللعبة الخطرة التي لعبها المؤلف من تعديلِ زمنِ رواية وولف وما يستتبعه هذا التعديل الزمنيّ من تغييرات في الأحداث التي أساءت إلى رواية وولف "مسز دالواي" من وجهة نظري ) ، ولكن يبدو أن المؤلف أرادَ أن يخرجَ من أسرِ زمن وولف ليفتح مجال الإلهام على مصراعيه ويفيد من تقنيات العصر وكذا ليخلقَ ثراءً دراميًا على خطِّ الزمن.كلاريسا تعلم أن رغبتها القوية في منح صديقها القديم - المصاب بالإيدز في رواية الساعات والمصاب بقذيفة من الحرب العالمية حسب رواية وولف – حفلاً يرفع من روحه المعنوية قد تبدو فكرة مبتذلةً بالنسبة للجميع ،ولكنها ترى ذاك الحفل ضروريا بدلا من فتح باب اليأس أمام الشاعر الذي ينتظر نهايته.رواية الساعات هي ترنيمةُ وعيٍ وتذكرة بأن الفنَّ أكثر رحابةً من مجرد عالم من الموجودات.

    يقول الناقد الأدبيّ " برناديت جاير " من ولاية " أرلينجتون " إن رواية الساعات تُعد أحد أجمل الروايات المعاصرة التي قرأتها ومن السهل أن ندرك لماذا حصدت بوليتزر . ويظهر تميُّز العمل في نجاح المؤلف في تناول الأمر من منظور المرأة حيث تلمس أنه اخترق دواخل روح هاتين المرأتين ، واستطاع أن يستلهم كيف كانت تفكر وولف أثناء الكتابة و ماهية حوارها الداخلي . أحسن المؤلف توظيف تيمات فكر وولف التي تتجلى في روايتها السيدة دالواي و كذلك في مقالة "غرفة للمرء وحده" ليصنع حبكةً محكمة من التوازيات الزمنية والبشرية.

    بالرغم من محاولة كاتب الرواية تمجيد وولف إلا أن التغييرات التي صاغ بها روايتها "مسز دالواي " من أجل جعلها متسقةً والزمن الذي مُثلت فيه ،نجده في حينٍ ،فتح قوسَ الزمنِ على اتساعه فوسمَ الفيلم بثراء تقنيّ وزمنيٍّ غير إنه في حينٍ آخر أضعف جلال رواية "مسز دالواي " حين غسل عنها زمن الحرب الكونيّة الأولى بكل ما غلّف تلك المرحلة من شجن واشتباكات اجتماعية وسياسية وانقسامات نفسية لمعاصري ذاك الزمن ، كما أن استبدال إصابة الشاعر بمرض الإيذر بإصابته بقذيفة في الحرب يعدّ إساءة بالغة لرائعة وولف الروائية ، هذا في رأيي على الأقل.

    القفز فوق سلّم الزمن والانتقال المباغت بين الأحداث والتقاطع المشتبك مع الوقت والشخوص هي أهم تقنيات وولف في البناء الروائيّ وهي التيمة التي لعب عليها المخرج في بناء دراما فيلمه الذي فاز بأوسكار.

    فرجينيا وولف (1882-1941) أحد أهم القامات في الأدب الإنجليزي و رواده في حركة التحديث . صنعت إسهاما مهمًّا في تغيير شكل الرواية الإنجليزية إذ نجح حسُّها التجريبي في تطوير الأسلوب الشعريّ في السرد القصصي والروائي حيث اعتمدت تقنيتها الروائية ما يعرف نقديًا بـ "تيار الوعي" ، تستشف حيوات شخوصها من خلال الغور داخل أفكارهم و استدعاء خواطرهم بما يسمى باستثارة حالات الذهن الإدراكية ، حسيًّا ونفسيًا ، والتي تشكّل نماذج وتداعيات الوعي البشري. تفعل ذلك من خلال رصد وتسجيل لحظات الوعي المتناثرة داخل الذات.

    تلتقي تقنياتها تلك مع كلٍّ من "بروست" و "جويس" متجاوزةً بذلك التقنية التقليدية في القصّ الذي ينتهج الوصفَ الخطّي المتنامي زمنيًا والرصدَ الموضوعيّ الذي ميّز رواية القرن التاسع عشر.عمدَ أسلوبها إلى تصاعد الوعي الذهنيّ لشخوص روايتها في تزامنٍ مع التصاعد السرديّ للحدث.الكتل الزمنية تتراص متوازيةً في الذاكرة وبالتالي في الرؤية الدرامية ، المشاهِد غير المكتملة تتقاطع و تشتبك لتخلق لوحةً أرحب .التنوّع الأسلوبيّ للقصِّ يذكِّر القارئ دائما أن ثمة خطًّا شعريًّا أو خياليًا متورطٌ في العمل.إن تبنّي تيار الوعي في السرد القصصيّ والذي يتراوح بين التفاصيل الدنيوية العادية و بين الإسهاب الغنائي ، والخبرة العالية بطرائق تشكّل المشهد ،هما من أهم أدوات وولف ، التي أظهرت لقارئها مدى أهمية استغلال وتنمية قدرات المخيال التشكيلي في حياتنا اليومية كما هو لدى المبدع في بناء النص.

    اشتهرت وولف باستدعاءاتها الشعرية التي تستخلصها من ميكانيزم التفكير والشعور البشري. كانت ، مثل بروست وجويس ، قادرةً بامتياز على استحضار كافة التفاصيل الواقعية والحسيّة من الحياة اليومية، غير إنها كانت تنتقد أسلوب مجايليْها آرنولد بينيت و جون جلوس وورثي بشأن اهتمامهما البالغ برسم واقعية ميكروسكوبية وثائقية مفرّغةٍ من الفن ، وهو ما سحباه من روائيي القرن ال 19. كانت ترى أن الواقعيين المعاصرين الذين يزعمون الموضوعية العلمية الحيادية زائفون ،طالما لا يعترفون بحقيقة أنه لا حياد تامًا في الرؤية ، لأن "الواقعية "يتم رصدها على نحوٍ مختلفٍ باختلاف راصديها.الأسوأ من ذلك أن محاولتهم الوصول للموضوعية العلمية الدقيقة تلك غالبا ما ينتج عنها محض تراكم زمني للتفاصيل . كانت وولف تطمح في الوصول لطريقة أكثر شخصانية وأكثر دقة كذلك في التعامل مع الواقع روائيا. لم تكن بؤرة اهتمامها "الشيء" موضوع الرصد ، ولكن " الطريقة التي يُرصد بها" من قِبَل "الراصد" .

    وقالت في هذا الأمر:" دعنا نرصد الذرّات المتناهية وقت سقوطها فوق العقل بنفس ترتيب سقوطها ،ثم دعنا نتتبع المشهد على نحوٍ منفصل وغير مترابط في الظهور،الأمر الذي يجعل كل مشهدٍ أو حدث يصيب ضربةً فنيًّة في منطقة الإدراك."

    كان النقاد يقارنون بين كتابات وولف وبين ما أنتجه فنانو المدرسة ما- بعد- الانطباعية postimpressionism في التشكيل من حيث التأكيد على التنظيم التجريديّ لمنظور الرؤية من أجل اقتراح شبكة أوسع للدلالات والرؤى.

    بعد روايتين تقليديتين نسبيًّا ، بدأت وولف في تطويع مداخلها التي مهدت لها اللعب على بناءٍ مخياليّ أكثر رحابةً.

    التطوّر المشهديّ المتصاعد حلَّ محلَّه التشكيل عن طريق التراصِّ الرؤيويّ ؛ الاشتباك المباشر مع الواقع والتراكم الزمنيّ استُبِدلَ بالتراوح الملتبس للعقل بين الذاكرة والوعي ؛ومن ناحية أخرى يربط المشهد المركّب للتيمة الرمزية بين شخوص ليس من علاقة بينهم في نفس القصة.كل تلك التقنيات ألقت على عاتق القارئ متطلبات جديدة تساعده في تخليق وإعادة بناء الصورة الكليّة .

    في رواية "غرفة جاكوب" 1922 نجد أن صورة البطل الكليّة تتركب من سلسلة من وجهات النظر الجزئية و المتناثرة عبر النص. في رواية "الأمواج" 1931، نجد أن منظورا - متعدد الرؤى لشخوص الرواية في حواراتهم الذاتية مع أنفسهم خلال علاقة كل منهم بالشخص الميّت في الرواية "بيرسيفال" - يتم تكسيره على عشرة فصول ، تلك الفصول بدورها تكوّن منظورا إضافيًّا يصف رحلة يومٍ واحد من الفجر إلى الغسق.والرواية الأخرى التي تلعب لعبة الزمن أيضًّا ، أي رواية اليوم الواحد ،هي "مسز دالواي" حيث ترتّب البطلة لحفل المساء بينما تستدعي كامل حياتها منذ الطفولة حتى عمرها الحالي في الخمسين.

    مشكلات الهوية هي الهم الثابت وراء هذه الإزاحة المنظورية ، وغالبا ما تلجأ وولف إلى تصوير حالة البحث عن الشخصيات غير المتحققة وغير المكتملة و من ثم عن ما سوف يحقّق اكتمالها. ترتكز كتابة وولف على لحظات الوعي العليا ، وبالمقارنة برواية جويس "عيد الغطاس" التي فيها يتناول البصيرةَ كنوعٍ من القوى الأسطورية ، نجد أن وولف تعالج الأمرَ كملَكةٍ ذهنيّة حين يُفعِّل العقلُ أقصى طاقاته.

    لا أحد يقرأ وولف بغير أن يؤخذَ بالاهتمامِ الفائقِ الذي تعطيه للمخيال الإبداعيّ .شخوصها الرئيسية يفعلّون حواسَهم وراء المنطق العقليّ ، كما أن أسلوبها السرديّ يحتفل بالدوافع الجمالية التي تنظّم الأبعادَ المتنافرة في كلٍّ متناغمٍ متسّق. ترى وولف أن الكائن البشريّ لا يكون مكتملاً إذا لم يفعِّل طاقاته الحدسية والتخيلية في أقصى درجاتها.و مثل كل كتّاب الحداثة ، نجد أن وولف مفتونة بالعملية الإبداعية وغالبا ما تضع إشارةً لها في أعمالها ، سواء حين تصف كفاح الرسام في بناء لوحته في "الطريق إلى المنارة" ،أو الكاتب في "رواية لم تُكتَب بعد" حيث تحاول استكشاف طرائق تخلّق العمل الإبداعيّ في مخيلة العقل البشريّ.

    لا يمكن للقارئ أو للمشاهد أن يستقرئ ميكانيزم هذا التخلّق في اللوحة المكتملة أو الرواية المكتوبة :الملاحظة ، الغربلة،التنظيم الإحداثيّ ، رسم خريطة العلاقات والتأويلات ، وهكذا نرى أن العقل البشريّ يقوم بأشد العمليات تعقيدًا لتنظيم الوعي والإدراك مع الملموسات الأمر الذي لا يمكن رصده بشكل كليّ داخل إطارٍ وصفيٍّ محدد.في " رواية لم تُكتب بعد" ترصد وولف حالات التخلّق الذهني لجنين رواية عن طريق أخذ القارئ عبر بدايات رواية لم تكتمل بعد راصدةً كيف يمكن أن تكتمل على أنحاء متباينة. تتحرك القصة أمامًا وخلفًا بين حائطين من الخيال والواقع ، كلَّ يساهم في احتماليات الرواية ليحفرَ نهرًا من الاقتراحات البديلة ، كل هذا يتم في ذهن الراوية التي تختبر كل الرؤى الممكنة المعتمدة على مراقبتها شخصية امرأة معينة تجلس أمامها في إحدى كبائن القطار.


    على الجانب الآخر ، ترصد الكلمات الفعلية والإيماءات التي يأتي بها راكبو نفس الكابينة ، ومن ثم ترسم – ذهنيًا – اقتراحاتٍ مُتخيلَةً لكلٍّ منهم عبر خلقٍ روائيٍ تمَّ من خلال الملاحظة ، التقمّص العاطفيّ ، وتجسيد ما تشاهده ليتفق وتصورها المبدئيّ . يظهر هذا في آلية استدعاء التداعيات الذهنية للمحيطين من خلال قراءة
    أفكارهم وسلوكهم ثم التعامل ذهنيا ونفسيا مع تلك التداعيات. ترسم وولف عملية الخلق الإبداعيّ كتجربة كاملة ، بدايات خاطئة يتم استبدالها ، تصحيح النغمة ودرجة التماسك الدراميّ ،فمثلا ، لابد أن يجد الراوية جريمة مُتخيلَة ارتكبتها البطلة "ميني مارش" لتتفق و حال الأسى المرسومة على وجهها ، كذلك استبدال نبات السرخس بنبات الخلنج لمناسبته المشهد المرسوم على نحوٍ أفضل ، إضافة أو طرح شخوص للرواية .

    ولا تغفل وولف حساب الراوية ذاتها كقوة دافعة في العمل ، بالرغم من محاولة الراوية التعالي فوق الحدث حيث بدأ من أرض الرصد الصلبة ، لكن روح الفنان داخل وولف أجبرتها على الضلوع في الدراما . ومثلما حدث لـ بودلير في "النوافذ" أكدت وولف في تلك الرواية على حتمية انتصار روح الخلق الإبداعي داخل الفنان على روح العدمية التي تصيب المبدع أحيانا ،فكلما أثبتت حكايتها الأولى فشلها و تراءى لها كم أن حبكتها تبدو مضحكةً سرعان ما تستجيب لروح المبدع داخلها وتشرعُ في نسجِ حبكةٍ جديدة.في هذه الرواية الثريّة غزيرة التفاصيل ، التي تشتجر فيها الأبعاد الكثيفة للواقع الموضوعيّ ،مع الراوية والناقد في آن ، مع المحلل الذاتي داخل الراصد بما لا يعطي مجالا للنهاية أن تكتمل ، يتنامى الهاجس الإلهاميّ داخل المبدعة التي تنشد "عالمًا رائعًا ، مشاهدَ ملوّنةً ، وشخصيات أسطورية تنتظر أن تُخلق "، لتقف الرواية على الحافّة الحرجة بين النقصِّ والاكتمال.

    ولدَتْ فرجينيا ستيفن في 25 يناير 1882 ،لأسرة شديدة المحافظة أو ما يُطلق عليها أسرة فيكتورية (نسبة إلى العصر الفيكتوريّ ) ،حيث الأب يعمل مؤرّخا بارزًا ، وناقدًا أدبيًّا هو" ليزلي ستيفن" و أمها " جوليا جاكسون داكوورث" من نسل عائلة "داكوررث" التي اشتهرت بالطباعة والنشر. وكان للأسرة اهتمامٌ بالتيارات الفكرية والفنيّة السائدة وقتها حتى أن بعض أشهر الفنانين –ما قبل الرافائليين - وقتها أعجبوا بجوليا (الأم)ورسموا بورتريهاتٍ لها ، كما كان أبوها صديقًا لكلٍّ من " هنري جيمس ، تينيسون ،ماثيو آرنولد، و جورج إليوت" و اشترك مع آخرين في عمل قاموس "السِّيَر الذاتية القومية " .

    على إنه وفق عادة تلك الأيام فقد دُفع فقط بشقيقيها ، "أدريان و ثوبي" ، إلى التعليم النظاميّ في المدارس والجامعات، في حين تلقَّت " فرجينيا " وشقيقتها " فينيسا "(التي ستغدو الرسامة فينيسيا بيل فيما بعد) تعليمهما في المنزل بحيّ هايد بارك، واعتمدتا على مكتبة أبيهما الضخمة لتحصيل الثقافة.علِقتِ المرارةُ بروح فرجينيا استياءً من عدم المساواة في معاملة الولد و البنت و احتجاجا على ما تنطوي عليه تلك التفرقة من تدني نظرة المجتمع لفكر المرأة و جدارتها الذهنية للتعلّم ،وكذا ساءها استكانةُ المرأة وقبولها الأمر على هذا النحو السلبيّ.

    عبر مشروعها الأدبيّ ؛ ظهرت ملامح هذا الرفض في مقالاتٍ كثيرة رصدت خلالها تباين التوجّهات الاجتماعية نحو كلٍّ من المرأة والرجل أهمّها مجموعة مقالات بعنوان "غرفة تخصُّ المرء وحده" عام 1929 تحكي فيها كيف كانت تُحذَّر من الخروج و تُمنع من دخول مكتبة الجامعة لأنها امرأة. تتناول تلك المقالة تاريخَ مشروعٍ أدبيّ كتبته امرأة و المبرر الإنسانيّ الذي يحتّم حصولَ الأديبةِ على المُناخ ذاته المتاح لأديب رجل ،مثل غرفة مستقلة توفِّر خصوصيةً للمبدع وأيضًا حقها في شيء من الاستقلال الاقتصاديّ ، حيث لم يكن مقبولا في عصر فرجينيا أن تحصل المرأة على مالٍ خاص أو حتى أن تختار مصيرها باستقلالٍ كالرجل.

    في رسالةٍ لصديقتها "فيتا ساكفيلد " تكلمت فرجينيا عن تلك المرحلة من حياتها المبكرة قائلةً :" هل تتخيلين في أي بيئةٍ نشأتُ ؟ لا مدرسة أقصدها ؛ أقضي يومي مستغرقةً في التأمل وسط تلالٍ من كتب أبي ؛لا فرصة إطلاقا لالتقاط ما يحدث خلف أسوار المدرسة : اللعب بالكرة ، المشاحنات ،تبادل الشتائم ، التحدث بالسوقية عوضا عن الفكتورية المقيتة ،المشاركة في الفعاليات المدرسية ، و الشعور بالغيرة ! ".

    ثمة صدمات في طفولة وولف ظللّت حياتها بمِسحة حزنٍ لازمتها حتى لحظة انتحارها في النهر ،أولا التحرّش الجسديّ من قِبل أخيها غير الشقيق " جيرالد داكوورث " ، ثم موت أمِّها في فجر مراهقتها . أخذت أختها غير الشقيقة " ستيللا داكوورث " مكانَ الأم لكنها ماتت أيضًا بعد أقلِّ من عامين ، كما عايش "ليزلي ستيفن " ، الأب " موتًا بطيئا بالسرطان ،و تزامن موت شقيقها " توبي" عام 1906 مع بداية إصابتها بالانهيار النفسي والعقلي المزمن الذي لازم حياتها.

    إثر موت أبيها عام 1904 ، انتقلت فرجينيا مع شقيقتها "فينيسا" وشقيقيها " آدريان" إلى منزل في مجاورة "بلووم بيري" جوار المتحف البريطانيّ في وسط لندن ،البيت الذي سيصبح مركزًا لنشاط " جماعة بلووم بيري Bloomsbury group فيما بعد. و من كلماتها عن لقاءات تلك الجماعة كما في كتاب " لحظات الوجود "لـ "جيني شاكليند" :" … ومن أسباب سِحر أمسيات الثلاثاء تلك ، اصطباغُها بروح التجريد والذهنية على نحوٍ مدهش .لم يكن فقط الكتاب الشهير "مبادئ الأخلاق Principia Ethica"، 1903، للفيلسوف موور " الذي أغرقنا في مناقشات وحوارات حول الفلسفةِ ،و الفن، و الدين ،والوجود ؛ ولكنه الجو العام الذي يمكنني وصفه بـ " المثالية في أقصى طاقاتها " . الشباب ، الذين وصفتهم ذات مرة في هايد بارك بأنهم " عديمو الأخلاق" ،كانوا يناقشون وينتقدون حواراتنا بنفس الحماس والحدّة كما يفعلون فيما بينهم ، لم يلحظوا ما نرتدي من ثياب أو كيف كان مظهرنا الأنثوي ، لم يُشعرونا أننا نساء ، هذا شيء رائع."

    وفي 1912 تزوجت فرجينيا من المنظِّر السياسي و الناقد "ليونارد وولف" الذي كان عائدا من الخدمة كمدير إدارة في " سيلان "(سريلانكا الآن) ، وقد كان لزوجها دور مهم في تشجيع فرجينيا على الكتابة والنشر.

    في عام 1905 بدأت فرجينيا الكتابةَ لملحق " التايمز" الأدبي Times Literary Supplement ، نشرت أول كتبها " رحلةٌ بحريةٌ إلى البعيد" عام 1915. وفي عام 1919 ظهرت روايتها الواقعية " ليلا ونهارًا " التي تدور أحداثها في لندن و ترصد التناقض بين حياتي صديقتين ،كاترين وماري ، وتعامل كل منهما مع مدينة الضباب.أما " غرفة جاكوب" 1922 فكانت مستوحاة من حياة وموت شقيقها "توبي".على أنه بكتابيها "الطريق إلى الفنارة " 1972 ، " الأمواج" 1931 ، استطاعت وولف ترسيخ اسمها كأحد رواد الحداثة في الأدب الإنجليزيّ.و تُعدُّ "الأمواج" من أعقد رواياتها ، حيث تتبع فيها حيوات ستة أشخاص منذ الطفولة حتى الشيخوخة عبر حوارٍ ذاتي – مونولوج- يناجي كل واحد ٍفيه نفسه. وقد كتب " كرونيبيرجر "في نيويورك تايمز:" أن وولف لم تكن حقًا مهتمةً بالبشر ،لكن اهتمامها الأكبر كان بالإشارات الشعرية في الحياة،لحظات التحوّل بين الفصول ، بين الليل والنهار ،بالخبز والنبيذ ، النار والصقيع ،الزمن والفضاء ، الميلاد والموت ، التحوّل و التناقض بوجهٍ عام."

    في تلك الأعمال طورّت وولف تقنياتها الأدبية المبتكرة من أجل تكريس قلمٍ نسائيّ يحكي عن هموم المرأة و حياتها كمعادلٍ موضوعيّ لهيمنة وجهة نظر الرجل في الواقع والوجود والكتابة. في مقالها " السيد بينيت والسيدة براون" ، ساجلت وولف بعض الروائيين الواقعيين الإنجليز مثل جون جالسوورثي ،هـ ج ويلز وغيرهما ، اتهمتهم بمعالجة القشور واللعب فوق منطقة السطح ، بينما ينبغي من أجل اختراق العمق ، تقليل المساحة المحظورة في تناول الحياة ، والاستفادة من أدوات الكتابة مثل تفعيل تيار الوعي ، و الحوارات الذاتية للشخوص، و كذا الانصراف عن السرد الخطيّ.

    "السيدة دالواي "1925، - الرواية التي نُسجت حولها رواية "الساعات" – عبارة عن شبكة جبارة شديدة الاشتباك والتعقيد من أفكار مجموعة من البشر خلال يوم واحد من حياتهم. ثمة حدث واحد بسيط ، وراءه حركة شديدة التسارع و الديناميكية من الحاضر إلى الماضي ثم إلى الحاضر ثانيةً من خلال ذاكرة الشخوص. البطلة المحورية "كلاريسا دالواي " مضيفةٌ لندنية ثريّة ، تقضي نهار أحد الأيام في الإعداد لحفل المساء، تستدعي حياتها قبل الحرب العالمية الأولى،ذكرياتها قبل زواجها من ""سبتيمس دالواي" وقبل صداقتها لغريبة الأطوار "سالي سيتون" التي ستعود بلقبها الجديد "السيدة روستر"، وعلاقتها بـ"بيتر والش" الذي مازال متيّمًا بها.وأثناء الحفل ، الذي لم يحضره المجنّد الإنجليزي ريتشارد سميث" (صديقها القديم الشاعر ،الذي أُقيم الحفل على شرفه إثر أصابته في الحرب العالمية كأحد أول المتطوعين بقذيفة أقعدته عن الحركة ) وقت دخول رئيس الوزراء تماما في مكان الحفل ، يقوم "سميث" بإلقاء نفسه من شرفة منزله المنعزل على مرأى من "مسز دالواي".من المقاطع الشهيرة في الرواية:

    " كان أول ما تبدّى لها، تلك الممارسات الطائشة التي تخرق الآداب الاجتماعية و وتقاليد اللياقة، لكن تلك الممارسات في جانبٍ آخر تحولت إلى رمية سهمٍ في السؤال الوجوديّ الأكبر الذي يلازم حياتنا . بينما تغادر مسز دالواي الحفل خلسةً لتتجه نحو شرفتها، تتأمل القضبان الحديدية الرأسية التي تشكّل سور الحديقة وتفكر : ثمة قضبان مماثلة تسوِّر جسد " سبتيمس" التعس ،وتسأل عما إذا كان هناك خطة وراء حياتنا ، لماذا نستمر في الحياة في وجه الألم والمأساة؟"



    "الطريقُ إلى المنارة" رواية ذات بناء ثلاثي الأبعاد :الجزء الأول ،يعرض حياة أسرة فيكتورية (كلاسيكية محافظة )، الثاني ،يرصد حقبة زمنية من عشرة أعوام ،بينما الجزء الثالث يعرض لأحد الصباحات حيث خلدت الأشباح للراحة.الشخصية المحورية في الرواية ، مسز رامساي ، مستوحاة من شخصية والدة وولف، وكذا بقية الشخصيات في الدراما كلها متكئة على ذكريات عائلة وولف.

    "هذا هو الزواج إذن ، فكرت ليلي ، رجل وامرأة ينظران إلى فتاة تقذف الكرة." ( من الطريق إلى المنارة)

    أثناء الحرب ، كانت وولف قد أصبحت في بؤرة المشهد الأدبيّ ، سواء في لندن أو في بلدتها الأم " رومديل" بالقرب من ليويز و ساسيكس . عاشت وولف في "ريتش موند " الفترة بين 1915 وحتى 1924، ثم في "بلومز بيري "من 1924 وحتى 1939 ، ولكنها ظلت على زيارتها لمنزلها في "رومديل " منذ 1919 حتى عام مصرعها 41.

    نشأت جماعة بلوومزبيري في مكان سُكنى فيرجينيا وشقيقتها فينيسا أي ميدان جوردون، وكان المحرّك في توحيد المفاهيم والاهتمامات الجمالية لدى أعضاء الجماعة نابعا في الأساس من تأثير الفيلسوف ج. إ. موور (1873-1958). ضمَّت الجماعةُ ضمنَ آخرين: إ. إم. فورستر ،ليتون ستراتشي، كليف بيل ، فينيسا بيل ،دانكين جرانت ، و ليونارد وولف. وفي مطلع الثلاثينيات توقفت الجماعة عن الظهور في صورتها الأولى.

    إبّان الاجتياح النازيّ ، أعدّت وولف وزوجها المؤن و اتخذا الإجراءات حال الخطر ، بأن اتفقا على تصفية نفسيهما إذا ما هوجما. و بعد الضربة العقلية الأخيرة التي أصابتها ، أثقلت فرجينيا جيوب ثوبها بالأحجار وأغرقت نفسها في نهر "أووز" بالقرب من منزلها بـ "سوسكس "في 28 مارس 1941. وفي رسالتها الأخيرة لزوجها كتبت:" لديّ شعور قوي أنني أقترب من الجنون ،لا أستطيع الصمود في تلك الأوقات العصيبة،أسمع أصواتًا ولا يمكنني التركيز في عملي، لقد كافحت طويلا غير إني ليس لدي مزيد من المقاومة . أُدينُ لك بسعادتي سوى أني لا أستطيع إفساد حياتك أكثر."

    فسَّرَ انتحارُها تلك السمةَ التي صبغت أعمالها، التي كانت تُقرأ كمحاولةِ استكشافٍ وتحليلٍ للمأساة التي عاشتها وولف.

    كان اهتمام فرجينيا البالغ بقضايا المرأة جليًّا في مقالة " غرفة تخصُّ المرءَ وحدَه "1929 ، التي فيها أطلقت مقولتها الشهيرة" يجب أن تمتلك المرأة مالهَا الخاص وغرفةً لها وحدها من أجل أن تبدع أدبًا ."يتكون الكتاب من مقالتين مطولتين ألقتهما الكاتبة في جامعة كامبريدج في أكتوبر 1928. وتتعرض فيهما للعراقيل والممارسات الإجحافية التي تعترض تطوّر مشروع المرأة الأدبيّ والثقافيّ، وتحلل الاختلافات بين المرأة بوصفها " شيئًا " يمكن الكتابة عنه وبينها كـ " مؤلفٍ أو كمبدع ".أكدّت وولف أن ثمة تغييرًا واجب الحدوث في شكل الكتابة لأن " معظم المنجز الأدبيّ كتبه رجالٌ انطلاقًا من احتياجاتهم الشخصية ومن أجل استهلاكهم الشخصيّ ". وفي الفصل الأخير تكلمت عن إمكانية وجود عقل بلا نوع (أي لا يحمل السمة الذكورية أو النسوية ).

    واستشهدت وولف بمقولة كوليردج :" العقل العظيم هو عقل لا يحمل نوعًا ، فإذا ما تمَّ هذا الانصهار النوعيّ يغدو العقل في ذروة خصوبته و يشحذ كافة طاقاته." و أضافت وولف :" ربما العقل تام الذكورية لا ينتج شيئًا أكثر من العقل تام الأنثوية." "ثلاث جنيهات إنجليزية "1938 تختبر إمكانية مطالبة النساء بإنشاء تاريخٍ خاصٍّ وأدبٍ يخصُّ المرأةَ وحسب.

    " أورلاندو " 1928 رواية خيالية ، تتبع مصير بطلها الذي تحوّل من هويّة ذكورية داخل بلاط المحكمة الإليزابيثيةّ إلى الهويّة المؤنثة عام 1928. الكتاب مزود بصور لصديقة وولف " فيتا ساكفيلد ويست " في ثياب أورلاندو . و على حسب قول "نيجل نيكلسون" فإن المبادرة في تلك العلاقة كانت من جانب وولف الخجول بالرغم من اتساع خبرة فيتا. وقد تزامنت تلك العلاقة مع أعلى ما أبدعته وولف أدبيًا. في عام 1994 استثمرت "إليين أتكينس" خطابات وولف و فيتا في خلقٍ دراميٍّ خلال مسرحية " فيتا وفرجينيا " بطولة " أتكينس " و " فانيسا ريدجريف".

    ككاتبة مقالات ، كانت فرجينيا وافرة الإنتاج حيث نشرت حواليّ 500 مقالة في دوريات و كتب، بدايةً من عام 1905.اتسمت مقالات وولف بالطابع الحواريّ والتساؤلي الذي يجعل من القارئ مُخاطَبًا و مطالبًا بالإدلاء برأيه . تأخذ مقالاتها الملمح الجدليّ حيث تخفت نبرةُ المؤلّف الذي يدلي ببيان للقارئ .

    كان لفرجينيا وولف دورٌ اجتماعيّ بارز في مناهضة العنف و كانت أحد الناشطين في حركات التحرّر النسائية وهذا ما أظهرته بوضوح في مقالاتٍ كثيرة، كما كانت عضوًا بارزا في جماعة بلومز بيري. نُشرت مقالاتها النقدية والتحرّرية في ملحق التايمز الأدبيّ ، أما مؤلفاتها فقد أصدرتها دار "هوجارت" التي أنشأتها وزوجها الناقد والكاتب ليونارد وولف ، تلك الدار التي بدأت بطابعة صغيرة يمكن وضعها على طاولة ثم تطورت حتى أصدرت مؤلفات مهمّةً لقامات أدبيةٍ عالية مثل ت ـ س إليوت : "الأرض الخراب" عام 1922 ، وكذا بعض مؤلفات مكسيم جوركي ، فوستر ، وكاترين مانسفيلد ، ثم الترجمة الكاملة لأعمال سيجموند فرويد في أربعة وعشرين مجلدا.








    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  6. #26

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... وتحضير أرواح .



    ساعات فرجينيا وولف الأخيرة
    ---------------------------------------------

    بقلم : فـاطـمـة نـاعـوت


    رواية "السـّاعات" The Hours 2002، لـ "مايكل كننجام Michael Cunningham ، الحائزة جائزة "بوليتزر" ، تناولت آخر يوم في حياة الأديبة الإنجليزية "فرجينيا وولف ".

    وقد تحوّلت الرواية إلى فيلمٍ فاز بأوسكار و يُعرض حاليًا في معظم دور سينمات العالم ، جسدّت نيكول كيدمان الممثلة الأمريكية الجميلة دور فرجينيا وولف.لعب المؤلف لعبته الذكيّة حين استعار تقنية وولف في بنائها الدراميّ ووظفّها في تشكيل روايته عنها، فتذكّر القارئُ أسلوبَ وولف اللاسرديّ في معالجة نصوصِها حيث الأحداث تتجاور وخطُّ الزمن أفقيّ ، فيخلو القصُّ من تيمة السَّرد الخطيّ التقليديّ الذي تتنامى فيه الأحداث مع التصاعد الزمنيّ .

    تتناول الرواية /الفيلم - الساعات الأخيرة في حياة فرجينيا وولف عبر رصد يوم واحد في ثلاثة عصور ، ومن خلال ثلاث نساء : محررّة صحفيّة من الزمن الحالي2002، كلاريسا ، ربّة منزل في الزمن اللاحق للحرب العالمية الثانية مباشرة عام 51، لورا ، ثم الخَّيط الرابط بينهما ، فرجينيا وولف ( كيدمان)، عام 23 حين تحاول الشروع في كتابة روايتها الأشهر "مسز دالواي".

    لقطة المفتتح للفيلم عام 41 وهو العام الذي أنهت وولف فيه حياتها بإغراقِ نفسها في نهر " أووز" حيث يصوّر مشهد الانتحار ، وبعدها يعود فلاش باك ليرصدَ لحظات حميمة من حياة وولف ، تلك اللحظات التي تمسك بقلمها وتكتب. عام 51 حيث إحدى القارئات ( لورا) تقرأ رواية "السيدة دالواي" وابنها الصغير ريتشارد الذي سيصبح أحد شخوص تلك الرواية عام 2002 ، ثم الزمن الراهن و السيدة دالواي ( كلاريسا) ذاتها تعدُّ الترتيبات لإقامة حفل تكريم لهذا الذي أصبح شاعرًا مشهورا غير أنه أصيب بأزمة نفسية نتيجة مرضٍ خطير مما يدفعه إلى القفز من شرفة منزله المنعزل يوم تكريمه.

    استعاد "كننجام" فرجينيا وولف للحياة ، ناسجًا قصتها في تواشج ذكيّ مع امرأتين أكثر معاصرةً.في أحد صباحات لندن الرماديّة عام 1923 تصحو وولف على حُلمٍ كئيب و متكرر ، سوف يقودها إلى محاولة كتابة روايتها الجديدة "مسز دالواي ".بينما في الزمن الحاضر ، وعلى نحوٍ متوازٍ، أحد أيام يونيو في بلدة جرين ويتش " ، كلاريسّا فوجان ذات ال 52 عاما ، تعدُّ الترتيبات من أجل حفل تكريم صديقها القديم ريتشارد ، الشاعر الذي فاز بجائزة أدبية كبرى والذي يموت ببطء بعد إصابته (بالإيدز! ).

    وعلى الجانب الثالث، في لوس أنجلوس عام 1951 ، لورا براون ، ربّة البيت التي تنتظر طفلا ، تشعر باضطرابٍ و إحباط ، يتملكها إحساسٌ عدميّ كلما حاولت أن تجد مبررًا لوجودها خارج دور الأم والزوجة ، سوى أنها مع هذا ، تفعل ما في وسعها من أجل الترتيب لعيد ميلاد زوجها ، غير أنها لا تستطيع التوقف عن متابعة قراءة رواية "مسز دالواي "لفرجينيا وولف. لقطات سريعة لحياتيّ هاتين المرأتين وخطٌّ عريض يتقاطع معهما يمسُّ حياةَ وولف ذاتها فتجد ذروةً دراميةً واحدةً تضفِّر حيوات تلك السيدات الثلاث بخيوطٍ تتقاطع مع رواية دالواي و تلك اللحظات الثمينة التي يحاول فيها المرءُ فعلَ أمرٍ ما وينجح بعد جَهدٍ في الوصول ، في هذا تقول كلاريسا: "من هدايا الحياة الصغيرة لنا تلك الساعة التي تحتشد فيها حياتنا –بالرغم من رِهاناتنا و توقعاتنا – لتتفتح فجأة طاقة نورٍ تهبنا كل الأشياء التي حلُمنا بها.

    فيما يتجول كننجام بين النساء الثلاث ، بانتقالاتٍ ناعمة غير مفتعلة ، تلتقط وولف في نهاية الفصل الأول قلمَها لتخطَّ جملتها الأولى في الرواية " قالت السيدة دالواي إنها سوف تشتري الورود بنفسِها."وفي بداية الفصل الثاني تمرُّ عين "لورا" على هذا السطر و تبتهج لاستغراقها الوشيك في خيال الرواية التي تقرأ.على الجانب الآخر ، يصبح يوم كلاريسا انعكاسًا مرآويًا ليوم السيدة دالواي مع مسحة تحديثية تناسب زمن الألفية الثالثة ( وتلك هي اللعبة الخطرة التي لعبها المؤلف من تعديلِ زمنِ رواية وولف وما يستتبعه هذا التعديل الزمنيّ من تغييرات في الأحداث التي أساءت إلى رواية وولف "مسز دالواي" من وجهة نظري ) ، ولكن يبدو أن المؤلف أرادَ أن يخرجَ من أسرِ زمن وولف ليفتح مجال الإلهام على مصراعيه ويفيد من تقنيات العصر وكذا ليخلقَ ثراءً دراميًا على خطِّ الزمن.كلاريسا تعلم أن رغبتها القوية في منح صديقها القديم - المصاب بالإيدز في رواية الساعات والمصاب بقذيفة من الحرب العالمية حسب رواية وولف – حفلاً يرفع من روحه المعنوية قد تبدو فكرة مبتذلةً بالنسبة للجميع ،ولكنها ترى ذاك الحفل ضروريا بدلا من فتح باب اليأس أمام الشاعر الذي ينتظر نهايته.رواية الساعات هي ترنيمةُ وعيٍ وتذكرة بأن الفنَّ أكثر رحابةً من مجرد عالم من الموجودات.

    يقول الناقد الأدبيّ " برناديت جاير " من ولاية " أرلينجتون " إن رواية الساعات تُعد أحد أجمل الروايات المعاصرة التي قرأتها ومن السهل أن ندرك لماذا حصدت بوليتزر . ويظهر تميُّز العمل في نجاح المؤلف في تناول الأمر من منظور المرأة حيث تلمس أنه اخترق دواخل روح هاتين المرأتين ، واستطاع أن يستلهم كيف كانت تفكر وولف أثناء الكتابة و ماهية حوارها الداخلي . أحسن المؤلف توظيف تيمات فكر وولف التي تتجلى في روايتها السيدة دالواي و كذلك في مقالة "غرفة للمرء وحده" ليصنع حبكةً محكمة من التوازيات الزمنية والبشرية.

    بالرغم من محاولة كاتب الرواية تمجيد وولف إلا أن التغييرات التي صاغ بها روايتها "مسز دالواي " من أجل جعلها متسقةً والزمن الذي مُثلت فيه ،نجده في حينٍ ،فتح قوسَ الزمنِ على اتساعه فوسمَ الفيلم بثراء تقنيّ وزمنيٍّ غير إنه في حينٍ آخر أضعف جلال رواية "مسز دالواي " حين غسل عنها زمن الحرب الكونيّة الأولى بكل ما غلّف تلك المرحلة من شجن واشتباكات اجتماعية وسياسية وانقسامات نفسية لمعاصري ذاك الزمن ، كما أن استبدال إصابة الشاعر بمرض الإيذر بإصابته بقذيفة في الحرب يعدّ إساءة بالغة لرائعة وولف الروائية ، هذا في رأيي على الأقل.

    القفز فوق سلّم الزمن والانتقال المباغت بين الأحداث والتقاطع المشتبك مع الوقت والشخوص هي أهم تقنيات وولف في البناء الروائيّ وهي التيمة التي لعب عليها المخرج في بناء دراما فيلمه الذي فاز بأوسكار.

    فرجينيا وولف (1882-1941) أحد أهم القامات في الأدب الإنجليزي و رواده في حركة التحديث . صنعت إسهاما مهمًّا في تغيير شكل الرواية الإنجليزية إذ نجح حسُّها التجريبي في تطوير الأسلوب الشعريّ في السرد القصصي والروائي حيث اعتمدت تقنيتها الروائية ما يعرف نقديًا بـ "تيار الوعي" ، تستشف حيوات شخوصها من خلال الغور داخل أفكارهم و استدعاء خواطرهم بما يسمى باستثارة حالات الذهن الإدراكية ، حسيًّا ونفسيًا ، والتي تشكّل نماذج وتداعيات الوعي البشري. تفعل ذلك من خلال رصد وتسجيل لحظات الوعي المتناثرة داخل الذات.

    تلتقي تقنياتها تلك مع كلٍّ من "بروست" و "جويس" متجاوزةً بذلك التقنية التقليدية في القصّ الذي ينتهج الوصفَ الخطّي المتنامي زمنيًا والرصدَ الموضوعيّ الذي ميّز رواية القرن التاسع عشر.عمدَ أسلوبها إلى تصاعد الوعي الذهنيّ لشخوص روايتها في تزامنٍ مع التصاعد السرديّ للحدث.الكتل الزمنية تتراص متوازيةً في الذاكرة وبالتالي في الرؤية الدرامية ، المشاهِد غير المكتملة تتقاطع و تشتبك لتخلق لوحةً أرحب .التنوّع الأسلوبيّ للقصِّ يذكِّر القارئ دائما أن ثمة خطًّا شعريًّا أو خياليًا متورطٌ في العمل.إن تبنّي تيار الوعي في السرد القصصيّ والذي يتراوح بين التفاصيل الدنيوية العادية و بين الإسهاب الغنائي ، والخبرة العالية بطرائق تشكّل المشهد ،هما من أهم أدوات وولف ، التي أظهرت لقارئها مدى أهمية استغلال وتنمية قدرات المخيال التشكيلي في حياتنا اليومية كما هو لدى المبدع في بناء النص.

    اشتهرت وولف باستدعاءاتها الشعرية التي تستخلصها من ميكانيزم التفكير والشعور البشري. كانت ، مثل بروست وجويس ، قادرةً بامتياز على استحضار كافة التفاصيل الواقعية والحسيّة من الحياة اليومية، غير إنها كانت تنتقد أسلوب مجايليْها آرنولد بينيت و جون جلوس وورثي بشأن اهتمامهما البالغ برسم واقعية ميكروسكوبية وثائقية مفرّغةٍ من الفن ، وهو ما سحباه من روائيي القرن ال 19. كانت ترى أن الواقعيين المعاصرين الذين يزعمون الموضوعية العلمية الحيادية زائفون ،طالما لا يعترفون بحقيقة أنه لا حياد تامًا في الرؤية ، لأن "الواقعية "يتم رصدها على نحوٍ مختلفٍ باختلاف راصديها.الأسوأ من ذلك أن محاولتهم الوصول للموضوعية العلمية الدقيقة تلك غالبا ما ينتج عنها محض تراكم زمني للتفاصيل . كانت وولف تطمح في الوصول لطريقة أكثر شخصانية وأكثر دقة كذلك في التعامل مع الواقع روائيا. لم تكن بؤرة اهتمامها "الشيء" موضوع الرصد ، ولكن " الطريقة التي يُرصد بها" من قِبَل "الراصد" .

    وقالت في هذا الأمر:" دعنا نرصد الذرّات المتناهية وقت سقوطها فوق العقل بنفس ترتيب سقوطها ،ثم دعنا نتتبع المشهد على نحوٍ منفصل وغير مترابط في الظهور،الأمر الذي يجعل كل مشهدٍ أو حدث يصيب ضربةً فنيًّة في منطقة الإدراك."

    كان النقاد يقارنون بين كتابات وولف وبين ما أنتجه فنانو المدرسة ما- بعد- الانطباعية postimpressionism في التشكيل من حيث التأكيد على التنظيم التجريديّ لمنظور الرؤية من أجل اقتراح شبكة أوسع للدلالات والرؤى.

    بعد روايتين تقليديتين نسبيًّا ، بدأت وولف في تطويع مداخلها التي مهدت لها اللعب على بناءٍ مخياليّ أكثر رحابةً.

    التطوّر المشهديّ المتصاعد حلَّ محلَّه التشكيل عن طريق التراصِّ الرؤيويّ ؛ الاشتباك المباشر مع الواقع والتراكم الزمنيّ استُبِدلَ بالتراوح الملتبس للعقل بين الذاكرة والوعي ؛ومن ناحية أخرى يربط المشهد المركّب للتيمة الرمزية بين شخوص ليس من علاقة بينهم في نفس القصة.كل تلك التقنيات ألقت على عاتق القارئ متطلبات جديدة تساعده في تخليق وإعادة بناء الصورة الكليّة .

    في رواية "غرفة جاكوب" 1922 نجد أن صورة البطل الكليّة تتركب من سلسلة من وجهات النظر الجزئية و المتناثرة عبر النص. في رواية "الأمواج" 1931، نجد أن منظورا - متعدد الرؤى لشخوص الرواية في حواراتهم الذاتية مع أنفسهم خلال علاقة كل منهم بالشخص الميّت في الرواية "بيرسيفال" - يتم تكسيره على عشرة فصول ، تلك الفصول بدورها تكوّن منظورا إضافيًّا يصف رحلة يومٍ واحد من الفجر إلى الغسق.والرواية الأخرى التي تلعب لعبة الزمن أيضًّا ، أي رواية اليوم الواحد ،هي "مسز دالواي" حيث ترتّب البطلة لحفل المساء بينما تستدعي كامل حياتها منذ الطفولة حتى عمرها الحالي في الخمسين.

    مشكلات الهوية هي الهم الثابت وراء هذه الإزاحة المنظورية ، وغالبا ما تلجأ وولف إلى تصوير حالة البحث عن الشخصيات غير المتحققة وغير المكتملة و من ثم عن ما سوف يحقّق اكتمالها. ترتكز كتابة وولف على لحظات الوعي العليا ، وبالمقارنة برواية جويس "عيد الغطاس" التي فيها يتناول البصيرةَ كنوعٍ من القوى الأسطورية ، نجد أن وولف تعالج الأمرَ كملَكةٍ ذهنيّة حين يُفعِّل العقلُ أقصى طاقاته.

    لا أحد يقرأ وولف بغير أن يؤخذَ بالاهتمامِ الفائقِ الذي تعطيه للمخيال الإبداعيّ .شخوصها الرئيسية يفعلّون حواسَهم وراء المنطق العقليّ ، كما أن أسلوبها السرديّ يحتفل بالدوافع الجمالية التي تنظّم الأبعادَ المتنافرة في كلٍّ متناغمٍ متسّق. ترى وولف أن الكائن البشريّ لا يكون مكتملاً إذا لم يفعِّل طاقاته الحدسية والتخيلية في أقصى درجاتها.و مثل كل كتّاب الحداثة ، نجد أن وولف مفتونة بالعملية الإبداعية وغالبا ما تضع إشارةً لها في أعمالها ، سواء حين تصف كفاح الرسام في بناء لوحته في "الطريق إلى المنارة" ،أو الكاتب في "رواية لم تُكتَب بعد" حيث تحاول استكشاف طرائق تخلّق العمل الإبداعيّ في مخيلة العقل البشريّ.

    لا يمكن للقارئ أو للمشاهد أن يستقرئ ميكانيزم هذا التخلّق في اللوحة المكتملة أو الرواية المكتوبة :الملاحظة ، الغربلة،التنظيم الإحداثيّ ، رسم خريطة العلاقات والتأويلات ، وهكذا نرى أن العقل البشريّ يقوم بأشد العمليات تعقيدًا لتنظيم الوعي والإدراك مع الملموسات الأمر الذي لا يمكن رصده بشكل كليّ داخل إطارٍ وصفيٍّ محدد.في " رواية لم تُكتب بعد" ترصد وولف حالات التخلّق الذهني لجنين رواية عن طريق أخذ القارئ عبر بدايات رواية لم تكتمل بعد راصدةً كيف يمكن أن تكتمل على أنحاء متباينة. تتحرك القصة أمامًا وخلفًا بين حائطين من الخيال والواقع ، كلَّ يساهم في احتماليات الرواية ليحفرَ نهرًا من الاقتراحات البديلة ، كل هذا يتم في ذهن الراوية التي تختبر كل الرؤى الممكنة المعتمدة على مراقبتها شخصية امرأة معينة تجلس أمامها في إحدى كبائن القطار.


    على الجانب الآخر ، ترصد الكلمات الفعلية والإيماءات التي يأتي بها راكبو نفس الكابينة ، ومن ثم ترسم – ذهنيًا – اقتراحاتٍ مُتخيلَةً لكلٍّ منهم عبر خلقٍ روائيٍ تمَّ من خلال الملاحظة ، التقمّص العاطفيّ ، وتجسيد ما تشاهده ليتفق وتصورها المبدئيّ . يظهر هذا في آلية استدعاء التداعيات الذهنية للمحيطين من خلال قراءة
    أفكارهم وسلوكهم ثم التعامل ذهنيا ونفسيا مع تلك التداعيات. ترسم وولف عملية الخلق الإبداعيّ كتجربة كاملة ، بدايات خاطئة يتم استبدالها ، تصحيح النغمة ودرجة التماسك الدراميّ ،فمثلا ، لابد أن يجد الراوية جريمة مُتخيلَة ارتكبتها البطلة "ميني مارش" لتتفق و حال الأسى المرسومة على وجهها ، كذلك استبدال نبات السرخس بنبات الخلنج لمناسبته المشهد المرسوم على نحوٍ أفضل ، إضافة أو طرح شخوص للرواية .

    ولا تغفل وولف حساب الراوية ذاتها كقوة دافعة في العمل ، بالرغم من محاولة الراوية التعالي فوق الحدث حيث بدأ من أرض الرصد الصلبة ، لكن روح الفنان داخل وولف أجبرتها على الضلوع في الدراما . ومثلما حدث لـ بودلير في "النوافذ" أكدت وولف في تلك الرواية على حتمية انتصار روح الخلق الإبداعي داخل الفنان على روح العدمية التي تصيب المبدع أحيانا ،فكلما أثبتت حكايتها الأولى فشلها و تراءى لها كم أن حبكتها تبدو مضحكةً سرعان ما تستجيب لروح المبدع داخلها وتشرعُ في نسجِ حبكةٍ جديدة.في هذه الرواية الثريّة غزيرة التفاصيل ، التي تشتجر فيها الأبعاد الكثيفة للواقع الموضوعيّ ،مع الراوية والناقد في آن ، مع المحلل الذاتي داخل الراصد بما لا يعطي مجالا للنهاية أن تكتمل ، يتنامى الهاجس الإلهاميّ داخل المبدعة التي تنشد "عالمًا رائعًا ، مشاهدَ ملوّنةً ، وشخصيات أسطورية تنتظر أن تُخلق "، لتقف الرواية على الحافّة الحرجة بين النقصِّ والاكتمال.

    ولدَتْ فرجينيا ستيفن في 25 يناير 1882 ،لأسرة شديدة المحافظة أو ما يُطلق عليها أسرة فيكتورية (نسبة إلى العصر الفيكتوريّ ) ،حيث الأب يعمل مؤرّخا بارزًا ، وناقدًا أدبيًّا هو" ليزلي ستيفن" و أمها " جوليا جاكسون داكوورث" من نسل عائلة "داكوررث" التي اشتهرت بالطباعة والنشر. وكان للأسرة اهتمامٌ بالتيارات الفكرية والفنيّة السائدة وقتها حتى أن بعض أشهر الفنانين –ما قبل الرافائليين - وقتها أعجبوا بجوليا (الأم)ورسموا بورتريهاتٍ لها ، كما كان أبوها صديقًا لكلٍّ من " هنري جيمس ، تينيسون ،ماثيو آرنولد، و جورج إليوت" و اشترك مع آخرين في عمل قاموس "السِّيَر الذاتية القومية " .

    على إنه وفق عادة تلك الأيام فقد دُفع فقط بشقيقيها ، "أدريان و ثوبي" ، إلى التعليم النظاميّ في المدارس والجامعات، في حين تلقَّت " فرجينيا " وشقيقتها " فينيسا "(التي ستغدو الرسامة فينيسيا بيل فيما بعد) تعليمهما في المنزل بحيّ هايد بارك، واعتمدتا على مكتبة أبيهما الضخمة لتحصيل الثقافة.علِقتِ المرارةُ بروح فرجينيا استياءً من عدم المساواة في معاملة الولد و البنت و احتجاجا على ما تنطوي عليه تلك التفرقة من تدني نظرة المجتمع لفكر المرأة و جدارتها الذهنية للتعلّم ،وكذا ساءها استكانةُ المرأة وقبولها الأمر على هذا النحو السلبيّ.

    عبر مشروعها الأدبيّ ؛ ظهرت ملامح هذا الرفض في مقالاتٍ كثيرة رصدت خلالها تباين التوجّهات الاجتماعية نحو كلٍّ من المرأة والرجل أهمّها مجموعة مقالات بعنوان "غرفة تخصُّ المرء وحده" عام 1929 تحكي فيها كيف كانت تُحذَّر من الخروج و تُمنع من دخول مكتبة الجامعة لأنها امرأة. تتناول تلك المقالة تاريخَ مشروعٍ أدبيّ كتبته امرأة و المبرر الإنسانيّ الذي يحتّم حصولَ الأديبةِ على المُناخ ذاته المتاح لأديب رجل ،مثل غرفة مستقلة توفِّر خصوصيةً للمبدع وأيضًا حقها في شيء من الاستقلال الاقتصاديّ ، حيث لم يكن مقبولا في عصر فرجينيا أن تحصل المرأة على مالٍ خاص أو حتى أن تختار مصيرها باستقلالٍ كالرجل.

    في رسالةٍ لصديقتها "فيتا ساكفيلد " تكلمت فرجينيا عن تلك المرحلة من حياتها المبكرة قائلةً :" هل تتخيلين في أي بيئةٍ نشأتُ ؟ لا مدرسة أقصدها ؛ أقضي يومي مستغرقةً في التأمل وسط تلالٍ من كتب أبي ؛لا فرصة إطلاقا لالتقاط ما يحدث خلف أسوار المدرسة : اللعب بالكرة ، المشاحنات ،تبادل الشتائم ، التحدث بالسوقية عوضا عن الفكتورية المقيتة ،المشاركة في الفعاليات المدرسية ، و الشعور بالغيرة ! ".

    ثمة صدمات في طفولة وولف ظللّت حياتها بمِسحة حزنٍ لازمتها حتى لحظة انتحارها في النهر ،أولا التحرّش الجسديّ من قِبل أخيها غير الشقيق " جيرالد داكوورث " ، ثم موت أمِّها في فجر مراهقتها . أخذت أختها غير الشقيقة " ستيللا داكوورث " مكانَ الأم لكنها ماتت أيضًا بعد أقلِّ من عامين ، كما عايش "ليزلي ستيفن " ، الأب " موتًا بطيئا بالسرطان ،و تزامن موت شقيقها " توبي" عام 1906 مع بداية إصابتها بالانهيار النفسي والعقلي المزمن الذي لازم حياتها.

    إثر موت أبيها عام 1904 ، انتقلت فرجينيا مع شقيقتها "فينيسا" وشقيقيها " آدريان" إلى منزل في مجاورة "بلووم بيري" جوار المتحف البريطانيّ في وسط لندن ،البيت الذي سيصبح مركزًا لنشاط " جماعة بلووم بيري Bloomsbury group فيما بعد. و من كلماتها عن لقاءات تلك الجماعة كما في كتاب " لحظات الوجود "لـ "جيني شاكليند" :" … ومن أسباب سِحر أمسيات الثلاثاء تلك ، اصطباغُها بروح التجريد والذهنية على نحوٍ مدهش .لم يكن فقط الكتاب الشهير "مبادئ الأخلاق Principia Ethica"، 1903، للفيلسوف موور " الذي أغرقنا في مناقشات وحوارات حول الفلسفةِ ،و الفن، و الدين ،والوجود ؛ ولكنه الجو العام الذي يمكنني وصفه بـ " المثالية في أقصى طاقاتها " . الشباب ، الذين وصفتهم ذات مرة في هايد بارك بأنهم " عديمو الأخلاق" ،كانوا يناقشون وينتقدون حواراتنا بنفس الحماس والحدّة كما يفعلون فيما بينهم ، لم يلحظوا ما نرتدي من ثياب أو كيف كان مظهرنا الأنثوي ، لم يُشعرونا أننا نساء ، هذا شيء رائع."

    وفي 1912 تزوجت فرجينيا من المنظِّر السياسي و الناقد "ليونارد وولف" الذي كان عائدا من الخدمة كمدير إدارة في " سيلان "(سريلانكا الآن) ، وقد كان لزوجها دور مهم في تشجيع فرجينيا على الكتابة والنشر.

    في عام 1905 بدأت فرجينيا الكتابةَ لملحق " التايمز" الأدبي Times Literary Supplement ، نشرت أول كتبها " رحلةٌ بحريةٌ إلى البعيد" عام 1915. وفي عام 1919 ظهرت روايتها الواقعية " ليلا ونهارًا " التي تدور أحداثها في لندن و ترصد التناقض بين حياتي صديقتين ،كاترين وماري ، وتعامل كل منهما مع مدينة الضباب.أما " غرفة جاكوب" 1922 فكانت مستوحاة من حياة وموت شقيقها "توبي".على أنه بكتابيها "الطريق إلى الفنارة " 1972 ، " الأمواج" 1931 ، استطاعت وولف ترسيخ اسمها كأحد رواد الحداثة في الأدب الإنجليزيّ.و تُعدُّ "الأمواج" من أعقد رواياتها ، حيث تتبع فيها حيوات ستة أشخاص منذ الطفولة حتى الشيخوخة عبر حوارٍ ذاتي – مونولوج- يناجي كل واحد ٍفيه نفسه. وقد كتب " كرونيبيرجر "في نيويورك تايمز:" أن وولف لم تكن حقًا مهتمةً بالبشر ،لكن اهتمامها الأكبر كان بالإشارات الشعرية في الحياة،لحظات التحوّل بين الفصول ، بين الليل والنهار ،بالخبز والنبيذ ، النار والصقيع ،الزمن والفضاء ، الميلاد والموت ، التحوّل و التناقض بوجهٍ عام."

    في تلك الأعمال طورّت وولف تقنياتها الأدبية المبتكرة من أجل تكريس قلمٍ نسائيّ يحكي عن هموم المرأة و حياتها كمعادلٍ موضوعيّ لهيمنة وجهة نظر الرجل في الواقع والوجود والكتابة. في مقالها " السيد بينيت والسيدة براون" ، ساجلت وولف بعض الروائيين الواقعيين الإنجليز مثل جون جالسوورثي ،هـ ج ويلز وغيرهما ، اتهمتهم بمعالجة القشور واللعب فوق منطقة السطح ، بينما ينبغي من أجل اختراق العمق ، تقليل المساحة المحظورة في تناول الحياة ، والاستفادة من أدوات الكتابة مثل تفعيل تيار الوعي ، و الحوارات الذاتية للشخوص، و كذا الانصراف عن السرد الخطيّ.

    "السيدة دالواي "1925، - الرواية التي نُسجت حولها رواية "الساعات" – عبارة عن شبكة جبارة شديدة الاشتباك والتعقيد من أفكار مجموعة من البشر خلال يوم واحد من حياتهم. ثمة حدث واحد بسيط ، وراءه حركة شديدة التسارع و الديناميكية من الحاضر إلى الماضي ثم إلى الحاضر ثانيةً من خلال ذاكرة الشخوص. البطلة المحورية "كلاريسا دالواي " مضيفةٌ لندنية ثريّة ، تقضي نهار أحد الأيام في الإعداد لحفل المساء، تستدعي حياتها قبل الحرب العالمية الأولى،ذكرياتها قبل زواجها من ""سبتيمس دالواي" وقبل صداقتها لغريبة الأطوار "سالي سيتون" التي ستعود بلقبها الجديد "السيدة روستر"، وعلاقتها بـ"بيتر والش" الذي مازال متيّمًا بها.وأثناء الحفل ، الذي لم يحضره المجنّد الإنجليزي ريتشارد سميث" (صديقها القديم الشاعر ،الذي أُقيم الحفل على شرفه إثر أصابته في الحرب العالمية كأحد أول المتطوعين بقذيفة أقعدته عن الحركة ) وقت دخول رئيس الوزراء تماما في مكان الحفل ، يقوم "سميث" بإلقاء نفسه من شرفة منزله المنعزل على مرأى من "مسز دالواي".من المقاطع الشهيرة في الرواية:

    " كان أول ما تبدّى لها، تلك الممارسات الطائشة التي تخرق الآداب الاجتماعية و وتقاليد اللياقة، لكن تلك الممارسات في جانبٍ آخر تحولت إلى رمية سهمٍ في السؤال الوجوديّ الأكبر الذي يلازم حياتنا . بينما تغادر مسز دالواي الحفل خلسةً لتتجه نحو شرفتها، تتأمل القضبان الحديدية الرأسية التي تشكّل سور الحديقة وتفكر : ثمة قضبان مماثلة تسوِّر جسد " سبتيمس" التعس ،وتسأل عما إذا كان هناك خطة وراء حياتنا ، لماذا نستمر في الحياة في وجه الألم والمأساة؟"



    "الطريقُ إلى المنارة" رواية ذات بناء ثلاثي الأبعاد :الجزء الأول ،يعرض حياة أسرة فيكتورية (كلاسيكية محافظة )، الثاني ،يرصد حقبة زمنية من عشرة أعوام ،بينما الجزء الثالث يعرض لأحد الصباحات حيث خلدت الأشباح للراحة.الشخصية المحورية في الرواية ، مسز رامساي ، مستوحاة من شخصية والدة وولف، وكذا بقية الشخصيات في الدراما كلها متكئة على ذكريات عائلة وولف.

    "هذا هو الزواج إذن ، فكرت ليلي ، رجل وامرأة ينظران إلى فتاة تقذف الكرة." ( من الطريق إلى المنارة)

    أثناء الحرب ، كانت وولف قد أصبحت في بؤرة المشهد الأدبيّ ، سواء في لندن أو في بلدتها الأم " رومديل" بالقرب من ليويز و ساسيكس . عاشت وولف في "ريتش موند " الفترة بين 1915 وحتى 1924، ثم في "بلومز بيري "من 1924 وحتى 1939 ، ولكنها ظلت على زيارتها لمنزلها في "رومديل " منذ 1919 حتى عام مصرعها 41.

    نشأت جماعة بلوومزبيري في مكان سُكنى فيرجينيا وشقيقتها فينيسا أي ميدان جوردون، وكان المحرّك في توحيد المفاهيم والاهتمامات الجمالية لدى أعضاء الجماعة نابعا في الأساس من تأثير الفيلسوف ج. إ. موور (1873-1958). ضمَّت الجماعةُ ضمنَ آخرين: إ. إم. فورستر ،ليتون ستراتشي، كليف بيل ، فينيسا بيل ،دانكين جرانت ، و ليونارد وولف. وفي مطلع الثلاثينيات توقفت الجماعة عن الظهور في صورتها الأولى.

    إبّان الاجتياح النازيّ ، أعدّت وولف وزوجها المؤن و اتخذا الإجراءات حال الخطر ، بأن اتفقا على تصفية نفسيهما إذا ما هوجما. و بعد الضربة العقلية الأخيرة التي أصابتها ، أثقلت فرجينيا جيوب ثوبها بالأحجار وأغرقت نفسها في نهر "أووز" بالقرب من منزلها بـ "سوسكس "في 28 مارس 1941. وفي رسالتها الأخيرة لزوجها كتبت:" لديّ شعور قوي أنني أقترب من الجنون ،لا أستطيع الصمود في تلك الأوقات العصيبة،أسمع أصواتًا ولا يمكنني التركيز في عملي، لقد كافحت طويلا غير إني ليس لدي مزيد من المقاومة . أُدينُ لك بسعادتي سوى أني لا أستطيع إفساد حياتك أكثر."

    فسَّرَ انتحارُها تلك السمةَ التي صبغت أعمالها، التي كانت تُقرأ كمحاولةِ استكشافٍ وتحليلٍ للمأساة التي عاشتها وولف.

    كان اهتمام فرجينيا البالغ بقضايا المرأة جليًّا في مقالة " غرفة تخصُّ المرءَ وحدَه "1929 ، التي فيها أطلقت مقولتها الشهيرة" يجب أن تمتلك المرأة مالهَا الخاص وغرفةً لها وحدها من أجل أن تبدع أدبًا ."يتكون الكتاب من مقالتين مطولتين ألقتهما الكاتبة في جامعة كامبريدج في أكتوبر 1928. وتتعرض فيهما للعراقيل والممارسات الإجحافية التي تعترض تطوّر مشروع المرأة الأدبيّ والثقافيّ، وتحلل الاختلافات بين المرأة بوصفها " شيئًا " يمكن الكتابة عنه وبينها كـ " مؤلفٍ أو كمبدع ".أكدّت وولف أن ثمة تغييرًا واجب الحدوث في شكل الكتابة لأن " معظم المنجز الأدبيّ كتبه رجالٌ انطلاقًا من احتياجاتهم الشخصية ومن أجل استهلاكهم الشخصيّ ". وفي الفصل الأخير تكلمت عن إمكانية وجود عقل بلا نوع (أي لا يحمل السمة الذكورية أو النسوية ).

    واستشهدت وولف بمقولة كوليردج :" العقل العظيم هو عقل لا يحمل نوعًا ، فإذا ما تمَّ هذا الانصهار النوعيّ يغدو العقل في ذروة خصوبته و يشحذ كافة طاقاته." و أضافت وولف :" ربما العقل تام الذكورية لا ينتج شيئًا أكثر من العقل تام الأنثوية." "ثلاث جنيهات إنجليزية "1938 تختبر إمكانية مطالبة النساء بإنشاء تاريخٍ خاصٍّ وأدبٍ يخصُّ المرأةَ وحسب.

    " أورلاندو " 1928 رواية خيالية ، تتبع مصير بطلها الذي تحوّل من هويّة ذكورية داخل بلاط المحكمة الإليزابيثيةّ إلى الهويّة المؤنثة عام 1928. الكتاب مزود بصور لصديقة وولف " فيتا ساكفيلد ويست " في ثياب أورلاندو . و على حسب قول "نيجل نيكلسون" فإن المبادرة في تلك العلاقة كانت من جانب وولف الخجول بالرغم من اتساع خبرة فيتا. وقد تزامنت تلك العلاقة مع أعلى ما أبدعته وولف أدبيًا. في عام 1994 استثمرت "إليين أتكينس" خطابات وولف و فيتا في خلقٍ دراميٍّ خلال مسرحية " فيتا وفرجينيا " بطولة " أتكينس " و " فانيسا ريدجريف".

    ككاتبة مقالات ، كانت فرجينيا وافرة الإنتاج حيث نشرت حواليّ 500 مقالة في دوريات و كتب، بدايةً من عام 1905.اتسمت مقالات وولف بالطابع الحواريّ والتساؤلي الذي يجعل من القارئ مُخاطَبًا و مطالبًا بالإدلاء برأيه . تأخذ مقالاتها الملمح الجدليّ حيث تخفت نبرةُ المؤلّف الذي يدلي ببيان للقارئ .

    كان لفرجينيا وولف دورٌ اجتماعيّ بارز في مناهضة العنف و كانت أحد الناشطين في حركات التحرّر النسائية وهذا ما أظهرته بوضوح في مقالاتٍ كثيرة، كما كانت عضوًا بارزا في جماعة بلومز بيري. نُشرت مقالاتها النقدية والتحرّرية في ملحق التايمز الأدبيّ ، أما مؤلفاتها فقد أصدرتها دار "هوجارت" التي أنشأتها وزوجها الناقد والكاتب ليونارد وولف ، تلك الدار التي بدأت بطابعة صغيرة يمكن وضعها على طاولة ثم تطورت حتى أصدرت مؤلفات مهمّةً لقامات أدبيةٍ عالية مثل ت ـ س إليوت : "الأرض الخراب" عام 1922 ، وكذا بعض مؤلفات مكسيم جوركي ، فوستر ، وكاترين مانسفيلد ، ثم الترجمة الكاملة لأعمال سيجموند فرويد في أربعة وعشرين مجلدا.








    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  7. #27

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... و وجهة نظر .




    كامل الشناوي




    هذا لقاء نادر أجراه أحمد رجب , مع الشاعر كامل الشناوي , وهو عن المرأة , والشك , والغيرة و .. طبعاً ( الحب ) , ولمن لا يعرف الشناوي .. فقط يتذكّر .. ( لا تكذبي التي غناها حليم , وغنتها نجاة ) ..


    رأيت الشاعر الفنان كامل الشناوي والوحي يهبط عليه!
    كانت جلستي الي جواره وهو يتمتم بهذه الابيات الجديدة من نبض قلبه المتعب الذي لا يكف عن عشق الجمال...
    قل لها مالها...
    تتحدي جمالها...
    فهي تبدي نفورها...
    وتواري دلالها
    قل لها فأنا...
    أتحاشي سؤالها...
    انها علي لسان عاشق تعصف به لحظة كبرياء... فيتواري وراء صديق ليتقصي اخبارحبيبة هاجرة!
    قلت لكامل الشناوي:
    - ما سر هذا كله.. ما سر هذا الوحي المتدفق؟ لقد أصبحت استمع كل يوم الي قصيدة جديدة منك وانا أعرف انك شاعر مقل وكسبول وضنين بشعرك'
    قال لي: الحياة جميلة!
    - ولكن الحياة كانت جميلة دائما... ولم يكن شعرك غزيرا كما هو هذه الأيام؟
    الحياة اجمل هذه الايام.. ربما لانها اصبحت قصيدة بالنسبة الي بعد ان تقدمت في العمر!
    - هل تحب؟
    أنا في حالة تشرد عاطفي!
    - اشرح لي اكثر..؟
    قلبي في هذه الايام جهاز استقبال لمن تلهمه الحب!
    - هل الحب جميل؟
    جدا!
    - هل يعرف قلبك الكراهية؟
    عرف ما هو أقسي من الكراهية!
    - ما هو؟
    الحب!
    - ومتي ينجح الحب؟
    عندما يفشل! ان الحب الناجح هو الحب الفاشل!
    - كيف؟
    اذا نجح المحب فشل الحب.. واذا نجح الحب.. فشل المحب!
    - هل انت محب ناجح ام فاشل؟
    انا لا اعترف بالفشل!
    - لماذا؟
    ممتنع عن الاجابة؟
    - هل المرأة في رأيك ملائكية النزعات ام شريرة؟
    شريرة!
    - كيف؟
    الشر بالنسبة للمرأة غريزة أن تتخلص منها لأنه من مقومات شخصيتها.
    _ - والرجل
    _ الشر بالنسبة للرجل نزعة يسعي الي التخلص منها!
    - ايهما اكثر وفاء في الحب..؟ الرجل ام المرأة؟
    المرأة طبعا اكثر وفاء.. لنفسها!
    - هل يستطيع الرجل ان يحب اثنتين في وقت واحد؟
    مستحيل!
    - والمرأة؟
    مستحيل أيضا.. ان تحب ولو شخصا واحدا!
    - تقصد ان المرأة لا تعرف الحب؟
    الحب عند المرأة قنبلة زمنية.. لها اجل ولها ميعاد وتنفجر فيه وتنتهي لتدمر وتحرق! ان الرجل في حياة المرأة مجرد مرحلة.. تتبعه مراحل آخري من الرجال!
    - أنت تجرد المرأة الآن من كل عاطفة. كل احساس رقيق؟!
    انا أحاول ان أؤكد ان فيها كل ما يثير الشوق اليها..!
    - هذه نقائص في المرأة اذا صح رآيك؟!
    انها اجمل نقائص في الدنيا!
    - كيف؟
    لو تجردت المرأة من هذه النقائص لتجرد الشعراء والفنانون من اجمل الحانهم. اجمل دموعهم. اجمل نبراتهم!
    - تعني بهذه الآراء ان المرأة مجرد مرحلة في حياتك؟!
    مجرد لحظة الهام مضيئة!
    - هذا يعني انها مجرد مرحلة في حياتك.. تعقبها مراحل، وأنت تتهم المرأة بأن الرجل مجرد مرحلة في حياتها. خالصين؟!
    ان التشبه بالنساء احيانا جمال!
    - ما هو عكس 'التشرد العاطفي'؟
    الاستقرار؟
    - هل انت مستقر الآن؟
    كنت مستقرا!
    - بالحب؟
    بالوهم!
    - آلحب عندك وهم؟
    في قصيدة 'لاتكذبي' اقول 'فأنا صنعتك من هوايا ومن جنوني'.. كل حياتي صنعتها بالوهم.. فالحب كالفن: خالق!
    - وانت تخلق من تحبه؟
    هذا صحيح! والخالق دائما معبود.. الا في الحب!
    - كيف؟
    العاشق كالفنان هو الخالق الوحيد الذي يعبد مخلوقاته!
    - كم يستغرق عمر حبك.. أي حب؟
    ليس للحب عمر.. وليس له تاريخ!
    - مالفرق بين الغيرة والشك؟
    الغيرة تريد حبا اكثر.. الشك يبحث عن الحب!
    - الشك يحيي الغرام...؟
    الشك يحيي العذاب!
    - هل العذاب ضروري في الحب؟
    العذاب هو البطاقة الشخصية التي تدل علي الحب!
    - هل معك بطاقة؟
    لم أجددها!
    - اذن أنت مخلص لمن تحب!
    يكفي ان تعلم انني رجل.. حتي تعرف انني مخلص!
    - أنت تقسو علي المرأة؟!
    ولكنني لست أقسي من الحب!
    - وما هو الحب عندك؟
    عشق الجمال!
    - الجمال له الوان متعددة.. غير المرأة!
    المرأة في حياتي هي التعبير الصادق عن الجمال!
    - ما هو أجمل مافي المرأة؟
    شكلها!
    - واقبح مافيها؟
    عواطفها!















    آراءه قاسية بعض الشئ ... اليس كذلك ؟؟؟!!!




    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  8. #28

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    لأنّ الكِتابة فنّ , ...

    ................... و لأنّ الفنّ كلامٌ في كلام .



    قال لها بعد أن عقد قرانه عليها :
    - إليكِ حكمة حياتي كلّها , ( لا تجعليني أتذكّر لحظة واحدة أنّنا متزوجان ) ! .

    كان هذا هو الفنان الكبير بيكاسّو , وعروسه التي لم تفهم كلمة مما قاله لها .
    كل ما تتذكّره أنها جميلة جدا , وأنه أحبّها , وأنها تحبّه .
    وأنها المفضّلة على أكثر من ألف فتاة رآهنّ بيكاسّو في باريس ..
    وأنها الملهمة .
    هي اللون , والفرشاة , واللوحة ..
    لكنّها لم تستمرّ طويلاً معه , وطلقها ليتزوج غيرها .
    وفي أذن الأخرى كرر نفس العبارة الشهيرة ..

    تُرى .. ما الذي قصده " بيكاسّو " بهذه الجُملة .؟! .







    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

  9. #29

    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    مصر - القاهرة
    العمر
    36
    المشاركات
    17,549

    أوكي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    فعلاً الكتابة ,, فن ... وأنتى فنانة بجد با جيهان ..
    حقيقي بتسمع أوى لما بدخل المنتدى وبلاقى مشاركات جديدة ف الموضوع هنا ...
    تسلم ايديك ومجهودك يا فنانة ..

  10. #30

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    بين نبضة .. وقبضة .. وسقطة ..أعيش أنا
    المشاركات
    8,215
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سوما مشاهدة المشاركة
    فعلاً الكتابة ,, فن ... وأنتى فنانة بجد با جيهان ..
    حقيقي بتسمع أوى لما بدخل المنتدى وبلاقى مشاركات جديدة ف الموضوع هنا ...
    تسلم ايديك ومجهودك يا فنانة ..
    أشكرك يا سمسمة ربنا يخليكى
    ايوة كدا عاوزين تشجيع عشان نستمر



    لأننا نتقن الصمت ؛ حمَّلونا وزر النوايا

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. [موبيل] برنامج رائع للتبديل بين لغة الكتابة اثناء الكتابة بسحبة اصبع واحدة
    بواسطة remas rozan في المنتدى قاعة الموبايل والستالايت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 21-08-2011, 09:10 PM
  2. عفــريت الكتابة
    بواسطة احمد عدوان في المنتدى قاعة المناقشات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-06-2010, 12:29 AM
  3. الكتابة فوق المألوف
    بواسطة احمد فؤاد في المنتدى قاعة الخواطر والقصة القصيرة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 04-11-2008, 02:24 AM
  4. الكتابة او مسح عبارة
    بواسطة كويتية في مصر في المنتدى قاعة الكمبيوتر والبرامج
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-05-2007, 04:58 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تابع صفحتنا على الفيس بوك