المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حرب الاستنزاف - جند من السماء -



ROOS
30-06-2009, 06:38 AM
جند من السماء



بقلم : لواء طيار أح متقاعد / محمد زكى عكاشة .

إهــــــــــداء
بسم الله الرحمن الرحيم

َفليُقاتل في سَبيل الله الذين يَشرُونَ الحياةَ الدُنيا بالآخرةِ ، ومَن يُقاتِل في سَبيل الله فـُيقتَل أو يَغلِب فسَوف نؤتيـه أجراً عظيماً. (74) النساء (صدق الله العظيم)
إلي المصريين حقاً . الذين أدوا واجبهم ثم انصرفوا في صمت
وأولهم الشهداء ..الذين قدموا أرواحهم ، ودمـاءهم ، وعرقهم
فداء لتراب هذا الوطن . لا أجد ما أقوله لكم إلا قول عظيم من أحد أبناء مصر البسطاء
هَـديل حَمَـام الحِمـا.... ترَاتيل أسـاميكـم
ياننـّي عـين الوطـن ... قلبي يناديـــكم
صلـّي الحَمَام وانجلا... صلـّي الحَمَام وانجلا
الله يجازيكم
(كابتن غزالي)


شكـــر وتقـديـــر
أصدق آيـات الشكر والتقدير أقدمها ، لكل من ساهم في ظهور هذا الكتاب .. بداية من القادة الذين كانوا في مواقع تتيح لهم معرفة الكثير.. وقد حظيت منهم بشرف اللقاء مرات عديدة. وقراءة وثائقهم ، مما أتاح لي الوصول إلى حقيقة ما جري من أحداث .
أيضا الزملاء من الضباط والصف رجال الصاعقة ، والمشاة ، والبحرية ، والمدفعية ، والطيارين الذين اشتركوا وساهموا في صناعة الأحداث، ومنهم عرفت أكبر قدر من الحقيقة التي أسعى لتقديمها للقارئ الكريم.
والشكر واجب للمؤسسات التي قدمت المعلومات والوثائق التي أفادت الكتاب وهي :
- أكاديمية ناصر العسكرية
- الهيئة العامة للاستعلامات
وأشكر الأستاذة/ سمر محمود حسن. والسيد/ أكرم حنفي محمود .وحمدي عبد الحميد. والسيد/محمد حسان، لما قاموا به من جهد في الإعداد والتنسيق والتصحيح.
وأدعو الله سبحانه وتعالي أن يكون علما ينتفع به.
وفقنا الله جميعا لخدمة مصر دائما
مقدمــة



"إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" كانت هذه الكلمات هي الصيحة التي أطلقها الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة يونيو 67. فكانت خير تعبير عن خطة مصر المستقبلية والتي تحولت إلى جهد وعرق استمر لسنوات، دفع فيه آلاف من شباب مصر أرواحهم ودماءهم رخيصة في قتال شرس مع العدو الصهيوني حتى تحقق لهم النصر. وثبت للعالم كله وأولهم العدو الإسرائيلي أن في مصر رجال لديهم من العزم والإصرار ما يجعلهم قادرين على حماية مصر ضد أي عدو.

ولأن النصر الإسرائيلي في حرب 67 كان أكبر بكثير مما يتوقعون، ولأن النصر لم يكن نتيجة جهد إسرائيل فقط، بل كان الجزء الأكبر منه تقصير وإهمال مصري، فقد صدقت إسرائيل كلها قادة وشعباً أن مصر لم تعد تقدر على فعل شيء سوى الاستسلام. كان انتصارهم كبيراً فحجب عن أعينهم حقيقة مصر وشعب مصر.

أفاق الرئيس عبد الناصر من الوهم الذي كان يعيشه كما قال هو. اكتشف حقائق بديهية كان أهمها وأولها أن القيادة السياسية لابد وأن تعمل بتنسيق وتناغم مع القوات المسلحة .. وأن السياسة عليها أن تحدد الأهداف بوضوح تام وتخطط استراتيجيا لها، ثم توفر للقوات المسلحة ما يجعلها تحقق هذه الأهداف بأعلى قدر من الكفاءة .. كما تيقن الرئيس عبد الناصر أن القوات المسلحة جزء من الشعب وأداة من أدوات الدولة وليست كيان مستقل عنها.

سنعرض في الكتاب ماذا حدث خلال أعظم وأروع ست سنوات في تاريخ مصر (1967- 1973) .. وسنعرض كيف استطاعت مصر أن تحقق خلال السنوات الست خلاف ما كان العالم كله يجمع عليه وهو أنه لن تقوم لمصر قائمة إلا بعد 20-30 عام. فمن بقايا قوات مسلحة مهزومة في نظر العالم أجمع تمكنت مصر بعد أيام فقط أن تواجه العدو الإسرائيلي في رأس العش جنوب بورفؤاد. وكانت هذه المعركة هي أول شمعة تضئ الظلام الذي حل على مصر منذ الخامس من يونيو. وتوالت بعدها شموع كثيرة ومعارك شرسة ظهر فيها المقاتل المصري بحق.

إن حرب الاستنزاف 1969
وقد استمرت أكثر من 500 يوم أصبحت في التاريخ صفحات مضيئة. تشهد على أن شعب مصر يمكن أن يقهر المستحيل فعلاً وليس مجازاً. فقد بدأت بمعارك المدفعية ثم تطورت إلى عمليات عبور لقناة السويس ومهاجمة العدو الإسرائيلي في خط بارليف، ثم مهاجمته في أعماق بعيدة عند إيلات والعريش. ثم لما ألقت إسرائيل بقواتها الجوية في حرب الاستنزاف لكسر إرادة مصر، تصدت لها القوات الجوية المصرية وهي مازالت في طور البناء فأوقعت بها خسائر لا يستهان بها، ثم جاءت قوات الدفاع الجوي في نهاية حرب الاستنزاف لتؤكد لإسرائيل أن قواتها الجوية التي تلقب بالذراع الطويلة يُمكن أن تقطع هذه الذراع فوق السماء المصريـة.

سنرى في مرحلة حرب الاستنزاف الدور الرائع الذي قامت به القيادة السياسية المصرية لدعم القوات المسلحة والجهد الخارق الذي بذلته لتوفير احتياجات القتال اللازم لها.

وسنرى دور العسكرية المصرية الحقيقي حين أصبح الهدف واضحاً. فبعد قتال شرس وعنيف مع العدو الإسرائيلي لأكثر من عام براً وبحراً وجواً، تم إجبار إسرائيل على أن تطلب من أمريكا الحليف التاريخي لها أن تقوم بمبادرة لوقف إطلاق النار والتي عرفت باسم مبادرة روجرز في أغسطس 1970.

ثم نتعرض لفترة التحضير لحرب أكتوبر 1973 وسنعرف أن وصف "أحد أهم المعارك في التاريخ" لم يطلق عليها من فراغ .. وأن مصر طوال ست سنوات كانت تدافع وتبنى قواتها المسلحة، وتخطط لاسترداد سيناء في وقت واحد .. وكانت إسرائيل تزيد الأمر صعوبة كل يوم حتى يدب اليأس في قلب مصر. فقناة السويس عسكرياً من أصعب الموانع المائية في العالم، فأنشأت الساتر الترابي على شرق القناة لتزيد صعوبة العبور ثم أنشأت النقاط الحصينة التي عرفت باسم خط بارليف الشهير. والتي كانت تدعى أنه غير قابل للاختراق. ثم أضافت مواسير نابالم لتحول سطح مياه القناة إلى نيران لا تنطفئ. لكن مصر لم تتردد في التجهيز للحرب، فكانت تنام وتصحو على أن النصر آت ولا ريب. وتحقق هذا فعلاً وسقط الخط الشهير بحصونه وجنوده في أيد جنود مصر الذين كانوا يملكون مع السلاح الإيمان والعزم والإصرار على قهر العدو الإسرائيلي.

ثم نعرض لملحمة التخطيط للعبور وكيف تم تدريب وحدات القوات المسلحة عليها ؟ وكيف تمت دراسة أدق التفاصيل التي تتعلق بعملية العبور؟ وكيف تم التغلب على صعوبات عديدة ؟ وكيف دارت المعارك بين قوات مصر المسلحة والعدو الإسرائيلي ؟ وسيتأكد لنا دور الطائرة والقوات الجوية في حروب مصر وإسرائيل التي بلغت خمس جولات، وأنها السلاح الحاسم الذي يرجح النصر بصورة كبيرة، لمن يستطيع أن يستخدم قواته الجوية بالصورة الصحيحة. سنشهد كيف تم بناء القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي وسط أصعب الظروف، وكيف شارك أبناء مصر جميعاً في بناء هذه القوات، حتى العمال والفلاحين الذين كان دورهم عظيماً ولا يقل عن دور الجنود. شاركوا في مرحلة البناء بالجهد والعرق بل واستشهد منهم الكثير جنباً إلى جنب مع الجنود المقاتلين في مرحلة بناء حائط الصواريخ في منطقة قناة السويس. كما شارك المدنيون في القتال أثناء حرب 1973 حين قاموا بالدفاع عن مدينة السويس وأجبروا العدو على الانسحاب منها واستشهد العديد من أفراد المقاومة المدنيين حتى لا تقع مدينة السويس في أيد العدو.

وسنعرض خلال فترة التحضير للمعركة وفترة القتال دور القيادة السياسية التي تولاها الرئيس أنور السادات بعد رحيل الرئيس عبد الناصر. كيف خطط للمعركة مصريا وعربياً ؟. كيف تعامل مع الاتحاد السوفيتي الحليف الأهم قبل وأثناء المعركة ؟ كيف شارك في خطة الخداع الرائعة التي أذهلت إسرائيل ؟ ثم كيف تدخل في مرحلة القتال؟ وبماذا انعكس دور القيادة السياسية إيجاباً وسلباً على حرب أكتوبر1973 ؟

كانت حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر تختلف تماماً عن الجولات الثلاثة السابقة بين مصر وإسرائيل (1948-1956-1967). حيث كانت القوات المسلحة المصرية تجد نفسها مدفوعة إلى قتال مع العدو الإسرائيلي دون إعداد أو تخطيط، وإنما تنفيذاً لقرار سياسي لا يتوافق مع قدرة وكفاءة القوات المسلحة. فكان الطبيعي أن تنتصر إسرائيل في الجولات الثلاثة. لكن الموقف اختلف تماماً في حربي الاستنزاف وأكتوبر73 بما سمح بظهور قدرة القوات المسلحة. وهذا سيجعلنا نستعرض الصورة بشكل أكبر بما يوضح دور المقاتل المصري في مختلف الأسلحة (مشاة - بحرية - صاعقة - مهندسين ...الخ) في كافة المواقع وعلى مدار سنوات امتدت من يونيو67 وحتى أكتوبر1973.

وإن كنا سنعرض لبعض الأحداث والمواقف في مراحل القتال المختلفة بالتفصيل وبأسماء أصحابها من الشهداء والأبطال، فإننا لا ننسب الفضل لهؤلاء وإنما هم نموذج فقط يعبر عن مئات الآلاف من شعب مصر الذين قاتلوا وحاربوا وهزموا العدو الإسرائيلي بعد ست سنوات فقط وليس 20 عاماً كما كان يقول الجميع.

وسنعرض للمواقف المضيئة خلال حرب أكتوبر 1973 والتي رغم كل ما كتب عنها لم تنـل حقها من الدراسة والتحليل بالصورة الكافية خاصة في مصر. وأرجو أن يكون ما كتبته في هذا الكتاب جزء بسيط يساهم في إظهار الحقيقة التي تستحقها "أحد أهم المعارك في التاريخ" حرب أكتوبر 1973


جند من السماء .. الفصل الثاني

بالفصل الثاني: الهزيمة أكبر مُعلم


هناك قول مأثور متواتر يقول "يندر أن يتعلم المنتصر من انتصاره، أما المهزوم فهو أكبر المتعلمين من الهزيمة" وقد تطابق هذا القول مع ما حدث بعد حرب 67. فقد عاشت إسرائيل نشوة الانتصار بصورة تفوق حجم الانتصار. فوقعت في فخ الاستهانة بمصر وجيش مصر فوقعت في أخطاء جسيمة سنعرض لها لاحقا.. بينما في مصر المهزومة كان الموقف يختلف تماماً. وسنرى مصر أخرى غير مصر التي ُهزمت.

استوعبت مصر قيادة وجيشاً وشعباً درس الهزيمة جيداً. فبدأت على الفور وبصورة لم تكن متوقعة في نسج ملحمة الانتصار القادم لا محالة. وكان أهم ما انتهت إليه القيادة السياسية والعسكرية المصرية أنها كانت تجهل العدو الإسرائيلي جهلاً تاماً. وأن القصور والنقص في المعلومات قد أوقعنا في أخطاء فادحة كلفتنا كثير من الأرواح والدماء. فكان طبيعياً أن يأخذ استطلاع العدو اهتماماً كبيراً من فكر وتخطيط القيادة العسكرية. فاندفعت أجهزة المخابرات الحربية والاستطلاع في كل اتجاه وبوسائل متنوعة بغية الحصول على أي معلومة عن العدو الإسرائيلي، خاصة في سيناء، لأنها مسرح العمليات في الحرب المقبلة. وتركيزاً على حجم وتمركز وأنواع الوحدات الإسرائيلية في سيناء بدءً من شاطئ القناة وحتى عمق سيناء التي تتمركز فيها الوحدات والاحتياطيات الإسرائيلية.

بدأت المخابرات الحربية المصرية بعد أيام من توقف القتال في دفع دوريات خلف خطوط العدو بواسطة ضابط من الصاعقة ومعه 2 فرد ولمدة 5 أيام ثم العودة، ثم تطورت هذه الدوريات وأصبحت ضابط بمفرده يتسلمه عند القناة بعض من أفراد سيناء الذين ساهموا بجهد رائع في نجاح تلك الدوريات. كان الضابط يعيش معهم كأنه من أهل سيناء ولمدة شهر كامل يقوم فيه بجمع وتصوير المعلومات والمواقع المكلف بها. وكان دور أهل سيناء هو توفير الحماية لهذا الضابط وتأمين تحركاته من مكان لآخر، وتوصيل المعلومات إلى القيادة في مصر إذا استدعى الأمر. ونجح هذا الأسلوب نجاحاً باهراً فلم تكتشف إسرائيل أي من تلك الدوريات رغم تكرارها على مدى سنوات.

وبدأت المخابرات الحربية المصرية في تغيير صورتها التي كانت عليها قبل حرب 67. فلم تكتف بالحصول على المعلومات عن العدو الإسرائيلي بل اندفعت فى محاولة تحسب لها هي مهاجمة العدو وتكبيده أكبر خسائر ممكنة. بدأت بفكرة من اللواء/ محمد صادق مدير المخابرات الحربية بضرورة تدمير موقع إسرائيلي عبارة عن مخزن ضخم تم فيه تجميع وتشوين الذخيرة والأسلحة التي تم الاستيلاء عليها بعد انسحاب القوات المصرية. وكان الأمر يتطلب موافقة الرئيس عبد الناصر الذي تخوف في بادئ الأمر من أي آثار للعملية، خاصة وأن مصر قبلت وقف إطلاق النار. لكن اللواء/ محمد صادق كان عنده الأسباب والرد المقنع. فشرح للرئيس أن العملية تهدف إلى عدة أشياء :-

أولاً: سحب مكسب ضخم من العدو الإسرائيلي بمنعه وحرمانه من استخدام هذا الحجم من الذخيرة التي استولى عليها.
ثانياً: العملية ستغير فكر الضباط والجنود المصريين عن الجيش الإسرائيلي والصورة التي تقول أنه الجيش الذي لا يقهر .
ثالثاً: رسالة إلى إسرائيل بأن مصر مازال لديها رجال مقاتلون يستطيعون الوصول إليها والنيل منها في أي مكان.
رابعاً: سنعلن أن الذين قاموا بها من أبناء سيناء الذين شكلوا تنظيماً باسم منظمة سيناء العربية. وبهذا فلا خوف علي وقف إطلاق النار.

ووافق الرئيس عبد الناصر وتم تكليف المقدم/ إبراهيم الرفاعى ومعه مجموعة من الضباط والصف والجنود يعملون معه في المخابرات الحربية بتدمير هذا الموقع. وفى مساء يوم 4/7/1967 تم تنفيذ المهمة وسُمع دوى انفجار مخزن الذخيرة لمسافات بعيدة. ونجحت العملية أيما نجاح حيث تم التخطيط والإعداد لها بدرجة عالية من الدقة، وفى مرحلة التنفيذ وضحت الكفاءة القتالية العالية التي تتمتع بها هذه المجموعة.

وقد تطور تفكير اللواء/ صادق لهذه المجموعة فتم دعمها بضباط وأفراد من الصاعقة تحت قيادة المقدم/ إبراهيم الرفاعى الذي قام بإعداد خطط وبرامج تدريبية للمجموعة، أسفرت عن إنشاء وحدة خاصة على مستوى عالي من التدريب والكفاءة القتالية أطلق عليها اسم المجموعة 39 قتال. ونتيجة لهذا المستوى العالي لأفراد المجموعـة أمكـن استخدامها في مهاجمة العدو الإسرائيلي لأكثر من خمسين مـرة كانت كلها ناجحة إلا من 4-5 عمليات فقط هي التي فشلت. وسنتحدث عن المجموعة 39 قتال وعن بعض عملياتها بالتفصيل لاحقاً في فترة حرب الاستنزاف.

وكان لابد للقوات الجوية المصرية من أن تساهم في جهود الاستطلاع والحصول على المعلومات عن العدو وقواته فى سيناء. ولم تكن مصر في تلك الفترة تمتلك طائرات استطلاع، لكن تم التغلب على هذا النقص بالروح المصرية وبالتفكير المبتكر. فقد كانت الطلعات تتم بواسطة الطائرة المقاتلة القاذفة سوخوى-7 وطائرات الهليكوبتر وهما غير مجهزتان بكاميرا تصوير. لكن طيار السوخوى-7 كان يقوم بالطيران فوق المواقع المطلوب استطلاعها ومعه في الطائرة جهاز تسجيل (ريكوردر) وما أن يعبر القناة إلى سيناء حتى يبدأ بشرح ووصف كل ما هو موجود على الأرض تحت الطائرة وعن يمينها وشمالها، فيتم تسجيل هذا الوصف على جهاز التسجيل وبعد الهبوط يتم تفريغ الشريط وكتابة المعلومات ودراستها وتحليلها.

أما طيار الهليكوبتر فقد كان يطير على ارتفاع منخفض جداً وعند الموقع المراد تصويره يقوم بالارتفاع ويقوم فرد من طاقم الطائرة عند الباب الجانبي للطائرة المفتوح بالتصوير بواسطة كاميرا في يديه، ثم يعاود الطيار الانخفاض بسرعة إلى ارتفاع منخفض جداً حتى لا يتعرض إلى وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلي.

كان هذا أسلوبا بدائياً وشديد الخطورة، لكن الطيار المصري نجح وأثبت انه قادر على قهر أي صعاب. وتم الحصول على حجم ضخم من المعلومات عن العدو وقواته، أفاد القيادة العامة فائدة كبيرة في التخطيط للعمليات . لكن الأمر لم يخل من خسائر فتم إسقاط طائرة سوخوى-7 فوق مطار المليز واستشهد الرائد طيار/ توفيق وليّ الدين، كما أسقطت طائرة سوخوى-7 ثانية لكن الرائد طيار/ محمد عبد الرحمن استطاع القفز بالمظلة في منطقة سهل الطينة شرق القناة وطاردته الطائرات الهليكوبتر الإسرائيلية لساعات لكنه استطاع الهرب منها رغم إصابته أثناء القفز وعبر القناة سباحة حتى وصل إلى الضفة الغربية في صباح اليوم التالي. وجدير بالذكر أن أول من قابله على الضفة الغربية كان أحد الفلاحين ما أن تأكد أنه مصري حتى قام بخلع جلبابه وأعطاه له بدلاً من ملابسه المبتلة والممزقة.

وكان لابد من تنفيذ الاستطلاع بأسلوب علمي، وخطة مستمرة. فبدأت قيادة القوات الجوية في إنشاء رف(4طائرة) استطلاع من طائرات ميج21 بقيادة الرائد طيار/ حسين عزت ورف استطلاع سوخوى-7 بقيادة نقيب طيار/ سيد كامل ورف استطلاع اليوشن- 28 بقيادة الرائد طيار/ عز الدين سعيد.. كان الطيارون جميعاً يدركون جيداً أنه لابد وأن نُعيد إعداد أنفسنا بأنفسنا. وتشّبع الجميع بهذا الإحساس فأصبح العمل يتم تنفيذه بإخلاص وتفاني دون توجيه أو أوامر. وفى أكتوبر1967 بدأ الإعداد النظري للطيارين بمدرسة المخابرات الحربية، ثم تلاها فترة طيران تدريبي. وفى بداية عام 1968 أصبحت هذه الأرفف جاهزة وتشارك في استطلاع العدو. ثم تطورت الأرفف إلى سربين ميج21، سوخوى-7، ثم تشكل منهما لواء جوي للاستطلاع.

بذل الطيارون جهداً خارقاً خاصة نواة الأرفف الأولى، فقد كانت مهامهم متعددة. كان هناك خطة شهرية لاستطلاع الثلاث محاور الرئيسية في سيناء (المحور الشمالي والأوسط والجنوبي) حتى عمق 30كم داخل سيناء، وكذا استطلاع النقط الحصينة في خط بارليف من بورسعيد شمالاً حتى السويس جنوباً بالإضافة على استطلاع الشاطئ الشرقي لخليج السويس. كان هذا الاستطلاع يتم بصورة دورية متلاحقة حتى تقف القيادة العسكرية على آخر موقف لحجم وتشكيلات ومواقع العدو أول بأول.

كان تنفيذ هذه الطلعات يستلزم تدريباً خاصاً لطياري الاستطلاع، ثم أثناء التنفيذ كان التصوير الجوي يتم والطائرة تطير على ارتفاع متوسط (3-4 كم) وهي أنسب ارتفاع لتوجيه طائرات العدو عليه لاعتراضه أو لإسقاطه بواسطة الصواريخ أرض/جو الهوك


الذي كان في هذه الآونة يمثل قمة تكنولوجيا الصواريخ م/ط ، وكان يشكل تهديداً كبيرا للطيارين لأن إمكاناته على الارتفاع المنخفض عاليه. وعند تنفيذ الاستطلاع على ارتفاع منخفض بالنظر كانت الطائرة تتعرض للمدفعية م/ط (المضادة للطائرات) الرادارية.. لكل هذه المخاطر التي تهدد تنفيذ الطلعة، كان يتم في التدريب التعاون بين طائرات الاستطلاع ووحدات أخرى من القوات الجوية أو الدفاع الجوي، للخروج بأفضل أسلوب لخداع الدفاع الجوي الإسرائيلي وتجنب تأثيره.

كما إن الطائرات السوفيتية بتجهيزاتها المحدودة كانت لا تسمح للطيار بجمع معلومات وفيرة في الطلعة الواحدة، وكذا الكاميرات السوفيتية كانت تحد من مناورة الطائرة بصورة كبيرة. فكان لزاماً التغلب على هذه العوائق. ووافقت روسيا بعد ضغوط متكررة على توريد طائرات (ميج21ر) مجهزة بمستودعات تصوير، وتم تدريب الطيارون عليها وتبين أن مستودع التصوير كبير الحجم وثقيل الوزن ويتطلب حوالي ساعتين لتركيبهً.

واهتدى المهندسون المصريون إلى كاميرا إنجليزية ذات بعد بؤري مناسب، وبمجهود المهندسين في ورش الطائرات وبعيداً عن أعين المستشارين السوفيت تم تركيب الكاميرا داخل مقدمة الطائرة بدلاً من جهاز الرادار، ونجحت التجربة في التركيب بعد عملية شاقة ومعقدة ذهنياً وبدنياً. وكانت الخطوة التالية هي تجربة الكاميرا والطائرة في الجو، وكان لزاماً إخطار المستشارين السوفيت الذين أبدوا اقتناعهم بالتعديل، واقترحوا أن يتم تنفيذ التعديل في طائرة سوفيتية في روسيا وإعطائها لنا كهدية. ووصلت الطائرة المعدلة في مصانع طائرات الاتحاد السوفيتي، لكن اكتشف أن الكاميرا التي تم تركيبها كانت عمودية على محور الطائرة الطولي، أي أن الطائرة تطير إلى الأمام في حين أن فيلم كاميرات التصوير يدور عرضياً وليس طولياً مع اتجاه الطيران ..!! وهو خطأ لا يمكن أن يقع فيه السوفيت عن سهو. ولهذا قررت قيادة القوات الجوية استكمال تعديل الطائرات في ورش الطائرات المصرية.

لقد حقق طياري الاستطلاع نجاحاً كبيراً في عملهم، فقد تمكنوا من عمل خريطة كاملة لموقف العدو من شاطئ القناة وحتى عمق 30كم في سيناء.. شملت كافة مواقع العدو وأسلحته وتجهيزاته وتوزيع قواته. وكان النجاح الأكبر هو تصوير خط بارليف الشهير بأدق التفاصيل التي فيه مما ساعد كثيراً في أعمال الكمائن والغارات التي تمت خلال حرب الاستنزاف، وساعدت بصورة أكبر في عملية العبور يوم 6 أكتوبر فقد تدرب الضباط والجنود المصريون على مواقع مطابقة تماماً لما هو موجود في الصور. فبمجرد عبور القناة كان كل فرد يعرف طريقه الذي سيتجه إليه لتنفيذ مهمته.

وجاء يومي 14-15 يوليو1967 بأحداث متعددة أضافت زخماً كبيراً إلى الضباط والجنود المصريين الذين كانوا يتلهفون على إثبات ذاتهم وكفاءتهم. فمنذ انتهاء حرب يونيو والطيران الإسرائيلي لا يكف عن استطلاع الجبهة المصرية حتى أصبح وكأنه مسح جوي بالصور لمواقعنا غرب القناة.
وكان هذا يكشف تجهيزاتنا الدفاعية وأماكن تمركز الوحدات والأسلحة خاصة المدفعية الثقيلة ومراكز القيادة ومناطق تشوين الذخيرة....الخ. وكان لابد من منع العدو من هذه الطلعات والتصدي لها. وفى يوم 14 يوليو حاول العدو الإسرائيلي إنزال لنشات وقوارب في قناة السويس عند مناطق القنطرة وكبريت والشط وبورتوفيق. وعلى الفور قامت القوات البرية بالتصدي له بالمدفعية والرشاشات.

وكانت فرصة سانحـة فقام الفريق طيار/مدكور أبوالعز قائد القـوات الجويـة بدفـع 20طائرة ميج17 وفى حماية 12 طائرة ميج21 بالهجوم على مواقع العدو في شرق القناة وأحدثت به خسائر كبيرة. ثم تكرر هذا في اليوم التالي 15 يوليو.

وكان هذا إعلان بأن مصر لن تستسلم، وأن قواتها الجوية ستعود مرة أخرى وستقاتل القوات الجوية الإسرائيلية، رغم فارق الإمكانات الشاسع. وأسفرت معارك اليومين عن خسائر للعدو الإسرائيلي (3طائرة - 8 لنشن بحري وزورق - تدمير وإصابة 19 دبابة - 18 عربة مدرعة - 27 لوري) علاوة على خسائر كبيرة في الأرواح. بينما كانت خسائرنا (3 طائرة - 2 لنش بحري) علاوة على 25 شهيد - 108 جريح.

كانت الهجمات الجوية التي تمت على العدو الإسرائيلي يومي 14 ، 15 يوليو تأكيداً لمعركة رأس العش التي وقعت قبل أيام. وكان لها تأثير معنوي هائل على ضباطنا وجنودنا في منطقة القناة بعد أن شاهدوا بأعينهم الوحدات الإسرائيلية المتمركزة على الشاطئ الشرقي للقناة تنسحب في ذعر مهرولة إلى داخل عمق سيناء حتى تبتعد عن مرمى الطيران المصري المؤثر، كما شاهدوا بأعينهم طائرات مصرية تقصف وتدمر مواقع إسرائيلية، وتشتبك في قتال جوي مع طائرات إسرائيلية وتسقطها... وبدأ المقاتل المصري يشعر ويتأكد بأن ما دار في 5 يونيو1967 ليس هو الانتصار الكبير الذي حاولت إسرائيل ترويجه، وأننا قادرون على توجيه ضربات للعدو الإسرائيلي، وأنه ليس الجيش الذي لا يقهر. وكان هذا هو الكسب الكبير الذي حصلت عليه مصر من معارك يومي 14 ، 15 يوليو، ألا وهو زرع وتأكيد الثقة في المقاتل المصري بأنه يستطيع أن يواجه ويقاتل الجندي الإسرائيلي.

كان الدفاع الجوي المصري يعاني من نقص كبير في الكفاءة القتالية نتيجة تدمير جزء كبير منه في حرب يونيو ولضعف إمكانيات الصواريخ (سام -2). وكذا ضعف الكشف الراداري خاصة على الارتفاع المنخفض. فكان لزاماً أن يقع العبء الأكبر في حماية القوات في منطقة القناة والأهداف الحيوية للدولة على عاتق القوات الجوية المصرية.

ورغم أن مهام القوات الجوية في هذه المرحلة، هي إعادة البناء ورفع الكفاءة القتالية وتجهيز وتطوير القواعد والمطارات، إلا أنها قامت بتنفيذ واجب الدفاع الجوي الذي كلفت به بأقصى ما تستطيع، وبجهد يفوق الخيال. كانت القوات الجوية قد بدأت في إعادة تشكيل أسراب المقاتلات من طائرات (ميج21) والمقاتلات القاذفة من طائرات ( سوخوي-7 + ميج17) والتي تمركزت فى مطارات قويسنا - ألماظة - أنشاص - بني سويف- غرب القاهرة . ثم بعد أشهر انضم إليها مطارات المنصورة – بلبيس ، لتصبح طائرات القوات الجوية أكثر قربا من خط الجبهة.

كان الواجب الملقى على عاتق القوات الجوية هو تغطية الفترة من أول ضوء وحتى آخر ضوء (14ساعة) يومياً بمظلات جوية من كل مطار بعدد 2 طائرة + 2 طائرة أخرى على الأرض في حالة الاستعداد الأولى (الطيارون داخل كابينة الطائرة). على أن تقلع في خلال 3 دقيقة في حالة أي اشتباك جوي مع طائرات العدو. كان الطيار في هذه الفترة ينفذ يومياً 2-3 طلعة مظلة جوية بالإضافة إلى 1 –2 مرّّّّّّّّّّّّّّّه في حالة الاستعداد الأولى. وفي الغالب تقلع الحالة الأولى لمرة أو مرتين كل يوم. كان العدو يتابع راداريا المظلات الجوية المصرية ويقوم باختراق الجبهة بطائراته وما أن تقلع الحالة الأولى لدعم المظلة الجوية التي تتأهب للاشتباك حتى يعود مرة أخرى إلى الشرق مبتعداً.

كان العدو يهدف إلى إنهاك وتشتيت المجهود الجوي المصري وقد نجح في هذا أول الأمر. وقد تنبهت قيادة القوات الجوية إلى أن هذا الجهد الضخم الذي يُبذل في طلعات المظلات، يتم على حساب تدريب الطيارين ورفع كفاءتهم القتالية. فبعد هذا الجهد لا يمكن للطيار أن يمارس مهام تدريبية. كما جاءً هذا الجهد على حساب الحالة الفنية للطائرات واستهلاك عمر المحركات. فتم تخفيض عدد المظلات وأصبحت بالتناوب بين القواعد والمطارات، واعتماداً أكبر على حالات الاستعداد الأولى على الأرض. كما أن كتائب صواريخ الدفاع الجوي كانت قد بدأت في استعادة كفاءتها بصورة مقبولة.

جاء شهر سبتمبر 67 والمواقع الدفاعية في الجبهة تتحسن، والوحدات المتمركزة غرب القناة تستكمل تدريجياً. لكن كان لزاما أن تظل الجبهة ساخنة حتى لا يتجمد الموقف ويظن العدو الإسرائيلي بأن المعارك السابقة في يوليو كانت مجرد فلتات.. فأصدرت القيادة العامة أوامرها لوحدات المدفعية والأسلحة البرية الأخرى في قطاع الإسماعيلية يوم 20 سبتمبر بقصف وتدمير مواقع العدو الإسرائيلي في شرق القناة، واستمر القصف مستمراً لمدة أكثر من ساعة.. تحققت فيها خسائر كبيرة في الأفراد بين قتيل وجريح خلاف إصابة عدد من الدبابات وعربات اللاسلكي. ولما كانت الخسائر موجعة للعدو الإسرائيلي فقد كان الرد على قصفة المدفعية المصرية هو توجيه نيران المدفعية الإسرائيلية إلى مدينة الإسماعيلية فتم تدمير عدد من المنازل وسقوط عدد من القتلى والجرحى المدنيين. وكان هذا هو أسلوب العدو الإسرائيلي الرخيص والذي سنري أنه عقيدة مستمرة لديه، تهدف إلي زرع الخوف والرهبة في نفوسنا.



اصطياد القرش الإسرائيلي :انحسر ظلام يونيو67 في معركة رأس العش التي بزغ منها الأمل، ثم وضح في معارك الطيران المصري يومي 14 ، 15 يوليو. ثم تلألأ هذا الأمل ساطعاً في يوم 21أكتوبر 1967 والذي أصبح يوماً مشهوداً في تاريخ مصر والبحرية المصرية. ففي هذا اليوم اكتملت ثلاثية مهاجمة العدو الإسرائيلي براً وجواً وبحراً.

في صباح هذا اليوم كان العميد بحري/ محمود فهمي رئيس عمليات البحرية وهو أحد الرجال المصريين حقا، وسنعرف قدره بما سنسرد من أحداث بطولية رائعة قامت بها القوات البحرية تحت قيادته. كان الرجل يمارس مهامه اليومية في مركز عمليات القوات البحرية. كانت تقارير الاستطلاع لأيام ثلاثة سابقة تقول بأن أحد المدمرات الإسرائيلية تقوم بالمرور فى المنطقة شرق بورسعيد ولكن خارج المياه الإقليمية. وصباح يوم 21أكتوبر أبلغ أحد قباطنة السفن التجارية (ضابط بحري سابق) بأنه رأى 2 مدمرة إسرائيلية شمال شرق بورسعيد. وفى العاشرة صباحاً اتصل قائد قاعدة بورسعيد وأبلغ مركز العمليات بأن إحدى المدمرات الإسرائيلية تمر شمال بورسعيد على مسافة 15 ميل أي خارج المياه الإقليمية بثلاثة أميال.

كان المرور بهذه الطريقة يحمل استفزازاً إسرائيلياً لقواتنا البحرية. فهي وإن كانت خارج المياه الإقليمية إلا أن المرور بهذه الطريقة يعني التحرش وتكراره اليومي يعني الإهانة. ولم يتوان العميد/ محمود فهمي فدخل إلى قائد القوات البحرية في مكتبه ومعه خريطة الموقف في منطقة بورسعيد طالباً الأمر بإغراق هذه المدمرة حيث لدينا في قاعدة بورسعيد البحرية لنشات صواريخ طراز( 183ر) يحمل كل منها صاروخين قادرين على إغراق هذه المدمرة. لكن رد قائد القوات البحرية على حماس العميد/ محمود فهمي مذكراً له بأن أوامر القيادة العامة هو ألا تشتبك مع العدو إلا إذا بدأ هو أو بأذن من القيادة العامة. فطلب منه الأذن بأن يتصل هو بالقيادة العامة فوافق له .

وعلى الفور اتصل بهيئة عمليات القوات المسلحة التي قامت بإبلاغ القائد العام وبعد ساعة جاء الرد بأن الفريق أول/محمد فوزي صدق على مهاجمة المدمرة إذا دخلت المياه الإقليمية المصرية. فما كان منه إلا أن جمع معاونيه لدراسة الموقف وتجهيز الخطة. كان لزاما أن تكون المدمرة الإسرائيلية داخل المياه الإقليمية حسب أوامر القائد العام. ولم يكن صعباً عمل خطة خداع بمثابة الطعم الذي سيجذب المدمرة إلى مياهنا الإقليمية. فتم إرسال إشارة عاجلة ومفتوحة أي غير مشفرة باللاسلكي إلى قائد قاعدة بورسعيد البحرية بالا يشتبك مع المدمرة الإسرائيلية الموجودة أمام بورسعيد.

وكان من المعروف أن أجهزة التنصت الإسرائيلية سوف تلتقط الإشارة فيسـود لديهم الشعور بالاطمئنان وأنهم حتى لو دخلوا للمياه الإقليمية المصرية فلن يتصدى لهم أحد. وفى نفس الوقت تم إرسال الأوامر بالشفرة إلى قائد قاعدة بورسعيد البحرية بأن تستعد لنشات الصواريخ للخروج من القاعدة لمهاجمة المدمرة الإسرائيلية.

كان مركز عمليات القوات البحرية وعلى رأسه العميد/ محمود فهمي يخيم عليه توتر وقلق شديدين، فما أصعب لحظات الانتظار. وفى الخامسة إلا ربع مساءً انفتح باب الأمل على مصراعيه فقد التقطت المدمرة الإسرائيلية الطعم وبدأت في الاقتراب من المياه الإقليمية المصرية وعلى الفور صدرت الأوامر بخروج 2 لنش صواريخ ومهاجمة المدمرة بلنش واحد وإذا لم تغرق يتم إغراقها بواسطة الثاني. وخرج لنشا الصواريخ الأول بقيادة النقيب/ شاكر عبد الواحد والثاني بقيادة النقيب/ لطفي جاد الله.

"وفى تمام الخامسة وعشرين دقيقة مساء 21 أكتوبر 1967 انطلق أول صاروخ في التاريخ ليصيب وحدة بحرية معادية أثناء الحرب.. وانتقلت إلى مكتب العقيد/ عادل هاشم حيث البلاغات من قاعدة بورسعيد كانت متلاحقة تنساب كما تنساب الأنغام العذبة فى سيمفونية جميلة.. صاروخ نمرة واحد طلع .. نمرة واحد أصاب الهدف.. صاروخ نمرة اثنين طلع.. نمرة اثنين أصاب الهدف ..الهدف تحطم.. هكذا وفى دقائق معدودة تحطمت أكبر وحدة بحرية إسرائيلية، لقد غرقت مدمرتهم الكبيرة إيلات، لقد أهنا كبرياءهم وجدعنا أنفهم. وعلى الفور أمرت بعودة اللنشين إلى القاعدة. الأول بعد أن أطلق صواريخه والثاني محمل بالصواريخ. وعاد اللنشان بعد أن استقبلا استقبالاً حماسياً رائعاً من أهالي بورسعيد. كانوا يهللون ويمجدون أبطال البحرية المصرية الشجعان، فقد رأوا كل ما حدث رؤية العين، فلم يكن الظلام قد أقبل إلا بعد أن دخلت اللنشات رصيف القاعدة.

وانتقلت أنا وقائد القوات البحرية إلى مكتبه، حيث أخذ كل منا يهنئ الآخر. كما كنا نتقبل التهاني من كل قريب وبعيد عما أحرزته البحرية المصرية من انتصار عظيم فى دقائق محدودة.. غير أنه كان يدق في رأسي الهدف الثاني الذي أبلغنا به صباح اليوم. مدمرة إسرائيل الثانية، والتي بسببها استبقيت صواريخ اللنش الثاني بدون إطلاق. كنت أتوقع أن تهم المدمرة الثانية لمحاولة إنقاذ من تبقى على قيد الحياة من أفراد مدمرتهم الأولى.

وحوالي السابعة إلا عشر دقائق هرع إلى العقيد/ عادل هاشم وقال ظهر هدف على شاشة الرادار في نفس مكان غرق المدمرة إيلات أو بجواره قليلاً. فأصدرت الأمر على الفور بخروج اللنش الثاني بقيادة النقيب/ لطفي جاد الله. وبعد أقل من عشرين دقيقة، أسرعت إلى القائد في مكتبه وأخطرته بأننا أغرقنا مدمرة إسرائيل الثانية.

وفى صباح اليوم التالي، عقدت مؤتمراً صحفياً بناء على تعليمات من القائد العام للقوات المسلحة وفى مكتبه بالقاهرة، حضره جميع مراسلي الصحف المصرية فقط وعلى رأسهم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام في هذا الوقت وسردت القصة كاملة. غير أن الذي ظهر في الصحف لم يكن على الصورة الكاملة التي ذكرتها الآن.

لكن الذي يحيرني ويشغل بالي، هو هل غرقت المدمرة الإسرائيلية الثانية "حيفا" ؟ أم أنها لم تكن في مسرح العمليات أصلاً ؟. وهل ما ظهر على شاشة الرادار بعد ضرب "إيلات" بأكثر من ساعة ونصف هو صدى المدمرة إيلات نفسها بعد أن انقلبت رأساً على عقب ؟ كما زعمت بعض الكتب التي تمثل وجهة النظر الإسرائيلية. فقد أنكرت جميع المصادر الإسرائيلية غرق المدمرة "حيفا" غير أنه لم تقدم إلى العالم دليل على ذلك. وليس ذلك من طبع الإسرائيليين، فقد كان بإمكانهم عقد مؤتمر صحفي على ظهرها كما فعلوا في مناسبات أخرى. ولكن الثابت أن تلك المدمرة لم تظهر بعد ذلك وحتى الآن في الموانئ الإسرائيلية أو غير الإسرائيلية".

وعن نفس المعركة تقول وثائق القوات المسلحة المصرية "ثم على الفور تحرك سرب لنشات الصواريخ من لنشين واتخذ خط سير الإطلاق، وفى تمام الخامسة وخمسة وعشرين دقيقة من مساء 21 أكتوبر 1967 أطلق اللنش الأول صواريخه على المدمرة وبعد لحظات كان الهدف مشتعلاً بالنيران.. وفى حوالي الساعة السابعة إلا عشر دقائق ظهر هدف على شاشة الرادار فصدرت التعليمات بتوجيه ضربة بالصواريخ لتدميره وإغراقه، وبعد دقائق أمكن إصابته بإصابة مباشرة، وانفجرت المدمرة بدوي هائل وانبعث منها وهج شديد أضاء الأفق ثم هوت المدمرة إلى قاع البحر بعد سبعة دقائق من إصابتها".

وعن واقعة تدمير وإغراق المدمرة الثانية "حيفا" يبدو أن القيادة المصرية سياسياً وعسكرياً كانت مازالت تعاني من عقدة ذنب البلاغات العسكرية والبيانات غير الحقيقية التي صدرت في يونيو67. فلم تعلن في الصحف إلا عن إغراق المدمرة "إيلات" لأن إسرائيل اعترفت بإغراقها. لكن واقعة تالية ترجح ما يقوله اللواء/ محمود فهمي، ففي يناير 68 تمكنت البحرية المصرية من إغراق الغواصة الإسرائيلية "داكار" أمام ميناء الإسكندرية. ولم تعلن إسرائيل غرقها ولم تعلن مصر أيضا عنها.. وفى عام 1980 بعد توقيع معاهدة السلام تقدمت إسرائيل بطلب إلى مصر بالسماح لها بالبحث عن جثث طاقم الغواصة من الضباط والجنود الإسرائيليين الغرقى في الغواصة.


وجاء رد الفعل الإسرائيلي على الهجوم البحري المصري بصورة تتوافق مع العقيدة والفكر الإسرائيلي، الذي يعتمد في أهم جوانبه على إثارة الذعر والخوف من القوة الإسرائيلية.. ففي مساء 21 أكتوبر وبعد ساعة من الهجوم البحري المصري تمسحت إسرائيل في العوامل الإنسانية والناحية الأخلاقية وأرسلت إلى مصر عن طريق مراقبي الأمم المتحدة طلب بعدم التعرض بالنيران لأعمال إنقاذ ضحايا المدمرة إيلات. بل وزادت بأن طلبت من مصر المساعدة في إنقاذهم أن أمكن !!. ومضت ثلاثة أيام وجاء الرد الإسرائيلي ضد أهداف مدنية. وتناست الأخلاق والإنسانية فقامت بقصف معامل تكرير البترول في الزيتية بالسويس. مما أدى إلى تدمير جزء من تلك المعامل واشتعلت النيران في الصهاريج لمدة ثلاثة أيام.


كانت هذه هي المرة الثانية التي تهاجم فيها إسرائيل أهداف مدنية على قناة السويس، ردا على العمليات العسكرية التي تقوم بها قواتنا. وبعد المرة الثانية هذه استوعبت القيادة المصرية الرسالة جيداً. وأصبح إلحاق أي هزيمة أو خسائر عسكرية من جانبنا في الجيش الإسرائيلي، سيكون الرد بمهاجمة وقصف الأهداف والسكان المدنيين الموجودين في بورسعيد - الإسماعيلية - السويس.. فأصبحت هذه المدن بسكانها تمثل عبئاً وقيداً على عمل القوات المسلحة في جهة القناة. فلم يكن هناك من حل إلا تهجير سكان المدن الثلاث إلى داخل الوادي ومدن الدلتا. ورغم صعوبة القرار على المواطنين، ورغم تحول المدن الثلاث إلى مدن أشباح لا يوجد فيها إلا عشرات الأفراد. إلا أن الجميع ارتضى هذا الأمر ونفذ القرار بنجاح تام.. وبتمام تهجير السكان المدنيين أصبحت للقوات المسلحة المصرية حرية الحركة التي تجعلها تهاجم العدو الإسرائيلي دون خشية من رد فعله الدنيء. وكان قرار التهجير رسالة إلى إسرائيل من القيادة المصرية بأننا لن نستسلم ونجهز أنفسنا لحرب قادمة لا شك ومستعدون لدفع تكاليف هذه الحرب.

القرار 242 : أصدر مجلس الأمن في نوفمبر 1967 القرار 242 الخاص بالنزاع العربي الإسرائيلي. وفورصدوره أثار القرار جدلاً شديدا. فقد قام بصياغته البريطاني لورد كاردون فوضع في مقدمة القرار مبدأ هام وهو عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة. ثم جاء في بنود القرار أنه يتعين على إسرائيل أن تنسحب من (أراضي) احتلتها أثناء حرب يونيو1967، ثم يتحدث عن سلام بين دول المنطقة وحدود معترف بها.

وتلقفت إسرائيل هذه الثغرة وقالت في كل وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية إن القرار ينص على الانسحاب من (أراضي) وليس (الأراضي). وأصبحت (أل) هذه هي الحجة التي تستند عليها إسرائيل في إفشال أي جهود تبذل في سبيل تنفيذ هذا القرار.

كانت إسرائيل في هذا التوقيت هي الأقوى عسكرياً وسياسياً علاوة على الدعم الأمريكي لها. فهي منتصرة في حرب ضد ثلاثة دول وتحتل أراضي بآلاف الكيلو مترات وتريد أن تجني ثمرة الانتصار. فمن اللحظة الأولى بعد صدور القرار اتخذت إسرائيل موقفاً متعنتاً صلباً. أوضحت أن حل الأزمة لابد وأن يتم بالمفاوضات المباشرة مع العرب، وأنها لن تنسحب من أي أراضي تحتلها إلا بعد الوصول إلى حل تقبله إسرائيل. وبذلك تبين لمصر أن إسرائيل تتكلم من مركز القوة لذا فهي تريد فرض إرادتها على العرب.

وكان قبول مصر بهذا القرار نابعاً من موقفها العسكري الذي لم يكتمل بعد، وحتى يتاح الوقت للقيادة العسكرية لبناء واستكمال القدرة العسكرية للوحدات المصرية.. كما أن قبول مصر بهذا القرار كان يظهر المرونة السياسية لمصر وأنها تسعى إلى السلام. عكس الدعاية الصهيونية التي ركزت على أن العرب يريدون القضاء عليها بالحرب. كما أن تعيين السفير جونار يارنج ممثلا للأمم المتحدة في تنفيذ القرار كان يحرم إسرائيل من المفاوضات المباشرة بينها وبين العرب الذي هو أول خطوات الاعتراف بها.

وفى أعقاب صدور هذا القرار قام وزير الخارجية محمود رياض بشرح الموقف سياسياً وبشرح أبعاد القرار 242 أمام مجلس الوزراء. وعلق الرئيس عبد الناصر أمام المجلس "إننا سوف نتعاون مع يارنج برغم إيماننا من الآن بفشله في مهمته وسنستمع إلى أمريكا برغم أنها تريد الآن أن تجعلنا ندخل غرفة مظلمة اسمها التفاوض بشأن القرار 242. إننا سوف نتعاون مع الشيطان نفسه ولو لمجرد إثبات حسن النية..ولكننا نعرف من البداية أننا نحن الذين سنحرر أراضينا بقوة السلاح. وهي اللغة الوحيدة التي سوف تفهمها إسرائيل. فلتساند أمريكا إسرائيل في غزواتها، ولتحاول كلتاهما أن تصفي القضية الفلسطينية، ولكنهما تعرفان جيداً أننا لم ننهزم في الحرب، طالما أننا لم نتفاوض مع إسرائيل ، ولم نوقع صلحاً معها ، ولم نقبل تصفية القضية الفلسطينية".

وهكذا مضى عام 1967 واستطاعت مصر في خلال الشهور الست الأخيرة التالية للهزيمة أن تحقق نجاحاً مطرداً في نواحي عديدة. فالقيادة السياسية وضحت أمامها الرؤية الاستراتيجية والتي تبلورت في :
- الصمود العسكري بسرعة بهدف منع إسرائيل من استغلال نجاحها العسكري، وبانتهاء الصمود نتحول إلى مرحلة أخرى من الدفاع النشط.
- السير مع المقترحات السياسية والدبلوماسية لكسب الوقت طالما أنها تسعى إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية.
- أن استرداد الأرض لن يتم إلا بالقوة. والقوة تحتاج إلى سلاح متطور حديث، وإلى تنظيم وتدريب عالي ومتواصل ولهذا تتفرغ القوات المسلحة للدفاع عن تراب مصر.
- يتم تعبئة الجبهة الداخلية في شتى المجالات حتى تحمى ظهر القوات المسلحة وتقدم الدعم المادي والمساندة المعنوية في معركة تحرير الأرض.




وتم إعادة تنظيم الدولة بما فيها القوات المسلحة. والأهم هو أن أهل الكفاءة وليس أهل الثقة أصبحوا هم المسئولون عن تنفيذ استراتيجية الدولة.. والقوات المسلحة وقفت على قدميها بأسرع مما كان أحد يتوقع. وحققت انتصارات على العدو براً وجواً وبحراً فعادت الثقة إليها، وعرفت وتأكدت مصر كلها أن جنودها قادرين على مواجهة هذا العدو وأن النصر قادم ولا شك.. وبنهاية العام ولرفع كفاءة القيادة والسيطرة في الجبهة، صدر الأمر بإنشاء الجيش الثاني في المنطقة من بورسعيد إلى الإسماعيلية جنوباً والجيش الثالث من جنوب الإسماعيلية وحتى السويس، على أن تصبح منطقة البحر الأحمر تحت قيادة عسكرية مستقلة. كما تغيرت قيادة القوات الجوية وأصبح العميد طيار/ مصطفى الحناوى قائدا للقوات، وكان يسبقه في كشف الأقدمية الكثير، فتم إحالة عديد من الضباط إلى التقاعد نتيجة لهذا. وتولى العميد طيار/ حسنى مبارك قيادة الكلية الجوية. حيث وقع عليه عبء تزويد الأسراب الجوية بالطيارين بأسرع وقت، حتى تتمكن هذه الأسراب خاصة المقاتلات والمقاتلات القاذفة من رفع كفاءتها القتالية.

وقد صادف هذا الاختيار أهله، فقد كان العميد طيار/ حسنى مبارك مدرسا في الكلية لفترة طويلة في خدمته. وكانت الكلية تعمل من ثلاث مطارات في العمق حتى تتفرغ للتدريب بعيدا عن مجريات الحرب ( مرسى مطروح _ المنيا _ إمبابه) ، ورغم هذا الانتشار الجغرافي ، كانت المتابعة يوميه. وكان تحقيق الهدف شاقا ومرهقا للجميع قائدا ومدرسين، لكن مدرسي الكلية كانوا قدر المسئولية فبذلوا جهدا خارقا متصل، حتى بلغ معدل الطيار 4-5 طلعات تدريس يوميا. فنجحت الكلية الجوية في مهمتها بصورة رائعة، انعكست على أعداد الطيارين فى أسراب المقاتلات والمقاتلات القاذفة . لقد كانت الكلية الجوية قيادة ومدرسين حقا هي الجندي المجهول الذي ساهم طوال فترة الحرب (1967 –1973 ) بجهد فائق من وراء ستار الحرب ..



خط بارليف : فوجئت إسرائيل بعد يونيو67 بأن جيشها أصبح يدافع عن الدولة في ظل عاملين أساسيين هما :-
• الجيش الإسرائيلي يدافع وهو على بعد 200 كيلو متر من المناطق السكانية الإسرائيلية التي كانت تمثل لهم الفزع الأكبر أثناء الحروب.
• أن الجيش الإسرائيلي أصبح يدافع وهو يرتكز على الضفة الشرقية للممر المائي العالمي قناة السويس.

"]كان العامل الأول : يعني أن المدرعات الإسرائيلية يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في مواجهة أي قوات مصرية تستطيع العبور إلى الشرق. فالمساحات الشاسعة في صحراء سيناء، ومحاور الاقتراب إلى وسط سيناء المعروفة (الجنوبي - الأوسط - الشمالي)، إضافة إلى تفوق الجيش الإسرائيلي في حروب الحركة. يجعل إسرائيل لديها تفوق كبير في الحرب القادمة خاصة أن المسرح الذي ستجرى عليه المعارك مناسب تماماً لقتال المدرعات والتي يساندها الطيران. وهو ما تتفوق فيه إسرائيل عن مصر كثيراً.

وكان العامل الثاني : يمثل ورقة سياسية لا تستطيع إسرائيل إغفالها. فارتكاز القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة يعني خلق حقيقة ملموسة واضحة لمصر وللعالم أن قناة السويس لن تعود الملاحة إليها إلا بموافقة إسرائيلية وبشرط استخدام إسرائيل لهذا الممر المائي الدولي.

كانت القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، قد بدأت بعد يونيو67 بإنشاء حفر وخنادق يوضع حولها شكاير رمل بغرض الوقاية الفردية أثناء الاشتباكات، ثم تم إنشاء ملاجئ ميدانية لوقاية نقط الملاحظة التي انتشرت على المواجهة. ثم قامت بتعلية السواتر الترابية. لكن كل هذه الترتيبات لم تكن تمنع الخسائر البشرية التي تتكبدها نتيجة القصف المدفعي المصري من الضفة الغربية للقناة. فتم تعميق الخنادق وأقيمت تحصينات أخذت تتطور بغرض حماية الجنود الإسرائيليين المتمركزين على طول القناة.

ومنذ اللحظة التي اتضح فيها دون شك أن المصريين لن يتوقفوا عن القتال، أصبح لزاماً على القيادة العسكرية الإسرائيلية ورئيس الأركان حاييم بارليف اتخاذ قرار بشأن شكل الدفاع عن سيناء أمام القوات المسلحة المصرية. وعقدت اجتماعات عديدة في هيئة الأركان الإسرائيلية نتج عنها في نهاية الأمر القرار بإنشاء خط التحصينات على خط مياه قناة السويس، وقد اتخذ هذا القرار الذي يتعارض مع الفكر العسكري الإسرائيلي لأن إسرائيل على المستوى السياسي والعسكري كانت مطمئنة من ناحية. ومن ناحية أخرى كان هذا الخط يحقق لها :-
أولاً: التمسك بالأراضي التي احتلتها وتعتبر "توراتيا" أرض محررة.
ثانياً: فرض الأمر الواقع على الأراضي الجديدة وتغيير معالمها الديموجرافية مستقبلاً.
ثالثاً: إقناع المجتمع الدولي بأن العرب ومصر لن تقوم لها قائمة في المستقبل القريب.
رابعاً: تأثير نفسي عنيف على العرب، خاصة مصر وتذكيرها بالهزيمة صباحاً ومساءً.






كان هناك معارضين لقرار بارليف بإنشاء خط الدفاع على حافة القناة، أولهم كان الجنرال يسرائيل طال وأريل شارون. كان انتقادهما عنيفاً فكانا يقولان "بضرورة السيطرة على المجال الذي يتصل ببناء خط دفاعي متحرك. كان شارون وطال ومجموعة من الجنرالات يأخذون على خط بارليف نقاط الضعف الآتية :-
- أن مواقعه الحصينة كانت في متناول المدافع المصرية : علماً بأن المدفعية هي أقوى الأسلحة لدى المصريين.
- أن وجود خط بارليف نفسه يشكل بالنسبة للمصريين إغراء دائماً للعودة إلى فتح النيران وتوجيه عمليات الفدائيين ضده.
- لإسكات المدفعية المصرية ينبغي استخدام الطيران مما قد يؤدي إلى تصاعد القتال.

وكان للجنرال ماتيتياهوبيليد رأى يقول : إن المسئولين السياسيين في إسرائيل بدلاً من أن يضعوا أمن البلاد في قدرة الجيش على الحركة في التكتيك الدفاعي، فإنهم قد نقلوا إلى الحدود البعيدة على ضفاف قناة السويس ما كانوا قد رفضوه للحدود القريبة، على حدود إسرائيل نفسها. ألا وهي حرب الخنادق والتحصينات". وكان هذا أحد أخطاء إسرائيل التي لم تتعلم من انتصارها. وفي قول إسرائيلي أخر.

"كان خط بارليف يشغل مكاناً بارزاً في إطار نظرية الحدود الآمنة والردع. فقد كان بمثابة جوهرة التاج. وكان يمثل علاوة على ذلك رمز استقرار إسرائيل في مواجهة أعدائها. وهو رمز لا شك في أنه يكلف الكثير. إذ أنفقت إسرائيل من أجل بناؤه نحو 400 مليون دولار. وكانت القناة قد أصبحت من وجهة نظر المصريين منذ تأميمها عام 1956، رمز استقلالهم الوطني، بيد أن الإسرائيليين كانوا يسخرون بصورة سافرة من هذا الممر المائي الشهير ويطلقون عليه أسماء مثل (أفضل خندق مضاد للدبابات في العالم) ويصفونه بأنه (الفاصل الاستراتيجي الذي سيتحول إلى قناة من الدماء إذا حاول المصريون عبورها) وقد صرح الجنرال بارليف نفسه حين كان يشغل منصب رئيس الأركان : لا أعتقد أن المصريين يستطيعون مهاجمة أحد حصوننا والاستيلاء عليه، ولا أعتقد أنهم يستطيعون عبور القناة ومع هذا ففي وسعهم التسلل بين الحصون وزرع الألغام. فهم يستطيعون أن يفعلوا هذا فقط.

وهكذا فإن كل القادة الإسرائيليين وعلى رأسهم موشيه دايان وزير الدفاع وحاييم بارليف رئيس الأركان في ذلك الوقت، وضعوا ثقتهم الكاملة في خط بارليف، ووصفوه بأنه صـورة النجـاح الإسرائيلـي.. وكان راديو إسرائيل يذيع حتى حرب1973 أغنية شعبية تشيد بتحصينات خط بارليف. وكان الصحفيـون والممولـون الأغنياء في منظمة النداء اليهودي الموحد 000الخ يقومون بزيارات دورية لخط بارليف. كما أن المجموعة الحاكمة قد جعلت من خط بارليف أحد شعاراتها الرئيسية خلال الفترة الانتخابية، ووصفته بأنه نموذج لنجاح سياسة الردع التي تنتهجها الحكومة".

تم بناء خط بارليف على مراحل. في البداية تم إنشاء دشم قوية حول المحاور التي تبدأ من عند القناة إلى داخل سيناء في اتجاه المحاور الرئيسية الثلاثة. فأقيمت المواقع الرئيسية فى بورتوفيق أمام السويس، وهي المنطقة التي تؤدى إلى المحور الجنوبي(ممر متلا والجدي). وأمام الإسماعيلية وهي تؤدي إلى المحور الأوسط. وأمام القنطرة وهي المنطقة المؤدية إلى المحور الشمالي. طريق القنطرة ـ العريش.

لكن المواقع في المرحلة الأولى وحتى نهاية عام 1968 لم تكن تصمد لقوة نيران المدفعية المصرية. وكان وضع جنود إسرائيل بمثابة انتحار لهم. فلم يكن هناك مخرج من هذا المأزق إلا أن تدعم الدولة هذا الخط.. فتم دفع عشرات الجرارات والبلدوزرات وجاءت آلاف سيارات النقل المحملة بالأحجار لكي تفرغ حمولتها على شاطئ القناة. علاوة على استخدام قضبان سكة حديد خط القنطرة - العريش في زيادة تحصين هذه المواقع.
وانتهـى الأمر قبل حرب 1973 بأن أصبح الخط يتكون من 22 موقع دفاعي، تشمـل 36 نقطة حصينة تسيطر على المواجهة والأجناب والمنطقة الخلفية. كما أقيمت في الفواصل بين النقاط الحصينة مرابض للدبابات بفاصل 100 متر بين مربض وآخر. وقد اختيرت أماكن هذه النقط والمسافات بينها لتغطي كافة اتجاهات العبور المحتملة، وتتبادل المعاونة فيما بينها بالنيران أو مع الدبابات الموجودة في الفواصل التي بين النقط .

وتم تعلية الساتر الترابي حتى وصل ارتفاعه إلى 20 متر كما تم إزاحته غرباً حتى لامس حافة القناة. وزادت إسرائيل على هذا كله بأن وضعت مواسير نابالم فى النقط الحصينة تصب عند سطح القناة فتحيل القناة إلى شعلة من النيران. وتم إجراء تجارب أثناء فترة توقف إطلاق النار، وكان الغرض من التجارب هو بث الرعب في قواتنا وإحباط أي نية للهجوم المصري.

كانت كل نقطة حصينة أشبه بقلعة خرسانية. فمن شمال وجنوب النقطة 15 نطاق من الأسلاك الشائكة بينها حقول الغام ، وفى غرب النقطة المواجه لقواتنا 8 نطاق من الأسلاك الشائكة والألغام، والنقطة مزوده بأجهزة إنذار لكشف أي تسلل.. وبكل نقطه ملاجئ ودشم للأسلحة الصغيرة والرشاشات بأنواعها في جسم الساتر الترابي، عددها 24 ملجأ للأفراد والمعدات، 26 دشمة للرشاشات، 4 دشمة للأسلحة م/ط ،عدد من مصاطب الدبابات.. ومغطاة بشكائر الرمال وقضبان السكة الحديد وردم بِِسُمك 3 متر، ثم 7 صف بلاط خرساني..علاوة على شبكات حديدية وضع بداخلها الأحجار وتم رصها فوق سقف الدشم الخرسانية طبقات متعددة للحماية من القصف المدفعي المصري.. كان يشغل كل نقطة 30-35 فرد فقط. لكن تم تزويد كل نقطه بقوة كبيرة من النيران تمكنها من قتال قوات تتفوق عليها حتى تصل إليهم الاحتياطيات القريبة، والتي على بعد 500 متر من الخط الأول. ثم احتياطي أكبر من المدرعات على بعد 3-5 كم.. كان التخطيط أن كل نقطة حصينة يمكنها صد وقتال كتيبة كاملة (300 فرد) لمدة أسبوع.




ولم يغفل حاييم بارليف عن أماكن إعاشة الأفراد في النقط الحصينة، فكانت أماكن الإقامة قمة في الرفاهية والراحة. فمطبخ على مستوى عالي وآلة عرض سينمائي وهاتف مباشر للاتصال بالأهل في إسرائيل علاوة على ملاعب رياضية وأماكن للحفلات..

وبدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية في نسج أسطورة دعائية عن خط بارليف، بهدف إحباط المصريين وزرع اليأس في النفوس، حتى يصبح اقتناعهم كاملاً بأن عبور قناة السويس شيء مستحيل بسبب خط بارليف.. وكانت هذه أقوال القادة الإسرائيليين وسنرى فى أكتوبر ماذا قال هؤلاء القادة عن هذا الخط.

قال حاييم بارليف "لقد كلفنا خط بارليف خمسمائة مليون من الدولارات ووضعنا فيه خبرة ثلاثين خبيراً عسكرياً من إسرائيل وأمريكا وألمانيا، وضعناه ليكون حاجز أمن وخطاً دفاعياً دائماً ورادعاً لمصر".

وقال موشى دايان وزير الدفاع الإسرائيلي "يلزم مصر كي تحقق عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، يلزمها سلاح المهندسين الأمريكي والروسي معا".

وقال دافيد اليعازر رئيس أركان حرب الجيش في حرب 1973 "لن يكون من المنطقي من جانب المصريين أن يبدءوا بفتح النيران لأن اندلاع الحرب سوف يعود بأخطار جسيمة عليهم".

وقال خبراء عسكريون أمريكيون وأوربيون في الصحف العالمية "خط بارليف غير قابل للتدمير حتى بالقنبلة الذرية".







هم يبنون بارليف ونحن نبني حائط الصواريخ :
لم تكن إسرائيل فقط هي التي تقيم خط دفاعها الشهير، لكن على الجانب الآخر من القناة كانت مصر تعمل بجهد يفوق الخيال طوال الليل والنهار. وسنرى أن هذا ليس من قبيل البلاغة أو التهويل. القوات البرية (مشاة - مدفعية - مهندسين 000الخ) تدعم وتستكمل الخط الدفاعي على قناة السويس، إضافة إلى التدريب المستمر لرفع الكفاءة القتالية. والقوات الجوية وخاصة الكلية الجوية أصبحت في سباق مع الوقت لإمداد الأسراب الجوية بأكبر عدد ممكن من طياري القتال.

وفـى بدايـة عام 1968 بدأت أحد ملاحم القوات المسلحة المصرية، فقد صـدر القـرار الجمهوري بإنشـاء قوات الدفاع الجوي وتعين قائداً لها اللواء/ محمد على فهمي. كانت مهمة هذه القوات هو الدفاع عن وحماية مسرح عمليات الجبهة والأهداف الحيوية في عمق الدولة ضد أي هجوم جوي معادي.

أي أنها ستواجه القوات الجوية الإسرائيلية المزهوة بانتصارها الخاطف في يونيو67. كانت المهمة بالغة الصعوبة خاصة وأن وسائل الدفاع الجوي التي تملكها مصر في هذا الوقت (صواريخ - رشاشات) كانت ضعيفة الإمكانيات ومحدودة الكفاءة.

وبدأت الدراسة والإعداد والتجهيز لعمل منظومة متكاملة.. فبداية لابد من توافر حقل رادارى يغطي سماء مصر لكشف الطائرات المعادية وهي مازلت على مسافة بعيدة من الهدف، ثم يتم التعامل معها بطائرات المقاتلات الاعتراضية وهي على المدى البعيد، ثم بالصواريخ أرض/جو وهي مقتربة من الهدف، ثم بالمدفعية م/ط (المضادة للطائرات) إذا تمكنت من الوصول إلى الهدف. ولتنفيذ هذه المنظومة كان لابد من وجود رادارات الإنذار التي تغطي طرق اقتراب طائرات العدو، وبكفاءة تمكنها من تغطية الارتفاع المنخفض. وإنشاء مواقع لكتائب الصواريخ أرض/جو. وكذا عمل خطة تعاون محكمة مع القوات الجوية لتغطية سماء مصر ضد أي هجمات جوية.

على الواقع كانت الصورة قاتمة للغاية، فالأسلحة والأجهزة والمعدات المتوفرة لا تكفي لوضع أي خطة فعالة. وإمكانيات الصد للأسلحة أقل كثيراً مما يجب، وعدد أجهزة الرادار لا يحقق بناء أي حقل إنذاري.. وكان هذا من حيث الكم، أما من حيث النوعية فقد كان هناك نقاط ضعف عديدة. فالصواريخ سام 2 سلاح فعال به مزايا جيدة لكن عيبه الخطير كان الارتفاع المؤثر له في الاشتباك، فهو يستطيع الاشتباك وتدمير طائرة على ارتفاع 2كم أو أعلى بدرجة إصابة عالية. لكن تقل نسبة الإصابة بصورة كبيرة تحت هذا الارتفاع. وكان الطيران الإسرائيلي من دروس حرب 67 يعلم هذا العيب تماماً وقد استغله في بداية الأمر بصورة جيدة.

والمدفعية م/ط كانت أنواع قديمة، وبصفة عامة كانت غير قادرة على إسقاط أو إصابة الطائرات المعادية، وإنما أقصى ما تستطيعه هو تشتيت هذه الطائرات أثناء الهجوم. أما الرادارات فكانت من الأنواع القديمة، يسهل إعاقتها إلكترونياً والتشويش عليها، فكان هذا يعطي لطائرات العدو إمكانية تفادي الكشف الرادارى والوصول إلى أهدافها بأمان تام.

كان الموقف صعباً حقيقة، لكن إرادة التحدي والعزم والإصرار كانت كفيلة بقهر هذه المصاعب والتغلب عليها. وكان البناء يقوم على دعامتين أساسيتين :
- زيادة عدد الوحدات وكم الأسلحة والمعدات وبأنواع متطورة لمواجهة العدو الجوى.
- الاستفادة بأقصى ما يمكن مما لدينا. ومحاولة تطويرها سواء بإدخال تعديلات فنية على الأسلحة والمعدات، أو رفع مستوى الاستخدام وابتكار أساليب جديدة.

وتصدت القيادة السياسية المصرية لتنفيذ دورها في هذا المخطط. فبذلت كل جهودها للحصول على الأسلحة والمعدات من روسيا أساساً أو من دول أخرى مثل المجر ويوغسلافيا.. لكن كانت حصيلة هذا الجهد محدودة للغاية. مما آثار الرئيس عبد الناصر من القيادة السوفيتية لكن لم يكن أمامه سوى أن يكظم غيظه. ونقف هنا لحظة.

قبل شهور قليلة وافق الرئيس عبد الناصر على تقديم خدمات الصيانة والإعاشة للأسطول السوفيتي في الموانئ المصرية، مما سهل تواجد الأسطول السوفيتي في البحر الأبيض وهي خطوة هائلة للسوفيت على المستوى الاستراتيجي.. فقد أصبح الأسطول السوفيتي مشاركاً للأسطول السادس الأمريكي في البحر الأبيض.

كما وافق الرئيس عبد الناصر أيضاً على تواجد الخبراء السوفيت في وحدات القوات المسلحة المصرية، كدعم في أعمال التجهيز والتدريب والتخطيط.. وأصبح لكل مستوى قيادي بدءاً من الوزير وحتى مستوى قائد الكتيبة وقائد السرب خبير سوفيتي ملازم له. لكن مجريات العمل اليومي أثبتت أن كفاءة القائد المصري لا تقل عن الخبير السوفيتي، إن لم تتفوق عليها في كثير من المواقف.. وأصبح الاحتكاك مستمراً بين القائد المصري والخبير السوفيتي، وانتهى الوضع بعد تكرار المشاكل بتدخل وزير الدفاع، وأصبح الخبير السوفيتي في معظم مواقع القيادة خاصة الصغيرة مجرد ملاحظ للقائد المصري.

كان موقف الاتحاد السوفيتي المتخاذل صادماً للجميع، وتكرر هذا الموقف مرات عديدة لاحقاً، لكن لم يكن أمامنا إلا أن نضغط بكل الوسائل حتى نحصل على أي قدر من الأسلحة والمعدات التي تغطى مطالبنا.

نجحت الجهود التي بذلت في تطوير الصاروخ سام 2. وأصبح قادر على الاشتباك مع الطائرات على ارتفاع 200 متر بكفاءة عالية. وكان هذا مفاجأ للطيران الإسرائيلي القادم مطمئنا على ارتفاع منخفض، فإذا به يواجه صواريخنا المؤثرة. وكان هذا يعني حرمان طيران العدو من حرية الطيران على الارتفاعات المنخفضة كما أصبحت قدرته على المناورة عالية بحيث أصبح قادراً على ملاحقة أحدث الطائرات الإسرائيلية.

وعن خطة التعاون بين القوات الجوية والدفاع الجوي، كانت المشكلة هي عدم قدرة كتائب الصواريخ سام 2 على تمييز الطائرات الصديقة من الطائرات المعادية. مما يحد كثيراً من إمكانية التعاون بين المقاتلات الاعتراضية المصرية وبين كتائب الصواريخ أثناء صد الهجوم الجوي المعادي. كما كان هذا النقص يعرض طائراتنا للإصابة بنيران صواريخنا، وحدث هذا مراراً في يونيو67. لكن أمكن الحصول على أجهزة التمييز والتي تعرف باسم (أجهزة التعارف) وبهذا تم حل إشكالية كبيرة وأصبح التعاون بين المقاتلات المصرية وكتائب صواريخ سام 2 على درجة عالية من الكفاءة.
ولما كان حقل الرادار المصري به ثغرات رهيبة تسمح بدخول الطائرات الإسرائيلية دون أي إنذار، فكان لزاماً تغطية هذه الثغرات. خاصة وأن روسيا مازالت متباطئة في إمدادنا بالرادارات المطلوبة. فكان الابتكار المصري هو إنشاء وحدات المراقبة بالنظر.. كانت هذه الوحدات تتكون من 2-3 فرد تم تدريبهم على التمييز بين أنواع الطائرات بالنظر وخاصة الإسرائيلية. وتم توزيع هذه الوحدات على مناطق عديدة على ساحل البحر الأبيض وخليج السويس وفى الصحراء الشرقية، وهي طرق الاقتراب المنتظرة للطائرات الإسرائيلية. وبواسطة جهاز لاسلكي يتم الإبلاغ عن أي أهداف جوية تعبر فوق أو حول النقطة. وفى لحظات تصل المعلومة إلى مركز العمليات الرئيسي، فيتولى اعتراض تلك الأهداف إما بواسطة المقاتلات أو بالصواريخ.

وبهذا تم حل جزء من مشكلة النقص الكبير في أجهزة الرادار. لكن لابد وأن نذكر بالفضل والعرفان جنود وصف ضباط وحدات المراقبة بالنظر. فيكفي أن نتخيّل تحملهم وَجلَدِهم على المعيشة القاسية، إما في منطقة صحراوية نائية أو منطقة ساحلية مهجورة بعيداً عن أي عمران أو أي مظاهر للحياة. وكان لإبلاغهم عن الطائرات الإسرائيلية فضل كبير في نجاح عمليات الاعتراض والتصدي لهجمات العدو. وكان 1968 بداية الملحمة ولكي لا نسبق الأحداث، فسنعرف كيف استطاعت مصر بناء حائط للصواريخ على ضفة قناة السويس حين نصل إلى أعوام 1969-1970 حيث حرب الاستنزاف.

وانتصف عام 1968 وساد جبهة قناة السويس هدوء نسبي. فالقوات المسلحة المصرية منهمكة في التخطيط لأعمال القتال الذي يسير بخطى ثابتة تتمشى مع نمو قدرات الوحدات والتشكيلات. والقيادة السياسية تدعم القوات المسلحة فيجتمع الرئيس عبد الناصر مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لضمان العمل الجماعي ووحدة الفكر، والتوجه نحو تحقيق هدف مصر كلها بقهر العدو الإسرائيلي واستعادة سيناء المحتلة.
كان نشاط العدو في سيناء وتحركاته ونواياه هي الشاغل الأول للقيادة العسكرية علي كل مستوى. وفى المقابل كان تدريب القوات اليومي مستمر، علاوة على التخطيط والتجهيز لأعمال الدفاع أو الاشتباك مع العدو. كانت فترة الهدوء هذه فرصة عظيمة للقيادة المصرية وللوحدات المقاتلة. فكان التخطيط والإعداد والتجهيز يتم بعيداً عن ضغط العدو. كما قطعت الوحدات المقاتلة شوطاً كبيراً في رفع الكفاءة القتالية لها. وتم استكمال نسبة كبيرة من الأسلحة والمعدات التي أعطت صلابة وقـوة لجبهـة قناة السويس. لكن النسبة كانت أقـل بصورة واضحة في القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي.

وخلال فترة الهدوء الذي ساد النصف الأول من عام 1968، وقعت معركة كبيرة في 21 مارس.. حاولت إسرائيل التوغل في الأراضي الأردنية بغية احتلال مناطق معينة (مرتفعات البلقاء) حتى تصبح وسيلة ضغط للتخلص من الفدائيين الفلسطينيين. بدأت المعركة في الفجر بحشد15 ألف جندي إسرائيلي من المدرعات والمشاة المحمولة بالمجنزرات والمظليين إضافة إلى الدعم الجوي.. إلا أن تصدى الجيش الأردني متلاحماً مع قوات المقاومة الفلسطينية أوقعا بإسرائيل هزيمة نكراء.. حاولت أن تخفيها لكنها لم تفلح. فحين ارتفعت خسائر القوات الإسرائيلية قامت بالانسحاب في الساعة الخامسة مساء دون أن تحقق هدفها. وبلغت خسائرها 700 فرد بين قتيل وجريح وأكثر من 150 دبابة ومركبة . مقابل خسائر أردنية قدرها 170 فرد بين قتيل وجريح وحوالي 60 مركبة.

وفى منتصف عام 1968 كانت الظروف قد أصبحت مهيأة أمام مصر لبدء استنزاف العدو ووضعه تحت ضغط نيراني من قواتنا، والانتقال من مرحلة رد الفعل إلى الفعل على أن يكون هذا بهدف.
أولاً: إيقاع أكبر خسائر بجنود العدو ومعداته والحصول على أسرى ووثائق ومعلومات.
ثانياً: تطعيم الوحدات المصرية للمعركة المقبلة من الخبرات المكتسبة من القتال الحقيقي.
ثالثاً: اختبار كفاءة الأسلحة وكذا أساليب القتال واختيار الأنسب منها وتطويره للخروج بعقيدة قتال وخبرات قتالية مصرية خالصة.
رابعاً: فرض حالة من الاستنزاف الاقتصادي على إسرائيل من خلال إجبارها على الاحتفاظ بنسبة عالية من قواتها في حالة تعبئة مستمرة.
واستقر الرأي في يوليو 1968 على أن يبدأ الاشتباك مع العدو بطاقة متدرجة. وعلى المسرح البري في المرحلة الأولى ، حيث التفوق المصري في القوات خاصة في مجال المدفعية، التي ستشكل عنصراً حاسماً في استنزاف العدو. وبدأ بحث وترتيب أولويات الأهداف التي يشكل تدميرها للعدو خسائر كبيرة. وعكفت القيادات المنفذة في سرية تامة على الدراسة واختيار العناصر القائمة بالتنفيذ وتدريبها في مناطق منعزلة. وتم رفع الأمر للقيادة العامة لتحديد توقيت الهجوم. وبنهاية أغسطس 1968 كانت الرؤية واضحة تماماً أمام القيادة العامة للقوات المسلحة لتنشيط الجبهة طبقاً لخطة مدروسة وليست رد فعل.

كان يوم 8 سبتمبر نقطة تحول رئيسية في تنشيط الجبهة. فقد أرادت مصر أن تعلن عن نفسها بقوة، وتصيب إسرائيل بخسائر كبيرة في قواتها المتمركزة على القناة. فصدرت الأوامر بتنفيذ قصفه مدفعية وتحت سترها يتم دفع دوريات قتال على طول الجبهة. شملت القصفة الأهداف شرق القناة وحتى عمق 20 كيلو متر شرقاً. اشترك في القصفة 38 كتيبة مدفعية من مختلف الأعيرة لمدة ثلاث ساعات متواصلة. وإلى جانب المدفعية قامت جميع الأسلحة المضادة للدبابات بإطلاق نيرانها من الضفة الغربية على الأهداف المرئية على الضفة الأخرى. وقامت الدوريات برص الألغام على الطرق الرئيسية والفرعية.

وحققت القصفة أهدافها فتم تدمير 19 دبابة وثمانية مواقع صواريخ وعشرات الدشم ومناطق الشئون الإدارية والعربات. ويومها أذاعت إسرائيل بيان عسكري يقول بأن خسائرها من هذه القصفة فرد واحد جريح، وبعد سنوات ظهر في الكتب الإسرائيلية أن الخسائر في هذا اليوم كانت 28 فرد بين قتيل وجريح. ولم تجد إسرائيل رداً على هذا القصف إلا اللجوء إلى أسلوبها الدنيء فقامت بتوجيه نيرانها إلى مدن القناة والتي كان بعض سكانها مازالوا متمسكين بالبقاء فيها، فأوقعت خسائر فيهم.

وفى أكتوبر 1968 تلاحقت الخسائر على العدو الإسرائيلي، فقد نشطت الطائرات الإسرائيلية لاستطلاع الجبهة. فاتخذ اللواء طيار/ مصطفى الحناوى قائد القوات الجوية القرار بمواجهة هذا النشاط حتى يتوقف العدو عن استباحة الجبهة واستطلاع قواتنا.
وفى 23/10/1968 خطط العقيد طيار/ ممدوح طليبة قائد اللواء لمعركة جوية محدودة مع العدو الإسرائيلي بطريقة الصيد الحر. كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق الجبهة من فوق مدينة الإسماعيلية على ارتفاع 2-3كم ثم تتوجه إلى الأهداف المطلوب استطلاعها وهي مطمئنة إلى أنه لن يتم اعتراضها بالطائرات أو بالصواريخ أرض/جو.

كانت الخطة المصرية المقابلة هي أن يتم دفع تشكيل من طائرتان ميج21 على ارتفاع منخفض غير مكتشف رادارياً، وخلفهم بمسافة 5-6 كيلو متر تشكيل آخر من أربع طائرات ميج21. ولعجز إمكانات الرادار المصري تم تنفيذ الطلعة بالحسابات الملاحية (وهي طريقة بدائية). وتم ارتفاع ودفع التشكيل الأول (2 طائرة) ليكون طعم فاتجت إليه طائرات العدو، وبعدها تم دفع التشكيل الثاني (4 طائرة) خلف الطائرات الإسرائيلية ومهاجمتها. وتم التنفيذ بدقة متناهية وأسقطت طائراتنا أربع طائرات ميراج إسرائيلية.
كان المشتركون في هذه المعركة :
- ملازم طيار/ مدحت زكي (أسقط طائرة)
- رائد طيار/ على ماسخ (أسقط طائرة)
- ملازم طيار/ عبد الحميد طلعت
- رائد طيار/ فوزي سلامة (أسقط طائرة)
- ملازم طيار/ رضا العراقي
- نقيب طيار/ أحمد أنور (أسقط طائرة)
كان لهذا الاشتباك فرحة خاصة ومردود هائل على طياري القوات الجوية، فقد أزاح جزء كبير من عدم الثقة في أنفسهم، حتى أن الرئيس عبد الناصر وهو يستقبل أفراد التشكيل في منزله للتهنئة بالنصر قال لهم "أظن دى أول مرة طيار مصري يضرب طيار يهودي". فانبرى له قائد اللواء شارحاً له بأنه كانت هناك سوابق عديدة في يونيو67 لكن الهزيمة لم تسمح بظهورها، فهز الرئيس عبد الناصر رأسه بين مصدق ومندهش وغير متأكد.

وفى 26 أكتوبر 1968 تكررت قصفة المدفعية المركزة حيث اشتركت 32 كتيبة مدفعية في قصف العدو لمدة سبعون دقيقة، استهدفت بالدرجة الأولى مواقع الصواريخ. إضافة إلى دوريات عبرت تحت ستر نيران المدفعية، قامت باصطياد بعض الدبابات والمركبات التي كانت تحاول الهرب أثناء القصف. واعترف العدو بعد سنوات أيضاً أن خسائره في هذا اليوم كانت 49 فرد (قتيل وجريح).

وكان على إسرائيل أن ترد على قواتنا بعد أن تلاحقت عليها الخسائر في جبهة القناة، بعد أن وضح التفوق المصري على القناة الذي يزداد يوماً بعد يوم. فلجأت إلى أسلوب مختلف تماماً في الرد. فدفعت ليلة 31 أكتوبر/1 نوفمبر 1968 (2 طائرة) هليكوبتر محملة بقوة من المظليين الذين يتكلمون العربية إلى منطقة نجع حمادى في صعيد مصر. مخترقة الحدود المصرية من المنطقة جنوب الغردقة. حيث لا توجد دفاعات أرضية أو أجهزة إنذار رادارية أو دفاع جوي سواء في منطقة البحر الأحمر أو في منطقة الصعيد. وقامت مجموعة من المظليين بعد الهبوط بتدمير 6 محولات للكهرباء، فانقطع التيار الكهربائي عن المحطة التي تمد الوادي شمالاً والقاهرة بنسبة من كهرباء السد العالي. وقامت مجموعة أخرى بتدمير جزء بسيط من قناطر نجع حمادى وكوبري قنا.

كان اختيار إسرائيل منطقة نجع حمادى للهجوم عليها عودة إلى أعمال الردع العسكري الذي تكرر من إسرائيل مراراً. فقد اختارت هدفاً ذو ثقل معنوي وتأثير سياسي وفى منطقة منعزلة حتى يتم مهاجمته بأقل حجم من القوات وبأقل خسائر في حالة الاشتباك. وكان لهذه العملية هدفان :
أولاً: إجبار القيادة العسكرية المصرية على نشر قواتها حتى الغردقة فتصل المواجهة إلى 1000 كيلو متر مما يقلل ويخفف من التفوق المصري على جبهة قناة السويس.
ثانياً: إحراج القيادة السياسية المصرية وإثارة القلق والبلبلة بين أفراد الشعب المصري بعد أن اخترقت إسرائيل عمق مصر ودمرت أهداف حيوية دون أي اعتراض أو مقاومة،خاصة وأنها لم تكتشف .






لكن تنفيذ العملية لم يؤت ثماره، فعلى المستوى السياسي كان التأثير ضعيفاً لأن الشعب المصري بفطرته أدرك أن للحرب تكاليف، وأن العدو سيوقع بنا خسائر كما نوقع نحن به. خاصة وأن الأجهزة المسئولة استطاعت إصلاح المحولات بأسرع ما يمكن واستأنفت دفع التيار الكهربائي.
أما على الجانب العسكري فكان درساً مفيداً للقيادة العامة، فقد أعيد النظر في الخطط العسكرية وتهدئة الأوضاع على الجبهة، إلا من اشتباكات بالأسلحة الصغيرة والقناصة ودوريات الاستطلاع.. وصدرت الأوامر والتكليفات لاستكمال شبكة الإنذار الجوي جنوباً (المراقبة بالنظر) حتى وصلت إلى آخر موقع على الحدود الشرقية مع السودان. وإنشاء نسق ثان للمراقبة بالنظر بطول الحافة الشرقية لوادي النيل. كما تم إنشاء قوات الدفاع الشعبي، ووزعت عليها الأسلحة والذخيرة وأجهزة المواصلات. وتم تكليف سرب مقاتلات ميج21 بقيادة النقيب طيار/ سمير عبد الله بمهام القتال الليلي.

وكان ختام عام 1968 مثيراً للغاية حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعلان موافقتها على تزويد إسرائيل ولأول مرة بخمسين طائرة من طراز فانتوم ف-4. لتثبت مساندتها الكاملة لإسرائيل. وكانت الطائرة الفانتوم فى هذا الوقت من أحدث طائرات الترسانة الأمريكية .
المجموعة 39 قتال : بزغت فكرة هذه المجموعة بعد أن قام المقدم/ إبراهيم الرفاعى بتفجير مخازن ذخيرة العدو في 4 يوليو 1967. فقد كلفه اللواء/ محمد صادق مدير المخابرات الحربية بتشكيل مجموعة للعمل خلف خطوط العدو، وتعمل تحت قيادته شخصياً. وتكونت المجموعة في أول الأمر من عدد محدود من الضباط والصف والجنود وكانت تعمل تحت اسم منظمة سيناء العربية، ثم تم دعمها بعد أن أثبتت نجاحاً ملموساً في عملياتها ضد العدو، ثم أطلق عليها اسم المجموعة 39 قتال في بداية عام 1969. كان المقدم إبراهيم الرفاعى ضابطاً يتحلى بقدر كبير من الوطنية والإخلاص والشجاعة، وانعكس هذا كله على كل من كان معه في المجموعة فتميزت بروح قتالية وكفاءة عالية. فتحقق الهدف من إنشائها وأوقعت في العدو خسائر ملموسة، كما كانت مصدر هام للاستطلاع والحصول على معلومات عن العدو في سيناء.

قامت المجموعة حتى بداية 1969 بتنفيذ 10 عمليات استطلاع للعدو، في المناطق من بورسعيد إلى السويس وحتى شرق ممر متلا. لكن أصعب هذه العمليات كانت عملية استطلاع مطار رأس نصراني في جنوب سيناء وقام بتنفيذ العملية الرائد/ أحمد رجائي عطية بمرافقة كل من سليمان عبد الله وسالم جبلي من أبناء سيناء. وقد استغرقت المهمة خمسة أيام قطعوا خلالها مئات الكيلومترات دون أن يكتشفهم العدو.
وقامت بعمل كمين للعدو في منطقة جبل مريم جنوب الإسماعيلية، بقوة ضمت ثمانية ضباط بقيادة الرفاعى ومساعده الرائد/ عصام الدالي + 23 صف وجندي. وأسفر الكمين الذي تنفذ من العاشرة مساء وحتى السابعة صباحاً عن تدمير عربة وقتل 2 جندي وأسر ثالث بدرجة عريف يدعى ياكوف رونيه.

وسنجد أن هذه المجموعة في استعراضنا للأحداث وحتى حرب 1973، قد قامت بأعمال بطولية من استطلاع خلف خطوط العدو إلى كمائن إلى غارات على مواقع للعدو. وفى أماكن لم يتوقعها العدو في سيناء على الساحل الشرقي لخليج السويس . وقد حققت نسبة نجاح كبيرة في معظم عملياتها. وإن تقلص دورها بعد إقالة الفريق/ محمد صادق فلم تكلف بمهام تناسب إمكانياتها إلا في مقاومة قوات العدو في ثغرة الدفرسوار قبل انتهاء حرب أكتوبر بأيام قليلة.

الفصل الثالث: حرب الاستنزاف
500 يوم قتال



استمرت حرب الاستنزاف من 8 مارس 1969 وحتى 8 أغسطس 1970. دار خلالها العديد من المواقف والأحداث وحفلت بالبطولة والتضحيات.. دماء وشهداء.. جهد يفوق الخيال.. قتال يومي.. ضرب للعدو وتلقى ضربات.. ينبت لمصر مخالب وأنياب تنهش بهما لحم العدو الإسرائيلي.. ورغم هذا تسقط هذه الحرب في كهف النسيان ولا يُذكر عنها إلا القليل حتى تكاد تسقط من ذاكرة الوطن.. علماً بأن هذه هي المرة الأولى التي تنتصر فيها مصر على إسرائيل.
نصر ولا ريب : اطمأنت القيادة العسكرية المصرية لموقف قواتـها في الجبهة، بعد ما دار في الفترة السابقة من أعمال قتال ودروس مستفادة.. فكان لابد وأن تستأنف قتال العدو بصورة أكبر. فصدرت الأوامر بتوجيه قصفة مدفعية مركزة على طول الجبهة يوم 8 مارس 1969 بحشد نيراني بلغ 24 كتيبة مدفعية، علاوة على أسلحة الضرب المباشر. واستمرت القصفة خمسة ساعات متواصلة وأحدثت خسائر شديدة في دشم بارليف وبطاريات المدفعية الإسرائيلية ومناطق الشئون الإدارية.




ولأن مصر كما قلنا ُولدت من جديد في 11 يونيو 67، فقد ذهب الفريق/ عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة ومعه اللواء/عدلي سعيد قائد الجيش الثاني واللواء/ عبد التواب هديب مدير المدفعية لتفقد وحدات المدفعية في صباح اليوم التالي. وتفقدوا قطاع القنطرة واطمأنوا على الروح المعنوية، ثم طلب الفريق رياض تفقد موقع النقطة نمرة 6 شرق الإسماعيلية حيث كانت تتميز بتحصين إسرائيلي كبير. وبعد إتمام المشاهدة ولحظة خروجه من الموقع انطلقت مدفعية العدو وسقطت دانه بالقرب منهم وأصيب القادة الثلاثة، لكن الفريق/ رياض استشهد بعد لحظات. وكان لاستشهاد الفريق رياض وقع شديد على مصر كلها تجلى في جنازته التي احتشد فيها الآلاف من المدنيين يودعون ابن من أبناء مصر المخلصين.
كانت جنازة الفريق/ رياض إعلان ثان بعد 10،9 يونيو67 من الشعب المصري بأننا سنقاتل. وأن مصر لن تركع أو تستسلم مهما كانت التضحيات. فرغم إن الفريق رياض لم يكن ذو شهرة على المستوى الشعبي بحكم منصبه الذي يجعل وقته وجهده داخل القوات المسلحة. لكن ما أن استشهد حتى أصبح حديث كل بيت وكل تجمع وترددت بطولته حتى على لسان رجل الشارع البسيط.

اشتعلت الجبهة حماساً لاستشهاد الفريق رياض، فنشطت الدوريات بمختلف أنواعها علي طول الجبهة بمهاجمة واقتناص للمعدات والأفراد من الضفة الغربية.. وسنعرض لبعض عمليات قوات الجبهة التي تمت بعد استشهاد الفريق رياض وأهمها :

في 15/3/1969 دفع قائد الكتيبة 33 صاعقة الرائد/ مدحت عثمان دورية استطلاع من ضابط ومعه 3 فرد لاستطلاع النقطة القوية جنوب البحيرات المعروفة باسم التبة المسحورة. ونجحت الدورية في الحصول على المعلومات التفصيلية عن النقطة بل تمكنت من الحصول على بعض الذخائر. وتم التدريب على موقع مماثل هيكلي لمدة 20 يوماً بهدف إيقاع أكبر خسائر في العدو والحصول على أسير. وفى 16/4/1969 تم دفع الدورية بقيادة الملازم أول/ محمد مصطفي ومعه قائد مجموعات الاقتحام. الملازم أول/ عبده عرفه و43 فرد صف وجندي. وقبل العبور قامت الدورية بأداء ركعتين لله وبعد انتهاء الصلاة رفع العريف/ فتحي يونس يديه داعيا بصوت خفيض اللهم ارزقنا الشهادة، وكان بجواره ملازم أول/ عبده عرفه الذي قال له
- مستعجل ليه يا فتحي
فرد عليه عريف فتحي يونس : حد يطول يا فندم
- ربنا يكرمنا وننفذ المهمة
وعبرت الدورية القناة في العاشرة مساء في صمت تام، مسلحة بالبنادق الآلية والقنابل وقواذف أر.بي.جى. وألغام مضادة للدبابات ومعدات لفتح الثغرات. كان التخطيط محكما، عبرت الدورية على يسار النقطة بمسافة 600 متر وقامت بالالتفاف ونفذت الهجوم من ناحية الشرق خلف النقطة.. وحدث اشتباك مع أفراد النقطة الذين لم يتوقعوا أن الهجوم من الشرق وسقط من العدو الإسرائيلي حوالي 10 قتلى. وتم القبض على أحدهم حيا تم سحبه والعبور به بواسطة ملازم أول/ عبده عرفه وتولى محمد مصطفي تأمين عودة الدورية. وعادت الدورية كلها بسلام ومعها الأسير ادمون مراد اهارون. لكن استشهد عريف فتحي يونس بعد وصوله للضفة الغربية بعد أن أصيب أثناء الهجوم.

تعين اللواء/ أحمد إسماعيل رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة خلفاً للفريق رياض. وكان اللواء/ محمد صادق مدير المخابرات الحربية شديد الاقتناع بأن إسرائيل لا تعرف إلا لغة القوة، فكانت خطته تقوم على أن تتبارى وتتسابق وحدات الجيش الثاني والثالث في إيقاع أكبر خسائر للعدو. كما أعطى تعليماته لقائد المجموعة 39 قتال الذي كان هو الأب الروحي لها بأن تخطط لعمل ثأري كبير رداً على استشهاد الفريق رياض. وعلى الفور تمت مراقبة واستطلاع موقع (نمرة 6) الذي أصاب الفريق رياض ورُسمت خريطة تفصيلية كاملة للموقع وتم وضع خطة الاقتراب والهجوم . وتم التدريب على موقع هيكلي حتى أصبح كل فرد فى المجموعة يعرف مهمته وكيفية تنفيذها تماماً. وتحدد تاريخ تنفيذ العملية 19/4/1969 وسميت العملية "رياض".

"كان الموقع الإسرائيلي يتكون من 4 دشم مقامة على اللسان الموجود ببحيرة التمساح، كما يوجد موقعان حصينان على ربوتين تبعدان عن الدشم بحوالي كيلو متر لحماية الموقع الموجود باللسان. ولم يكن في حسبان القادة الإسرائيليين إمكان مهاجمة هذا الموقع لاعتبارات كثيرة من أهمها : أن الموقع على حافة البحيرة مباشرة وتحميه مسافة طويلة من المانع المائي (عرض بحيرة التمساح 13 كم). كما أن تحصين الموقع وقوة النيران الموجودة به، وأسلوب الحماية ووجود موقعين حوله يشكلان مع الموقع نمرة 6 مثلثاً، يوفر له قوة دفاعية كبيرة.
وأسهمت الخطة والتنسيق بين قيادة المجموعة 39 قتال وقيادة الجيش الثاني ومدفعية الجيش، في توفير كل العناصر التي جعلت من الهجوم مفاجأة كاملة. بدأ قصف المدفعية قبل التحرك بحوالي 20 دقيقة، واستمر طوال فترة عبور القوارب الحاملة للأفراد لبحيرة التمساح وقد استغرق 14 دقيقة. ووصلت قوة الهجوم إلى الشاطئ الشرقي حوالي الثامنة مساء. وفور الوصول إلى الشاطئ بجوار الموقع بدأت المجموعات في اتخاذ تشكيل قتال يتكون من :
المجموعة الأولى : المقدم/ الرفاعي + 6 من أفراد الصاعقة البحرية للقيادة والسيطرة.
المجموعة الثانية: رائد/ أحمد رجائي عطية + 12 فرد للهجوم على الدشمة رقم 1.
المجموعة الثالثة : نقيب/ محيي نوح + 12 فرد للهجوم على الدشمة رقم 2.
المجموعة الرابعة : ملازم أول/ وئام سالم + 11 فرد للهجوم على الدشمة رقم 3.
المجموعة الخامسة : ملازم أول/ محسن طه + 11 فرد للهجوم على الدشمة رقم 4 .

إضافة إلى مجموعة بقيادة رائد طبيب/ محمد عالي نصر ومعه نقيب بحري/ إسلام توفيق وملازم أول/ مجدي وسام حافظ و3 أفراد من الصاعقة البحرية. بقيت على الشاطئ بهدف تأمين منطقة النزول.. وعلى الشاطئ الغربي للقناة كان العميد/ مصطفي كمال ومعه ضابط مخابرات يجيد العبرية ومعهما جهاز تنصت لاسلكي لالتقاط اتصالات الموقع الإسرائيلي وتوفير المعلومات للقوات المهاجمة أول بأول".
دخلت المجموعات إلى الموقع واتجه كل فرد إلى المكان المخطط له في الهجوم، فقام بعضهم بإلقاء مولدات دخان وقنابل يدوية من فتحات التهوية فى الدشم، والبعض الآخر كان بجوار أبواب الخروج لاستقبال كل من يحاول الخروج، والبعض هاجم العربة النصف جنزير وسيارة نقل ونسف 2 مخزن ذخيرة.. واستمرت القوة داخل الموقع ساعتان تم خلالها قتل وتدمير كل ما بالموقع من أفراد ومعدات.
وعـادت القوة سالمة إلا من ثلاثة جرحى (النقيب محيي نوح و2 فرد) تم نقلهم إلى المستشفي وقام بزيارتهم الرئيس عبد الناصر وبصحبته اللواء/ صادق وتحاور معهم الرئيس واستفسر منهم عن كافة تفاصيل العملية.
وفى الخامسة والنصف مساء اليوم التالي، نقلت وكالات الأنباء من تل أبيب بياناً عسكرياً إسرائيلياً، يقول أن وحدة من 15 جندي كوماندز مصري عبرت القناة مساء السبت لمهاجمة موقع إسرائيلي شمال بحيرة التمساح أمام الإسماعيلية. وبعد معركة قصيرة أصيب فيها جندي إسرائيلي ودمرت سيارة مدرعة، تمكنت القوات الإسرائيلية من رد القوة المصرية المهاجمة. وهو بيان أقل ما يوصف به أنه بيان هزيل أو مضلل فتدمير الموقع بالكامل تحول إلى جرح جندي وتدمير عربة !!
وجاء الرد الإسرائيلي دنيئاً كالعادة موجهاً إلى أهداف مدنية.. ففي ليلة 29 أبريل 1969 أغارت إسرائيل بقوات محمولة جواً على محطة محولات نجع حمادي للمرة الثانية، وأسقطت عبوات ناسفة زمنية قرب مدينة ادفو أصابت بعض المدنيين.. وانطلقت وسائل الإعلام والدعاية الإسرائيلية تصف وتمجد في العملية وأشبعتها وصفاً وتحليلاً. لكن قواتنا ردت عليها في اليوم التالي مباشرة بهجوم على النقطة جنوب البلاح وتم نسفها تماماً.
وكان لابد من إبلاغ إسرائيل رسالة بأننا نستطيع أن نطولها في العمق أيضاً وضد أهداف مدنية.. فتوجه إلى الأردن مقدم/ إبراهيم الرفاعى والرائد/ عصام الدالي ولحقت بهم طائرة محملة بالصواريخ والقواذف. وبالتعاون مع منظمة فتح تم استطلاع عدة أهداف في إيلات والنقب والعقبة. واستقر رأى القيادة في مصر على قصف مصنعي الفوسفات في منطقة سدوم. "وقبل منتصف ليلة 19/20 مايو قصفت الدورية المصنعين في وقت واحد مستخدمه 32 صاروخاً من عيار 130مم وأدى القصف إلى انفجار محطة الكهرباء التي تغذي المنطقة واشتعال الحرائق فيها وفى منطقة المصانع". وغادرت الدورية الموقع بسلام. ووصلت الرسالة إلى إسرائيل فتوقفت لفترة عن مهاجمة العمق المصري.
وتوالت العمليات الهجومية المصرية، وأيقنت إسرائيل أنها لابد وأن ترد بعمل هجومي عسكري بعد توالي النجاح المصري واهتزاز ثقة الجنود الإسرائيليين. فقامت بالهجوم بقوة كتيبة مدعمة على موقع الجزيرة الخضراء، وكانت قوته سرية مشاة. وكاد العدو أن يحقق النجاح المطلوب، لكن المدفعية المصرية في غرب القناة طلبت من قائد السرية المصرية الاحتماء بالخنادق هو وجنوده، وقامت بقصف شديد على الجزيرة كله. وكانت مفاجأة لأفراد العدو الذي أصيب بخسائر عالية فانسحب على الفور تاركاً معداته ولنشاته المدمرة. وكان لقصف مدفعية الجيش الثالث المركز الفضل الأكبر في فشل الهجوم الإسرائيلي.
واستمرت وتيرة الهجوم المصري المتصاعد، فتم مهاجمة نقطة البلاح ونقطة الشط بنجاح كبير... لكن في 8/7/1969 قامت المجموعة 39 قتال بمهاجمة النقطة نمرة 6 شمال التمساح، للمرة الثانية. فوجئت القوة المهاجمة بأن الهجوم كان معروف للعدو مسبقا،ً وأن أفراد النقطة كانوا في انتظارهم . فما أن أصبحت القوة بقيادة المقدم/ الرفاعى على أبواب الموقع، حتى بدأت إضاءة المنطقة بطلقات كاشفة إسرائيلية تبعها نيران كثيفة من عدة اتجاهات، فلم يكن هناك مفـر من الانسحاب بعـد استشهاد 9 أفراد. ولأن التحضير للعملية تم في سرية تامة، فقد تسرب الشك بأن هناك من أبلغ إسرائيل عن العملية. وتتبعت أجهزة المخابرات المصرية الخيوط، فتكشف لها بعد أكثر من عام أن إسرائيل قد نجحت في تجنيد جاسوس مصري باع وطنه وزملاءه فتم إعدامه هو وشريكته.
وفى 10 يوليو 1969 وجهت القوات المصرية ضربة قاصمة إلى القوات الإسرائيلية. فقد تحدد هذا اليوم لمهاجمة 2 نقطة حصينة إحداها في الجيش الثاني شمال الإسماعيلية, والثانية في قطاع الجيش الثالث ومعروفة باسم نقطة لسان بورتوفيق. وتمت العمليتان بنجاح وتكبد العدو خسائر فادحة في هذا اليوم. وسنلقى الضوء على عملية لسان بورتوفيق لأن نتيجتها كان لها أثر كبير في مجريات حرب الاستنزاف.
كلف اللواء/عبد القادر حسن قائد الجيش الثالث قوات الصاعقة بالجيش بالإغارة على نقطة العدو في لسان بور توفيق. تم استطلاع النقطة قبل شهر من التنفيذ، وتبين أن قوة العدو الموجودة فيها تتكون من سرية مشاة مدعمة بفصيلة رشاشات + 4 دبابة باتون. وعند التحضير للمهمة تنافست كل من الكتيبة 33 و 43 فيمن سيقع عليه الاختيار لتنفيذ العملية. وفى النهاية وقع الاختيار على الكتيبة 43. وتم إنشاء موقع هيكلي للتدريب عليه. واستمر التدريب لمدة شهر بمعدل 4 مرات يومياً، واطمأن قائد المجموعة المقدم/ صالح فضل إلى أن الأفراد قد أصبحوا على دراية كاملة ويحفظون عن ظهر قلب ماذا سيدور عند مهاجمة الموقع الإسرائيلي. وتم تحركهم إلى الجبهة قبل يوم من التنفيذ. وتحدد الهجوم في الساعة الخامسة عصر يوم 10 يوليو 1969 وتشكلت القوة المهاجمة كالآتي :-مجموعة القيادة والسيطرة بقيادة نقيب/ سيد إسماعيل إمبابى قائد السرية
- فصيلة بقيادة ملازم أول/ رؤوف أبو سعده
- فصيلة بقيادة ملازم أول/ معتز الشرقاوى
- فصيلة بقيادة ملازم أول/ محمد عبد الحميد عبد ربه
- فصيلة بقيادة ملازم أول/ حامد إبراهيم حامد
- جماعة خاصة بقيادة رقيب أول/ حسنى سلامة
وتم دعم القوة المهاجمة بسرية قاذف لهب وسرية مهندسين عسكريين، إضافة إلى تمركز كتيبة مدفعية هاوتزر (ضرب مباشر) بقيادة الرائد/ سامي المصري في بورتوفيق.
وبدأ العبور في وضح النهار بعدد 14 قارب في كل قارب 10 فرد ومن أوسع منطقة في القناة (400 متر) أمام النقطة. وكان لابد وأن يشعر أفراد الموقع بالهجوم، فصعدت إحدى دبابات العدو إلى مصطبة مجهزه في الساتر الترابي وأطلقت قذيفة أصابت موتور أحد القوارب.. لكن أكمل أفراده العبور بالمجاديف، وأصيب الجندي/ عبد الحليم رياض محمد بشظية في ذراعه لكنه استمر معهم .. ودخلت القوة الموقع واكتشفت أن هناك 5 دبابات قام الرقيب أول/ حسنى سلامة بتدمير 3 منها، وملازم أول/ معتز الشرقاوى ومحمد عبد ربه بتدمير دبابتين وقتل كل من فيهم إلا واحد خرج مستسلماً من الدبابة تم تسليمه إلى أحد القوارب المنتظرة على الشاطئ.. ولما شعر الجنود الإسرائيليين أن دباباتهم قد دُمرت دخلوا مسرعين للاختباء في الملجأ المحصن، كان عبارة عن عربة بضائع من عربات السكة الحديد ومحاط بشكائر رملية. فتم وضع 4 شكائر متفجرات حول العربة لتدمير الملجأ بالكامل وقتل كل من فيه. واستمرت القوة في الموقع 45 دقيقة كاملة تم خلالها زرع علم مصر.
وعادت القوة التي ذهبت 140 فرد إلى الضفة الغربية وقد أصبحت 141 فرد، لكن الجندي البطل/ عبد الحليم رياض الذي ظل ينزف طوال مدة العملية، ورغم ذلك استمر في القتال، استشهد فور الوصول إلى الضفة الغربية ومعه الجندي/ سامي زكي مسعد. وعلى الفور ظهر الطيران الإسرائيلي محاولاً مهاجمة وتدمير كتيبة المدفعية أثناء انسحابها، لكن عناية الله أطاشت قذائفهم فلم تصب الكتيبة بأي خسائر رغم أنها كانت متحركة على طريق محدود لا يسمح بأي مناورة. كانت الخسائر الإسرائيلية في هذا اليوم أكثر من 40 قتيل علاوة على 5 دبابات مما جعلهم يفكرون بعد هذه العملية تفكير آخر.



20 يوليو 1969 : لابد وأن نقف أمام هذا اليوم بنظرة فاحصة ومتأملة.. فجيش إسرائيل الذي لا يقهر مرت عليه شهور وهو يتلقى اللطمات من ضباط وجنود مصر الأبطال. وكل ما يستطيع الرد به هو مهاجمة موقع منعزل بصورة دعائية لا تقدم ولا تؤخر في حجم الخسائر التي يتلقاها يوميا، أو قصف مدن القناة.. وفى ثلاث محاولات للعبور إلى الغرب لم يحقق العدو أي نتائج ملموسة. وأحدثت أعمال القتال المصرية رد فعل علي الفكر السياسي والعسكري الإسرائيلي وعلى الروح المعنوية للشعب الإسرائيلي.
أدركت إسرائيل أن القوات المصرية أصبحت تمتلك قوة أكبر في العدد والمعدات، وأن مصر مصممة على القتال، ولن تقنع بأي صلح بالشروط الإسرائيلية. وأكد هذا أن مصر أعلنت في أول مايو على لسان الرئيس عبد الناصر أن قرار وقف إطلاق النار أصبح غير ساري وأننا بدأنا حرب الاستنزاف ضد إسرائيل.
لكل هذه الأسباب ومع ازدياد خسائر إسرائيل، وشعور القيادة العسكرية الإسرائيلية بفشلها في إرغام مصر على وقف حرب الاستنزاف. بدأت إسرائيل تعيد التفكير في أسلوب المواجهة مع مصر وتستعرض مختلف طرق الحل الممكنة.
"وبناء على نتائج الدراسات العديدة التي جرت. اجتمع مجلس الحرب الإسرائيلي بناء على طلب موشى دايان وزير الدفاع وأصدر قرار من أخطر القرارات العسكرية. هو إدخال القوات الجوية الإسرائيلية في حرب الاستنزاف بكل إمكانياتها التدميرية. وقد أدى هذا القرار إلى إحداث تغيرات جذرية في موازين القوى الاستراتيجية على جبهة القناة. بدأت في صالح إسرائيل ثم تحولت ضدها وأصبحت في صالح مصر بعد مضي حوالي ستة أشهر على بداية الحرب". ولكي نؤكد مدى تأثير الهجمات المصرية سنعرض ما كتب وقيل داخل إسرائيل.
فيقول زيف تشيف المحلل الإسرائيلي في كتابه عن حرب الاستنزاف "الفانتوم فوق النيل" إن عملية لسان بورتوفيق هي التي أنهت الجدل داخل أروقة القيادة الإسرائيلية حول حتمية تدخل الطيران الإسرائيلي في المعركة، ويضيف: لقد كان هذا النجاح هو أبرز ما حققه المصريون وكان سيحفزهم إلى نشاط أكبر، فكان لابد من إيقافهم بسرعة.
وصرح المتحدث العسكري الإسرائيلي في الصحف وقتها "أمام الضغط الهائل الذي مارسه المصريون في الجبهة، والحياة التي أصبحت لا تطاق على الضفة الشرقية للقناة أقدمت القيادة الإسرائيلية على استخدام الطيران الذي كانت كل الآراء تصر على الاحتفاظ به للمستقبل".
وقد أعلن موشى دايان وقتئذ "أن الهجوم الجوي هو الرد الإسرائيلي على ما أعلنته مصر من حرب استنزاف في شكل ضربات المدفعية وأعمال العبور ضد الجبهة الإسرائيلية شرق القناة".
بدأت إسرائيل منذ هذا اليوم استخدام قواتها الجوية بعنف، فقامت طائراتها بالهجوم على القوات في منطقة القناة وعلى مدينة بورسعيد.. ولأن الموقف كان واضحاً أمام القيادة المصرية فلم يستغرق الأمر إلا ساعات وصدرت الأوامر بإشراك القوات الجوية المصرية في حرب الاستنزاف...كان من حسن طالع القوات الجوية المصرية أن يتوالى على قيادتها أبناء مخلصون يقدرون حجم المسئولية. فقبل شهر من بدء إشراك الطيران المصري في المعركة تغيرت قيادة القوات الجوية وأصبح اللواء طيار/ على بغدادي قائداً لها واللواء طيار/ حسنى مبارك رئيساً للأركان. وإن كان تغيير القيادة خاصة بعد فترة قصيرة نسبياً له آثار سلبية إلا أن كل منهم جاء مكملاً لما بدأه السابق.
كانت افتتاحية حرب الاستنزاف في 20 يوليو، هي انطلاق تشكيلات القوات الجوية المصرية من قواعد المنصورة وقويسنا وبلبيس وأنشاص بطائرات ميج17 وسوخوى7 (مقاتلات قاذفة)، وفى حماية تشكيلات من طائرات ميج21 (مقاتلات). وقامت في الساعة 6:30 مساءً بقصف مواقع للعدو ومحطات رادار ومعسكرات ومناطق شئون إدارية للعدو بعمق 35 كيلو متر في داخل سيناء.
وكان دور السرب 62 مقاتلات قاذفة الذي شرفت بقيادته في هذه المهمة، هو قصف ومهاجمة موقع صواريخ هوك أرض/جو في منطقة رمانة على المحور الشمالي، إضافة إلى موقع أخر. وكنت صاحب أول مواجهة بين الطائرة ميج17 والصاروخ الذي يهدد طائرات القوات الجوية المصرية.. وبفضل التدريب المستمر وثقتنا في أننا نستطيع أن نواجه إسرائيل تمكنا من تدمير الموقع، (تكرر الهجوم على هذا الموقع أكثر من خمسة عشر مرة طوال حرب الاستنزاف) وكانت نتائج الهجمة الأولي رائعة فتم تدمير الأهداف بنسبة 70 –80 % وتم إسقاط 2 طائره ميراج واستشهد لنا طيار. وتكررت الهجمات طوال عام كامل، واستشهد من السرب خلال فترة الحرب كل من ملازم طيار/ أحمد السبروت، طلال سعد الله، ومحمود حمدي.
وكانت الهجمة الأولى مؤشراً على أن ما دفعته القوات الجوية من ثمن خلال العامين السابقين في التدريب والتجهيز قد آتى ثماره أخيراً (فقدت القوات الجوية المصرية 54 طيار في التدريب والمعارك على مدى الفترة السابقة).. وأصبح الطيار المصري الذي تحمل كثيرا بعد يونيو 67 على كفاءة وثقة بالنفس تمكنه من التصدي للعدو الإسرائيلي. رغم التفوق العددي والنوعي الذي يتمتع به الطيران الإسرائيلي. ولكي يتضح الأمر أمام القارئ لابد من وقفه لبيان الفارق الشاسع بين القوات الجوية المصرية والإسرائيلية. وسنركز على الحمولة والمدى فقط لعدد ثلاث طائرات من كل جانب لبيان هذا الفارق. وبنظره بسيطة على الجدول التالي نجد أن طائرة واحدة فانتوم تلقى حموله أكبر قدرا من حمولة 4 طائرات ميج 17 أو 4 طائرات سوخوى7





وبنظرة على هذه المقارنة نجد أن التفوق في المدى والتسليح لصالح إسرائيل بما يوازي الضعف تقريباً. وكان هذا يعني أن الطائرات المصرية لا تستطيع قصف أهداف في العمق الإسرائيلي كما وأنها في الاشتباكات الجوية لا تستطيع البقاء في الجو مثل الطائرات الإسرائيلية. كما أن تجهيز طائرة واحدة يوفر كثيرا عن تجهيز 4 طائرات في الوقت وفي عدد الفنيين وفي عدد المعدات.
لكن هذا التفوق لم ينل من أبناء القوات الجوية. فوضع اللواء طيار/ حسنى مبارك رئيس الأركان وكان مسئولاً عن إدارة العمليات، خطة تتناسب مع الإمكانيات المتاحة مع المناورة في التخطيط طوال عام كامل بناء على المواقف المستجدة والدروس المستفادة. فحققت القوات الجوية المصرية نجاحاً باهراً بكافة المقاييس رغم خسائرها الغير قليلة.
كانت الخطة تقوم على قصف وتدمير العدو وأهدافه في عمق سيناء (حتى 35كم) بواسطة تشكيلات المقاتلات القاذفة، وتحت حماية مباشرة من المقاتلات، التي كانت ترافق المقاتلات القاذفة حتى مواقع العدو، وأذكر هنا أنه في أحد غارات المقاتلات القاذفة بقيادة الرائد طيار/سمير فريد على موقع صواريخ هوك، صدرت الأوامر من مركز العمليات أن تتراجع المقاتلات إلي غرب القناة، لكن قائد تشكيل الحماية( طائرات الميج 21 ) الرائد طيار/مجدي كمال رد على مركز العمليات
- أنا منتظر فوق الموقع لغاية الميج 17 ما يخلص الهجوم .
كان تخطيط الهجمات والحماية لها يختلف في كل مره حتى لا يكتشف العدو التكتيك المصري، الذي أصبح يستند على خبرة مصرية. كان عامل التوقيت حاسماً في تنفيذ هذه المهام وكذا ارتفاع الطيران في الذهاب إلى الأهداف (ارتفاع 30 متر). حتى لا يكتشف العدو الإسرائيلي طائراتنا إلا عند عبورها قناة السويس. وبهذا التكتيك تتمكن المقاتلات القاذفة من مهاجمة الأهداف . وفي أثناء عودتها تلاحقها الطائرات الإسرائيلية، لكن وعلى الفور تظهر المقاتلات المصرية جاهزة للاشتباك مع الطائرات الإسرائيلية. فكان العدو مجبراً على أن تتم الاشتباكات الجوية غرب القناة.
وسنعرض مثال لذلك ما كانت تقوم به أسراب قاعدة المنصورة (ميج17 ، ميج21) والتي كانت مكلفة بمهاجمة العدو الإسرائيلي في المحور الشمالي (طريق القنطرة - العريش).
- تقوم تشكيلات المقاتلات القاذفة بالطيران إلى موقع صواريخ هوك أرض/جو المتمركز في رمانة على المحور الشمالي على ارتفاع 30 متر يتبعها بدقائق تشكيلات الحماية.
- تعبر تشكيلات الميج17 قناة السويس مثلا الساعة 11:00 وهنا يتم الإبلاغ عنها لمراكز القيادة الإسرائيلية.
- تصل تشكيلات الميج17 إلى الهدف الساعة 11:03 ثم تقوم بقصف الموقع 2-3 هجمة وتغادر الموقع الساعة 11:06.
- تغادر التشكيلات الموقع الإسرائيلي وتأخذ طريق العودة على ارتفاع 30 متر وتعبر غرب القناة الساعة 11:09.
وبهذا فإن طائراتنا المهاجمة تبقي 9 دقائق فوق سيناء حتى العودة إلى غرب القناة. ولما كان الإبلاغ عن الطائرات المصرية يستغرق 3 دقيقة، ثم تنطلق طائرات الميراج الإسرائيلية من قاعدة المليز وسط سيناء خلال 3 دقيقة.. ثم تحتاج إلى 3-4 دقيقة حتى تصل قناة السويس فيكون الوقت الذي تحتاجه الطائرات الإسرائيلية 9-10 دقيقة. وعلى هذا كانت الميراج الإسرائيلية تصل إلى قناة السويس وقد عبرت تشكيلات الميج17 إلى غرب القناة .. وهنـا تتصدى لهـا تشكيلات الحماية (ميج21) ولا يكون أمامها إلا أن تشتبك مع مقاتلاتنا أو تعود إلى قواعدها، وهو ما كان يحدث غالباً حيث أن المقاتلات الإسرائيلية تفضل دائماً أن يكون الاشتباك مدبر ومخطط له.
وكان التخطيط المصري هو استثمار تدمير موقع صواريخ الهوك أرض/جو في رمانة لأنه كان يغطى المنطقة من القنطرة وحتى بورسعيد وبعمق حتى مدينة العريش.. فيتم مهاجمته وتدميره قبل الغروب. ولأن إعادة تشغيله تحتاج إلى 12 ساعة على الأقل فكان يتم دفع طائرات القاذفات أو الهليكوبتر ليلاً لمهاجمة مواقع إسرائيلية على الساحل الشمالي وحتى مدينة العريش. في 28/9/1969 تم دفع 2 طائرة هليكوبتر(مى8) ليلاً بقيادة كل من مقدم طيار/ جلال النادي والنقيب طيار/ سمير عبد السلام لمهاجمة معسكر إسرائيلي في منطقة مصفق عند بحيرة البردويل. وتم القصف بالصواريخ والبراميل الحارقة (كان هذا تعديل مصري لتسليح الطائرة) وتم تدمير كامل للمعسكر وأفادت وسائل استطلاع بأن الخسائر كانت عالية. وتكررت هذه الطلعات أكثر من مرة .. إلا أن الطيران الإسرائيلي تمكن من مطاردة 2 طائرة قاذفه اليوشن28 كانت تقصف منطقة العريش ليلا ، وأثناء العودة نجح في إسقاطهما، واستشهد رائد طيار/ محمد عبد الجواد وتمكن الرائد طيار/ أنيس خضير من القفز بالمظلة ووصل إلى الشاطئ بعد أن قضى 20 ساعة في البحر.

http://www.almoarekh.com/images/stories/gond_3_1.jpg

وتحمل طياري المقاتلات عبئا كبيرا طوال حرب الاستنزاف، فكان عليهم أن يقوموا بحماية هجمات المقاتلات القاذفة، وطائرات الاستطلاع أثناء تنفيذ مهامها فوق أرض العدو. بالإضافة إلى التصدي لطائرات العدو. ورغم إن المجهود المطلوب كان شاقا، لكن طياري المقاتلات بروحهم العالية جعلتهم يتسابقون لتنفيذ المهام دون كلل.
وسنروى مثال يوضح ما نقول تكرر كثيرا. أثناء الحرب، مجموعة من الطيارين في قاعدة غرب القاهرة لتلقى تدريب على طائره ميج 21 طراز مختلف عما كانوا عليه. وفى 25 يونيو70 وأثناء إحدى المحاضرات انطلقت إشارة باختراق طائرات للجبهة. يعتبر الطيارون في وضع حالة الاستعداد الثالثة( إقلاع في 15 دقيقه)، وفورا انطلق نقيب طيار/تميم فهمي والملازم أول/نبيل فؤاد بالعربة إلى أول الممر حيث طائرات حالات الاستعداد، وأقلع التشكيل إلي الجو بعد9 دقائق فقط. وبدأ توجيه التشكيل إلى منطقة العين السخنه نحو طائرات العدو، واشتبك التشكيل وأسقط طائره ميراج للعدو. ومن المفارقات أن يتكرر نفس السيناريو يوم 2 يوليو، بنفس الطريقة، وبنفس الطيارين، ونفس المنطقة، لكن ينجح العدو في هذه المرة ويسقط الطائرتان ويقفزا كلاهما بالمظلة.

كان مكسب القوات الجوية من هذه الهجمات هائلا، فعلاوة على تدمير مواقع العدو وتكبيده خسائر في الأفراد والمعدات ، أصبح الطيارون المصريون يتعاملون مع العدو الإسرائيلي دون هيبة أو خوف . في أحد الغارات انحرف النقيب طيار / حمدي عقل عن موقع العدو المخصص له بسبب عطل في البوصلة الملاحية. وأبلغ قائد السرب الذي رد عليه فورا بأن يختار هدف أخر ويهاجمه . فمن غير المقبول أن تعود الطائرات دون مهاجمة العدو. فتوغل بالتشكيل شرقا حتى وجد معسكرا قام بمهاجمته 5 هجمات (المعدل 2 هجمة) حتى نفذت منه الذخيرة دون أي تدخل من العدو.
ولما وجد العدو أنه لا ينال من طائراتنا رغم تفوقه في الكم والنوع، فقد لجأ إلى إجبارنا على الدخول في معارك جوية مدبرة. كان يقوم بدفع طائراته للاختراق في منطقة العين السخنة، فتندفع مقاتلاتنا (ميج21) للاشتباك معه فيقوم بالمناورة معها حتى تستهلك الوقود، وتصبح مضطرة للخروج من الاشتباك، وهنا يقوم بدفع تشكيل جديد يطارد مقاتلاتنا المنسحبة من الاشتباك. وقد نجح العدو في هذا الأسلوب وأسقط عدد غير قليل من طائراتنا. إضافة إلى أن من كان يقفز بالمظلة يتعرض لأخطار جسيمة لصعوبة المنطقة وطبيعتها الوعرة. فقد استشهد نقيب طيار/ أحمد نور الدين لأن وسائل البحث والإنقاذ وصلت إليه بعد فوات الأوان فعُثر على جثمانه وبجواره شواهد تؤكد أنه هبط سالماً بالمظلة. لكن وفى أحد هذه المعارك بتاريخ 9ديسمبراستطاع نقيب طيار/ أحمد عاطف عبد الحي بطائرته الميج21 إسقاط أول طائرة فانتوم إسرائيلية. وبهذا سقطت الهالة التي حاولت إسرائيل صنعها حول هذه الطائرة.
كما استطاعت القوات الجوية المصرية رغم إمكانياتها المحدودة كما ونوعاً عن نظيرتها الإسرائيلية، أن توجه ضربات موجعة إلى العدو بأسلوب آخر.. فبتنسيق للجهود والتخطيط الجيد بين اللواء طيار/ حسنى مبارك واللواء/ محمد صادق مدير المخابرات يتم دفع طائرة هليكوبتر ليلاً محملة بأفراد من المجموعة 39 قتال إلى الشاطئ الشرقي لخليج السويس. وتهبط الطائرة بعيداً عن الهدف بمسافة آمنة، ثم يقوم أفراد المجموعة بزرع الألغام على الطرق أو مهاجمة الأهداف، ثم وبسرعة يتم التقاطهم وعودتهم بالطائرة. وفى مرات أخرى كانت الطائرة الهليكوبتر تقوم بقصف الموقع بالصواريخ والقنابل الحارقة ونجحت هذه الطلعات أكثر من مرة.
كانت فرحـة ولا شـك أن تقف القوات الجوية المصرية بعد ما نالها في عام 67، أمام العدو لمدة عام كامل تشتبك معه وتقاتل وتوقع به الخسائر. لكن لا ننسى أن الثمن كان شهداء في عمر الزهور. وأرواح ودماء بُذلت عن حب وإيمـان في سبيـل هذا الوطـن. فكما أوقعنا بهم خسائر كانت لنا خسائر مثال يـوم 11/9/1969. في الصباح قامت 32 طائرة مقاتلة قاذفة (ميج17 ، سوخوى7) بمهاجمة مواقع العدو شرق القناة، ولأن الضربة كانت موجعة فقد ردت إسرائيل بعنف وظلت الاشتباكات الجوية مع قاعدة المنصورة مستمرة حتى الثامنة مساء.. وفى هذا اليوم استشهد 2 طيار من المقاتلات القاذفة فوق المواقع الإسرائيلية، وقفز 7 طيارين بالمظلات نتيجة الاشتباكات الجوية في مقابل نجاح ملازم أول طيار/مصطفى جامع في إسقاط طائرة ميراج فوق مدينة السنبلاوين وأسر الطيار الإسرائيلي.
وقبل ختام هذا الجزء من الحديث عن القوات الجوية المصرية ودورها في حرب الاستنزاف. هناك أمور لابد من ذكرها لما لها من دلالات لن تغيب عن فطنة القارئ. وقد كنت مشاركاً في إحداثها بحكم موقعي كقائد سرب مقاتلات قاذفة (ميج17) في قاعدة المنصورة الجوية. كان أسلوب استخدام القوات الجوية طوال حرب الاستنزاف ناجحاً بصورة ملموسة إلا من بعض مرات قليلة خاصة على المحور الشمالي الذي كان ناجحاً بصورة أكبر من المحور الأوسط والجنوبي.
في 25/7/1970 تـم تكليفـي كقائد سرب بالاستعداد لمهاجمة مواقع للعدو شرق القناة بواسطة 2رف (8 طائرة) ميج17، على أن يتم حمايتها بطائرات ميج21 سوفيتية يقودها طيارون سوفيت. وتم التنسيق مع قوة الحماية لمدة يومان وتحت إشراف 3 جنرالات سوفيت متواجدين في القاعدة. كان التنسيق هو أن تهاجم الطائرات المصرية مواقع العدو كالمعتاد، فتقوم الطائرات الإسرائيلية بمطاردتها حتى غرب القناة. وهنا يقوم الطيارون السوفيت بالاشتباك والقتال مع الطائرات الإسرائيلية. ولم نكن ندرى ما هو السر في طلب السوفيت الاشتراك في القتال الفعلي في هذا التوقيت ؟ وكان الشرط أن يتم القتال والاشتباك غرب القناة، وأن الطائرات السوفيتية لن تعبر شرق القناة تحسباً لأن يقفز أحدهم بالمظلة أسيراً لدى إسرائيل فتتعقد الأمور بالنسبة للاتحاد السوفيتي.
فى الواحدة ظهراً يوم 27/7/1970 قام تشكيل (8طائرة) ميج17 بمهاجمة مواقع العدو، وعاد إلى غرب القناة دون أن يتبعه الطيران الإسرائيلي. ولم يتم الاشتباك المطلوب. فتقرر تكرار الطلعة في السادسة مساءً. فقام تشكيل (4 طائرة) وتشكيل آخر (4طائره) بمهاجمة موقعين للعدو عند الكيلو 10 والتينة. لكن التقطت إسرائيل إشارات لاسلكية سوفيتية قبل وصول طائراتنا إلى أهدافها، فانطلقت طائرات الميراج الإسرائيلية مبكراً. فما أن أتمت تشكيلاتنا المصرية هجومها واتجهت غرب القناة إلا ووجدت الميراج الإسرائيلية خلفها، وأبلغ الطيارون المصريون باللاسلكي أن العدو يطاردهم. وظهر على الرادار موقع المطاردة وموقع الطائرات الإسرائيلية، كل هذا ولم تتدخل طائرات الحماية السوفيتية. فما كان من قائد التشكيل الأول إلا أن ناور وأفلت بتشكيله وعاد إلى القاعدة سالما، لكن التشكيل الآخر بقيادة نقيب طيار/ ماهر قاسم لحقت به الميراج واشتبك معها بتشكيله (الميج17) فأصاب طائرة إسرائيلية وسقطت طائرتان لنا قفزا طياراها بالمظلة.
ورغم أن الاشتباك وقع غرب القناة كما هو مطلوب، ورغم وجود 12 طائرة ميج21 سوفيتية في منطقة الاشتباك، ورغم أن اثنان من الطيارين السوفيت أفادا بأنهما شاهدا الطائرات الإسرائيلية، لكن لا ندرى سبب عدم دخول المقاتلات السوفيتية في الاشتباك، الذي كاد أن يكبدنا خسارة فادحة..! وبعد نصف ساعة حضر اللواء طيار/ حسنى مبارك لمناقشة وتحليل ما حدث في حضور الطيارين المصريين والسوفيت. وانتهى الأمر بأن التنسيق لم يكن بالقدر الكافي وألقى الفشل كله على التنسيق. وحاول أحد الجنرالات السوفيت إقناع الحاضرين بهذا العذر لكن لم يقتنع أحد.
وبعد 7 أيام من هذه الواقعة فى 3 أغسطس 1970 استطاعت الطائرات الإسرائيلية استدراج تشكيل سوفيتي مكون من 4 رف (16 طائرة) ميج21 منطلقا من قاعدة بني سويف الجوية إلى كمين في منطقة العين السخنة، وأسقطت منه 5 طائرات في دقيقتين علاوة على طائره سادسه هبطت بإصابات بالغة، وعادت الطائرات الإسرائيلية دون خسائر. علماً بأن الخبراء السوفيت هم الذين أداروا هذا الاشتباك من بدايته إلى نهايته دون تدخل أي عنصر مصري من قريب أو بعيد.





المجهود الجوي للجانبين خلال حرب الاستنزاف

20 يوليو 1969 – 8 أغسطس 1970




يوضح الجدول إجمالي المجهود الجوي للجانبين (مجهود القصف والاستطلاع والحماية فوق ارض العدو)

"الخسائر الجوية المصرية والإسرائيلية 20 يوليو 69 - 8 أغسطس 1970"




(*) عذراً أيها القارئ إذا وجدت تضارب واختلاف في أرقام الخسائر المصرية والإسرائيلية من القتلى والجرحى، والمعدات والطائرات مع أي مراجع أخري. فكل هذه الأرقام مستقاة من وثائق وجهات رسمية. لكن هذا هو المتاح أمام أي باحث.


وقد قامت القوات الجوية المصرية على مدار فترة يوليو 69 - أغسطس 1970
1- 1991 طلعة للمقاتلات شملت صد هجمات العدو الجوية وحماية تشكيلات المقاتلات القاذفة وطائرات الاستطلاع.
2- 470 طلعة للمقاتلات القاذفة لقصف أهداف العدو في سيناء وخط بارليف.

موقف القوات الجوية المصرية والإسرائيلية في بداية حرب الاستنزاف





لا تشمل هذه القوة طائرات النقل والهليكوبتر والتدريب

وبنظرة محايدة على تلك الجداول والمقارنات نجد أن :
1- إجمالي المجهود الجوى الإسرائيلي 4 أضعاف المجهود الجوى المصري
2- أوزان القنابل المسقطة بالطن من جانب إسرائيل70 ضعف المسقطة من جانب مصر
3- خسائر الطائرات الإسرائيلية 85 % مقارنة بخسائر الطائرات في الجانب المصري..
وللوهلة الأولى لمن يقرأ هذه الأرقام يقول إن إسرائيل قد دمرت جبهة قناة السويس بالكامل، أو الجزء الأكبر منها في أسوأ الأحوال، لكن الواقع يثبت عكس ذلك تماما. وقد ذكرنا في تقرير الفريق أول/ فوزي الذي قدمه للرئيس عبد الناصر إن عدد الشهداء المصريين عدة مئات ومثلهم من الجرحى. وهذا يثبت إن تأثير الطيران الإسرائيلي على مجريات حرب الاستنزاف لم يكن بالقدر الذي توقعته إسرائيل.. فكيف تسقط طائرات العدو21 ألف طن قنابل وتكون الخسائر المصرية أقل من ألف قتيل فقط ؟! فلو إن كل طن قنابل قتل جندي أو ضابط مصري لكان عدد القتلى المصريين 21 ألف قتيل.
لكن هذه النتائج لم تتحقق لأن التجهيز الهندسي للقوات، واستخدام الأرض والإخفاء كان من أهم العوامل التى وفرت لها الحماية. فالقنبلة الإسرائيلية كانت تسقط فينتج عنها حفرة 10×15(متوسط 80 قنبلة يوميا)، لكن الجندي المصري لحظة القصف يكون محتمياً في حفرة برميليه والقيادات في الملاجئ والدشم. ولم يتوقف العمل اليومي طوال فترة الحرب إلا مرات محدودة. كما إن أغلب القصف الإسرائيلي كان بالقنابل ومن ارتفاع عالي لتجنب المدفعية م/ط فكان القصف غير دقيق .
وفى الجانب الآخر كان الطيران المصري رغم حجمه وإمكاناته المحدودة، يحقق تأثيرا كبيرا من هجماته. حيث كان القصف بالصواريخ أساسا لتدمير الهدف والقنابل لتعظيم الخسائر ومن ارتفاع منخفض، وحقق هذا نتائج كبيره في تدمير أهداف العدوٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ. وفى القتال الجوى كانت الخسائر تقريبا متساوية، وهو ما يحسب للقوات الجوية المصرية قيادة وطيارين وفنيين وموجهين. ويشارك في هذا النجاح قوات الدفاع الجوى المصري. فبنظرة على حجم القوات الجوية وعدد الطائرات لدى كل منهم، نجد إن الفرق كبير بين 196 طائره لدى مصر تواجه 262 طائره لدى إسرائيل، مع الوضع في الاعتبار أن 20 طائره تى يوـ16 لم تكن تشارك في القتال لأنها قاذفة قنابل ثقيلة لا يتناسب عملها مع حرب الاستنزاف. كما لا ننسى الفارق الهائل في إمكانات الطائرات الإسرائيلية عن الطائرات المصرية
ورغم كل هذه العوامل السابقة، فقد استطاعت مصر بأبنائها في القوات الجوية القيام بعدد (7200 ) سبعة آلاف ومائتان طلعه جوية على مدار حرب الاستنزاف. وما يجب أن نتوقف أمامه هو إن هذه القوات التي أدت هذا العمل الرائع، كانت قبل أشهر معدودة مجرد مجموعه من الطيارين مبعثره في مطارات شبه مدمره, لديها بعض عشرات من الطائرات. وإن كان هناك فضل في هذا فهو للقادة الذين توالوا على قيادة القوات الجوية، الفريق طيار/مدكور أبو العز واللواء طيار/مصطفي الحناوي واللواء طيار/علي بغدادي واللواء طيار/حسنى مبارك. [/COLOR]

ابن طيبة
30-06-2009, 12:07 PM
موضوع و لا اروع اختنا الفاضلة روز
شاكرين لك نقلك الجميل للموضوع
و لي عودة للموضوع مرة اخري
دمت بخير

سعد نور
02-06-2010, 08:39 AM
شكرا على هذا الجهد الكبير