الايمان

الايمان : جمع يمين ، وهو اليد المقابلة لليد اليسرى ، وسمي بها الحلف لانهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه ، وقيل : لانها تحفظ الشئ كما تحفظه اليمين .
ومعنى اليمين في الشرع : تحقيق الامر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته . أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك . واليمين والحلف والابلاء والقسم بمعنى واحد . اليمين لا تكون إلا بذكر الله أو صفة من صفاته : ولا يكون الحلف إلا بذكر اسم الله أو صفة من صفاته سواء أكانت صفات ذات أم صفات أفعال ، كقوله : والله وعزة الله وعظمته وكبريائه وقدرته وإرادته وعلمه . . . وكذا الحلف بالمصحف أو القرآن أو سورة أو آية منه .
وفي القرآن الكريم يقول الله سبحانه : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) ( 1 ) . ويقول : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ) ( 2 ) .
وعن ابن عمر ، رضي الله عنهما قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ، ومقلب القلوب ) . وعن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله ، صلى الله صلى الله عليه وسلم ، إذا اجتهد ( 3 ) في الدعاء قال : ( والذي نفس أبي القاسم بيده ) رواه أبو داود . ( أيم الله وعمر الله وأقسمت عليك ) قسم : ( أيم الله يمين ، لانها بمعنى : والله - أو : وحق الله .
ويمين الله ، يمين عند الاحناف والمالكية ، لان معناها : أحلف بالله . وقالت الشافعية : لا تكون يمينا إلا بالنية ، فإن نوى الحالف اليمين انعقدت ، وإن لم ينو لم تنعقد . وعند أحمد : روايتان ، أصحهما أنها تنعقد . وعمر الله يمين عند الاحناف والمالكية ، لانها بمعنى : وحياة الله وبقائه . وقال الشافعي ، رضي الله عنه وأحمد وإسحاق : لا يكون يمينا إلا بالنية .
وكلمة أقسمت عليك - وأقسمت بالله ، يرى بعض العلماء أنه يكون يمينا مطلقا ، ويرى أكثرهم أنه لا يكون يمينا إلا بالنية . وذهبت الشافعية إلى أن ما ذكر فيه اسم الله يكون يمينا . وأن ما لم يذكر فيه اسم الله لا يكون يمينا ، وإن نوى اليمين . وقال مالك ، رضي الله عنه : إن قال الحالف : أقسمت بالله كان يمينا ، وإن قال : أقسمت أو أقسمت عليك ، فإنه في هذه الصورة لا يكون يمينا إلا بالنية .
الحلف بأيمان المسلمين : سبق أن قلنا في الجزء الثامن من فقه السنة إن الحلف بأيمان المسلمين لا يلزم به شئ ، ومن حلف فقال : إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج إلى بيت الله الحرام . أو قال : إن فعلت كذا فالحلال علي حرام . أو قال : إن فعلت كذا فكل ما أملكه صدقة . فهذا وأمثاله فيه كفارة يمين متى حنث ، وهو أظهر أقوال العلماء - وقيل : لا شئ فيه . وقيل : إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به . الحلف بأنه غير مسلم - أو الحلف بالبراءة من الاسلام : من حلف أنه يهودي أو نصراني أو أنه برئ من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم إن فعل كذا ففعله . فقال جماعة من العلماء منهم الشافعي : ليس هذا بيمين ولا كفارة عليه ، لان النصوص اقتصرت على التهديد والزجر الشديد . وروى أبو داود والنسائي عن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فقال : إني برئ من الاسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال ( 1 ) . وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما ) ( 1 ) . وعن ثابت بن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف بغير ملة الاسلام فهو كما قال ) .
وذهب الاحناف وأحمد وإسحاق وسفيان والاوزاعي : إلى أنه يمين ، وعليه الكفارة إن حنث .
الحلف بغير الله محظور : وإذا كانت اليمين لا تكون إذا بذكر اسم الله أو ذكر صفة من صفاته ، فإنه يحرم الحلف بغير ذلك ، لان الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ، والله وحده هو المختص بالتعظيم . فمن حلف بغير الله فأقسم بالنبي أو الولي أو الاب أو الكعبة أو ما شابه ذلك ، فإن يمينه لا تنعقد ، ولا كفارة عليه إذا حنث . وأثم بتعظيمه غير الله . 1 - عن ابن عمر ، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر رضي الله عنه في ركب وهو يحلف
( هامش ) ( 1 ) إن قصد بذلك إبعاد نفسه لم يكفر . وليقل : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستغفر الله ويتوب إليه . وإن أراد الكفر إذا فعل المحلوف عليه كفر والعياذ بالله .
بأبيه ، فناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم . فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت . قال عمر : فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها . ذاكرا ولا آثرا ) ( 1 ) . 2 - وسمع ابن عمر ، رضي الله عنهما رجلا يحلف : لا ، والكعبة ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) . 3 - وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف منكم فقال في حلفه : باللات والعزى : فليقل : لا إله إلا الله . ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق ) ( 2 ) . 4 - وعند أبي داود ( من حلف بالامانة فليس منا ) أي ليس على طريقتنا .
( 1 ) أي لم يحلف بأبيه من قبل نفسه ولا حاكيا عن غيره . ( 2 ) اللات والعزى : صنمان لاهل مكة كانوا يحلفون بهما في الجاهلية ، فمن حلف بهما ، فليكفر بقوله : لا إله إلا الله . كما يتصدق إذا طلب لعب القمار من صاحبه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد - أي الاصنام - ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون ) رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة .
الحلف بغير الله دون تعظيم المحلوف به : جاء النهي عن الحلف بغير الله إذا كان يقصد بذكره التعظيم ، كالحالف بالله يقصد بذكره تعظيمه . أما إذا لم يقصد التعظيم ، بل قصد تأكيد الكلام فهو مكروه من أجل المشابهة ، ولانه يشعر بتعظيم غير الله . وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للاعرابي : ( أفلح وأبيه ) . قال البيهقي : إن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد . وأيد النووي هذا الرأي وقال : إنه هو الجواب المرضي .
قسم الله بالمخلوقات : كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم فيلقون إليه السمع مصغين ، لانهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به ، وأنه أقسم ليؤكد كلامه . وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة ، منها القرآن ، كقوله تعالى : ( والقرآن المجيد ) . ومنها بعض المخلوقات مثل : ( والشمس وضحاها ) ( والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى ) .
وإنما كان ذلك لحكم كثيرة في المقسم به والمقسم عليه .
من هذه الحكم : لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الاشياء بالقسم بها ، والحث على تأملها ، حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها .
فقد أقسم سبحانه وتعالى بالقرآنلبيان أنه كلام الله حقا وبه كل أسباب السعادة .
وأقسم بالملائكةلبيان أنهم عباد الله خاضعون له ، وليسوا بآلهة يعبدون .
وأقسم بالشمس والقمر والنجوم لما فيها من الفوائد والمنافع ، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها ، وأن لها خالقا وصانعا حكيما ، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه .
وأقسم بالريح . والطور . والقلم . والسماء ذات البروج . إذ أن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر .
أما المقسم عليه فأهمه : وحدانية الله ، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعث الاجساد مرة أخرى ، ويوم القيامة . لان هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس . والقسم بالمخلوقات مما اختص الله به . أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله أو بصفة من صفاته على النحو المتقدم ذكره .
شرط اليمين وركنها :
ويشترط في اليمين : العقل . والبلوغ . والاسلام . وإمكان البر . والاختيار .
فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه . وركنها : اللفظ المستعمل فيها . حكم اليمين : وحكم اليمين أن يفعل الحالف المحلوف به فيكون بارا . أو لا يفعله فيحنث ، وتجب الكفارة .
أقسام اليمين تنقسم الايمان أقساما ثلاثة : 1 - اليمين اللغو . ( 2 ) اليمين المنعقدة . 3 - اليمين الغموس .
اليمين اللغو وحكمها : ويمين اللغو : هي الحلف من غير قصد اليمين ، كان يقول المرء : والله لتأكلن ، أو لتشربن ، أو لتحضرن . ونحو ذلك . لا يريد به يمينا ولا يقصد به قسما ، فهو من سقط القول . فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت :
أنزلت هذه الاية : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) . في قول الرجل : لا والله . وبلى والله . وكلا والله . رواه البخاري مسلم وغيرهما . وقال مالك ، رضي الله عنه ، والاحناف ، والليث ، والاوزاعي : لغو اليمين أن يحلف على شئ يظن صدقه ، فيظهر خلافه ، فهو من باب الخطأ . وعند أحمد ، رضي الله عنه روايتان كالمذهبين . وحكم هذا اليمين : أنه لا كفارة فيه ، ولا مؤاخذة عليه .
اليمين المنعقدة وحكمها : واليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها ، فهي يمين متعمدة مقصودة ، وليست لغوا يجري على اللسان بمقتضى العرف والعادة . وقيل : اليمين المنعقدة هي أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله . وحكمها : وجوب الكفارة فيها عند الحنث . يقول الله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ) ( 1 ) . ويقول : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) . ( 2 )
اليمين الغموس وحكمها : واليمين الغموس وتسمى أيضا : الصابرة - وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق ، أو التي يقصد بها الغش والخيانة . وهي كبيرة من كبائر الاثم - ولا كفارة فيها ( 1 ) - لانها أعظم من أن تكفر ، وسميت غموسا لانها تغمس صاحبها في نار جهنم . وتجب التوبة منها . ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع هذه الحقوق .
يقول الله سبحانه : ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم . فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) ( 2 ) . 1 - وروى أحمد ، رضي الله عنه وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وبهت مؤمن ، ويمين صابرة يقطع بها مالا
( هامش ) ( 1 ) وقال الشافعي ورواية عن أحمد رضي الله عنهما - فيها الكفارة . ( 2 ) سورة النحل آية رقم 94 . بغير حق ) . 2 - وروى البخاري عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكبائر : الاشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس ) . 3 - وروى أبو داود عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين مصبورة ( 1 ) كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار ) . ( هامش ) ( 1 ) مصبورة : أي ألزم بها وحبس عليها - وكانت لازمة من جهة الحكم .
مبنى الايمان على العرف والنية : أمر الايمان مبني على العرف الذي درج عليه الناس لا على دلالات اللغة ولا على اصطلاحات الشرع ، فمن حلف أن لا يأكل لحما ، فأكل سمكا فإنه لا يحنث وإن كان الله سماه لحما ، إلا إذا نواه ، أو كان يدخل في عموم اللحم في عرف قومه . ومن حلف على شئ وورى بغيره فالعبرة بنيته لا بلفظه ، إلا إذا حلفه غيره على شئ ، فالعبرة بنية المحلف لا الحالف ، وإلا لم يكن للايمان فائدة في التقاضي . قال النووي : إن اليمين على نية الحالف في كل الاحوال ، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فهي على نية القاضي أو نائبه ، ولا تصح التورية هنا وتصح في كل حال ، ولا يحنث بها وإن كانت للباطل حراما . والدليل على أن العبرة بنية الحالف إلا إذا حلفه غيره ، ما رواه أبو داود وابن ماجه عن سويد بن حنظلة قال : خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل ابن حجر ، فأخذه عدو له ، فتحرج القوم أن يحلفوا ، وحلفت أنه أخي ، فخلى سبيله ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا ، وحلفت أنه أخي . قال : ( صدقت ، المسلم أخو المسلم ) .
والدليل على أن العبرة بنية المستحلف إذا استحلف على شئ ، ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اليمين على نية المستحلف ) . وفي رواية : ( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ) . والصاحب هو المستحلف ، وهما طالبا اليمين . لا حنث مع النسيان أو الخطأ : من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا أو خطأ فإنه لا يحنث لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : - ( إن الله تجاوز لي عن أمتي : الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) . والله يقول : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) ( 1 )
يمين المكره غير لازمة : لا يلزم الوفاء باليمين التي يكره المرء عليها ، ولا يأثم إذا حنث ( 2 ) فيها للحديث المتقدم ، ولان المكره مسلوب الارادة ، وسلب الارادة يسقط التكليف . ولهذا ذهب الائمة الثلاثة إلى أن يمين المكره لا تنعقد ، خلافا لابي حنيفة .
( هامش ) ( 2 ) الحنث في اليمين يكون بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله
الاستثناء في اليمين : من حلف فقال : إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه . فعن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فقال : إن شاء الله . فلا حنث عليه ) . رواه أحمد وغيره ، وصححه ابن حبان .
تكرار اليمين : إذا كرر اليمين على شئ واحد أو على أشياء وحنث فقال أبو حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد : يلزم بكل يمين كفارة . وعند الحنابلة ، أن من لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة ، لانها كفارات من جنس واحد . وإن اختلف موجب الايمان ، وهو الكفارة ، كظهار ويمين بالله لزمته الكفارتان ولم تتداخلا .
كفارة اليمين تعريف الكفارة : الكفارة صيغة مبالغة من الكفر ، وهو الستر ، والمقصود بها هنا الاعمال التي تكفر بعض الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الاخرة . والذي يكفر اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف :
1 - الاطعام 2 - الكسوة 3 - العتق على التخيير . فمن لم يستطع فليصم ثلاثة أيام .
وهذه الثلاثة مرتبة ترتيبا تصاعديا - أي تبدأ من الادنى للاعلى ، فالاطعام أدناها ، والكسوة أوسطها ، والعتق أعلاها . يقول الله تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) ( 1 )
حكمة الكفارة : الحنث خلف وعدم وفاء ، فتجب الكفارة جبرا لهذا
الاطعام : لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه ، وكل ما كان كذلك يرجع فيه إلى التقدير بالعرف ، فيكون الطعام مقدرا بقدر ما يطعم منه الانسان أهل بيته غالبا - لا من الاعلى الذي يتوسع به في المواسم والمناسبات ، ولا من الادنى الذي يطعمه في بعض الاحيان . فلو كانت عادة الانسان الغالبة في بيته أكل اللحم والخضروات وخبز البر فلا يجزئ ما دونه ، وإنما يجزئ ما كان مثله وأعلى منه ، لان المثل وسط ، والاعلى فيه الوسط وزيادة . وهذا مما يختلف باختلاف الافراد والبلاد .
وقد كان الامام مالك ، رضي الله عنه ، يرى أن المد يجزئ في المدينة ، قال : وأما البلدان فلهم عيش غير عيشنا ، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم ، لقوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) . وهذا مذهب داود وأصحابه .
واشترط الفقهاء أن يكون العشرة المساكين من المسلمين إلا أبا حنيفة ، فإنه جوز دفعها إلى فقراء أهل الذمة . ولو أطعم مسكينا عشرة أيام ، فإنه يجزئ عن عشرة مساكين عند أبي حنيفة . وقال غيره : يجزئ عن مسكين واحد . وإنما تجب كفارة الاطعام على المستطيع ، وهو من يجد ذلك فاضلا عن نفقته ونفقة من يعول . وقدر بعض العلماء الاستطاعة بوجود خمسين درهما عنده كما قال قتادة ، أو عشرين كما قاله النخعي .
الكسوة : وهي اللباس . ويجزئ منها ما يسمى كسوة . وأقل ذلك ما يلبسه المساكين عادة - لان الاية لم تقيدها بالاوسط ، أو بما يلبسه الاهل ، فيكفي القميص السابغ ( جلابية ) مع السراويل . كما تكفي العباءة أو الازار والرداء . ولا يجزئ فيها القلنسوة أو العمامة أو الحذاء أو المنديل أو المنشفة .
وعن الحسن وابن سيرين : أن الواجب ثوبان ، ثوبان . وعن سعيد بن المسيب : عمامة يلف بها رأسه ، وعباءة يلتحف بها . وعن عطاء ، وطاووس ، والنخعي : ثوب جامع كالملحفة والرداء . وعن ابن عباس ، رضي الله عنه : عباءة لكل مسكين أو شملة . وقال مالك وأحمد ، رضي الله عنهما : يدفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأة ، كل بحسبه .
تحرير الرقبة : أي إعتاق الرقيق وتحريره من العبودية ، ولو كان كافرا ، عملا بإطلاق الاية عند أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر . واشترط الجمهور الايمان ، حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل والظهار ، إذ تقول الاية : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) ( 1 ) .
الصيام عند عدم الاستطاعة : فمن لم يستطع واحدة من هذه الثلاث ، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام . فإن لم يستطع لمرض أو نحوه - ينوي الصيام عند الاستطاعة ، فإن لم يقدر ، فإن عفو الله يسعه . ولا يشترط التتابع في الصوم . فيجوز صيامها متتابعة ، كما يجوز صيامها متفرقة . وما ذكره الحنفية ، والحنابلة - من اشتراط التتابع - غير صحيح . فقد استدلوا بقراءة جاء فيها كلمة ( متتابعات ) وهي قراءة شاذة ولا يستدل بالقراءة الشاذة ، لانها ليست قرآنا - ولم تصح هنا حديثا حتى تكون تفسيرا من النبي صلى الله عليه وسلم ، للاية .
إخراج القيمة : اتفق الائمة الثلاثة على أن كفارة اليمين لا يجزئ فيها إخراج القيمة عن الاطعام والكسوة . وأجاز ذلك أبو حنيفة ، رضي الله عنه . الكفارة قبل الحنث وبعده : اتفق العلماء على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث ، واختلفوا في جواز تقديمها عليه . فجمهور الفقهاء يرى أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث ، وتأخيرها عنه ، ففي الحديث عند مسلم وأبي داود والترمذي : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل ) . ( 1 ) ففي هذا الحديث جواز تقديم الكفارة على الحنث . وإذا تقدمت الكفارة على الحنث كان الشروع في الحنث غير شروع في الاثم ، إذ تقديم الكفارة يجعل الشئ المحلوف عليه مباحا . وعند مسلم أيضا ما يفيد جواز تأخير الكفارة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى
غيرها خيرا منها فليأتها ، وليكفر عن يمينه )
( هامش ) ( 1 ) أي يفعل ما فيه الخير .
. قال هؤلاء : ومن قدم الحنث كان شارعا في معصية ، وقد يموت قبل أن يتمكن من الكفارة ، ولعل هذه هي حكمة إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقديم الكفارة .
ويرى أبو حنيفة أن الكفارة لا تصح إلا بعد الحنث ، لتحقق موجبها حينئذ . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ) . معناه عنده : فليقصد أداء الكفارة ، كقوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) ( 1 ) أي إذا أردت . والاول أرجح .
جواز الحنث للمصلحة : الاصل أن يفي الحالف باليمين . ويجوز له العدول عن الوفاء ، إذا رأى في ذلك مصلحة راجحة . يقول الله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) ( 1 ) . أي لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من البر والتقوى والاصلاح . ويقول عزوجل : ( قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم ) ( 2 ) . أي شرع الله لكم تحليل الايمان بعمل الكفارة . روى أحمد والبخاري ومسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير ، وكفر عن يمينك ) .
أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه : وعلى هذا يمكن تقسيم اليمين باعتبار المحلوف عليه إلى الاقسام الاتية : 1 - أن يحلف على فعل واجب أو ترك محرم ، فهذا يحرم الحنث فيه ، لانه تأكيد لما كلفه الله به من عبادة .
2 - أن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم . فهذا يجب الحنث فيه لانه حلف على معصية ، كما تجب الكفارة .
3 - أن يحلف على فعل مباح ، أو تركه . فهذا يكره فيه الحنث ويندب البر .
4 - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه . فالحنث مندوب ، ويكره التمادي فيه . وتجب الكفارة . 5 - أن يحلف على فعل مندوب . أو ترك مكروه ، فهذا طاعة لله . فيندب له الوفاء ، ويكره الحنث .
من كتاب فقه السنه
الشيخ سيد سابق