المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تغيير اسم مدينة لا يغير واقعها



إيهاب احمد
26-03-2009, 01:59 AM
بعض الأفلام تجعل من يكتب يقف عاجزاً عن تحليلها. ، فهو فيلم مدهش فى زمن ندرت فيه الأشياء المدهشة، يجمع كل فنون السينما، و يستخدم كل عنصر فيها بميزان «عفوى» حساس ليعرض مجتمعاً كاملاً شديد التناقض والتطرف والفقر والجريمة والاستغلال،

والأجمل أنه يمكن التعامل مع الفيلم كعمل تسجيلى من شدة واقعيته، فهو لم يجمع القمامة والأوساخ والفقر والسرقات وغيرها ليلقيها فى وجه المتفرج و«خلاص» مثلما فعلت أفلام قالوا إنها واقعية، بل رتب كل ما فات وعرض أنياب الفقر وأثر عضته على أجساد وأرواح شخصيات الفيلم دون «رغى» أو مواعظ أو حكم أو«ولولة»، من خلال سيناريو شديد الوعى والحرفية الفنية والإنسانية والجرأة يجعل المتفرج يستمتع،

وذلك لأن الشخصيات مثلما مزق الفقر أجسادها، مزقت هى الحياة الصعبة: بالتحايل مرة وبالصبر مرة و بالعنف مرات لتصل إلى أحلامها و هى قابضة على جمرة الحب. قصة الفيلم كتبها «فيكاس سوارب» و هو دبلوماسى هندى سابق، وأعتقد أنه فى هذه القصة يكتب شهادة عن مجتمع ربما لم يجرؤ على كتابتها أثناء عمله.

اعتمد كاتب السيناريو «سيمون بيوفى» على أصعب طريقة لكتابة فيلم وهى تفسير الحدث عن طريق مشاهد «فلاش باك»، والخطأ فى هذه الطريقة يربك المشاهد خاصة لو كان المونتاج سيئا، لكن «بيوفى» فى هذا الفيلم يؤسس لشكل جديد لهذا النوع من الكتابة، كأنه كتب ٣ سيناريوهات بطريقة عادية، وجعل أحدهم (الأصغر)، وهو مشاهد الأسئلة وإجاباتها فى البرنامج بين «جمال» و المذيع «بريم» من خلال شريط فيديو، تملأ فراغات السيناريو الثانى (الأكبر) وهو حياة «جمال» الصعبة والتى تفسر مشاهده سرعته على الإجابة عن الأسئلة،

فى حين يروى السيناريوهين داخل سيناريو ثالث (نتيجة لهما)،وهو مشاهد تعذيب «جمال» فى قسم الشرطة وتحقيق الضابط معه حتى يعرف كيف أجاب عن الأسئلة دون غش. وكل سيناريو منه يمكن فصله و اعتباره، نظرياً، فيلماً مستقلا، لكن عملياً، صنع «بيوفى» ضفيرة لا يمكن فكها. ساعد فى ذلك مونتاج عبقرى، يعى فيه المونتير الإيقاع «الطبيعى» للمشهد، وكمثال، فى لقطات مطاردة الشرطة للطفلين «جمال» و«سليم» فى أزقة الحى الفقير كان يقفز بالصورة فى «كلوسات» الطفلين، فى حين كان القطع أبطأ فى لقطات الشرطى كدليل على فرق السرعة.

وقد بنى السيناريو الشخصيات منذ اللقطات الأولى لكل منها: «سليم» العنيف الذى عمل مع عصابة عندما كبر، كان فى طفولته يأخذ نقودا من الناس مقابل دخول الحمام «العمومى»، وسرق صورة «أميتاب باتشان» وعليها توقيعه من أخيه «جمال» وباعها، كما اغتصب «لاتيكا» حبيبة أخيه تحت تهديد السلاح، ولكنه إنسان أيضا أنقذ أخاه من فقد البصر على يد «مامان»، الذى يشوه الأطفال الهاربين ليشحذوا، بل قتل «مامان» بعد ذلك وأخذ نقوده بلا رحمة، وبالتالى لا نتعجب عندما نراه يصلى وهو كبير ليغفر الله له ذنوبه ويساعد«لاتيكا» على الهرب من منزل زعيم العصابة «جافد» لتلحق بـ«جمال»، فهو ضحية مجتمع ترك أفراده يعيشون كما يريدون حتى الأطفال منهم.

أما «جمال»، فشخصيته منذ الطفولة هادئة نوعاً ما لكنها عنيدة وقوية، رغم أنه ابن هذا الفقر القاسى، فهو ينقذ «لاتيكا» من المطر الغزير رغم رفض أخيه، ويقفز فى الروث ليصل إلى «باتشان» ويحصل على توقيعه، و يتدلى بحبل من فوق القطار الذى يسير بسرعة ليسرق رغيفا من شباك إحدى عرباته ويسقط من فوق القطار بعد ضبطه،لكنه أحب «لاتيكا» منذ الصغر، ولم ينظر إلى جسمها وهى تستحم، بعد أن كبرا، وقد وصل إلى البرنامج لمجرد أنها تتابعه وليس بغرض الفوز وتحقيق ثروة،

وبالتالى من المنطقى أن يفشل مساعد المحقق فى استخراج أى معلومة منه حتى بعد التعذيب بالكهرباء سوى معلومة واحدة قالها بمنتهى الثقة: «اسمى جمال مالك» كأنه لا يعترف إلا بنفسه، فهو صانعها وبانيها، ويكفى أن «سليم» و«جمال» شاهدا المتطرفين دينيا يقتلون أمهما لمجرد أنها مسلمة. من مفاجآت هذا الفيلم، رغم بديهيتها، وجود «مصمم ملابس»، فالشخصيات وملابسها وأماكن التصوير عندما تشاهدها تقسم أنها تسجيلية حقيقية لم يتدخل فيها أى عنصر صناعة سينمائى،

وهذا يعنى أن المخرج «دانى بويل» درس السيناريو، مع المخرج الهندى المساعد «لوفيلين تاندان»، وربطاه بالظرف الواقعى للمجتمع الهندى المعروف عند الغرب بصورتين: الأولى التقدم النووى والصراع مع باكستان، والثانية ضخامة التعداد السكانى، لكنهما قدما هنا الفقر بصورته الحقيقية، وأوضحا أن التقدم يقابله مجتمع بلا قانون لا يسمح أبدا للفقير بالصعود وتحسين وضعه فى الحياة، وإذا حدث ذلك، يحاسبه و يعذبه ويتهمه بكل الاتهامات، وأن الفرق بين «بومباى» ١٩٨٨ و «مومباى» ٢٠٠٦ هو تغيير حرف «الباء» إلى «الميم» فقط،

وربما هذا من أسباب احتفاء الغرب بالفيلم. ويجسد «بويل» و «بيوفى» دهشة ورفض مشاهير المجتمع من قدرة «جمال» على الإجابة عن الأسئلة رغم أنه لم يتعلم بل ويعمل «عامل بوفيه» فى شركة اتصالات، وذلك من خلال المذيع «بريم» الذى دبت فيه الغيرة والحقد على الشاب لدرجة أنه ابلغ عنه البوليس بتهمة الغش قبل سؤال العشرين مليون روبية ويقدم الفيلم أسباب معرفة «جمال» للإجابات، فهى محفورة فى ذاكرته وارتبطت بمواقف قاسية شكلت شخصيته، فى إشارة رائعة الى أن برامج الترفيه «الراقية شكلا» من الممكن أن تكون تفاهاتها تفاصيل قاسية فى حياة إنسان،

فسؤال «من هو بطل فيلم زنجير» إجابته فى حصول «جمال» على توقيع آميتاب بتشان، وسؤال «ماذا يمسك الإله راما فى يده» مرتبط بواقعة قتل المتشددين دينيا لأمه وهروبه وأخيه منهم، وسؤال «من هو مؤلف الأغنية الهندية العين تتوق لرؤياك» مرتبط بـ«مامان» الذى يغشى الطفل صاحب الصوت الجميل ليشحذ فى الشوارع وهو يغنى هذه الأغنية وكان «جمال» سيلقى نفس المصير،

وسؤال «من هو الرئيس الأمريكى الذى توجد صورته على ورقة المائة دولار» عرفها من الطفل الأعمى الشحاذ الذى حفظ شكل و رائحة كل ورقة عملة، وسؤال «من اخترع المسدس الساقية» مرتبط بأخيه «سليم» عندما اغتصب «لاتيكا» وهدده بمسدس «كولت». ويبقى سؤالان: الأول استخدم فيه «جمال» ذكاءه و خبرته بالناس رغم صغر سنه، فقد نصحه المذيع الحاقد باختيار الإجابة الثانية، لكنه اختار الرابعة وأصر عليها لإحساسه بالتضليل، والسؤال الأخير عن اسم الفارس الثالث فى قصة «الفرسان الثلاثة»،

ورغم أنه كان يعتبر نفسه و«سليم» و«لاتيكا» هؤلاء الفرسان، لكنه لا يعرف أسماءهم، لأن المدرس ضربه فى المدرسة أثناء دراستها، فلم يهتم بالأسماء بقدر اهتمامه بالبطولة، وكانت إجابته على السؤال صحيحة بالصدفه البحتة. إذن «جمال» أجاب عن الأسئلة بـ«حياته» كلها التى لم تتجاوز ١٨ عاما، واعتبر الأسئلة تافهة، لأنه عاش إجاباتها، ولم يقرأها فى حجرة مكيفة وبجواره موسيقى ناعمه، لذلك من المنطقى أن يقول للمحقق: «الأسئلة لا تحتاج عبقرياً للإجابة عنها»، رغم أنه لا يعرف من هو «غاندى».

من أجمل مشاهد الفيلم المشهد الذى يقف فيه الطفلان ثابتان فوق قطار يتلوى ويسير بسرعة كبيرة دليلا على تأكيد وصولهما لما يريدانه رغم أى صعاب أو عدم وجود أرض ثابته تحتهما، ومشهد الكلب النائم والذباب يتجول فوق وجهه وعدم تحركه رغم وجود مطاردة حوله كأنه اعتاد على ذلك مثلما اعتاد على الذباب، و مشهدا غسيل الملابس الجماعى ففى الأول قتلت أم «جمال» و«سليم»، وفى الثانى ضربهما الشرطى، كأن هذا المجتمع لن «ينضف» أبدا واستمرار حياته فى القاذورات والفقر مقصود من قبل الدولة والجماعات المتطرفة. كما كانت الموسيقى خليطا بين التراث والعصرية الهندية، و أجمل ما فيها أنها مبهجة.

«الفيلم» نقلة فنية صادمة وجميلة فى السينما بشكل عام، وسينما العالم الثالث بشكل خاص، ودليل قاطع على أن السينما الجيدة لا تحتاج إمكانيات مادية كبيرة، فالإبهار والإبداع والتميز توجد فى عقول السينمائيين الحقيقيين، وليس لها علاقة بضخامة الصناعة ووجود نجوم أو تقديم أفكار غير مفهومة من باب ادعاء الرقى والثقافة.

فيلم Slumdog Millionaire الذى يعرض حاليا فى مصر تحت اسم «المليونير المتشرد» لهوليوود حيث انتزع ٨ جوائز أوسكار من أصل ١٠ ترشيحات من أعتى الأفلام وأشهرها التى تنافست معه فى الترشيحات للجوائز هذا العام، ولم تكن الأوسكار وحدها بل جوائز «بافتا» و«جولدن جلوب» ليفوز بإجمالى ٧٥ جائزة.أبطاله من الهند .. وجوه مغمورة سواء على الساحة العالمية او المحلية، إلى جانب أطفال شوارع من سكان مدينة «مومباى»، ومعتمدا على رواية محلية ابطالها مسلمون حققت نجاحا عالميا .


الاسم الأصلى: Slumdog millionaire

الاسم التجارى: «المليونير المتشرد»

تأليف: سايمون بيفوى عن رواية لـ«فيكاس سوارب»

إخراج: دانى بويل.

بطولة: ديف بايتل - فريدا بينتو.

مدة الفيلم: ١٢٠ دقيقة.



المصرى اليوم


Photo Gallery