المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا اهل العراق يا اهل الشـــ (الحجاج)قبحه الله



boumedien3lion
23-07-2009, 07:15 PM
ثم دخلت سنة خمس وسبعين


ففيها غزا محمد بن مروان - أخو عبد الملك بن مروان وهو والد مروان الحمار - صائفة الروم حين خرجوا من عند مرعش، وفيا ولي عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهو عمه، وعزل عنها الحجاج.
وفيها ولي عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار، وذلك بعد موت أخيه بشر، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته وقهره وقسوته وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة ولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في اثني عشر راكبا، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وكان تحتهم النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وأمسك عن الكلام طويلا، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصى ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا الذي كان قبله فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدبكم به فاتخذت هذا مكانه - وأشار إلى سيفه -، ثم قال: والله لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة. فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم، وقيل إنه دخل الكوفة في شهر رمضان ظهرا فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال: عليَّ بالناس ! فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهموا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال:
أنا ابن جَلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: أما والله إني لأحمل الشيء بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه بفتله، وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وآن اقتطافها، وإني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى.
قد شمرت عن ساقها فشمري
ثم أنشد:
هذا أوان الشد فاشتدي زِيمْ * قد لفَّها الليل بسوَّاق حطمْ
لست براعي إبل ولا غنمْ * ولا بجزَّارٍ على ظهرٍ وضمْ
ثم قال:
قد لفَّها الليل بعصلبيِّ * أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي *
ثم قال: إني يا أهل العراق ما أُغمز بغماز، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذُكاء وجربت من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرّها عودا وأصلبها مغمزا فوجهني إليكم فأنتم طالما رتعتم في أودية الفتن، وسلكتم سبيل الغي، واخترتم جدد الضلال، أما والله لألحونَّكم لحي العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، والله لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده.
ثم قال: من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب -يعني الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر ابن مروان كما تقدم -سفكت دمه وانتهبت ماله، ثم نزل فدخل منزله ولم يزد على ذلك، ويقال إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفا من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال: قبحه الله ما أعياه وأذمه !فلما نهض الحجاج وتكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته. ويقال إنه قال في خطبته هذه: شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلا: { قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [النحل:112] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، وأقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الأرجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، وإيش الخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السُّمَّهي وتقلعوا عن ها وها.
في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد ليس فيه وعد بخير.
فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب. وقد عصفت عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلمه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها. قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير وعليل: وهذا ابني هو أشب مني. قال: ومن أنت؟ قال عمير بن ضابئ التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم ! قال ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال: بلى قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حبس أبي وكان شيخا كبيرا، قال: أوليس هو الذي يقول:
هممتُ ولم أفعل وكدت وليتني * فعلت وولَّيتُ البكاء حلائلا
ثم قال الحجاج: إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، ثم قال: قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله، وأمر مناديا في الناس ألا إن عمير بن صابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثا فأمر بقتله فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب، وأخذوا منه كتابا بوصولهم إليه، فقال المهلب: قدم العراق والله رجل ذكر، اليوم قوتل العدو.
ويروى أن الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير ! إن هذا جاء إلى عثمان بعد ما قتل فلطم وجهه، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله.
وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبا على البصرة من جهته، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، وأقر على قضاء الكوفة شريحا ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى، ثم عاد إلى الكوفة. وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله.
وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما خطب أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد، ثم أُتي برجل من بني يشكر فقيل هذا عاص، فقال: إن بي فتقا وقد عذرني الله وعذرني بشر بن مروان، وهذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز. وعليهم عبد الله بن الجارود، وخرج إليهم الحجاج -وذلك في شعبان من هذه السنة -في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالا شديدا، وقتل أميرهم عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعث بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج، وأرسل الحجاج إلى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور، وسار الناس وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان، فلما كان الليل بيت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز - وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل - فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوراج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة، ويقال إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله من الخوارج، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، وأمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، وكتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك ولم يجد بدّا من طاعة الحجاج، وكره أن يخالفه فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرا ويعصيه كثيرا، ثم تقاولا فهم المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب.


فصل خطبة الحجاج لأهل العراق


قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافةً شديدةً، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبرا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعباد والقراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير.
قال القاضي المعافى زكريا: ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس -، عن عطاء - يعني ابن مصعب -، عن عاصم، قال: خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال: يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف، ثم أفضى إلى الأسماخ والأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤتمنا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان؟
ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر، واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا والله أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذا، وتنهزمون سراعا.
ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونخعتكم الرماح.
ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم:
بضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
يا أهل العراق، يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفا، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاصٍ، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافا وثقالا، وفرسانا ورجالا.
يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر، إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟
يا أهل العراق، ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته؟
ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنه القذر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب.
يا أهل الشام ! أنتم الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار والدثار، بكم يذب عن البيضة والحوذة، وبكم ترمي كتائب الأعداء، ويهزم من عاند وتولى.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي، قال: كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسنا -: إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها، وشربوا أنهارها، وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها، فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دمائهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور.
ومما رواه غير واحد، عن الحجاج، أنه قال في خطبته في المواعظ: الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرءا رد نفسه، امرءا اتهم نفسه، امرءا اتخذ نفسه عدوة، امرءا حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرءا نظر إلى ميزانه، امرءا نظر إلى حسابه، امرءا وزن عمله، امرءا فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرا، وعند همه آمرا، امرءا أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرءا عقل عن الله أمره، امرءا فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق. فما زال يقول: امرءا امرءا، حتى بكى مالك بن دينار.
وقال المدائني: عن عوانه بن الحكم، قال: قال الشعبي: سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد، فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء. فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل.
وقال المدائني: عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه، قال: سمعت الحسن البصري يقول: وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريٌّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة.
وقال شريك القاضي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال الحجاج يوما: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال: أعطني فإني قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا. فقال: اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئا.
وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان، ومنعت العطاء، وقد هدمت داري، فقال الحجاج: أما سمعت قول الشاعر:
حنانَيْكَ من تجنىَّ عليك وقد * تعدَّى الصِحاحَ مبارك الجَرَبِ
ولرب مأخوذٍ بذنب قريبه * ونجا المقارف صاحب الذنب؟
فقال الرجل: أيها الأمير ! إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا.
قال: وما قال؟
قال: { قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبا شَيْخا كَبِيرا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذا لَظَالِمُونَ } [يوسف: 78-79] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان، وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر مناديا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر.
وقال الهيثم بن عدي: عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن أبعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج، فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات: 6] وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهنَّ بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت:
أحجاجُ لم تشهد مقام بناته * وعماته يندبنه الليل أجمعا
أحجاج كم تقتل به إن قتلته * ثمانا وعشرا واثنتين واربعا
أحجاج من هذا يقوم مقامه * علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا
أحجاج إما أن تجود بنعمة * علينا وإما أن تقتلنا معا
قال: فبكى الحجاج، وقال: والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه، وحسن صلته، وبالإحسان إلى هذه الجارية، وتفقدها في كل وقت.
وقيل: إن الحجاج خطب يوما فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال له: ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك، وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام؟ خبث وضل سعيك، فقال للحرس: خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الذي جرأك عليَّ؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال: خلوا سبيله، فأطلق.
وقال المدائني: أتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدا، قال: وما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يوما أمك فرددت عليه، فقال: ومن يشهد لك؟ قال: صاحبي هذا ! فسأله فقال: نعم ! فقال: ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال: بغضك، قال: أطلقوا هذا لصدقة، وهذا لفعله. فأطلقوهما.
وذكر محمد بن زياد، عن ابن الأعرابي فيما بلغه: أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له: جحدر بن مالك، وكان فاتكا بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج: ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال: جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، وذلك أني ما لقيت فارسا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرا، فقال له الحجاج: إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك. ثم أودعه السجن مقيدا مغلولةً يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو، يقول في بعضها:
أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني
بلى وترى الهلال كما نراه * ويعلوها النهار إذا علاني
إذا جاوزتما نخلات نجد * وأودية اليمامة فانعياني
وقولا جحدرٌ أمسى رهينا * يحاذر وقع مصقولٍ يماني
فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطى سيفا في يده اليسرى، وخلى بينه وبين الأسد، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول:
ليثٌ وليثٌ في مجال ضنك * كلاهما ذو أنفٍ ومحك
وشدة في نفسه وفتك * إن يكشف الله قناع الشك
فهو أحق منزل بترك *
فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة، وتمطى وأقبل نحوه، فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة، فتلقاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد، وشدة موضع القيود عليه، فكبرَّ الحجاج وكبر أصحابه، وأشار جحدر يقول:
يا جمل إنك لو رأيت كريهتي * في يوم هولٍ مسدفٍ وعجاج
وتقدمي لليث أرسفُ موثقا * كيما أساوره على الأخراج
شئنٌ براثنه كأن نيوبه * زرق المعاول أو شباة زجاج
يسمو بناظرتين تحسب فيهما * لهبا أحدَّهما شعاع سراج
وكأنما خيطت عليه عباءة * برقاء أو خرقا من الديباج
لعلمت أني ذو حفاظٍ ماجدٍ * من نسل أقوام ذوي أبراج
فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالا.
وأنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول الله . فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان.
وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها: أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم { { إلى قوله { أحب إليكم } فيقرأها برفع أحب.
وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم ! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدا فأمل.
وقال ابن دريد: عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسَّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم مالا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع، وتنفق في الأسبوع مالا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدا:
عليك بتقوى الله في الأمر كله * وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع
ووفر خراج المسلمين وفيأهم * وكن لهم حصنا تجير وتمنع
فكتب إليه الحجاج:
لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم * قراطيس تملا ثم تطوى فتطبع
كتاب أتاني فيه لين وغلظة * وذكرتُ والذكرى لذي اللب تنفع
وكانت أمور تعتريني كثيرة * فأرضخ أو اعتل حينا فأمنع
إذا كنت سوطا من عذاب عليهم * ولم يك عندي بالمنافع مطمع
أيرضى بذاك الناس أو يسخطونه * أم أحمد فيهم أم ألام فأقذع
وكان بلاد جئتها حين جئتها * بها كل نيران العداوة تلمع
فقاسيت منها ما علمت ولم أزل * أصارع حتى كدت بالموت أصرع
وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها * ولو كان غيري طار مما يروع
وكنت إذا هموا بإحدى نهاتهم * حسرت لهم رأسي ولا أتقنع
فلو لم يذد عني صناديد منهم * تقسم أعضائي ذئاب وأضبع
قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك.
وقال الثوري: عن محمد بن المستورد الجمحي، قال: أتي الحجاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتألف. قال: صدقت، والله لو كان حسن اعتذار يبطل حدا لكنت له موضعا. يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده.
وقال أبو بكر بن مجاهد: عن محمد بن الجهم، عن الفراء، قال: تغدى الحجاج يوما مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ، فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود: 88] .
وقال عمر بن شبة، عن أشياخه، قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزَّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل.
وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها * وتطلب رضائي في الذي أنا طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا * إلى الله منه ضيع الدر حالبه
فإن ترمني غفلةً قرشيةً * فيا ربما قد غص بالماء شاربه
وإن ترمني وثبةً أمويةً * فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تعدُ ما يأتيك مني فانْ تعدْ * تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الأموال، والدماء، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضبت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفا فليحدّ لي أمير المؤمنين حدا أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقي * أذاك فيومي لا توارت كواكبه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة * فقامت عليه في الصباح نوادبه
أسالم من سالمت من ذي هوادةٍ * ومن لا تسالمه فإني محاربة
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه * وأقص الذي تسرى إليَّ عقاربه
فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى * على ما أرى والدهر جمٌ عجائبه
وعن الشافعي أنه قال: قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه: هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئا؟ فسأله كما أمره، فقال: والله ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهبا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله في الطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم.


تجرمته
هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو ابن سعد بن عوف بن ثقيف وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوزان أبو محمد الثقفي سمع ابن عباس وروى عن أنس وسمرة بن جندب وعبد الملك بن مروان وأبي بردة بن أبي موسى وروى عنه أنس بن مالك وثابت البناني وحميد الطويل ومالك بن دينار وجواد بن مجالد وقتيبة بن مسلم وسعيد بن أبي عروبة قاله ابن عساكر قال وكانت له بدمشق دور منها دار الرواية بقرب قصر ابن أبي الحديد وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير ثم عزله عنها وولاه العراق وقدم دمشق وافداص على عبد الملك ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم سمعت أبي يقول خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر فما زال يقول إنه بيت الوحدة وبيت الغربة حتى بكى وأبكى من حوله ثم قال سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول سمعت مروان يقول في خطبته خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته ما نظر رسول الله ص إلى قبر أو ذكره إلا بكى وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود وغيره وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار ثنا يسار عن جعفر عن مالك بن دينار قال دخلت يوما على الحجاج فقال لي يا أبا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول
الله ص فقلت بلى فقال حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله ص من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد والله أعلم
قال الشافعي سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تتخلل أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى وكان ذلك في أول النهار فقال والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينه دنية وإن كان الذي تخللين منه شيء بقى في فيك من البارحة إنك لقذرة فطلقها فقالت والله ما كان شيء مما ذكرت ولكنني باكرت ماتباكره الحرة من السواك فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج تزوجها فانها لخليقة بأن تأتي برجل يسود فتزوجها يوسف أبو الحجاج قال الشافعي فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم ما أسرع ما ألقحت بالمبير
قال ابن خلكان وإسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي وكان زوجها الحارث ابن كلدة الثقفي طبيب العرب وذكر عنه هذه الحكاية في السواك وذكر صاحب العقد أن الحجاج كان هو وابوه يعلمان الغلمان بالطائف ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله فقال روح عندي رجل توليه ذلك فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط فشكا روح ذلك إلى عبد الملك فقال للحجاج لم صنعت هذا فقال لم أفعله إنما فعله أنت فإن يدي يدك وسوطي سوطك وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه وبدل الغلام غلامين ولا تكسرني في الدي وليتني ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده قال وبنى واسط في سنة أربع وثمانين وفرغ منها في سنة ست وثمانين وقيل قبل ذلك قال وفي أيامه نقطت المصاحف وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولا يسمى كليبا ثم سمى الحجاج وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج وأنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي ثم دم سالح ولطخ وجهه بدمه فارتضع وكانت فيه شهامة
وحب لسفك الدماء لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه ويقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط وقيل إنها أم أبيه والله أعلم وكانت فيه شهامة عظيمة وفي سيفه رهق وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدني شبهة وكان يغضب غضب الملوك وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضا ولا سواء ولا قريب وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضي مصر وكان من كبار التابعين وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها
والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو الحجاج فسلم عليه وقال له إني ذاهب إلى أمير المؤمنين فهل من حاجة لك عنده قال نعم تسأله أن يعزلني عن القضاء فقال سبحان الله والله لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه يا أبة أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي فقال له يا بني والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله فقال والله ما على أميرالمؤمنين أضر من هذا وأمثاله فقال ولم يابني قال لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه ولا يرون طاعته والله لو خلص لي من الأمر شيء لأضر بن عنق هذا وأمثاله فقال له أبوه يا بني والله إني لأظن أن الله عز وجل خلقك شقيا وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة وأنه كان ذا فراسة صحيحة فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك
قالوا وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين وقيل في سنة أربعين وقيل في سنة إحدى وأربعين ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن قال بعض السلف كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة وقال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري وكان الحسن أفصح منه وقال الدارقطني ذكر سليمان بن أبي منيح عن صالح بن سليمان قال قال عقبة بن عمرو ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض إلا الحجاج وإياس بن معاوية فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر فدخل الكوفة كما ذكرنا وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة وفتح فيها فتوحات كثير هائلة منتشرة حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند ففتح فيها جملة مدن وأقاليم ووصلت خيوله أيضا إلى
قريب من بلاد الصين وجرت له فصول قد ذكرناها ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام والتهاون في الأمور العظام مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره
فروى ابو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب وذلك قبل أن يلى شيئا فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكرهن ثم أقبل عليه سعيد
فقال له يا سراق يا خائن تصلي هذه الصلاة لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج ثم رجع فعاد إلى الشام ثم جاء نائبا على الحجاز فلما قتل ابن الزبير كر راجعا إلى المدينة نائبا عليها فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب فقصده الحجاج فخشى الناس على سعيد منه فجاء حتى جلس بين يديه فقال له أنت صاحب الكلمات فضرب سعيد صدره بيده وقال نعم قال فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرا ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك ثم قام ومضى وروى الرياشي عن الأصمعي وأبي زيد عن معاذ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء قال لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه يا أهل مكة بلغني إكباركم قتل ابن الزبير ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حزمة الله إن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته واباح له كرامته واسكنه جنته فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم
حرمة من الكعبة اذكروا الله يذكركم
وقال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن يوسف ثنا عون عن أبي الصديق الناجي أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت وإن الله أذاقه من عذاب أليم وفعل فقالت كذبت كان برا بوالديه صواما قواما والله لقد أخبرنا رسول الله ص أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير
ورواه أبو يعلى عن وهب بن بقية عن خالد عن عون عن أبي الصديق قال بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله وقال أبو يعلى ثنا زهير ثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن قيس بن الأحنف عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله ص نهى عن المثلة وسمعته يقول يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير قالت فقلت للحجاج أما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت هو يا حجاج وقال عبيد بن حميد أنبأ يزيد بن هارون العوام بن حوشب حدثني من سمع أسماء بنت ابي بكر الصديق تقول للحجاج حين دخل عليها يعزيها في ابنها سمعت رسول الله ص يقول يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب فأما الكذاب فابن ابي عبيد تعني المختار واما المبير فأنت وتقدم في صحيح مسلم من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله وقد رواه غير أسماء عن النبي ص فقال أبو يعلى ثنا أحمد بن عمر الوكيعي ثنا وكيع حدثتنا أم عراب عن امرأة يقال لها عقيلة عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله ص في ثقيف كذاب ومبير تفرد به أبو يعلى وقد روى الإمام أحمد عن وكيع عن أم عراب واسمها
طلحة عن عقيلة عن سلامة حديثا آخر في الصلاة وأخرجه أبو داود وابن ماجه وروى من حديث ابن عمر فقال أبو يعلى ثنا أميه بن بسطام ثنا يزيد بن ربيع ثنا إسرائيل ثنا عبد الله بن عصمة قال سمعت ابن عمر أنبأنا رسول الله ص أن في ثقيف مبيرا وكذابا وأخرجه الترمذي من حديث شريك عن عبدالله بن عاصم ويقال عصمة وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك
وقال الشافعي ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن نافع أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج يمنى فكان لا يصلي مع الحجاج وقال الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه ولم يكن يصلي وراءه وقال إسحاق بن راهوية أنبأ جرير عن القعقاع بن الصلت قال خطب الحجاج فقال إن ابن الزبير غير كتاب الله فقال ابن عمر ما سلطه الله على ذلك ولا أنت معه ولو شئت أقول كذبت لفعلت وروى عن شهر بن حوشب وغره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول الصلاة الصلاة مرارا ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس فصلى الحجاج بالناس فلما انصرف قال لابن عمر ما حملك على ذلك فقال إنما نجيء للصلاة فصل الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه

المصدر/كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير

صالح العوكلي
08-09-2009, 05:00 PM
كل الود على الاسهاب
مزيدا من الالق

سمير الحكمة
30-09-2009, 04:11 AM
أخى العزيز / وضح لماذا لقب بالحمار . لبيان الفائدة تماما حتى لايجعلها القارىء سبة للرجل أو انقاص لقدره .
ودمت بالخير .