منذ عام 1973 أدركت الدولة فى مصر أن تعمير سيناء بعد تحريرها هو أحد إجراءات تأمين مصر فى مواجهة إسرائيل، مادام الخطر الوحيد على مصر يأتى من الشرق، وبالفعل أعدت القوات المسلحة والوزارات أفكاراً ومشروعات للتعمير، وتصور الرئيس السادات أن تكون سيناء مقراً لمجمع الرسالات السماوية الثلاث ورمزاً لتعايشها.
فما الذى أوقف كل حديث عن التعمير فى سيناء، وتحول التعمير إلى مشروعات سياحية دولية فى الشواطىء الرئيسية فى خليج العقبة وعلى البحر الأحمر؟ وهل هذه المشروعات هى بديل للتعمير أم هى أولوية أعلى منه أم هى التعمير ذاته, أم أن هناك رفضاً إسرائيلياً صريحاً لتعمير سيناء حتى تستطيع اجتياح سيناء فى ساعات قليلة عند اللزوم، أم أن مصر قد فهمت أن معاهدة السلام تحظر عليها تعمير سيناء ؟
لقد طالب مجلس الشورى فى أوائل مارس 2008 مجدداً بتعمير سيناء، كما يتجدد الحديث عن تعميرها بشكل موسمى. فقد ثار الحديث بشكل متواتر ومكثف بعد أحداث الحدود بين مصر وغزة، كما يثور كلما وقع حادث إرهابى فى سيناء، ولكن فى كل تلك المناسبات هناك قلقاً على سيناء وقلقاً على مصر من بوابة سيناء .ونحن نرى أن إسرائيل تنظر بجدية نحو سيناء, ولذلك سوف أفترض أن مصر راغبة ومستعدة لتعمير سيناء، ولكن إسرائيل أوهمتها بأنها لايجوز لها ذلك بموجب معاهدة السلام.
هناك عدد من الحقائق اللازمة لمناقشة هذا الموضوع، الحقيقة الأولى, هى أن إسرائيل أظهرت بسلوكها خلال العقود الماضية أنها لاتستبعد سيناء بشكل ما من أطماعها، وأن نزع سلاح سيناء كان حلاً إسرائيلياً لمواجهة طلبات إسرائيل بضمانات ضد مصر، بعد أن زعمت إسرائيل أنها عرضة دائماً للاعتداء المصرى، رغم أن مصر لم يحدث أن اعتدت عليها، كما لم يحدث أن هاجم أحد الأراضى الإسرائيلية، وقد تردد فى إسرائيل خلال أزمة الحدود فى يناير 2008 أصوات تستهدف سيناء بشكل ما. ولا يساورنى شك فى علاقة إسرائيل بالأعمال الإرهابية فى سيناء ضمن مخطط استهداف سيناء.
الحقيقة الثانية, هى أن معاهدة السلام قد تضمنت أحكاماً تتعلق بنزع سلاح سيناء وتخفيف الوجود العسكرى فى بعض مناطقها على هو مفصل فى ملاحق المعاهدة. ولكن المعاهدة لم تتحدث عن تعمير سيناء، ومن ثم لايمكن الاستناد إلى المعاهدة للقول بأنها تحظر على مصر تعمير سيناء, خاصة أن المعاهدة تقر بسيادة مصر على سيناء.
الحقيقة الثالثة, هى أن سيادة مصر على سيناء تقتضى ممارسة كل صور السيادة دون قيد أو عائق، ومن بينها تعمير سيناء ونقل السكان اليها، والمحظور الوحيد الذى وافقت عليه مصر هو تسليح سيناء. ولكن إذا رأت مصر أن أمنها القومى مهدد فى ظل هذا الوضع، فبوسعها أن تجعله أسمى من التزاماتها التعاهدية، وتتحمل المسئولية الدولية والتبعات القانونية المترتبة على انتهاك المعاهدة.
ولكن إسرائيل قد تفسر المعاهدة بطريقة أخرى، وأغراها بذلك تساهل مصر معها وعزوفها عن الخوض معها فى جدل قد يستفز الولايات المتحدة. يترتب على ذلك أن إسرائيل قد ترى أن تعمير سيناء سوف يغمرها بالتجمعات السكانية التى يمكن أن تكون ستاراً لإعادة تسليح سيناء، فيتم انتهاك المعاهدة متسترا بعمل مشروع وهو التعمير. فالتعمير غطاء للتسليح. ونحن نرى أن مثل هذا التفسير يجافى نص المعاهدة، فالالتزام بعدم التسليح التزام محدد، رغم أنه انتهاك لنص آخر يؤكد سيادة مصر على سيناء، لأن السيادة تفرض أن تقرر مصر لنفسها تسليح سيناء أو غيرها.
لكل ذلك، فنحن ندعو مع غيرنا إلى الإسراع بتعمير سيناء، فهو خيار لا مفر منه لأنه حل لمخاوف أمنية واستراتيجية، وحل لمشكلة التكدس فى الوادى، فضلا عن أن هذا الإجراء يعتبر ممارسة وطنية صحيحة لسيادة مصر على جزء عزيز من أراضيها طال حرماننا منه، ولايجوز أن نضحى بكل ذلك لمجرد إرضاء إسرائيل أو تبديد مخاوفها الأمنية، فهى دولة قامت أصلاً على الغصب، وأن الفزع وعدم الأمن جزء أصيل فى تكوينها النفسى والعصبى، وقد يئست مصر من علاجها وضاق الشعب بتكاليف العلاج.


د.عبدالله الأشعل