المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحمد لطفى السيد ... أستاذ الجيل



وادكول مش معقول
20-05-2003, 07:49 AM
احمد لطفى السيد ...استاذ الجيل
عندما نقرأ بدقه تاريخ أحمد لطفي السيد فأننا لا نسترجع فقط مسيرة شخصية مصرية أثرت على حياتنا حتى الآن بل نقرأ بطريق غير مباشر فصلا مهما من تاريخ هذا الوطن الذي كانت همومه دائما فوق أكتاف أستاذ الجيل لطفى السيد منذ نعومة أظافره وحتى وفاته فإذا بحثنا فى تاريخ الأحزاب فى مصر سنجد لأحمد لطفى السيد دورا مهما وفعالا , نفس الشيء عندما نتحدث عن صحافة مصر فى بدايات القرن العشرين ونشأة الجامعة المصرية بل كان له دور تثقيفي تنويري فى مجال ترجمة انتاج الفلاسفة المشاهير وتقديمه للقارئ العربي واستمر دوره ليشمل جهوده كوزير للمعارف ثم الداخلية ورئيسا لمجمع اللغة العربية ورئيسا لدار الكتب فى مرحلة من أخطر المراحل التى مرت بها مصر فى النصف الأول من القرن الماضي .

وهوصاحب عبارتين شهيرتين لا زالتا على ألسنة الناس حنى الآن رغم مرور عشرات السنين على وفاة صاحبها فهو صاحب الشعار الخالد (مصر للمصريين) و(أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية) والعبارتان يلخصان كيف كانت فلسفة هذا الرجل فقد كان طوال حياته يسعى لأن تكون مصر للمصريين مع احترام كافة الأحزاب والتيارات ولنعتبره أول ليبرالي حقيقي فى مصر يختلف مع غيره ولكن هذا الاختلاف لم يفسد للود قضية .

وتعتبرحياة لطفى السيد مرحلة مهمة من مراحل التاريخ المصري الحديث فى الميادين السياسية والاجتماعية والعلمية , فقد ساهم فى توجيه السياسة المصرية والحياة الاجتماعية والعلمية والتربية والتعليم فى مصر توجيها وطنيا وقوميا كان له أثره العظيم فيما وصلت إليه مصر من استقلال تام وحرية كاملة وتقدم فى التعليم وتحقيق لحرية العلم بإنشاء الجامعات .

ولد أحمد لطفي السيد فى 15 يناير سنة 1872 بقرية برقين , إحدى قرى مركز السنبلاوين بحافظة الدقهلية .. وكان والده " السيد باشا أبو على " عمدة هذه القرية كوالده " على أبو سيد أحمد " وقد كان يجيد حفظ القرآن الكريم كله . وعرف بشخصيته المهيبة وقوة شكيمته وعدالته فى معاملته وعطفة على أهل قريته وغيرهم , ويذكر أستاذ الجيل أن والده ما قسا علية يوم ولا وجه إلية كلمة نابية أو عبارة تؤلم نفسه بل كان عطوفا حكيما فى تربية أبنائه يعني بالقدوة الحسنة وحسن التوجيه والإرشاد .

ولما بلغ الرابعة من عمره أدخلة والده كتاب القرية ، فمكث فيه ست سنوات تعلم فيها القراءة والكتابة وحفظ القرآن كله .

وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم رغب والده فى أن يبعث به للدراسة فى الأزهر ، ولكنه دخل التعليم الحكومى ، وبعد ان انهى المرحلة الثانوية ، دخل كلية التى كانت لا تزال تحمل أسم مدرسة ، وقد التقي لطفى السيد بالشيخ محمد عبده صاحب الدعوة الكبرى للإصلاح ,ويتحول لطفى السيد تدريجيا عن موقع التلميذ إلى موقع الصداقة مع الشيخ إذ تتفق لديهم الأفكار حول الإعلاء بقيمة العقل والأيمان بأهمية الأخذ بأسباب الحضارة وضرورة تحريك خمول المجتمع حتى يصحو على وقائع العصر وإصلاح الفكر وتكريس الوعي فى الأمة وقادته الأقدار بعد ذلك لمقابلة السيد جمال الدين الافغانى فى الآستانة فقد ذهب فى رحلة دراسية خلال الصيف عام 1893 ،يعود الاستاذ للقاهرة لينال شهادة ليسانس الحقوق ليبدأ بعدها حياته العامة متدرجا فى وظائف النيابة , غير أنه ما تمر ثلاث سنوات حتى يضيق بعمل النيابة فيهجر ذلك المجال ويسافر إلى جنيف ويلتحق بجامعتها لدراسة الآداب والفلسفة ويلتقي هناك بقاسم أمين وسعد زغلول اللذين سيصبحان هما الآخران من رموز مصر الاجتماعية والوطنية ويدرك أحمد لطفى فى جنيف أن مصر لا يمكن أن تستقل أو تتقدم إلا من إحداث حركة شاملة للتعليم .

وعند عودته إلى مصر يرجع إلى ممارسة عملة فى النيابة عام 1905 حيث يهجر العمل الوظيفي نهائيا ويفتتح مكتبا للمحاماة بالاشتراك مع صديقه عبدالعزيز فهمي الذى سيصبح هو الأخر من أساطين القانون فى مصر واد قادة ثورة 1919.. غير أنه لم يلبس فى هذه المهنة إل بضع شهور ليبدأ حياته الحقيقية فى مضمار الصحافة والسياسة .

ومنذ صدور العدد الأول لصحيفته " الجريدة " عام 1907 كان واضحا أن تلك الصحيفة تتضمن خلاصة أفكار لطفي السيد التى راح يبشر لها من خلال مقالاته وكان ينتهج فيها خط مميز حيث أخضع وقائع ما يدور من حوله لطبيعة رؤيته سواء ما يتعلق منها بالأحداث السياسية أو الاجتماعية .. وكانت أهم معالم رؤيته أن مصر للمصريين وأنه قد حان الوقت لأن يحل مبدأ المنفعة السياسية محل الحركات الوجدانية والعشوائية بشأن قضايا الوطن أما عن قضيته الأساسية فى تلك المرحلة فقد كانت المطالبة بالدستور وقد مارس لطفى السيد الحياة النيابية بداية من عام 1911 ، ثم بدأ يمارس نشاطه الفكري والسياسي فيصبح وكيلا لأول نقابة للصحفيين فى مصر عام 1912 وفى عام 1913 يرشح نفسه لعضوية الجمعية التشريعية لكن الاحتلال يقف ضد نجاحه فيصمم على خوض الانتخابات لكنه يفشل .

وفى عام 1916 يتولى لطفى السيد موقع سكرتير أول مجمع اللغة العربية فى مصر وكان يرأس ذلك المجمع الشيخ أبو الفضل الجيزاوى شيخ الجامع الأزهر . وكان لطفي السيد قد عاد إلى وظيفته فى النيابة ثم انتقل منها إلى رئاسة دار الكتب المصرية , وبداية من عام 1918 شارك لطفى السيد فى فكرة تكوين وفد مصري يطالب باستقلال مصر , ثم بدأت أحداث ثورة 1919 وعندما دب الخلاف بين أعضاء ذلك الوفد فيما بعد اعتزل لطفى السيد الحياة السياسية ، تفرغ لرئاسة دار الكتب وبدأ فى ترجمة أعمال أرسطو ،وفى تلك الفترة شغل منصب وكيل الجامعة كما شارك فى مشروع تحويل الجامعة من جامعة أهلية إلى جامعة رسمية فى الفترة من عام 1923 وحتى عام 1928 حيث تم وضع حجر الأساس لمباني الجامعة الجديدة وفى أثناء ذلك قد صار لطفى السيد مديرا للجامعة .

وفى عام 1928 يصبح لطفى السيد وزيرا للمعارف حتى نهاية عام 1929 ,ثم عاد للاعتكاف بين كتبه وأوراقه إلى أن تتم دعوته للعودة مدير للجامعة عام 1930, إلا أنه فى عام 1932 يقدم استقالته على أثر شعوره أن هناك اعتداء قد مس استقلال الجامعة عندما تم نقل طه حسين من عمادة كلية الآداب دون الرجوع إلى إدارة الجامعة ويظل لطفى السيد بعيدا عن الجامعة حتى عام 1935 فيعود إليها بعد أن اشترط عدم نقل أي أستاذ منها إلا بموافقة مجلس الجامعة وأصدرت الحكومة قرار بذلك . وفى عام 1937 يستقيل من الجامعة مرة أخرى لأسباب قريبة من الأولى تتعلق بعلاقة الجامعة بالوزارات . وعند نهاية العام يتم اختياره وزيرا للدولة ثم وزيرا للداخلية ثم يعود إلى الجامعة فيظل بها حتى عام 1941 إذ يصبح عضوا فى مجلس الشيوخ ثم رئيسا لمجمع اللغة العربية .

http://www.omeldonia.com/../../adminupload/articls/image/f1029_1.jpg
قد كان لطفى زعيما لجمعية سرية هدفها الاستقلال وعلم بها الخديوى الذى كان يساند مصطفى كامل فى حركته ولكن فى الخفاء واشار عليه ان يطلب من لطفى السيد الانضمام لهم وبالفعل قابل الخديوى وبعدما خرج من عنده اجتمع ومصطفى كامل وبعض زملائهما فى منزل محمد فريد,وألفوا الحزب الوطنى كجمعية سرية رئيسها الخديوى ,و أعضاؤها:مصطفى كامل,ومحمد فريد,ومحمد فريد,وسعيد الشيمي ياور الخديوى,ومحمد عثمان ولبيب محرم ولطفي السيد ،سافر لطفى السيد بعد ذلك إلى جنيف بناءا على أوامر عباس حلمى ليكتسب الجنسية السويسرية على اعتبار ان هذا سيساعده على إصدار جريدة بصفته اجنبى يكون هدفها مقاومة الاحتلال ،قد فشلت وعاد لطفى السيد من أوروبا وقد تغيرت كثيرا أفكاره السياسية وأصبح مؤمنا بان تحير مصر لن يتم إلا بايدى المصريين.

إسلام شمس الدين
05-11-2003, 01:00 AM
ما أجمل أن نتذكر أولئك العظماء الذين أضاءوا لنا طريق الحضارة و الثقافة و الفكر فنعرض جوانب من حياتهم و أعمالهم
و وموضع كهذا هو أقل القليل نقدمه لهم تقديراً لدورهم و عرفاناً بجميلهم

وافر الشكر لك أخي العزيز كول على هذه اللمحات من حياة أستاذ الأجيال أحمد لطفي السيد :)
و لتسمح لي بعرض مقال آخر يلقي ببعض الضوء على جوانب من حياة هذه الشخصية العظيمة :


http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/01/images/pic018.jpg

في قرية "برقين" من قرى "السنبلاوين" التابعة لمحافظة الدقهلية بمصر ولد أحمد لطفي السيد في (4 من ذي القعدة 1288هـ = 15 من يناير 1872م)، ونشأ في أسرة على جانب من الثراء؛ فأبوه "السيد باشا أبو علي" كان عمدة للقرية ومن أعيانها؛ فعُني بتعليم ولده، فألحقه بكُتاب القرية، حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المنصورة الابتدائية سنة (1300هـ= 1882م)، وبعد ثلاث سنوات من الدراسة انتقل إلى القاهرة، والتحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وظل بها حتى أتم دراسته الثانوية سنة (1307هـ = 1889م)، ثم التحق بمدرسة الحقوق.

وفي أثناء دراسته تعرف على الشيخ محمد عبده الذي شجعه لما رأى فيه أمارات النبوغ وميله إلى الحرية واحترام الحقوق، وقدرته على الكتابة والإنشاء، وكان من أثر هذا التشجيع أن قام أحمد لطفي السيد وجماعة من نابغي مدرسة الحقوق بإنشاء مجلة "التشريع"، كما التقى بجمال الدين الأفغاني في أثناء زيارته لإستانبول سنة (1311 هـ= 1893م) وتأثر بأفكاره.


بعد حصول أحمد لطفي السيد على ليسانس الحقوق سنة (1312هـ= 1894م) عمل بالنيابة، وتدرج في مناصبها حتى عُين نائبًا للأحكام بالفيوم سنة (1322 هـ = 1904م)، وفي أثناء هذه الفترة اشترك مع صديقه القديم عبد العزيز فهمي الذي التقى به في المدرسة الثانوية بالقاهرة، في تأسيس جمعية سرية باسم "تحرير مصر"؛ فلما نمى خبرها إلى الخديوي "عباس حلمي" سعى إليها عن طريق مصطفى كامل زميل أحمد لطفي السيد في مدرسة الحقوق، وكان الخديوي يسعى للتحرر من قبضة الاحتلال البريطاني وممارسة سلطانه دون قيد منه؛ فتقرب إلى الأمة، واستعان بشبابها الناهض لتحقيق أهدافه.

وكان من أمر هذا الاتصال أن تم الاتفاق على تأليف حزب وطني بزعامة الخديوي، وعلى سفر أحمد لطفي السيد إلى سويسرا والإقامة بها سنة لاكتساب الجنسية، والعودة إلى مصر لإصدار جريدة تقاوم الاحتلال البريطاني، محتميًا بجنسيته المكتسبة، وقد عقد أول اجتماع للحزب السري الجديد بمنزل محمد فريد برئاسة الخديوي عباس حلمي، وعضوية مصطفى كامل، وأحمد لطفي السيد، ومحمد عثمان وغيرهم.

وفي جنيف التحق أحمد لطفي السيد بجامعتها، وعكف على دراسة الآداب والفلسفة، وزامله في الدراسة الشيخ محمد عبده الذي كان يزور سويسرا في ذلك الوقت، وعاد أحمد لطفي السيد إلى القاهرة دون أن ينجح في الحصول على الجنسية، لرفض الباب العالي العثماني تجنسه بها، وفي الوقت نفسه قدم تقريرًا إلى الخديوي جاء فيه: "إن مصر لا يمكن أن تستقل إلا بجهود أبنائها، وإن المصلحة الوطنية تقضي بأن يرأس سمو الخديوي حركة شاملة للتعليم العام"، وكان هذا هو رأي الشيخ محمد عبده الذي جعل من التربية والتعليم بعد عودته من المنفى خطته للإصلاح.

وعاد أحمد لطفي السيد إلى وظيفته في النيابة، وظل بها حتى ترك العمل بالقضاء سنة (1323هـ= 1905م)، واشتغل بالمحاماة، ثم لم يلبث أن ضاق بها؛ فتركها إلى العمل بالصحافة والسياسة.


بعد أن ترك أحمد لطفي السيد العمل الحكومي اشترك مع جماعة من أعيان مصر في تأسيس حزب الأمة سنة (1325هـ=1907م)، وتولى هو سكرتارية الحزب، ورأس صحيفته المعروفة باسم "الجريدة"، وقد استمرت رئاسته للجريدة سبع سنوات وبضعة أشهر توقفت بعدها تمامًا، بعد أن لفظ حزب الأمة أنفاسه الأخيرة.

وكانت سياسة الجريدة تقوم على الدعوة إلى فكرة "مصر للمصريين"، ومهاجمة الجامعة الإسلامية التي كان يدعو إليها السلطان عبد الحميد الثاني، ويعبر أحمد لطفي السيد عن هذا الاتجاه بقوله: "نريد الوطن المصري والاحتفاظ به، والغيرة عليه كغيرة التركي على وطنه، والإنجليزي على قوميته، لا أن نجعل أنفسنا وبلادنا على المشاع، وسط ما يسمى بالجامعة الإسلامية..".

وازدادت هذه السياسة وضوحًا بدعوته إلى حياد مصر من هجوم إيطاليا على ليبيا، حين رأى تعاطف المصريين مع الدولة العثمانية، وقيامهم بجمع التبرعات، وحشد المؤن والأسلحة لإرسالها إلى الجيش العثماني في طرابلس بليبيا، يقول لطفي السيد: "وقد أخذت أنبه على استحياء إلى واجب مصر من هذه الحرب، وهي أن تكون على الحياد، وأن سيادة تركيا لا تجلب لمصر منفعة ولا تدفع عنها ضرًا"، غير أن دعوته لم تلقَ استجابة، وضاعت وسط عواطف المصريين، وتعلق قلوبهم بدولة الخلافة العثمانية.

وسلكت الجريدة مسلكًا مهادنًا مع الاحتلال البريطاني، بل نوهت بالتحسن المادي والإداري الذي وصلت إليه مصر في عهد الاحتلال، وقبل أن يرحل اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إلى بلاده أقيم له حفل وداع بالأوبرا، في (ربيع الأول 1325 هـ = مايو 1907م)، وكان في مقدمة المحتفلين أعضاء حزب الأمة، وأفردت الجريدة ملحقًا عن حياة المعتمد البريطاني وأعماله في مصر، فأشادت بأعماله المالية والاقتصادية، ونددت بأعماله السياسية؛ "لأنه حرم مصر من حياة سياسية تطمح إليها كل أمة حية".


وبعد توقف الحرب وإغلاق الجريدة عُين أحمد لطفي السيد مديرًا لدار الكتب خلفًا للدكتور "شاده" المدير الألماني، وفي دار الكتب انفسح الوقت له، فترجم بعض أعمال أرسطو، ودعا إلى ترجمة الكتب الأخرى، وندب من وثق بهم للاضطلاع بنقل الثقافة الغربية إلى العربية، موقنًا أن النهضات في بواكيرها إنما تقوم على الترجمة التي هي بمثابة التمهيد، بالاحتذاء ثم الخلق والأصالة.

ويُذكر له أنه في أثناء عمله بدار الكتب أنشأ مجمعًا لغويًا عرف باسم "مجمع دار الكتب"، تولى رئاسته الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، واشترك في عضويته حفني ناصف وعاطف بركات وغيرهما، غير أن هذا المجمع الوليد لم تطل به الحياة، فانطوت صفحته بعد عام من إنشائه.


بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى سنة (1337هـ= 1918م) استقال أحمد لطفي السيد من دار الكتب، واشترك مع سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلى شعراوي وغيرهم في تأليف وفد للمطالبة بالاستقلال، وكان من شأن المطالبة أن نُفي سعد زغلول ورفيقاه إلى خارج البلاد، فاشتعلت البلاد بثورة 1919م العارمة التي أضجت مضاجع الاحتلال، وظل أحمد لطفي السيد في القاهرة يحرر بيانات الوفد ومذكراته، وتطور الأمر إلى رضوخ بريطانيا للتفاوض، وتشكلت وزارة حسين باشا؛ فأفرجت عن الزعماء المنفيين، وسافر لطفي السيد مع الوفد المصري إلى باريس، لعرض مطالب مصر على مؤتمر السلام المنعقد في فرساي.

ولما اشتعل الخلاف بين عدلي يكن رئيس الوزراء وسعد زغلول زعيم الثورة 1919 على رياسة المفاوضات مع بريطانيا وتلاحيا، اعتزل أحمد لطفي السيد العمل السياسي، وعاد إلى العمل بدار الكتب مديرًا لها، كما اشتغل بالجامعة المصرية الأهلية وكيلا لها.


ظل أحمد لطفي مديرًا لدار الكتب حتى (شعبان 1343هـ= مارس 1925م) قبل أن يعين مديرًا للجامعة المصرية بعد أن أصبحت حكومية، وفي عهده اتسعت الجامعة؛ فضمت إليها كلية الهندسة والحقوق والتجارة والزراعة، والطب البيطري وغيرها، كما قبلت الجامعة سنة (1348هـ= 1929م) أول مجموعة من الفتيات للالتحاق بها دون ضجة أو دعاية لهذا الأمر في الصحف، وسارت الأوضاع في هدوء حتى تخرجت أول دفعة من الطالبات سنة (1352هـ= 1933م) وكانت ثلاث طالبات في كلية الآداب وواحدة في كلية الحقوق، وكان ذلك مأثرة له في سبيل النهوض بالمرأة، والمحافظة على حقها في التعليم.

وكان لطفي السيد حريصًا على كرامة الجامعة؛ فلم يزج بها في السياسة، ولم يسمح بما يعوق حركتها أو يؤثر في سياستها؛ فنأى بها عن العمل الحزبي، فحين أُقصي طه حسين عن الجامعة سنة (1351هـ= 1932م) إلى وزارة المعارف، قدم لطفي السيد استقالته احتجاجًا على هذا التدخل، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد أن اشترط أن يعدل قانونها بما لا يدع لوزارة المعارف الحق في نقل أستاذ من الجامعة إلا بعد موافقة مجلسها، وقدم استقالته مرة أخرى سنة (1356هـ=1937م) احتجاجًا على اقتحام الشرطة للحرم الجامعة.


ظل أحمد لطفي السيد مديرًا للجامعة حتى استقال منها سنة (1362هـ= 1941م) بعد أن اطمأن إلى أوضاعها ورسوخ أقدامها، ثم دعاه أحمد ماهر سنة (1365هـ= 1944م)، ليكون عضوا في الهيئة التي كونها لدراسة مقترحات الحلفاء لإنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل عصبة الأمم، كما اشترك في وزارة إسماعيل صدقي سنة (1367هـ= 1946م) وزيرًا للخارجية وعضوًا في هيئة المفاوضات بين مصر وبريطانيا التي عُرفت بمفاوضات "صدقي-بيفن"، غير أنها فشلت، وخرج لطفي السيد من الوزارة التي كانت قد شكلت برئاسة صدقي لمواجهة المد الشعبي المطالب بالتحرر والاستقلال، ولم يشترك بعد ذلك في أعمال سياسية أخرى.


وعلى الرغم من تقدمه في السن؛ فقد ظل مؤثرًا في الحياة الفكرية، فتولى رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1366هـ=1945م) وظل يشغله حتى وفاته، وكان عضوًا في كثير من المجامع العلمية، مثل المجمع العلمي العراقي، والمجمع العلمي المصري، والجمعية الجغرافية المصرية، كما كرمته الدولة؛ فنال جائزتها التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1378هـ= 1958م).

ولم يترك لطفي السيد مؤلفات على كثرة ما كتبه في "الجريدة" لسان دعوته إلى حرية الفكر وحرية الإنسان وحرية الوطن، وكانت مدرسته التي وجه منها الرأي العام إلى قضايا الاستقلال والدستور، وسلطة الأمة، والحياة النيابية السليمة، والتعليم الجامعي، ولم يتهيأ لنا مما كتب سوى ثلاثة مؤلفات جمعها له إسماعيل مظهر، هي: "المنتخبات" في جزأين، و"تأملات"، و"صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية" بالإضافة إلى مذكراته التي بعنوان "قصة حياتي".

وترجم لطفي السيد عن الفرنسية كتب أرسطو: الأخلاق، الكون والفساد، الطبيعة السياسية. وأسلوبه يتميز بالدقة والسلاسة والوضوح دون التواء في المعني أو ملابسة في الفكرة، أو تداخل في التعبير.


وقد طالت الحياة بأحمد لطفي السيد حتى تجاوز التسعين، وظل موفور النشاط متوقد الذهن حتى لقي ربه في (سنة 1383هـ= 1963م) بعد أن وقف نفسه على الإصلاح والتجديد ستين عامًا أو يزيد، وهي مدة لم تتوفر لمصلحين كثيرين، ودخل التاريخ من باب التأثير على مسيرة أجيال زاملته بأفكاره الإصلاحية، وإن كان بعضها محل نظر وتحفظ ومراجعة.