المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مُرَبُون عَبرَ التاريخ



عذراء الروح
24-01-2009, 04:18 PM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

الاخوة والاخوات الافاضل

اقدم لكم هذا الموضوع وهو عبارة عن حلقات متسلسلة

تضم كل الشخصيات التاريخيه الاسلاميه

وكيف تأثرت بديننا الاسلامى

وكيف تأثروا بها

اتمنى من الله ان ينول الموضوع رضاكم

مع ارق تحياتى لكم

عذراء الروح






مصعب بن عمير.. أول سفراء الإسلام


مصعب بن عمير.. أول سفراء الإسلام

هذا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.



غرّة فتيان قريش، وأوفاهم جمالا، وشبابا..



يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون: " كان أعطر أهل مكة"..



ولد في النعمة، وغذيّ بها، وشبّ تحت خمائلها.



ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير"..



ذلك الفتى الريّان، المدلل المنعّم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟



بالله ما أروعه من نبأ.. نبأ "مصعب بن عمير"، أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.



انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام وربّاهم "محمد" عليه الصلاة والسلام..



ولكن أي واحد كان..؟



إن قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعا..



لقد سمع الفتى ذات يوم، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم..



"محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا.. وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد.



وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها، ولا حديث يشغلها إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه، كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.



ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير" التي تفتح له القلوب والأبواب..



ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...



هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن، ويصلي معهم لله العليّ القدير.



ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألقة على شفتيه، ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!



ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.



ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج، والفؤاد المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط..

وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!!



كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها، وكانت تهاب إلى حد الرهبة..



ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه.



فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها، استحالت هولا يقارعه ويصارعه، لاستخف به مصعب إلى حين..



أما خصومة أمه، فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!



ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرا.



وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قرير العين بإيمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر إسلامه خبرا..



ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، الواشية..



ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فسابق ريح الصحراء وزوابعها، شاخصا إلى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...



ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها به حكمة وشرفا، وعدلا وتقى.



وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسهم، ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام، وهدوءا يفرض الاقناع..



ولكن، إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..



وهكذا مضت به إلى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه أغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى إلى الحبشة مهاجرا أوّابا..



ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين، ثم يعود معهم إلى مكة، ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.



ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة، فإن تجربة إيمانه تمارس تفوّقها في كل مكان وزمان، ولقد فرغ من اعداة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار، واطمأن مصعب إلى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدّم قربانا لبارئها الأعلى، وخالقها العظيم..




خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما أن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..



ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقا وعطرا..



وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال:

" لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".!!



لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها، حتى ولو يكون هذا الإنسان ابنها..!!



ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..



وأنها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيا..



وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم، وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أمّا. اقترب منها وقال: "يا أمّه إني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله"...

أجابته غاضبة مهتاجة: " قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزرى برأيي، ويضعف عقلي"..!!



وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر، لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما، ويجوع أياما، ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه إنسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة...



وآنئذ، اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره إلى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم..



كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها، وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وهو يعلم أنه يكل إليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب..



وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا..



لقد جاءها يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة، ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول..!!



وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة، كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم "مصعب ابن عمير".



لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار..



فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها.. عرف أنه داعية إلى الله تعالى، ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس إلى الهدى، وإلى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به، ليس عليه إلا البلاغ..



هناك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يفشيان معا القبائل والبيوت والمجالس، تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه، هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (إنما الله إله واحد)..



ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فطنة عقله، وعظمة روحه..



ذات يوم فاجأه وهو يعظ الانس "أسيد بن خضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة، فاجأه شاهرا حربته و يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم، ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل..!

إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها و إذا احتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا إليها، فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه... هكذا يتصورون ويتوهمون..

أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم، فما أحد يعرف مكانه، ولا أحد يستطيع أن يراه..!!

وما أن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد بن حضير متوشحا غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا، متهللا..



وقف أسيد أمامه مهتاجا، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:

"ما جاء بكما إلى حيّّنا، تسهفان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!



وفي مثل هدوء البحر وقوته..

وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:

"أولا تجلس فتستمع..؟! فإن رضيت أمرنا قبلته.. وإن كرهته كففنا عنك ما تكره".



الله أكبر.. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!



كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه إلى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير.. فإن اقتنع، تركه لاقتناعه وإن لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم، وتحول إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ..



هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي..



ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله..!!

ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:

"ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟



وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا، ثم قال له مصعب:

"يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله".



فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله..



وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت بإسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: إذا كان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلفنا..؟ هيا إلى مصعب، فلنؤمن معه، فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه..!!



لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاحاً هو له أهل، وبه جدير..



وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول وصحبه إلى المدينة، وتتلمظ قريش بأحقادها.. وتعدّ عدّة باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر، فيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون إلى الثأر، و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير، فيتقدم ويحمل اللواء..



وتشب المعركة الرهيبة، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتعمل فيهم على حين غرّة السيوف الظامئة المجنونة..



حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين، ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..



وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يجول ويتواثب.. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجرّد من ذاته جيشا بأسره.. أجل، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..

يد تحمل الراية في تقديس.. ويد تضرب بالسيف في عنفوان..

ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول..



لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم..!!

يقول ابن سعد: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال:

[حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل..

وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل..

ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء].



وقع مصعب.. وسقط اللواء..!!



وقع حلية الشهادة، وكوكب الشهداء..!!



وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان..



كان يظن أنه إذا سقط، فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة..

ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:

(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)

هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها، قرآنا يتلى..



وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا، وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية..

لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه..!!

أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله، وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه..!!



لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة..!!



وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها..



وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيّة غزيرة..



يقول خبّاب بن الأرت:

[هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل اله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة.. فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الأذخر"].



وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام، وأوجع فؤاده..

وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور..

على الرغم من كل هذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه..



أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)



ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال: "لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمّة منك، ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة"؟!



وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال:

"إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة".



ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:

"أيها الناس زوروهم،وأتوهم، وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة، إلا ردوا عليه السلام"..



السلام عليك يا مصعب..



السلام عليكم يا معشر الشهداء..



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..




ارجو المتابعه

ابن طيبة
24-01-2009, 08:53 PM
و هل احسن من تربية رسول الله تربية ؟
بارك الله لنا فيك اختنا الفاضلة عذراء الروح
و متابع معك باقي السلسلة
تقبلي تقديري و احترامي

عذراء الروح
25-01-2009, 12:51 PM
و هل احسن من تربية رسول الله تربية ؟
بارك الله لنا فيك اختنا الفاضلة عذراء الروح
و متابع معك باقي السلسلة
تقبلي تقديري و احترامي


عليه افضل الصلاة والسلام

جزاك الله خيرا اخى ابن طيبه

اسعدنى حضورك العطر

دمت بخير

عذراء الروح
25-01-2009, 01:01 PM
التابعي : عبدالله بن المبارك



عبدالله بن المبارك



- ابن واضح ، الإمام ، شيخ الإسلام، عالم زمانه و أمير الأتقياء في وقته ، أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي، الحافظ الغازي ، أحد الأعلام.



- مولده في سنة ثمان عشرة ومئة .



- قال نعيم بن حماد : كان ابن المبارك يُكثر الجلوس في بيته ، فقيل له : ألا تستوحش ؟ فقال : كيف استوحش و أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه ؟



- قال أشعث بن شعبة المصِّيصي : قدم الرشيد الرقة ، فانجفل الناس خلفَ ابن المبارك ، وتقطعت النعال و ارتفعت الغبرة ، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب ، فقالت : ماهذا ؟ قالوا : عالم من أهل خراسان قدم ، قالت : هذا والله المُلكُ ، لا ملكُ هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرط و أعوان .



- قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق : سمعت أبي قال : كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو ، فيقولون : نصحبك ، فيقول : هاتوا نفقاتكم ، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويُقفل عليها ، ثم يكتري له ويخرجهم من مرو إلى بغداد ، فلا يزال يُنفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام و أطيب الحلوى ، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي و أكمل مُروءة ، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول لكل واحد : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرفها ؟ فيقول : كذا وكذا فيشتري لهم ، ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم : ما أمرك عيالُك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا ، فيشتري لهم ، ثم يُخرجهم من مكة، فلا يزال يُنفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو ، فيجصص بيوتهم و أبوابهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة و كساهم، فإذا أكلوا وسرّوا دعا بالصندوق ، ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صُرته عليها اسمه .



- قال سفيان الثوري : إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك ، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام .



- قال ابن عُيينة : نظرت في أمر الصحابة ، و أمر عبدالله ، فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وغزوهم معه.



- قال القاسم بن محمد بن عباد : سمعت سُويد بن سعيد يقول : رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ، ثم استقبل القبلة ، فقال : اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المُنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ماء زمزم لما شُرب له )) وهذا أشربه لعطش القيامة ، ثم شربه .



- قال نعيم بن حماد : كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه .



- قال أبو حاتم الرازي : حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال : كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم ، فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان ، خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز ، فخرج إليه رجل فقتله ، ثم آخر فقتله ، ثم دعا إلى البراز ، فخرج إليه رجل ، فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس ، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك و إذا هو يكتم وجهه بكمه ، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو . فقال : و أنت يا أبا عمرو ممن يُشنع علينا .



- وقال أبو حسان عيسى بن عبد الله البصري : سمعت الحسن بن عرفة يقول : قال لي ابن المبارك : استعرت قلماً بأرض الشام ، فذهبت على أن أرده فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي ، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه .



- قال أسود بن سالم : كان ابن المبارك إماماً يُقتدى به ، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك فاتهمه على الإسلام .



اجتمع جماعة فقالوا : تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير ، فقالوا : العلم ، والفقه ، والأدب ، والنحو ، و اللغة ، و الزهد ، و الفصاحة ، و الشعر ، و قيام الليل ، و العبادة ، و الحج ، و الغزو ، و الشجاعة ، و الفروسية ، و القوة ، و ترك الكلام فيما لا يعنيه ، والإنصاف ، وقلة الخلاف على أصحابه .



- قال حبيب الجلاب : سألت ابن المبارك ، ماخير ما أعطي الإنسان ؟ قال : غريزة عقل ، قلت : فإن لم يكن ؟قال : حسن أدب ، قلت : فإن لم يكن؟ قال : أخٌ شفيق يستشيره، قلت : فإن لم يكن ؟ قال : صمت طويل ، قلت : فإن لم يكن ؟ قال : موت عاجل .



- عن عبد الله قال :إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئة لم تذكر المساوئ ، و إذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن .



- قيل لابن المبارك : إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا ؟ قال : أجلس مع الصحابة و التابعين ، أنظر في كتبهم و آثارهم فما أصنع معكم ؟ أنتم تغتابون الناس .



- وجاء أن ابن المبارك سُئل : من الناس ؟ فقال : العلماء ، قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد ، قيل : فمن الغوغاء ؟ قال : خزيمة و أصحابه ( يعني من أمراء الظلمة ) ، قيل : فمن السفلة ؟ قال : الذين يعيشون بدينهم .



- وعنه قال : إن البصراء لا يأمنون من أربع : ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع فيه الرب عز و جل ، وعمر قد بقي لا يُدرى مافيه من الهلكة ، وفضل قد أُعطي العبد لعله مكر واستدراج ، وضلالة قد زينت يراها هدىً ، وزيغ قلب ساعة فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر .



- عن ابن المبارك قال : من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته .



- عن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكينة ، قال : أملى علي ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومئة ، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرسوس :



ياعابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت أنك في العبادة تلعب&g;

من كان يخضب جيده بدموعـه *** فنحورنا بدمـائنا تتخـضـب

أو كان يُتعب خيله في باطلٍ *** فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريحُ العبير لكم ونحن عبيرنا *** رهج السنابك والغبارالأطيب

ولقد أتانا من مقال نبينا *** قـول صحـيح صـادق لا يكـذب

لا يستوي وغبار خيل الله في *** أنف امرئ ودخان نار تلهـب

هذا كتابُ الله ينطق بيننا *** ليـس الشهـيد بميت لا يُكـذبُ



فلقيت الفُضيل بكتابه في الحرم فقرأ و بكى ثم قال : صدق أبوعبد الرحمن ونصح .



- وجاء من طرق عن ابن المبارك ، ويُقال : بل هي لحميد النحوي :



اغتنم ركعتين زُلفى إلى الله **** إذا كـنت فارغاً مُستريحاً

و إذا ما هممت بالنطق بالباطل **** فاجعل مكـانه تسبيـحاً

فاغتنم السكوت أفضل من **** خوض وإن كنت بالكلام فصيحاً



- عن يحيى الليثي قال : كنا عند مالك ، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول فأذن له ، فرأينا مالكاً تزحزح له في مجلسه ، ثم أقعده بلصقه ، وما رأيت مالكاً تزحزح لأحد في مجلسه غيره ، فكان القارئ يقرأ على مالك ، فربما مر بشيء فيسأله مالك : ما مذهبكم في هذا ؟ أو ما عندكم في هذا ؟ فرأيت ابن المبارك يُجاوبه ، ثم قام فخرج فأعجب مالك بأدبه ، ثم قال لنا مالك : هذا ابن المبارك فقيه خراسان .



- وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة فقال : إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا .



- وقال إسماعيل بن إبراهم المصيصي : رأيت الحارث بن عطية في النوم ، فسألته ، فقال : غفر لي ، قلت :فابن المبارك ، قال : بخ بخ ذاك في علِّيين ممن يلج على الله كل يوم مرتين .



- مات سنة إحدى وثمانين ومئة .

عذراء الروح
26-01-2009, 03:40 PM
العز بن عبدالسلام


العزّ بن عبد السلام .. سلطان العلماء





- العزّ بن عبد السلام اسماً ونسباً ولقباً وشهرة ومذهباً:

ولد سنة 578هـ الإمام عبد العزيز بن عبد السلام السُّلمي، المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، المصري داراً ووفاة، أبو محمد، الملقب بعز الدين، وبسلطان العلماء، والمعروف ببائع الملوك.

وهو سلطان العلماء، لقبه بهذا اللقب تلميذه الأول شيخ الإسلام ابن دقيق العيد.




صفاته الخُلُقية :



إن صفات العز الخُلُقية كثيرة، وهي في مجملها تدل على تمتعه بأكمل الصفات، وأجمل الخصال، وأنبل المزايا، فمن صفاته:




q الورع :



لما مرض مرض الموت أرسل له الملك الظاهر بيبرس وقال له: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين بن بنت الأعز أحد تلاميذه، ففوضت إليه.

ومنها عزله لنفسه من القضاء أكثر من مرة خوفاً من حمله الثقيل، وتبعاته العظيمة.





q الزهد :



كان العز من الزهاد حقاً وصدقاً، بل كان شديد الزهد، فلم يجمع من الدنيا إلا القليل، وإذا عرضت عليه أعرض عنها، وقصصه في ذلك كثيرة، منها:

بعد أن انتهت محنته مع الملك الأشرف، أراد الملك أن يسترضيه، فقال: "والله لأجعلنه أغنى العلماء" ولكن العز لم يأبه لذلك، ولم ينتهز هذه الفرصة لمصالحه الشخصية، ولم يقبل درهماً من الملك، بل رفض الاجتماع به لأمور شخصية.

ولما مرض الملك الأشرف مرض الموت وطلب الاجتماع به ليدعو له، ويقدم له النصيحة اعتبر العز ذلك قربة لله تعالى، وقال: نعم، إن هذه العبادة لمن أفضل العبادات، لما فيها من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى.

وذهب ودعا للسلطان لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام، وأمره بإزالة المنكرات، وطلب منه الملك العفو والصفح عما جرى في المحنة، قائلاً: يا عز الدين، اجعلني في حل.. فقال الشيخ: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق، وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله.

وفي نهاية الجلسة أطلق له السلطان ألف دينار مصرية، فردها عليه، وقال: هذه اجتماعة لله لا أكدرها بشيء من الدنيا.



ولما استقال العز من القضاء عند فتواه ببيع الأمراء، ورفض السلطان لذلك، خرج من القاهرة، وكل أمتعته في الحياة، مع أسرته، حِمل حمار واحد، ممايدل على قناعته بالقليل، وزهده في المال والمتاع.

ومن ذلك ما ذكرته من عرض الظاهر بيبرس عليه أن يجعل أي أبنائه شاء خلفاً له في مناصبه بعد وفاته وإبائه لذلك، عندها قال له الظاهر: من أين يعيش ولدك؟ قال: من عند الله تعالى. قال: نجعل له راتباً؟ قال: هذا إليكم.

والحقيقة أن ولد العز الشيخ عبد اللطيف كان عالماً فقيهاً، ويصلح للتدريس، ولكن ورع العز وزهده منعه من جعل منصب التدريس وراثة لأولاده.

قال الداودي: "وكان كل أحد يضرب به المثل في الزهد والعلم".




q الكرم والسخاء والبذل :


وهي صفة تؤكد صفة الزهد فيه رحمه الله، فقد كان باسط اليد فيما يملك، يجود بماله على قلته طمعاً في الأجر والثواب.

حكى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة رحمه الله، أن الشيخ لما كان بدمشق وقع مرة غلاء كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مَصاغاً لها، وقالت: اشتر لنا به بستاناً نَصيف به.

فأخذ المصاغ، وباعه، وتصدق بثمنه، فقالت: يا سيدي اشتريت لنا؟ قال: نعم، بستاناً في الجنة، إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه، فقالت له: جزاك الله خيراً.



ولما جاء أستاذ الدار الغِرزخليل برسالة الملك الأشرف بدمشق للشيخ العزّ بعزله عن الإفتاء، قال له: يا غرز من سعادتي لزومي لبيتي، وتفرغي لعبادة ربي، والسعيد من لزم بيته، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذا تسليك من الحق، وهدية من الله تعالى إلي، أجراها على يد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان، والله يا غرز لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعت عليك، ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صل عليها.

فقبِلها وقبّلها، وودعه وانصرف إلى السلطان، وذكر له ما جرى بينه وبينه. فقال لمن حضره: قولوا لي ما أفعل به، هذا رجل يرى العقوبة نعمة، اتركوه، بيننا وبينه الله".



قال ابن السبكي: "وحكي أنه كان مع فقره كثير الصدقات، وأنه ربما قطع من عمامته، وأعطى فقيراً يسأله إذا لم يجد معه غير عِمامته".




q التواضع :



على الرغم من الهيبة التي حظي بها العز والتي كان يخشاه لأجلها السلطان والأمراء، وعلى الرغم من المكانة الاجتماعية والعلمية، فقد كان الشيخ العز متواضع النفس مع نفسه ومع ربه ومع الناس جميعاً.

ومما يذكر له في ذلك أن نائب السلطنن في مصر عندما جاءه حاملاً سيفه ليقتل العز لفتواه ببيع الأمراء المماليك قام لاستقباله، فاعترضه ابنه خشية عليه من القتل، فقال له: "يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله".

وكان رحمه الله يترك التكلف في لباسه، فقد قال ابن السبكي بعد أن ذكر كثرة صدقاته وأنه قد يتصدق بعمامته: "وفي هذه الحكاية ما يدل على أنه كان يلبس العمامة، وبلغني أنه كان يلبس قبّع لباد، وأنه كان يحضر المواكب السلطانية به، فكأنه كان يلبس تارة هذا، وتارة هذا، على حسب ما يتفق له من غير تكلف".

وقد سبق أنه خرج من مصر وكل متاعه حِمل حمار مما يدل على تواضعه في معيشته، وتركه للتكلف فيها.




q الهيبة :



كان العز رحمه الله مهيباً في شخصيته، وكان يظهر أثر ذلك في دروسه وخطبه، وفي اجتماعه مع الناس، ومعاملته مع طلابه ومعاصريه، بل كانت هذه الهيبة تضفي آثارها الجسيمة على المتجبرين والمتكبرين والمتعالين والمتجرئين على الله والناس.

ومما يستشهد به لهذا الخلق قصته مع الأمراء الأتراك في مصر، وهم جماعة ذكر أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم فيه، وأضرم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعاً ولا شراء ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستشاط غضباً، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه، فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة، حاصلها الإنكار على الشيخ في دخـوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به، فغضب الشيخ، وحمل حوائجه على حمار، وأركب عائلته على حمار آخر، ومشى خلفهم خارجاً من القاهرة، قاصداً نحو الشام، فلم يصل إلى نحو نصف بريد إلا وقد لحقه غالب المسلمين، لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه إليه يتخلف، لا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم.

فبلغ السلطان الخبر، وقيل له: متى راح ذهب ملكك، فركب السلطان بنفسه، ولحقه واسترضاه وطيب قلبه، فرجع واتفقوا معهم على أنه ينادى على الأمراء، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة، فلم يفد فيه، فانزعج النائب وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنه بسيفي هذا، فركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ - أظنه عبد اللطيف - فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه، وشرح له الحال، فما اكترث لذلك ولا تغير، وقال: يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها، وأرعدت مفاصله، فبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي خير، أيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم. قال: ففيم تصرف ثمننا، قال: في مصالح المسلمين. قال: من يقبضه؟ قال: أنا. فتم له ما أراد، ونادى على الأمراء واحداً واحداً، وغالى في ثمنهم، وقبضه، وصرفه في وجوه الخير، وهذا ما لم يسمع بمثله عن أحد، رحمه الله تعالى ورضى عنه".



وقال الأستاذ محمود رزق عن بيبرس: "وكان يهاب سلطان العلماء في زمانه، وهو عز الدين بن عبد السلام".



ومما يذكر له في هذا الشأن أنه عندما عزل من مناصبه في دمشق وأمر أن يلزم بيته، استأجر بستاناً متطرفاً عن البساتين، وكان مخوفاً، "واتفقت له فيه أعجوبة، وهو أن جماعة من المفسدين قصدوه في ليلة مقمرة، وهو في جوسق عال، ودخلوا البستان، واحتاطوا بالجوسق، فخاف أهله خوفاً شديداً، فعند ذلك نزل إليهم، وفتح باب الجوسق، وقال: أهلاً بضيوفنا، وأجلسهم في مقعد حسن، وكان مهيباً مقبول الصورة، فهابوه، وسخرهم الله له، وأخرجوا لهم من الجوسق ضيافة حسنة، فتناولوها، وطلبوا منه الدعاء، وعصم الله أهله وجماعته منهم بصدق نيته وكرم طويته، وانصرفوا عنه".

عذراء الروح
27-01-2009, 02:01 PM
الحسن البصري.. سيد التابعين

نسبه ونشأته:

هو الحسن بن يسار (أبو سعيد) ولد قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه.



كان والد الحسن مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين. وقد اعتقا قبل زواجهما. كانت أم الحسن منقطعة لخدمة أم سلمة رضي الله عنها، فترسلها في حاجاتها فيبكي الحسن وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها، وبذلك فإنه رضع من أم سلم رضي الله عنها، وتربى في بيت النبوة. وكانت أم سلمة تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، ودعا له عمر بن الخطاب، فقال: "اللهم فقه في الدين وحببه إلى الناس". ولقد حفظ الحسن القرآن قبل بلوغه الرابعة عشر.



نشأة الحسن في الحجاز بمكان يسمى وادي القرن، وحضر الجمعة مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وسمعه يخطب، وشهد يوم استشهاده (يوم تسلل عليه القتلة الدار) وكان عمره أربع عشر سنة.



وفي سنه(37)هـ انتقل الى البصرة، فكانت مرحله التلقي والتعلم، حيث استمع الى الصحابه الذين استقروا في البصرة لمده ست سنوات وفي السنه (43)هـ عمل كاتبا في غزوه لأمير خراسان الربيع بين زياد لمده عشر سنوات رجع من الغزو واستقر في البصرة حيث اصبح اشهر علماء عصره ومفتي البصرة حتى وفاته.




صفاته وشمائله:

كان الحسن البصري رحمه الله مليح الصورة، بهيا، وكان عظيم الزند قال محمد بن سعد: "كان الحسن فقيها، ثقة، حجة، مأمون، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، وسيما".



وكان من الشجعان الموصوفين في الحروب، وكان المهلب بن أبي صفرة يقدمهم إلى القتال، واشترك الحسن في فتح كابور مع عبدالرحمن بن سمرة.



قال أبو عمرو بن العلاء: "ما رأيت أفصح من الحسن البصري". وقال الغزالي: "وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم، هديا من الصحابة، وكان غاية الصحابة تتصبب الحكمة فيه.

كان الحسن كثير الحزن، عظيم الهيبة، قال أحد الصحابة: "ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة".

أما عن سببب حزنه فيقول الحسن رحمة الله: "يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه".



وكان الحسن البصري يصوم الأيام البيض، والشهر الحرم، والأثنين والخميس.





علمه:

لقد كان الحسن أعلم أهل عصره، يقول قتادة: "ما جمعت علم إلى أحد العلماء إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه كتب فيه على سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فيها قط فضل الحسن".



وكان للحسن مجلسان للعلم: مجلس خاص بمنزله، ومجلس عام في المسجد يتناول فيه الحديث والفقه وعلوم القرآن واللغة وغيرها وكان تلاميذه كثر.



رأى الحسن عددا كبيرا من الصحابة وروى عنهم مثل النعمان بن البشير، وجابر بن عبدالله، وابن العباس، وأنس رضوان الله عليهم، ونتيجة لما سبق فقد لقبه عمر بن عبد العزيز بسيد التابعين حيث يقول: "لقد وليت قضاء البصرة سيد التابعين".




من مواقفه و أقواله:

عاش الحسن رحمه الله الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان موقفه متحفظاً على الأحداث السياسية، وخاصة ما جرّ إلى الفتنة وسفك الدماء، حيث لم يخرج مع أي ثورة مسلحة ولو كانت باسم الإسلام، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والإضطراب، وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب في استبداد سنين، ويؤدي الخروج إلى طمع الأعداء في المسلمين، ولأن الناس يخرجون من يد ظالم إلى ظالم، وإن شق على دراية إصلاح الحاكم فما زال لإصلاح المحكومين مُيسراً. أما إن كان الحاكم ورعاً مطبقاً لأحكام الله مثل عُمر بن عبد العزيز، فإن الحسن ينصح له، ويقبل القضاء في عهده ليعينه على أداء مهمته.



كتب الحسن لعُمر بن عبد العزيز ينصحه فقال: "فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد أئتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فنبذ المال وشرد العيال، فأفقر أهله وبدد ماله".



ولقد عنف الحسن البصري طلبة العلم الشرعي الذين يجعلون علمهم وسيلة للاستجداء فقال لهم: "والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيكم".





ومن أقواله في المال: "بئس الرفيقان، الدينار والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك".





وفاته:



توفي الحسن رحمه الله عشية يوم الخميس في أول رجب سنة عشر وسنة وعاش ثمان وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، صلى عليه المسلمون عقب صلاة الجمعة بالبصرة.

عذراء الروح
28-01-2009, 08:12 PM
الشيخ / عز الدين القسام



ولد الشيخ عز الدين القسام في بلدة جبلة بالقرب من اللاذقية سنة 1871 وكان منذ صغره يميل إلى العزلة والتفكير، وفي شبابه رحل إلى مصر ودرس في الأزهر وكان من عدد تلاميذ الشيخ محمد عبده. ولما عاد إلى بلاده عمل مدرسا في جامع السلطان إبراهيم وفي سنة 1920 عندما اشتعلت الثورة ضد الفرنسيين شعارك القسام في الثورة، فحاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء، فرفض ذلك وكان جزاؤه أن حكم عليه الديوان السوري العرفي بالإعدام.
ولجأ القسام إلى مدينة حيفا في 5 شباط 1922 ولجأ معه من رفاق الجهاد الشيخ محمد الحنفي والشيخ علي الحاج عبيد وحتى سنة 1935 لم يكن سكان حيفا يعرفون عن عز الدين القسام سوى أنه واعظ ديني ومرشد ورئيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة حيفا وكان بنظرهم شيخا محمود السيرة في تقواه وصدقه ووطنيته كما كانت منطقة الشمال تعرفه إماما وخطيبا بارعا ومأذونا شرعيا وما جاء يوم العشرين من تشرين الثاني "نوفمبر" سنة 1935 حتى أضحى القسام علما من أعلام الجهاد يتردد اسمه في بلاد فلسطين كلها.
استشهد القسام مع بعض رفاقه وهو يؤدي واجبه في مقاومة السلطة الانتدابية باصطدام مسلح، وهكذا أخلص القسام للثورة التي بدأها وما كان ليرضيه أنه البادئ بالثورة وإنما هي الثورة التي خطط لها وكانت العناوين البارزة في الصحف (معركة هائلة بين عصبة الثائرين والبوليس) و (حادث مريع هز فلسطين من أقصاها إلى أقصاها).
وعلم الشعب لأول مرة أن الشيخ القسام كان قد اعتصم مع إخوانه في أحراش قرية يعبد وكانوا مسلحين ولايهابون خطر المجابهة مع البوليس ولا عواقبها، إلا أن البوليس كان قد أعد قوة هائلة تفوق عدد الثوار بمئات المرات وكان كقطيع كبير من الجيش مصمما على القضاء على هذه العصابة الإرهابية حسب رأيه فلذلك أحاطت القوات بالمنطقة منذ الفجر ووضع البوليس العربي في الخطوط الهجومية الثلاث الأولى من ثم يليه البوليس الإنكليزي من خلفه، وقبل بدء المعركة نادى أحد أفراد البوليس العربي الثائرين طالبا منهم الاستسلام فرد عليه القسام صائحا \"إننا لن نستسلم، إننا في موقف الجهاد في سبيل الله ثم التفت إلى رفاقه وقال موتوا شهداء في سبيل الله خير لنا من الاستسلام للكفرة الفجرة\" دامت المعركة القصيرة ساعتين كان خلالها الرصاص يصم الآذان والطائرات المحلقة على ارتفاع قليل تكشف للبوليس موقع الثوار وقوتهم وفي نهاية الساعتين أسفرت المجابهة عن استشهاد القسام ورفاقه الذين معه وهم يوسف عبد الله الزيباري وسعيد عطيه المصري ومحمد أبو قاسم خلف وألقى البوليس القبض على الباقين من الجرحى والمصابين.
وقد اكشف البوليس عند نهاية المعركة مع الشيخ ذي اللحية البيضاء والمجندل على التراب بملابسه الدينية مصحفا وأربعة عشر جنيها ومسدسا كبيرا وكان الشيخ نمر السعدي مازال حيا جريحا حيث استطاع صحفي عربي أن ينقل عن لسانه أول الحقائق الخفية عن عصبة القسام وكانت هذه الحقيقة دليلا على أن المجابهة المسلحة هذه كانت بقرار بدء الثورة منهم جميعا.
وعلى إثر معركة يعبد التي استشهد بها القسام وبعدها بعشرين يوما انتهز الوطنيون مناسبة ذكرى احتلال القدس وأقاموا اجتماعا كبيرا في يافا في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1935 اتخذوا فيه قرارات بالثناء على القسام ورفاقه المجاهدين وحث الشعب على المضي على طريقهم الذي رسموه للأمة العربية والإسلامية في فلسطين معلنين أن القسام آمن بشيئين هما العروبة والإسلام وأنه لا سبيل للعرب والمسلمين سوى هذين السبيلين ولا حل لمشكل المسلمين إلا بإعلان الجهاد في سبيل الله ولا حل للقضية لفلسطينية إلا بالجهاد الإسلامي وكانت نظرة القسام إلى الجاه والمركز نظرة بغضاء مطلقا.
منذ أن قدم القسام إلى حيفا بدأ يعمل في الإعداد النفسي للثورة وقد ساعده عدد من المؤمنين بالإسلام ومن هؤلاء الشيخ كامل القصاب وهاني أبو مصلح والأول سوري والثاني لبناني إلا أن القسام تلقن درسا س الحكم العسكري الفرنسي في سوريا أن المستعمرين ملة كفر واحدة ولابد من الجهاد في سبيل الله للتغلب عليهم: وكانت أعماله الخارجية من وعظ وتدريس ستارا لعملية اختيار الصالحين من التلاميذ والمستمعين وكذلك سعى القسام لعقد الصلات مع القرى المجاورة عن طريق مهنته كمأذون شرعي للعقود وهكذا السنوات تمر والأنصار يتكاثرون حتى أذن الله لـه في الثورة والاستشهاد في سبيل الله.
ويرجع المؤرخ أمين سعيد عدم انضمام المثقفين للقسام لأن القسام كان يصرف كل جهده للعمال والكادحين من الفلاحين وغيرهم لأنهم أكثر الفئات انقيادا للتضحية في سبيل الله، وقد عبر عن هذه الحقيقة شاب اسمه حسين الباير الذي استسلم للبوليس إثر المعركة وقال في إفادته الرسمية.
أنا حسين الباير من قرية بلقيس كنت أسرق وارتكب المحرمات فجاءني الشيخ عز الدين القسام وأخذ يهديني يوما بعد يوم ويعلمني الصلاة وينهاني عن مخالفة الشرع وعن فعل كل منكر أمر الله باجتنابه وبعد مدة أخذني الشيخ عز الدين القسام إلى أحد جبال بلقيس وهناك أعطاني بندقية فسألته لم هذه فأجاب لكي تتمرن عليها وتجاهد مع إخوانك المجاهدين في سبيل الله.
ومن هؤلاء أبو دره ( بياع الكاز على الطنبر) وأبو خليل الذي يبيع الفحم والفلاييني الذي يلحم التنك والحديد والذي أصبحت مهنته صنع القنابل البدائية لمهاجة العدو.
ويقول أحد السياسيين الفلسطينين إن ثورة القسام كانت ثورة علينا جميعا شبابا وكهولا إذ كل واحد منا مثقل بعدد كبير من العيال يخاف عليهم من التشريد بعده ولا نشعر أمام ثورته إلا بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه سائلين الله أن ينور قلوبنا بالإيمن.
تألفت الخلايا السرية لعز الدين القسام على شكل حلقات سرية مثل حلقات الأرقم بن أبي الأرقم. خمسة أشخاص مسؤول عنهم (نقيب) وكل خمس وحدات منظمة لها نظامها الخاص والمشرف عليها بمختلف المهمات هو القسام نفسه.
لاقت ثورة القشام حين قيامها تأييدا واحتراماً من الشعب بلغ الحد الأقصى وذلك على الرغم من أنها لم تكن ثورة شاملة بالمعنى السياسي والتاريخي للكلمة ولكن يمكن القول بأنها كانت نمونجا مثاليا لما يجب أن تكون عليه الثورة كما كانت، انطلاقتها انطلاقة عقائدية وشجاعة في مرحلة كاد اليأس فيها يعم البلاد والواقع أن القسام لم تكتشف حقيقة الأبعاد النضالية والسياسية لحركته إلا بعد استشهاده بسنوات، وخاصة لأن رفاقه من بعده استمروا في النضال محافظين على السرية التامة لوحداتهم النضالية.
لم يطلق القسام على خلايا الجهاد التي أنشأها اسما معينا، كان هناك فقط شعار عام ينضوي تحت لوائه المجاهدون وتنطوي تحته كل مفاهيم الثورة هذا جهاد نصر أو استشهاد كما روى عنه إبراهيم الشيخ خليل في كتابه ورسالة من مجاهد قديم: ذكريات عن القسام ثم أصبح يقال للمجاهدين من إخوانه بعد استشهاده \"القساميون\" وشاعت هذه الكلمة في سائر بلاد فلسطين شيوعا كبيرا لأن اسمه اقترن بهالة من الخلود والتقديس فقد كثر المتبركون باسمه، خاصة لأنه كان واعظا دينيا إضافة للإمامة وخطبة المسجد وأصبح تلاميذه يرددون باعتزاز بأنهم قساميون أما رفاقه المجاهدون فكانوا يستعملون كلمة قسامي فيما بينهم وحتى بعد مرور عشر سنوات على استشهاده أو أن هذا من جماعة القسام.
جاءت هذه التسمية على البلاغات الحكومية والأخبار الرسمية حيث دعتهم بالعصابة الإرهابية لكثرة جهادهم واستشهاد الكثير منهم ولكثرة الإصابات في الجيش والشرطة لقوة هذه العصابة وإخلاصها في الجهاد.
إن المشكلة في عدم تسمية القسام للخلايا السرية التي أنشأها باسم الحزب أو اسم اللجنة أو غيرهما من التسميات الشائعة يضاف إلى هذا السرية التامة عن التنظيم وكان ذلك مدعاة لنفي الصبغة التنظيمية السياسية عن عصبة القسام لدى بعض الناس ومن بين هؤلاء عزة دروزة الذي كان ينفي وجود تنظيم أو حزب للقسام وبالتالي رفض اعتبار عصبة القسام إحدى التنظيمات الفلسطينية السياسية، ومن جهة أخرى مغايرة لتزايد عدد الكتاب من عرب وأجانب في السنوات العشر التي تلت ثورته والذين يكتبون عن عصبة القسام حقائق وتفاصيل لا توجد عادة إلا في أكثر الأحزاب دقة تطورا.
مع أن عزة دروزه ليس مؤرخا فقط بالنسبة لقضية القسام بل كان رفيق جهاد في أثناء الثورة الكبرى فقد كان عزة في دمشق كحلقة وصل بين المفتي المقيم في لبنان وقادة الفصائل التي تتبع قيادة القسام وغيره من قواد فصائل الثورة.
فالتشكيلات السياسية بأهدافها ونظمها المختلفة وأعمالها العلنية والسرية كانت تفتقر إلى الكوادر المنظمة والعمل المتواصل وعصبة القسام كانت من أفضلها تنظيما ودراية ونشاطا حيث تنطبق عليها مقاييس المؤسسات الحزبية الحديثة رحم الله القسام فقد فتح بإخلاصه ودينه طريقا عظيما يخلد فيه كل جيل قادم طريقا كطريق القسام ومنهجا كمنهجه

عذراء الروح
28-01-2009, 08:16 PM
الطفيل بن عمرو الدوسي - الفطرة الراشدة



في أرض دوس نشأ بين أسرة شريفة كريمة..

وأوتي موهبة الشعر، فطار بين القبائل صيته ونبوغه..

وفي مواسم عكاظ حيث يأتي الشعراء العرب من كل فج ويحتشدون ويتباهون بشعرائهم، كان الطفيل يأخذ مكانه في المقدمة..



كما كان يتردد على مكة كثيرا في غير مواسم عكاظ..

وذات مرة كان يزورها، وقد شرع الرسول يجهر بدعوته..
وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويسلم، ثم يضع موهبته الشعرية في خدمة الاسلام، فتكون الطامة على قريش وأصنامها..

من أجل ذلك أحاطوا به.. وهيئوا له من الضيافة كل أسباب الترف والبهجة والنعيم، ثم راحوا يحذرونه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون له:

" ان له قولا كالسحر، يفرّق بين الرجل وابيه.. والرجل وأخيه.. والرجل وزوجته.. ونا نخشى عليك وعلى قومك منه، فلا تكلمه ولا تسمع منه حديثا"..!!

ولنصغ للطفيل ذاته يروي لنا بقية النبأ فيقول:

" فوالله ما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئا ولا ألقاه..

وحين غدوت الى الكعبة حشوت أذنيّ كرسفا كي لا أسمع شيئا من قوله اذا هو تحدث..

وهناك وجدته قائما يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبي الله الا أن يسمعني بعض ما يقرأ، فسمعت كلاما حسنا..

وقلت لنفسي: واثكل أمي.. والله اني لرجل لبيب شاعر، لا يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول، فان كان الذي يأتي به حسن قبلته، وان كان قبيحارفضته.

ومكثت حتى انصرف الى بيته، فاتبعته حتى دخل بيته، فدخلت وراءه، وقلت له: يا محمد، ان قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا.. فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك..

ولكن الله شاء أن أسمع، فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك..

فعرض الرسول عليّ الاسلام، وتلا عليّ من القرآن..

فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله: اني امرؤ مطاع في قومي واني راجع اليهم، وداعيهم الى الاسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا لي فيما أدعهوهم اليه، فقال عليه السلام: اللهم اجعل له آية"..




**




لقد أثنى الله تعالى في كتابه على " الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه"..

وها نحن أولاء نلتقي بواحد من هؤلاء..

انه صورة صادقة من صور الفطرة الرشيدة..

فما كاد سمعه يلتقط بعض آيات الرشد والخير التي أنزلها الله على فؤاد رسوله، حتى تفتح كل سمعه، وكل قلبه. وحتى بسط يمينه مبايعا.. ليس ذلك فحسب.. بل حمّل نفسه من فوره مسؤولية دعوة قومه وأهله الى هذا الدين الحق، والصراط المستقيم..!



من أجل هذا، نراه لا يكاد يبلغ بلده وداره في أرض دوس حتى يواجه أباه بالذي من قلبه من عقيدة واصرار، ويدعو أباه الى الاسلام بعد أن حدّثه عن الرسول الذي يدعو الى الله.. حدثه عن عظمته.. وعن طهره وأمانته.. عن اخلاصه واخباته لله رب العالمين..

وأسلم أبوه في الحال..

ثم انتقل الى أمه، فأسلمت

ثم الى زوجه، فأسلمت..

ولما اطمأن الى أن الاسلام قد غمر بيته، انتقل الى عشيرته، والى أهل دوس جميعا.. فلم يسلم منهم أحد سوى أبي هريرة رضي الله عنه..

ولقد راحوا يخذلونه، وينأون عنه، حتى نفذ صبره معهم وعليهم. فركب راحلته، وقطع الفيافي عائدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو اليه ويتزوّد منه بتعاليمه..

وحين نزل مكة، سارع الى دار الرسول تحدوه أشواقه..

وقال للنبي:

" يا رسول الله..

انه ق غلبني على دوس الزنى، والربا، فادع الله أن يهلك دوسا"..!!

وكانت مفاجأة أذهلت الطفيل حين رأى الرسول يرفع كفيه الى السماء وهو يقول:

" اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين"..!!

ثم التفت الى الطفيل وقال له:

" ارجع الى قومك فادعهم وارفق بهم".



ملأ هذا المشهد نفس الطفيل روعة، وملأ روحه سلاما، وحمد اله أبلغ الحمد أن جعل هذا الرسول الانسان الرحيم معلمه وأستاذه. وأن جعل الاسلام دينه وملاذه.

ونهض عائدا الى أرضه وقومه وهناك راح يدعوهم الى الاسلام في أناة ورفق، كما أوصاه الرسول عليه السلام.

وخلال الفترة التي قضاها بين قومه، كان الرسول قد هاجر الى المدينة وكانت قد وقعت غزوة بدر، أحد والخندق.

وبينما رسول الله في خيبر بعد أن فتحها الله على المسلمين اذا موكب حافل ينتظم ثمانين اسرة من دوس أقبلوا على الرسول مهللين مكبّرين ..

وبينما جلسوا يبايعون تباعا..

ولما فرغوا من مشهدهم الحافل، وبيعتهم المباركة جلس الطفيل بن عمرو مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل خطاه على الطريق..!!

تذكر يوم قدوم الرسول يسأله أن يرفع كفيه الى السماء ويقول:

اللهم اهلك دوسا، فاذا هو يبتهل بدعاء آخر أثار يومئذ عجبه..

ذلك هو:

" اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين"..!!

ولقد هدى الله دوسا..

وجاء بهم مسلمين..

وها هم أولاء.. ثمانون بيتا، وعائلة منهم، يشكلون أكثرية أهلها، يأخذون مكانهم في الصفوف الطاهرة خلف رسول الله الأمين.




**




ويواصل الطفيل عمله مع الجماعة المؤمنة..

ويوم فتح مكة، كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهوا وصلفا، بل يحنون جباههم في خشوع واذلال، شكرا لله الذي أثابهم فتحا قريبا، ونصرا مبينا..

ورأى الطفيل رسول الله وهو يهدم أصنام الكعبة، ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال مداه..

وتذكر الدوسي من فوره صنما كان لعمرو بن حممة. طالما كان عمرو هذا يصطحبه اليه حين ينزل ضيافته، فيتخشّع بين يديه، ويتضرّع اليه..!!

الآن حانت الفرصة ليمحو الطفيل عن نفسه اثم تلك الأيام.. هنالك تقدم من الرسول عليه الصلاة والسلام يستأذنه في أن يذهب ليحرق صنم عمرو بن حممة وكان هذا الصنم يدعى، ذا الكفين، وأذن له النبي عليه السلام..

ويذهب الطفيل ويوقد عليه النار.. وكلما خبت زادها ضراما وهو ينشد ويقول:

يا ذا الكفين لست من عبّادكا

ميلادنا أقدم من ميلادكا!!

اني حشوت النار في فؤادكا



وهكذا عاش مع النبي يصلي وراءه، ويتعلم منه، ويغزو معه.

وينتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، فيرى الطفيل أن مسؤوليته كمسلم لم تنته بموت الرسول، بل انها لتكاد تبدأ..

وهكذا لم تكد حروب الردة تنشب حتى كان الطفيل يشمّر لها عن ساعد وساق، وحتى كان يخوض غمراتها وأهوالها في حنان مشتاق الى الشهادة..

اشترك في حروب الردة حربا.. حربا..

وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين مصطحبا معه ابنه عمرو بن الطفيل".

ومع بدء المعركة راح يوضي ابنه أن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب قتال من يريد الموت والشهادة..

وأنبأه أنه يحس أنه سيموت في هذه المعركة.

وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد..

لم يكن يدافع بسيفه عن حياته.

بل كان يدافع بحياته عن سيفه.

حتى اذا مات وسقط جسده، بقي السيف سليما مرهفا لتضرب به يد أخرى لم يسقط صاحبها بعد..!!

وفي تلك الموقعة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه..

وهو جسده تحت وقع الطعان، وهو يلوّح لابنه الذي لم يكن يراه وسط الزحام..!!

يلوّح له وكأنه يهيب به ليتبعه ويلحق به..

ولقد لحق به فعلا.. ولكن بعد حين..

ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل مجاهدا وقضى نحبه شهيدا..

وكان وهو يجود بأنفاسه، يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه، كما لو كان سيصافح بها أحدا.. ومن يدري..؟؟

لعله ساعتئذ كان يصافح روح أبيه..!!

عذراء الروح
29-01-2009, 06:36 PM
شكرا لمشرف القسم على تثبيت الموضوع

كل تقديرى واحترامى

:f2::f2::f2:

عذراء الروح
29-01-2009, 06:38 PM
خولة بنت الأزور




الفارس الملثم ..





سبق الفارس الملثَّم جيش المسلمين، وفى شجاعة نادرة اخترق صفوف الروم، وأعمل السيف فيهم، فأربك الجنود، وزعزع الصفوف، وتطايرت الرءوس، وسقطت الجثث على الأرض، وتناثرت الأشلاء هنا وهناك، وتعالت الصَّرَخات من الأعداء والتكبيرات من جيش المسلمين.
ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم اللَّه، إنه لفارس شجاع...كلمات قالها خالد بن الوليد قائد جيش المسلمين في معركة أجنادين عندما لمح الفارس وهو يطيح بسيفه هامات الأعداء، بينما ظن بعض المسلمين أن هذا الفارس لا يكون إلا خالدًا القائد الشجاع.لكن خالدًا قد قرب منهم، فسألوه في تعجب، من هذا الفارس الهُمام؟ فلا يجبهم، فتزداد حيرة المسلمين وخوفهم على هذا الفارس ولكن! ما لبث أن اقترب من جيش المسلمين وعليه آثار الدماء بعد أن قتل كثيرًا من الأعداء، وجعل الرعب يَدُبُّ فى صفوفهم، فصاح خالد والمسلمون: للَّه درُّك من فارس بذل نفسه فى سبيل اللَّه ! اكشف لنا عن لثامك. لكن الفارس لم يستجب لطلبهم، وانزوى بعيدًا عن المسلمين، فذهب إليه خالد وخاطبه قائلا: ويحك لقد شغلتَ قلوب الناس وقلبى لفعلك، من أنت؟ فأجابه: إننى يا أمير لم أُعرِضْ عنك إلا حياءً منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور. فلما علم خالد أنها امرأة سألها -وقد تعجَّب من صنيعها-: وما قصتك؟ فقالت المرأة: علمتُ أن أخى ضرارًا قد وقع أسيرًا فى أيدى الأعداء، فركبتُ وفعلتُ ما فعلتُ.قال خالد: سوف نقاتلهم جميعًا ونرجو اللَّه أن نصل إلى أخيكِ فنفكه من الأسر.
واشتبك جيش المسلمين مع الأعداء وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وكان النصر للمسلمين، وسارت تلك الفارسة تبحث عن أخيها، وتسأل المسلمين عنه، فلم تجد ما يشفى صدرها ويريح قلبها، فجلست تبكى على أخيها وتقول: "يابن أمى ليت شِعْرِي... فى أية بَيْدَاء طَرَحُوكَ، أم بأى سِنَانٍ طعنوك، أم بالْحُسام قتلوكَ. يا أخى لك الفداء، لو أنى أراك أنقذكَ من أيدى الأعداء، ليت شِعْرِى أترى أنى لا أراك بعدها أبدًا؟
لقد تركتَ يابن أمى في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها، ليت شعري، لقد لحقت بأبيك المقتول بين يدَى النبي (، فعليك منى السلام إلى يوم اللقاء. فما إن سمعها الجيش حتى بكوا وبكى خالد بن الوليد.
وما هى إلا لحظات حتى أتى الخبر بالبشرى بأن أخاها مازال على قيد الحياة، وأن جيش الأعداء قد أرسله إلى ملك الروم مكبَّلا بالأغلال، فأرسل "خالدٌ" "رافعَ بن عميرة" فى مائة من جيش المسلمين ليلحق بالأعداء ويفك أسْرَ أخيها، فما إن سمعتْ بخروج "رافع بن عميرة" حتى أسرعتْ إلى خالد تستأذنه للخروج مع المسلمين لفك أسر أخيها، فذهبتْ معهم حيث أعدوا كمينًا فى الطريق، وما إن مرَّ الأعداء بالأسير حتى هجموا عليهم هجمة رجل، واحد وما لبثوا أن قضوا عليهم وفكوا أسر أخيها وأخذوا أسلحة العدو.
تلك هي الفارسة الفدائية خولة بنت الأَزْوَر، صحابية جليلة، أَبْلت بلاء حسنًا فى فتوح الشام ومصر. وكانت من أشجع نساء عصرها.
وتمر الأيام، وتظهر بسالة تلك المرأة، ومدى دفاعها عن الإسلام، ففى موقعة "صجورا" وقعت هي ونسوة معها فى أسر جيش الروم. ولكنها أبت أن تكون عبدة فى جيش الروم، فأخذت تحث أخواتها على الفرار من الأسر، فقامت فيهن قائلة: يا بناتَ حِمْيَر وبقية تبع، أترضين لأنفسكن أن يكون أولادكن عبيدًا لأهل الروم، فأين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب؟ وإنى أرى القتل عليكن أهون مما نزل بكُنَّ من خدمة الروم. فألهبت بكلامها حماس النسوة، فأبَيْن إلا القتال والخروج من هذا الذُّل والهوان.
وقالت لهن: خذوا أعمدة الخيام، واجعلوها أسلحة لكُن، وكنَّ فى حلقة متشابكات الأيدى مترابطات، لعل اللَّه ينصرنا عليهم، فنستريح من معرَّة العرب. فهجمت وهجم معها النسوة على الأعداء وقاتلن قتال الأبطال حتى استطعن الخروج من معسكر الأعداء وتخلصن من الأسر.
ولم تنته معارك خَوْلة فى بلاد الشام، فقد أُسِرَ أخوها ضرار مرة أخرى فى معركة مرج راهط، فاقتحمت الصفوف من أجله.
وخاضت مع المسلمين معركة أنطاكية حتى تمَّ النصر فيها للمسلمين، كما اشتركتْ -أيضًا- فى فتح مصر، وغدتْ مفخرة نساء العرب ورجالهم.
وظلتْ السيدة خَوْلة -رضى الله عنها- على إيمانها وحبها للفداء والتضحية، ودفاعها عن دين الله، ورفْع لواء الإسلام حتى تُوُفِّيتْ فى آخر خلافة عثمان بن عفان -رضى الله عنه-.

عذراء الروح
29-01-2009, 06:43 PM
الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي



الداعية الشيخ محمد الغزالي


حين أكتب عن الشيخ محمد الغزالي السقا، فإنما أكتب من خلال معرفتي به عن قرب ، ومعايشتي له ، وقراءتي وسماعي له ، وهذا بعض حقه علي وشيء من الوفاء لمن تتلمذات على يديه وهي ذكريات وخواطر مضى على بعضها قرابة نصف قرن وقد سبقني للكتابة عنه في حياته وبعد مماته الكثير من الإخوان الذين يعرفون قدر الغزالي ومنزلته وعلى رأسهم العلامة الدكتور يوسف القرضاوي الذي كان أكثر قرباً ، وأطول رفقة .


معرفتي به :



عرفت أستاذنا الغزالي من خلال ما كنت أقرأ له من مقالات في مجلة ( الإخوان المسلمين ) التي كانت تصل إلينا بمكتبة الإخوان المسلمين في الزبير سنة 1946م.
ولما قدمت إلى مصر للدراسة الجامعية سنة 1949م تعرفت إليه عن طريق الإخوة الزملاء : مناع القطان ، محمد بكري ، يوسف القرضاوي ، يعقوب عبد الوهاب ، أحمد العسال ، محمد الصفطاوي ، محمد الدمرداش ، والحاج وهبة حسن وهبة .
كانت لنا مع شيخنا الغزالي لقاءات متكررة كثيرة يزودنا فيها بالعلم النافع ، ويثير في نفوسنا الحماس للعمل في سبيل الله والمستضعفين ويبصرنا بمكائد الأعداء في الداخل والخارج ، ويكشف مخططاتهم الماكرة لحرب الإسلام والمسلمين ، ويفضح دعاوى الشيوعية والعلمانية والماسونية والإلحاد والوجودية والصليبية والصهيونية ، ويحذرنا من التحالف المشؤوم بين قوى الشر ضد الإسلام ودعاته ، ويوضح لنا سبل التصدي لمقاومة هذه الهجمة الشرسة من قوى الكفر مجتمعة .
إن أستاذنا الشيخ الغزالي داعية متوقد الذهن ، جياش العاطفة ، عميق الإيمان ، مرهف الإحساس ، قوي العزم ، شديد المراس ، بليغ العبارة ، يتأثر ويؤثر ، حلو المعشر ، رفيق القلب ، كريم الطبع ... يلمس هذا فيه كل من عاش معه أو رافقه أو التقاه ، فهو لا يحب التكلف ، ويكره التعالم والتحذلق ، يعيش الواقع بكل مشكلاته ، ويتصدى للمعضلات ، ويكشف الحقائق ، ويدق جرس الخطر ، ليحذر الأمة من الوقوع في المهالك والسقوط في الهاوية التي يقود إليها شياطين الإنس والجن في الشرق والغرب على حد سواء .
والشيخ الغزالي من أعلام الإسلام في العصر الحديث ، وهو داعية قل نظيره في العالم الإسلامي اليوم ، يتمتع ببديهة حاضرة ، وديباجة مشرقة تأخذ بمجامع القلوب ، حتى إنني كنت أحفظ مقاطع بل صفحات كاملة من كتبه ، وأرتجلها في الخطب بنصها ، وقد ذكر ذلك الدكتور القرضاوي ف كتابه ( الشيخ الغزالي كما عرفته ) فقال : ( أذكر أن الأخ عبد الله العقيل حين كان يدرس في كلية الشريعة بالأزهر في أوائل الخمسينيات كان يحفظ مقدمة الطبعة الثانية لكتاب ( الإسلام والأوضاع الاقتصادية ) ومطلعها : لم تستذل شعوب كما استذلت شعوب الشرق ، ولم يستغل شيء في هضم حقوقها كما استغل الدين ... الخ ) انتهى .

لقاؤه الندوي

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه القيمِّ ( مذكرات سائح في الشرق العربي ) : ( كنت حريصاً على الاجتماع بالشيخ محمد الغزالي الذي حدثني عنه الطالب عبد الله العقيل وأثنى عليه بصفه خاصة وأهداني بعض مؤلفاته فهو من شخصيات الإخوان المسلمين البارزة ، وأحد كتاب النهضة الدينية بمصر وقابلت مؤلف ( الإسلام والأوضاع الاقتصادية) و( الإسلام والمناهج الاشتراكية ) و( الإسلام المفترى عليه ) و ( من هنا نعلم) قابلت الرجل الذي يغذي جماعة الإخوان المسلمين بالغذاء الفكري والروحي الصحيح والأدب الإسلامي الدسم ، وسررت لهذه المقابلة لأني رأيت فيه رجلاً صالحاً مثقفاً نشيطاً صاحب قلب حي وعقل نير ووجه يفيض بالبشر ورأيت أن كلاً منا يعرف صاحبه عن طريق الكتب والرسائل ويرى في هذه الكتب صورة أفكاره ومبادئه .. ) انتهى .



مولده ونشأته ومشايخه

لقد ولد شيخنا الغزال في يوم 22/9/1917م في قرية (نكلا العنب ) من إيتاي البارود بمحافظة البحيرة بمصر .
ونشأ في أسرة محافظة يغلب عليها العمل بالتجارة ، وكان والده من حفظة القرآن الكريم وقد نشأ الابن على ذلك ، حيث حفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنوات ، وتلقى تعليمه في كتاب القرية ، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية حيث أكمل المرحلتين الابتدائية والثانوية ثم انتقل إلى القاهرة حيث درس بكلية أصول الدين سنة 1357هـ 1937م وحصل على الشهادة العالمية سنة 1361هـ 1941م ثم تخصص في الدعوة والإرشاد حيث نال شهادة الماجستير سنة 1362هـ ، 1943م ، وقد تزوج وهو طالب بكلية أصول الدين ورزق بتسعة من الأولاد .
من أهم مشايخه الذين تأثر بهم فترة الدراسة الشيخ عبد العزيز بلال ، والشيخ إبراهيم الغرباوي ، والشيخ عبد العظيم الزر قاني وغيرهم .



عمله

بعد تخرجه عمل إماماً وخطيباً في مسجد ( العتبة الخضراء) ثم تدرج في الوظائف حيث صار مفتشاً في المساجد ، ثم واعظاً بالأزهر ثم وكيلاً لقسم المساجد ، ثم مديراً للمساجد ، ثم مديراً للتدريب فمديراً للدعوة والإرشاد ، وقد قضى في معتقل الطور سنة 1369هـ ،1949 م ، حوالي السنة ، وقضى في سجن طرة عام 1985هـ 1965م ، فترة من الزمن ، وفي سنة 1391هـ ، 1971م أعير للمملكة العربية السعودية كأستاذ في ( جامعة أم القرى ) بمكة المكرمة وكلية الشريعة بقطر وفي سنة 1401هـ ،1981م عين وكيلاً لوزارة الأوقاف بمصر كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات وكانت آخر مناصبه .

أول معرفته بالإمام البنا

وعن صلته بالإمام الشهيد حسن البنا، يروي الأستاذ محمد المجذوب في كتابه ( علماء ومفكرون عرفتهم ) على لسان الغزالي قوله : ( ... كان ذلك أثناء دراستي الثانوية في المعهد الديني بالإسكندرية ، وكان من عادتي ملازمة مسجد عبد الرحمن بن هرمز في منطقة رأس التين بعد المغرب من كل يوم لمذاكرة الدروس وذات مساء وإذا بالإمام البنايلقي على الناس موعظة قصيرة شارحاً فيها الحديث الشريف : ( اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ) وكان حديثاً مؤثراً يتصل بأعماق القلب ، فما إن فرغ منه حتى وجدت نفسي مشدود القلب إليه ، ومنذ تلك الساعة توثقت علاقتي به ، ومضيت معه عقب صلاة العشاء إلى مجلس يضم بعض رجال الدعوة ثم استمر عملي في ميدان الكفاح الإسلامي مع هذا الداعية العملاق إلى أن استشهد سنة 1369هـ ، 1949م) انتهى .

علاقة الغزالي بمرشدي الإخوان المسلمين

وكتب الغزالي في مقدمة كتابه ( دستور الوحدة الثقافية للمسلمين ) فقال :
( ... ملهم هذا الكتاب وصاحب موضوعه الأستاذ الإمام حسن البنا الذي وصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة فقد وضع الإمام البنا جملة من المبادئ تجمع الشمل المتفرق ، وتوضح الهدف الغائم ، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم وتتناول ما عراهم من خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء بيد آسية ، وعين لماحة فلا تدع سبباً لضعف أو خمول .. ) انتهى .
وعن الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين ، كتب الغزالي يقول : ( .. من حق الرجل أن أقول عنه ، إنه لم يسع إلى قيادة الإخوان المسلمين ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه ومن حقه أن يعرف الناس عنه ، أنه تحمل بصلابة وبأس ، كل ما نزل به ، فلم يجزع ولم يتراجع ، وبقي في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان واسع الأمل حتى خرج من السجن .
الحق يقال إن صبر الذي أعز الإيمان رفعه في نفسي ، وإن المآسي التي نزلت به وبأسرته لم تفقده صدق الحكم على الأمور ولم تبعده عن منهج الجماعة الإسلامية منذ بدأ تأريخها ، وقد ذهبت إليه بعد ذهاب محنته وأصلحت ما بيني وبينه ويغفر الله لنا أجمعين ) انتهى .
وعن الأستاذ التلمساني المرشد الثالث للإخوان المسلمين كتب الغزالي يقول : ( ... في سنة 1369هـ 1949م ونحن في معتقل الطور مع الألوف من الإخوان بعد استشهاد الإمام حسن البنا رأيت الأستاذ عمر التلمساني في خطواته الوئيدة ، ونظراته الهادئة ، يمشي في رمال المعتقل باسماً متفائلاً يصبِّر الإخوان على لأواء الغربة وقسوة النفي ويؤمل الخير في المستقبل ، ورأيتني أمام رجل من طراز فذ تحركه في الدنيا مشاعر الحب والسلام وكان يكره الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ويؤثر العزلة ، ويرى أنسه في الانقطاع إلى الله ، ولم تكن رذائل الرياء والتطلع تعرف طريقاً إلى فؤاده ، ذهبت إليه لأتعاون معه في خدمة الإسلام فقال لي : تعلم أن هذا عبء ثقيل تحملته برغمي وقبلته وأنا كاره ؟ قلت : نعم أعلم ذلك فأنت ما سعيت إلى صدارة ولا تطلعت إلى إمارة ومثلك جدير برعاية الله وتسديده ..) انتهى .
هذا الذي قاله الغزالي عن الإمام البنا ثم الهضيبي ثم التلمساني يكشف لنا عن نفسه الشيخ الغزالي وأصالته ونفاسة معدنه.



شهادات بحق الغزالي
وحسبه فخراً واعتزازاً أن يتلقى وهو في مرحلة الشباب الرسالة التالية من الإمام حسن البنا سنة 1945م وهذا نصها : ( .. أخي العزيز الشيخ محمد الغزالي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. قرأت مقالك ( الإخوان المسلمون والأحزاب ) في العدد الأخير من مجلة ( الإخوان المسلمين ) فطربت لعبارته الجزلة ، ومعانيه الدقيقة ، وأدبه العف الرصين ، هكذا يجب أن تكتبوا أيها الإخوان المسلمون ، اكتب دائماً وروح القدس يؤيدك ، والله معك والسلام عليكم ورحمة الله بركاته .
حسن البنا. انتهى.

يقول د . عبد الصبور شاهين : ( ... ما اكتبه هنا شرف لي قبل أن يكون تقديماً للكتاب والحق أن كتابا يوضع على علاقة اسم الأستاذ الغزالي لا يحتاج إلى تقديم فحسبه في تقديري أن يتوج بهذا العلم الخفاق وقد قرأت الدنيا له عشرات الكتب في الإسلام ودعوته وتلقت عنه ما لم تتلق عن أحد من معاصريه ، حتى إن عصرنا هذا يمكن أن يطلق عليه في مجال الدعوة عصر الأستاذ الغزالي ) انتهى.
ويقول الأستاذ عمر عبيد حسنة - مدير تحرير مجلة الأمة القطرية ..
( .. كتابات الشيخ الغزلي تحمل عاطفة ألام على وليدها المريض ، الذي تخشى أن يفترسه المرض ، وبصيرة الطبيب الذي يقدم العلاج وقد يكون العلاج جراحة عضوية إن احتاج الأمر إلى ذلك وكانت كتبه تواجه التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء ونجد الشيخ الغزالي في الخندق الأول ، حيث أدرك الثغرات التي يمكن أن يتسلل منها أعداء الإسلام ) انتهى .
ويقول الأستاذ قطب عبد الحميد قطب : ( إنني واحد من عشرات الألوف المؤلفة التي تعشق من أعماق قلوبها الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي .. وأشهد أن حبي لهذا العالم الكبير والداعية الشهير أكبر من حبي لنفسي فهو من القلة النادرة التي تربى على علمها وفضلها أكثر من جيل ، لا في مصر وحدها ولكن في كثير من البلدان العربية والإسلامية كيف لا وهو الذي تربى في أحضان الدعوة ورضع من لبانها وتتلمذ على جهابذة العلم وأساتذة الفكر وأساطين الدعوة وعلى رأسهم الإمام الشهيد حسن البناء) انتهى .
ويقول د . عبد الستار فتح الله سعيد : ( .. لا ينسى تاريخ الإسلام ، ما قام به الأئمة الأعلام من جهد ناصب لرد الغارة الجاهلية العارمة ، وحشد الأمة حول معالم الإسلام الشامل ، الذي لا يقبل التجزئة والتفريق ولقد قامت أفواج متلاحقة تذود عن معالم الوحي والحق ، وفي ظلال المدرسة الربانية المجاهدة ، التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا تربى شيخنا محمد الغزالي وحمل أعباء الدعوة مع رجالها الكبار ، ثم صار- بفضل الله علماً من أعلامها ، ومضى يرفع لواءها شامخاً في وجه الاستبداد والإلحاد ، ويذود عن شرف الإسلام بقلمه ولسانه ، ويجلي حقائق الوحي الأعلى ، ويقارع الجاهلية الطامسة يوم ضرب الطغيان على أمتنا ليلاً بهيماً) انتهى .
أما شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود فقد كان يقدر الشيخ الغزالي ويعرف له حقه وفضله ، ويفخر به ويعتز ويقول : ( ليس لدينا إلاّ غزالي الأحياء والإحياء ) يعني الغزالي المعاصر ، والغزالي أبا حامد صاحب إحياء علوم الدين .
لقد استفاد شباب الصحوة الإسلامية المباركة من علم الشيخ الغزالي وجراه وصراحته وصدقه ووضوحه ، وكان له تلامذه في الأزهر في مصر وفي أم القرى في مكة المكرمة وفي كلية الشريعة في قطر و في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية في الجزائر ، ومن خلال الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والكتب والمقالات ، والاجتماعات والمؤتمرات .
وهؤلاء التلاميذه يعدون بالألوف من أنحاء العالم الإسلامي ، وهم أوفياء لدعوة الإسلام حملوا الراية مع أستاذهم وشيخهم وانطلقوا يبلغون دعوة الله وينشرون رسالة الإسلام ويقودون الأمة إلى مواطن الخير والفلاح والنصر والنجاح .
وقد برز منهم أساتذة كبار وعلماء فحول تقر بهم العيون وتعلّق عليهم الآمال ومن هؤلاء العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والشيخ مناع القطاع والدكتور أحمد العسال وغيرهم .

إنتاجه العلمي

إن لشيخنا الغزالي مؤلفات كثيرة جاوزت الستين كتاباً في موضوعات مختلفة بالإضافة للمحاضرات والندوات والخطب والمواعظ والدروس والمناظرات التي كان يلقيها داخل مصر وخارجها وإن خطبه في الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص وخطب العيد في ميدان عابدين وجامع محمود لها شأن عظمي وأثر بالغ كبير ، حيث كان يحضرها الألوف من الناس .. ومن أهم مؤلفاته التي طبعت أكثر من مرة في مصر وخارجها ، الإسلام والأوضاع الاقتصادية ، الإسلام والمناهج الاشتراكي ، ومن هنا نعلم ، الإسلام والاستبداد السياسي ، عقيدة المسلم ، فقه السيرة ، ظلام من الغرب ، قذائف الحق ، حصاد الغرور ، جدد حياتك ، الحق المر، ركائز الإيمان بين العقل والقلب، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام ، مع الله ، جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج ، الطريق من هنا ، المحاور الخمسة للقرآن الكريم ، الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر ، دستور الوحدة الثقافية للمسلمين ، الجانب العاطفي من الإسلام، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة ، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية ، سر تأخر العرب والمسلمين ، كفاح دين ، هذا ديننا ، الإسلام في وجه الزحف الأحمر ، علل وأدوية ، صيحة تحذير من دعاة التنصير ، معركة المصحف في العالم الإسلامي ، هموم داعية ، مائة سؤال عن الإسلام ، خطب في شؤون الدين والحياة ( خمسة أجزاء) ، الغزو الفكري يمتد في فراغنا كيف نتعامل مع القرآن الكريم مستقبل الإسلام خارج أرضه كيف نفكر فيه ؟ نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم ، من كنوز السنة ، تأملات في الدين والحياة ، الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين ، كيف نفهم الإسلام في مطلع القرن الخامس عشر ، فن الذكر ، والدعاء عند خاتم الأنبياء ، حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي ، دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين ، الإسلام والطاقات المعطلة الاستعمار أحقاد وأطماع ، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة ، نظرات في القرآن ، ليس من الإسلام ، في موكب الدعوة خلق المسلم ... الخ .
ولقد ترجم الكثير من هذه المؤلفات القيمة إلى العديد من اللغات كالإنجليزية والتركية والفارسية والأوردية والإندونيسية وغيرها .
ومعظم الذين قاموا بهذه التراجم هم من تلامذة الشيخ الغزالي ومحبيه وعار في فضله الذين استفادوا من فيض علمه وعطائه .



صفاته



يقول العلامة الدكتور القرضاوي : ( قد تخالف الغزالي أو يخالفك في قضايا تصغر أو تكبر وتقل أو تكثير ، ولكنك إذا عرفته حق المعرفة لا تستطيع إلا أن تحبه وتقدر ، لما تحسه من إخلاص لله ، وتجرد للحق واستقامة في الاتجاه وغيرة صادقة على الإسلام صحيح أنه أخذ على الشيخ أنه سريع الغضب وأنه إذا غضب هاج كالبحر حتى يغرق وثار كالبركان حتى يحرق وسر هذا أن الرجل يبغض الظلم والهوان لنفسه وللناس ، ولا يحب أن يظلم أو يظلم ولا أن يستخف بكرامة أحد كما لا يستخف بكرامة أحد ، كما أنه لا يطيق العوج والانحراف وبخاصة إذا لبس لبوس الاستقامة ، أو تستر بزي الدين فهو الذي يقاتله سراً وعلانية .
ثم إن من صفات الشيخ الغزالي أنه – إن كان سريع الغضب - فهو سريع الفيء - رجاع إلى الحق إذا تبين له ، ولا يبالي أن يعلن خطأه على الناس علانية وهذه شجاعة لا تتوافر إلا للقليل النادر من الناس .. فهو شجاع عندما يهاجم ما يعتقد خطأ شجاع عندما يعترف بأنه لم يحالفه الصواب فيما كان قد رآء .
قد يأخذ الناس على الشيخ الغزالي بعض آرائه وفتاويه لأنها ليست على مشربهم ولكن الذي أعلمه أن الشيخ الغزالي لم يخرج في فتوى أو رأي على إجماع الأمة المستيقن ، وقد أتهم شيخ الإسلام ابن تيمية قديماً ، بأنه خرق الإجماع في قضايا الطلاق وما يتعلق وهي التي قال فيها تلميذه الحافظ الذهبي : ( وله فتاوى نيل من عرضه بسببها وهي مغمورة في بحر علمه ) .
والغزالي يعترف بالفضل لإخوانه وزملائه أمثال الشيخ سيد سابق والشيخ عبد المعز عبد الستار والشيخ زكريا الزوكه والشيخ إسماعيل حمدي وغيرهم .
بل كان يخجلني بقوله أمام الملأ : ( أسألوا يوسف القرضاوي فهو أولى منى ، لقد كان فيما مضى تلميذي وأما اليوم فأنا تلميذه ) وهذه منزلة لا يرقى إليها إلا الصادقون ) انتهى .
لقد كثرت لقاءاتي مع الشيخ الغزالي وتعددت منذ التقيته أول مرة بمصر سنة 1949م وإلى أن لقي ربه .
فقد زار الكويت أكثر من مرة وخطب وحاضر ، وسعدنا به في الندوة الأسبوعية مساء الجمعة وكانت آخر ندوة له هي التي شاركه فيها الشيخ عبد العزيز المطوع والدكتور عصام البشير ، كما كانت زياراتي له بالقاهرة أكثر من مرة وأخرها قبل فترة وجيزة من وفاته .
ثم شاء الله أن يحضر مؤتمر الجنادرية ليشارك في ندوة ( الإسلام والغرب) وكنت وقتها في زيارة لسورية بدمشق فإذا بالأنباء توافينا بالخبر الذي زلزل كياني حزنا على فقده فهو شيخي وأستاذي وأنا مدين له بفضل كبير .
لقد كان الغزالي علماً شامخاً وداعية مجدداً ، ومجاهداً صلباً ومقاتلاً شجاعاً وكاتباً قمة في البلاغة والأدب قل نظيره في دنيا العروبة والإسلام كما ذكر ذلك الأستاذ عبد العزيز عبد الله السالم في جريدة الرياض .

وفاته

وقد توفى في الرياض يوم 9/3/ 6 199م -1416 هـ ونقل إلى المدينة المنورة حيث دفن في مقابر البقيع وكان لصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود دوره المشكور في تقدير الرجل وتكريمه في حياته رحم الله شيخنا الجليل الشيخ محمد الغزالي السقا وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي عباده الصالحين ، وحشرنا الله وإياه مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً .

محمد الغزالي : الرجل الذي يكتب كما يتكلم ، ويتكلم كما يكتب
الإمام الشهيد حسن البنا.

عذراء الروح
30-01-2009, 08:10 PM
خالد بن الوليد

خالد بن الوليد - لا ينام ولا يترك أحدا ينام



ان أمره لعجيب..!!
هذا الفاتك بالمسلمين يوم أحد والفاتك بأعداء الاسلام بقية الأيام..!!
ألا فلنأت على قصته من البداية..
ولكن أية بداية..؟؟
انه هو نفسه، لا يكاد يعرف لحياته بدءا الا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مبايعا..
ولو استطاع لنحّى عمره وحياته، كل ماسبق ذلك اليوم من سنين، وأيام..
فلنبدأ معه اذن من حيث يحب.. من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله، وتلقت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن، وكلتا يديه يمي، فنفجّرت شوقا الى دينه، والى رسوله، والى استشهاد عظيم في سبيل الحق، ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات..



لقد خلا يوما الى نفسه، وأدار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوما تألقا وارتفاعا، وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدّ اليه من الهدى بسبب.. والتمعت في فؤاده الذكي بشائر اليقين، فقال:
" والله لقد استقام المنسم....
وان الرجل لرسول..
فحتى متى..؟؟
أذهب والله، فأسلم"..
ولنصغ اليه رضي الله عنه وهو يحدثنا عن مسيره المبارك الى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعن رحلته من مكة الى المدينة ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين:
".. وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد فأسرع الاجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا.. فلما كنا بالسهل اذا عمرو بن العاص، فقال مرحبا يا قوم،
قلنا: وبك..
قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم.
فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان..فلما اطّلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه بالنبوّة فردّ على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق..
فقال الرسول: قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك الا الى خير..
وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله..
فقال: ان الاسلام يجبّ ما كان قبله..
قلت: يا رسول الله على ذلك..
فقال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك..
وتقدّم عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله"...



أرأيتم قوله للرسول:" استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله"..؟؟
ان الذي يضع هذه العبارة بصره، وبصيرته، سيهتدي الى فهم صحيح لسلك المواقف التي تشبه الألغاز في حياة سيف الله وبطل الاسلام..
وعندما نبلغ تلك المواقف في قصة حياته ستكون هذه العبارة دليلنا لفهمها وتفسيرها-..
أما الآن، فمع خالد الذي أسلم لتوه لنرى فارس قريش وصاحب أعنّة الخيل فيها، لنرى داهية العرب كافة في دنيا الكرّ والفرّ، يعطي لآلهة أبائه وأمجاد قومه ظهره، ويستقبل مع الرسول والمسلمين عالما جديدا، كتب الله له أن ينهض تحت راية محمد وكلمة التوحيد..
مع خالد اذن وقد أسلم، لنرى من أمره عجبا..!!!!



أتذكرون أنباء الثلاثة شهداؤ أبطال معركة مؤتة..؟؟
لقد كانوا زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة..
لقد كانوا أبطال غزوة مؤتة بأرض الشام.. تلك الغزوة التي حشد لها الروم مائتي ألف مقاتل، والتي أبلى المسلمون فيها بلاء منقطع النظير..
وتذطرون العبارة الجليلة الآسية التي نعى بها الرسول صلى الله عليه وسلم قادة المعركة الثلاثة حين قال:
" أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.
ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا..
ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا".
كان لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقيّة، ادّخرناها لمكانها على هذه الصفحات..
هذه البقيّة هي:
" ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله علي يديه".
فمن كان هذا البطل..؟



لقد كان خالد بن الوليد.. الذي سارع الى غزوة مؤتة جنديا عاديا تحت قيادة القواد الثلاثة الذين جعلهم الرسول على الجيش: زيد، وجعفر وعبدالله ابن رواحة، والذين اساشهدوا بنفس الترتيب على ارض المعركة الضارية..
وبعد سقوط آخر القواد شهيدا، سارع الى اللواء ثابت بن أقوم فحمله بيمينه ورفعه عاليا وسط الجيش المسلم حتى لا بعثر الفوضى صفوفه..
ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعا الى خالد بن الوليد، قائلا له:
" خذ اللواء يا أبا سليمان"...
ولم يجد خالد من حقّه وهو حديث العهد بالاسلام أن يقود قوما فيهم الأنصار والمهاجرون الذين سبقوه بالاسلام..
أدب وتواضع وعرفان ومزايا هو لها اهل وبها جدير!!
هنالك قال مجيبا ثابت بن أقرم:
" لا آخذ اللواء، أنت أحق به.. لك سن وقد شهدت بدرا"..
وأجابه ثابت:" خذه، فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته الا لك".
ثم نادى في المسلمين: اترضون امرة خالد..؟
قالوا: نعم..
واعتلى العبقري جواده. ودفع الراية بيمينه الى الأمام كأنما يقرع أبوابها مغلقة آن لها أن تفتح على طريق طويل لاحب سيقطعه البطل وثبا..
في حياة الرسول وبعد مماته، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمرا كان مقدورا...
ولّي خالد امارة الجيش بعد أن كان مصير المعركة قد تحدد. فضحايا المسلمين كثيرون، وجناهم مهيض.. وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح، ظافر مدمدم..
ولم يكن بوسع أية كفاية حربية أن تغير من المصير شيئا، فتجعل المغلوب غالبا، والغالب مغلوبا..
وكان العمل الوحيد الذي ينتظر عبقريا لكي ينجزه، هو وقف الخسائر في جيش الاسلام، والخروج ببقيته سالما، أي الانسحاب الوقائي الذي يحول دون هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة.
بيد أن انسحابا كهذا كان من الاستحالة بمكان..
ولكن، اذا كان صحيحا أنه لا مستحيل على القلب الشجاع فمن أشجع قلبا من خالد، ومن أروع عبقرية وأنفذ بصيرة..؟؟!



هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء.. ويقسم جيشه، والقتال دائر، الى مجموعات، ثم يكل الى كل مجموعة بمهامها.. وراح يستعمل فنّه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف الروم ثغرة فسيحة واسعة، خرج منها جيش المسلمين كله سليما معافى. بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الاسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال...!!
وفي هذه المعركة أنعم الرسول على خالد بهذا اللقب العظيم..



وتنكث قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة..
وعلى الجناح الأيمن من الجيش، يجعل الرسول خالدا أميرا..
ويدخل خالد مكة، واحدا من قادة الجيش المسلم، والأمة المسلمة بعد أن شهدته سهولها وجبالها. قائدا من قوّاد جيش الوثنية والشرك زمنا طويلا..
وتخطر له ذكريات الطفولة، حيث مراتعها الحلوة.. وذكريات الشباب، حيث ملاهيه الصاخبة..
ثم تجيشه ذكريات الأيام الطويلة التي ضاع فيها عمره قربانا خاسرا لأصنام عاجزة كاسدة..


وقبل أن يعضّ الندم فؤاده ينتفض تحت تحت روعة المشهد وجلاله..
مشهد المستضعفين الذين لا تزال جسومهم تحمل آثار التعذيب والهول، يعودون الى البلد الذي أخرجوا منه بغيا وعدوا، يعودون اليه على صهوات جسادهم الصاهلة، وتحت رايات الاسلام الخافقة.. وقد تحوّل همسهم الذي كانوا يتناجون به في دار الأرقم بالأمس، الى تكبيرات صادعة رائعة ترجّ مكة رجّا، وتهليلات باهرة ظافرة، يبدو الكون معها، وكأنه كله في عيد...!!
كيف تمّت المعجزة..؟
أي تفسير لهذا الذي حدث؟



لا شيء الا هذه الآية التي يرددها الزاحفون الظافرون وسط تهليلاتهم وتكبيراتهم حتى ينظر بعضهم الى بعض فرحين قائلين:
(وعد الله.. لا يخلف الله وعده)..!!



ويرفع خالد رأسه الى أعلى. ويرمق في اجلال وغبطة وحبور رايات الاسلام تملأ الأفق.. فيقول لنفسه:
أجل انه وعد الله ولا يخلف الله وعده..!!
ثم يحني رأسه شاكرا نعمة ربه الذي هداه للاسلام وجعله في يوم الفتح العظيم هذا، واحدا من الذين يحملون راية الاسلام الى مكة.. وليس من الذين سيحملهم الفتح على الاسلام..



ويظل خالد الى جانب رسول الله، واضعا كفاياته المتفوقة في خدمة الدين الذي آمن به من كل يقينه، ونذر له كل حياته.



وبعد أن يلحق الرسول بالرفيق الأعلى، ويحمل أبو بكر مسؤولية الخلافة، وتهبّ أعاصير الردّة غادرة ماكرة، مطوقة الدين الجديد بزئيرها المصمّ وانتفاضها المدمدم.. يضع أبو بكر عينه لأول وهلة على بطل الموقف ورجل الساعة.. ألي سليمان، سيف الله، خالد بن الوليد..!!
وصحيح أن أبا بكر لم يبدأ معارك المرتدين الا بجيش قاده هو بنفسه، ولكن ذلك لا يمنع أنه ادّخر خالدا ليوم الفصل، وأن خالدا في المعركة الفاصلة التي كانت أخطر معارك الردة جميعا، كان رجلها الفذ وبطلها الملهم..



عندما بدأت جموع المرتدين تتهيأ لانجاز مؤامرتها الضخمة، صمم الخليفة العظيم أبو بكر على أن يقود جيوش المسلمين بنفسه، ووقف زعماء الصحابة يبذلون محاولات يائسة لصده عن هذا العزم. ولكنه ازداد تصميما.. ولعله أراد بهذا أن يعطي القضية التي دعا الناس لخوض الحرب من أجلها أهميّة وقداسة، لا يؤكدها في رأيه الا اشتراكه الفعلي في المعارك الضارية التي ستدور رحاها بين قوى الايمان، وبين جيوش الضلال والردة، والا قيادته المباشرة لبعض أو لكل القوات المسلمة..
ولقد كانت انتفاضات الردة بالغة الخطورة، على الرغم من أنها بدأت وكأنها تمرّد عارض..



لقد وجد فيها جميع الموتورين من الاسلام والمتربصين به فرصتهم النادرة، سواء بين قبائل العرب، أم على الحدود، حيث يجثم سلطان الروم والفرس، هذا السلطان الذي بدأ يحسّ خطر الاسلام الأكبر عليه، فراح يدفع الفتنة في طريقه من وراء ستار..!!
ونشبت نيران الفتننة في قبائل: أسد، وغطفان، وعبس، وطيء، وذبيان..
ثم في قبائل: بني غامر، وهوزان، وسليم، وبني تميم..
ولم تكد المناوشات تبدأ حتى استحالت الى جيوش جرّارة قوامها عشرات الألوف من المقاتلين..
واستجاب للمؤامرة الرهيبة أهل البحرين، وعمان، والمهرة، وواجه الاسلام أخطر محنة، واشتعلت الأرض من حول المسلمين نارا.. ولكن، كان هناك أبو بكر..!!



عبّأ أبو بكر المسلمين وقادهم الى حيث كانت قبائل بني عبس، وبني مرّة، وذبيان قد خرجوا في جيش لجب..
ودار القتال، وتطاول، ثم كتب للمسلمين نصر مؤزر عظيم..
ولم يكد الجيش المنتصر يستقر بالمدينة. حتى ندبه الخليفة للمعركة التالية..



وكانت أنباء المرتدين وتجمّعاتهم تزداد كل ساعة خطورة .. وخرج أبو بكر على رأس هذا الجيش الثاني، ولكن كبار الصحابة يفرغ صبرهم، ويجمعون على بقاء الخليفة بالمدينة، ويعترض الامام علي طريق أبا بكر ويأخذ بزمام راحلته التي كان يركبها وهو ماض امام جيشه الزاحف فيقول له:
" الى أين يا خليفة رسول الله..؟؟
اني أقول لك ما قاله رسول الله يوم أحد:
لمّ سيفك يا أبا بكر لا تفجعنا بنفسك..."
وأمام اجماع مصمم من المسلمين، رضي الخليفة أن يبقى بالمدينة وقسّم الجيش الى احدى عشرة مجموعة.. رسم لكل مجموعة دورها..
وعلى مجموعة ضخمة من تلك المجموعات كان خالد بن الوليد أميرا..
ولما عقد الخليفة لكل أمير لواءه، اتجه صوب خالد وقال يخاطبه:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبدالله. وأخو العشيرة، خالد ابن الوليد، سيف من سيوف الله. سلّه الله على الكفار والمنافقين"..



ومضى خالد الى سبيله ينتقل بجيشه من معركة الى معركة، ومن نصر الى مصر حتى كانت المعركة الفاصلة..



فهناك باليمامة كان بنو حنيفة، ومن انحاز اليهم من القبائل، قد جيّشوا أخطر جيوش الردو قاطبة، يقوده مسيلمة الكذاب.
وكانت بعض القوات المسلمة قد جرّبت حظها مع جيوش مسيلمة، فلم تبلغ منه منالا..
وجاء أمر الخليفة الى قائده المظفر أن سر الى بني حنيفة.. وسار خالد..
ولم يكد مسيلمة يعلم أن ابن الوليد في الطريق اليه حتى أعاد تنظيم جيشه، وجعل منه خطرا حقيقيا، وخصما رهيبا..



والتقى الجيشان:
وحين تطالع في كتب السيرة والتاريخ، سير تلك المعركة الهائلة، تأخذك رهبة مضنية، اذ تجد نفسك أمام معركة تشبه في ضراوتها زجبروتها معارك حروبنا الحديثة، وان تلّفت في نوع السلاح وظروف القتال..
ونزل خالد بجيشه على كثيب مشرف على اليمامة، وأقبل مسيلمة في خيلائه وبغيه، صفوف جيشه من الكثرة كأنها لا تؤذن بانتهاء..!!



وسّلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه، والتحم الجيشان ودار القتال الرهيب، وسقط شهداء المسلمين تباعا كزهور حديقة طوّحت بها عاصفة عنيدة..!!
وأبصر خالد رجحان كفة الأعداء، فاعتلى بجواده ربوة قريبة وألقى على المعركة نظرة سريعة، ذكية وعميقة..
ومن فوره أدرك نقاط الضعف في جيشه وأحصاها..
رأى الشعور بالمسؤولية قد وهن تحت وقع المفاجأة التي دهمهم بها جيش مسيلمة، فقرر في نفس اللحظة أن يشدّ في أفئدة المسلمين جميعا الى أقصاه.. فمضى ينادي اليه فيالق جيشه وأجنحته، وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة، ثم صاح بصوته المنتصر:
" امتازوا، لنرى اليوم بلاء كل حيّ".
وامتازوا جميعا..
مضى المهاجرون تحت راياتهم، والأنصار تحت رايتهم " وكل بني أب على رايتهم".
وهكذا صار واضحا تماما، من أين تجيء الهزيمة حين تجيء واشتعلت الأنفس حماسة، اتّقدت مضاء، وامتلأت عزما وروعة..
وخالد بين الحين والحين، يرسل تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقى بها امرا، فتتحوّل سيوف جيشه الى مقادير لا رادّ لأمرها، ولا معوّق لغاياتها..
وفي دقائق معدودة تحوّل اتجاه المعركة وراح جنود مسيلمة يتساقطون بالعشرات، فالمئات فالألوف، كذباب خنقت أنفاس الحياة فيه نفثات مطهر صاعق مبيد..!!



لقد نقل خالد حماسته كالكهرباء الى جنوده، وحلّت روحه في جيشه جميعا.. وتلك كانت احدى خصال عبقريّته الباهرة..
وهكذا سارت أخطر معارك الردة وأعنف حروبها، وقتل مسيلمة..
وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال، وطويت تحت التراب الى الأبد راية الدّعيّ الكذاب..



وفي المدينة صلى الخليفة لربه الكبير المتعال صلاة الشكر، اذ منحهم هذا النصر، وهذا البطل..
وكان أبو بكر قد أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دور خطير في تهديد مصير الاسلام واهله.. الفرس في العراق.. والروم في بلاد الشام..
امبرطوريتان خرعتان، تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب، بل وتسخرهم، وأكثرهم عرب، لقتال المسلمين العرب الذين يحملون راية الدين الجديدة، يضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله، ويجتثون عفنه وفساده..!
هنالك أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته الى خالد أن يمضي بجيشه صوب العراق..
ويمضي البطل الى العراق، وليت هذه الصفحات كانت تتسع لتتبع مواكب نصره، اذن لرأينا من أمرها عجبا.
لقد استهلّ عمله في العراق بكتب أرسلها الى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه..
" بسم الله الرحمن الرحيم
من خالد بن الوليد.. الى مرازبة فارس..
يلام على من اتبع الهدى
أما بعد، فالحمد لله الذي فضّ خدمكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم
من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، واكل ذبيحتنا فذلكم المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا
اذا جاءكم كتابي فابعثوا اليّ بالرهن واعتقدوا مني الذمّة
والا، فوالذي لا اله غيره لأبعثن اليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة"..!!



وجاءته طلائعه التي بثها في كل مكان بأنباء الزّخوف الكثيرة التي يعدها له قوّاد الفرس في العراق، فلم يضيّع وقته، وراح يقذف بجنوده على الباطل ليدمغه.. وطويت له الأرض طيّا عجيبا.
في الأبلّة، الى السّدير، فالنّجف، الى الحيرة، فالأنبار، فالكاظمية. مواكب نصر تتبعها مواكب... وفي كل مكان تهلّ به رياحه البشريات ترتفع للاسلام راية يأوي الى فيئها الضعفاء والمستعبدون.
أجل، الضعفاء والمستعبدون من أهل البلد الذين كان الفرس يستعمرونهم، ويسومونهم سوء العذاب..
وكم كان رائعا من خالد أن بدأ زحفه بأمر أصدره الى جميع قوّاته:
" لا تتعرّضوا للفلاحين بسوء، دعوهم في شغلهم آمنين، الا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذ قاتلوا المقاتلين".
وسار بجيشه الظافر كالسكين في الزبد الطريّ حتى وقف على تخوم الشام..
وهناك دوّت أصوات المؤذنين، وتكبيرات الفاتحين.
ترى هل سمع الروم في الشام..؟
وهل تبيّنوا في هذه التكبيرات نعي أيامهم، وعالمهم..؟
أجل لقد سمعوا.. وفزّعوا.. وقرّروا أن يخوضوا في حنون معركة اليأس والضياع..!



كان النصر الذي أحرزه الاسلام على الفرس في العراق بشيرا بنصر مثله على الروم في الشام..
فجنّد الصدّيق أبو بكر جيوشا عديدة، واختار لامارتها نفرا من القادة المهرة، أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ثم معاوية بن أبي سفيان..
وعندما نمت أخبار هذه الجيوش الى امبراطور الروم نصح وزراءه وقوّاده بمصالحة المسلمين، وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة..
بيد أن وزراءه وقوّاده أصرّوا على القتال وقالوا:
" والله لنشغلنّ أبا بكر على أن يورد خيله الى أرضنا"..
وأعدوا للقتال جيشا بلغ قوامه مائتي ألف مقاتل، وأ{بعين ألفا.
وأرسل قادة المسلمين الى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف فقال أبو بكر:
" والله لأشفينّ وساوسهم بخالد"..!!!
وتلقى ترياق الوساوس.. وساوس التمرّد والعدوان والشرك، تلقى أمر الخليفة بالزحف الى الشام، ليكون أميرا على جيوش الاسلام التي سبقته اليها..
وما اسرع ما امتثل خالد وأطلع، فترك على العراق المثنّى بن الحارثة وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام، وأنجز بعبقريته الباهرة تنظيم الجيش المسلم وتنسيق مواقعه في وقت وجيز، وبين يدي المعركة واللقاء، وقف في المقاتلين خطيبا فقال بعد أن حمد ربه وأثنى عليه:
" ان هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الامارة، فيكون أحدنا اليوم أميرا، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمّر كلكم"...
هذا يوم من أيام الله..
ما أروعها من بداية..!!
لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
وهذه أكثر روعة وأوفى ورعا!!



ولم تنقص القائد العظيم الفطنة المفعمة بالايثار، فعلى الرغممن أن الخليفة وضعه على رأس الجيش بكل أمرائه، فانه لم يشا أن يكون عونا للشيطان على أنفس أصحابه، فتنازل لهم عن حقه الدائم في الامارة وجعلها دولة بينهم..
اليوم أمير، ودغا أمي رثان.. وبعد غد أمير آخر..وهكذا..
كان جيش الروم بأعداده وبعتاده، شيئا بالغ الرهبة..
لقد أدرك قوّاد الروم أن الزمن في صالح المسلمين، وأن تطاول القتال وتكاثر المعارك يهيئان لهم النصر دائما، من أجل ذلك قرروا أن يحشدوا كل قواهم في معركة واحدة يجهزون خلالها على العرب حيث لا يبقى لهم بعدها وجود، وما من شك أن المسلمين أحسّوا يوم ذاك من الرهبة والخطر ما ملأ نفوسهم المقدامة قلقا وخوفا..
ولكن ايمانهم كان يخفّ لخدمتهم في مثل تلك الظلمات الحالكات، فاذا فجر الأمل والنصر يغمرهم بسناه..!!



ومهما يكن بأس الروم وجيوشهم، فقد قال أبو بكر، وهو بالرجال جدّ خبير:
" خالد لها".!!
وقال:" والله، لأشفينّ وساوسهم بخالد".
فليأت الروم بكل هولهم، فمع المسلمين الترياق..!!
عبأ ابن الوليد جيشه، وقسمه الى فيالق، ووضع للهجوم والدفاع خطة جديدة تتناسب مع طريقة الروم بعد أن خبر وسائل اخوانهم الفرس في العراق.. ورسم للمعركة كل مقاديرها..
ومن عجب أن المعركة دارت كما رسم خالد وتوقع، خطوة خطوة، وحركة حركة، حتى ليبدو وكأنه لو تنبأ بعدد ضربات السيوف في المعركة، لما أخطأ التقدير والحساب..!!
كل مناورة توقعها من الروم صنعوها..
كا انسحاب تنبأ به فعلوه..
وقبل أن يخوض القتال كان يشغل باله قليلا، احتمال قيام بعض جنود جيشه بالفرار، خاصة أولئك الذين هم حديثو العهد بالاسلام، بعد أن رأى ما ألقاه منظر جيش الروم من رهبة وجزع..
وكان خالد يتمثل عبقرية النصر في شيء واحد، هو الثبات..
وكان يرى أن حركة هروب يقوم بها اثنان أو ثلاثة، يمكن أن تشيع في الجيش من الهلع والتمزق ما لا يقدر عليه جيش العدو بأسره...
من أجل هذا، كان صارما، تجاه الذي يلقي سلاحه ويولي هاربا..
وفي تلك الموقعة بالذات موقعة اليرموك، وبعد أن أخذ جيشه مواقعه، دعا نساء المسلمين، ولأول مرّة سلّمهن السيوف، وأمرهن، بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب وقال لهن:
" من يولّي هاربا فاقتلنه"..
وكانت لفتة بارعة أدت مهمتها على أحسن وجه..!!

وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز اليه خالد ليقول له بضع كلمات ..
وبرز اليه خالد، حيث تواجها فوق جواديهما في الفراغ الفاصل بين الجيشين..
وقال ماهان قائد الروم يخاطب خالدا"
" قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم الا الجوع والجهد..
فان شئتم، أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير، وكسوة، وطعاما، وترجعون الى بلادكم، وفي العام القادم أبعث اليكم بمثلها".!!
وضغط خالد الرجل والبطل على أسنانه، وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب..
وقرر أن يردذ عليه بجواب مناسب، فقال له:
" انه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمت أنه لا دم أشهى وأطيب من دم الروم، فجئنا لذلك"..!!
ولوة البطل زمام جواده عائدا الى صفوف جيشه. ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال..
" الله أكبر"
" هبّي رياح الجنة"..
كان جيشه يندفع كالقذيفة المصبوبة.
ودار قتال ليس لضراوته نظير..

وأقبل الروم في فيالق كالجبال..
وبجا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون..
ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم..
فهذا أحدهم يقترب من أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه والقتال دائر ويقول:
" اني قد عزمت على الشهادة، فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه"؟؟
فيجيب أبو عبيدة:
" نعم قل له: يا رسول الله انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا".
ويندفع الرجل كالسهم المقذوف.. يندفع وسط الهول مشتاقا الى مصرعه ومضجعه.. يضرب بسيفه، ويضرب بآلاف السيوف حتى يرتفع شهيدا..!!
وهذا عكرمة بن أبي جهل..
أجل ابن أبي جهل..
ينادي في المسلمين حين ثقلت وطأة الروم عليهم قائلا:
" لطالما قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهدني الله الاسلام، افأفرّ من أعداء الله اليوم"؟؟
ثم يصيح:" من يبايع على الموت"..
فيبايعه على الموت كوكبة من المسلمين، ثم ينطلقون معا الى قلب المعركة لا باحثين عن النصر، بل عن الشهادة.. ويتقبّل الله بيعتهم وبيعهم،
فيستشهدون..!!
وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراح أليمة، وجيء لهم بماء يبللون به أفواههم، فلما قدم الماء الى أولهم، أشار الى الساقي أن أعط أخي الذي بجواري فجرحه أخطر، وظمؤه أشد.. فلما قدّم اليه الامء، اشار بدوره لجاره. فلا انتقل اليه أشار بدوره لجاره..
وهكذا، حتى.. جادت أرواح أكثرهم ظامئة.. ولكن أنضر ما تكون تفانيا وايثارا..!!
أجل..
لقد كانت معركة اليرموك مجالا لفدائية يعز نظيرها.
ومن بين لوحات الفداء الباهرة التي رسمتها عزمات مقدرة، تلك اللوحة الفذة.. لوحة تحمل صورة خالد بن الوليد على رأس مائة لا غير من جنده، ينقضّون على ميسرة الروم وعددها أربعون ألف جندي، وخالد يصيح في المائة الذين معه:
" والذي نفسي بيده ما بقي مع الروم من الصبر والجلد الا ما رأيتم.
واني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم".
مائة يخوضون في أربعين ألف.. ثم ينتصرون..!!
ولكن أي عجب؟؟
أليس مالء قلوبهم ايمان بالله العلي الكبير..؟؟
وايمان برسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؟؟
وايمان بقضية هي أكثر قضايا الحياة برا، وهدى ونبلا؟



وأليس خليفتهم الصديق رضي الله عنه، هذا الذي ترتفع راياته فوق الدنيا، بينما هو في المدينة’ العاصمة الجديدة للعالم الجديد، يحلب بيده شياه الأيامى، ويعجن بيده خبز اليتامى..؟؟
وأليس قائدهم خالد بن الوليد ترياق وساوس التجبر، والصفلف، والبغي، والعدوان، وسيف الله المسلول على قوى التخلّف والتعفّن والشرك؟؟
أليس ذلك، كذلك..؟
اذن، هبي رياح النصر...
هبّي قويّة عزيزة، ظافرة، قاهرة...



لقد بهرت عبقرية خالد قوّاد الروم وأمراء جيشهم، مما حمل أحدهم، واسمه جرجح على أن يدعو خالدا لبروز اليه في احدى فترات الراحة بين القتال.

وحين يلتقيان، يوجه القائد الرومي حديثه الى خالد قائلا:
" يا خالد، أصدقني ولا تكذبني فان الحرّ لا يكذب..
هل أنزل على نبيّكم سيفا من السماء فأعطاك ايّاه، فلا تسلّه على أحد الا هزمته"؟؟
قال خالد: لا..
قال الرجل:
فبم سميّت يبف الله"؟
قال خالد: ان الله بعث فينا نبيه، فمنا من صدّقه ومنا من كذّب.ز وكنت فيمن كذّب حتى أخذ الله قلوبنا الى الاسلام، وهدانا برسوله فبايعناه..
فدعا لي الرسول، وقال لي: أنت سيف من سيوف الله، فهكذا سميّت.. سيف الله".
قال القائد الرومي: والام تدعون..؟
قال خالد:
الى توحيد الله، والى الاسلام.
قال:
هل لمن يدخل في الاسلام اليوم مثل ما لكممن المثوبة والأجر؟
قال خالد: نعم وأفضل..
قال الرجل: كيف وقد سبقتموه..؟
قال خالد:
لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر..
أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه، ثم آمنتم بالغيب، فان أجركم أجزل وأكبر اا صدقتم الله سرائركم ونواياكم.
وصاح القائد الرومي، وقد دفع جواده الى ناحية خالد، ووقف بجواره:
علمني الاسلام يا خالد"".!!!
وأسلم وصلى ركعتين لله عز وجل.. لم يصلّ سواهما، فقد استأنف الجيشان القتال.. وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستيتا في طلب لبشهادة حتى نالها وظفر بها..!!



وبعد، فها نحن أولاء نواجه العظمة الانسانية في مشهد من أبهى مشاهدها.. اذ كان خالد يقود جيوش المسلمين في هذه المعركة الضارية، ويستلّ النصر من بين أنياب الروم استلالا فذا، بقدر ما هو مضن ورهيب، واذا به يفاجأ بالبريد القادم من المدينة من الخليقة الجديد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. وفيه تحيّة الفاروق للجيش المسلم، نعيه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وتولية أبي عبيدة بن الجرّاح مكانه..
قرأ خالد الكتاب، وهمهم بابتهالات الترحّم على ابي بكر والتوفيق لعمر..
ثم طلب من حامل الكتاب ألا يبوح لأحد بما فيه وألزمه مكانه أمره ألا يغادره، وألا يتصل بأحد.
استأنف قيادته للمعركة مخفيا موت أبي بكر، وأوامر عمر حتى يتحقق النصر الذي بات وشيكا وقريبا..
ودقّت ساعة الظفر، واندحر الروم..



وتقدّم البطل من أبي عبيدة مؤديا اليه تحيّة الجندي لقائده... وظنها أبو عبيدة في أول الأمر دعابة من دعابات القائد الذي حققق نصرا لم يكن في السحبان.. بيد أنه ما فتئ أن رآها حقيقة وجدّا، فقبّل خالد بين عينيه، وراح يطري عظمة نفسه وسجاياه..



وثمّت رواية تاريخية أخرى، تقول: ان الكتاب أرسل من أمير المؤمنين عمر الى أبي عبيدة، وكتم أبو عبيدة النبأ عن خالد حتى انتهت المعركة..
وسواء كان الأمر هذا أو ذاك، فان مسلك خالد في كلتا الحالتين هو الذي يعنينا.. ولقد كان مسلكا بالغ الروعة والعظمة والجلال..
ولا أعرف في حياة خالد كلها موقفا ينبئ باخلاصه العميق وصدقه الوثيق، مثل هذا الموقف...



فسواء عليه أن يكون أميرا، أو جنديا..
ان الامارة كالجندية، كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله الذي آمن به، ونحو الرسول الذي بايعه، ونحو الدين الذي اعتنقه وسار تحت رايته..
وجهده المبذول وهو أمير مطاع.. كجهده المبذول وهو جندي مطيع..!
ولقد هيأ له هذا الانتصار العظيم على النفس، كما هيأه لغيره، طراز الخلفاء الذين كانوا على راس الأمة المسلمة والدولة المسلمة يوم ذاك..
أبو بكر وعمر..
اسمان لا يكاد يتحرّك بهما لسان، حتى يخطر على البال كل معجز من فضائل الانسان، وعظمة الانسان..
وعلى الرغم من الودّ الذي كان مفقودا أحيانا بين عمر وخالد، فان نزاهة عمر وعدله،وورعه وعظمته الخارقة، لم تكن قط موضع تساؤول لدى خالد..
ومن ثم لم تكن قراراته موضع سك، لأن الضمير الذي يمليها، قد بلغ من الورع، ومن الاستقامة، ومن الاخلاص والصدق أقصى ما يبلغه ضمير منزه ورشيد..


لم يكن أمير المؤمنين عمر يأخذ على خالد من سوء، ولكنه كان يأخذ على سيفه التسرّع، والحدّة..
ولقد عبّر عن هذا حين اقترح على أبي بكر عزله اثر مقتل مالك بن نويرة، فقال:
" ان في سيف خالد رهقا"
أي خفة وحدّة وتسرّع..
فأجابه الصدّيق قائلا:
" ما كنت لأشيم سيف سلّه الله على الكافرين".
لم يقل عمر ان في خالد رهقا.. بل جعل الرهق لسيفه لا لشخصه، وهي كلمات لا تنمّ عن أدب أمير المؤمنين فحسب، بل وعن تقديره لخالد أيضا..
وخالد رجل حرب من المهد الى اللحد..
فبيئته، ونشأته، وتربيته وحياه كلها، قبل الاسلام وبعده كانت كلها وعاء لفارس، مخاطر، داهية..



ثم ان الحاح ماضيه قبل السلام، والحروب التي خاضها ضد الرسول وأصحابه، والضربات التي أسقط بها سيفه أيام الشرك رؤوسا مؤمنة، وجباها عابدة، كل هذا كان له على ضميره ثقل مبهظ، جعل سيفه توّاقا الى أن يطوّح من دعامات الشرك أضعاف ما طوّح من حملة الاسلام..
وانكم لتذكرون العبارة التي أوردناها أوّل هذا الحديث والتي جاءت في سياق حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال له:
" يا رسول الله..
استغفر لي كل ما أوضعت فيه عن صدّ عن سبيل الله".
وعلى الرغم من انباء الرسول صلى الله عليه وسلم اياه، بأن الاسلام يجبّ ما كان قبله، فانه يظل يتوسل على الظفر بعهد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله له فيما صنعت من قبل يداه..
والسيف حين يكون في يد فارس خارق كخالد بن الوليد، ثم يحرّك اليد القابضة عليه ضمير منوهج بحرارة التطهر والتعويض، ومفعم بولاء مطلق لدين تحيط به المؤمرات والعداوات، فان من الصعب على هذا السيف أن يتخلى عن مبادئه الصارمة، وحدّته الخاطفة..



وهكذا رأينا سيف خالد يسبب لصاحبه المتاعب.
فحين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفتح الى بعض قبائل العرب القريبة من مكة، وقال له:
" اني أبعثك داعيا لا مقاتلا".
غلبه سيفه على أمره ودفعه الى دور المقاتل.. متخليا عن دور الداعي الذي أوصاه به الرسول مما جعله عليه السلام ينتفض جزعا وألما حين بلفه صنيع خالد.. وقام مستقبلا القبلة، رافعا يديه، ومعتذرا الى الله بقوله:
" اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد".
ثم أرسل عليّا فودى لهم دماءهم وأموالهم.
وقيل ان خالدا اعتذر عن نفسه بأن عبدالله بن حذافة السهمي قال له:
ان رسول الله قد أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الاسلام..
كان خالد يحمل طاقة غير عادية.. وكان يستبد به توق عارم الى هدم عالمه القديم كله..
ولو أننا نبصره وهو يهدم صنم العزّى الذي أرسله النبي لهدمه.
لو أننا نبصره وهو يدمدم بمعوله على هذه البناية الحجرية، لأبصرنا رجلا يبدو كأنه يقاتل جيشا بأسره، يطوّح رؤوس أفرداه ويتبر بالمنايا صفوفه.
فهو يضرب بيمينه، وبشماله، وبقدمه، ويصيح في الشظايا المتناثرة، والتراب المتساقط:
" يا عزّى كفرانك، لا سبحانك
اني رأيت الله قد أهانك"..!!
ثم يحرقها ويشعل النيران في ترابها..!
كانت كل مظاهر الشرك وبقاياه في نظر خالد كالعزّى لا مكان لها في العالم الجديد الذي وقف خالد تحت أعلامه..
ولا يعرف خالد أداة لتصفيتها الا سيفه..
والا.." كفرانك لا سبحانك..
اني رأيت الله قد أهانك"..!!



على أننا اذ نتمنى مع أمير المؤمنين عمر، لوخلا سيف خالد من هذا الرهق، فاننا سنظل نردد مع أمير المؤمنين قوله:
" عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"..!!
لقد بكاه عمر يوم مات بكاء كثيرا، وعلم الانس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب، بل ويبكي فرصة أضاعها الموت عن عمر اذ كان يعتزم رد الامارة الى خالد بعد أن زال افتتان الناس به. ومحصت أسباب عزله، لولا أن تداركه الموت وسارع خالد الى لقاء ربه.
نعم سارع البطل العظيم الى مثواه في الجنة..
أما آن له أن يستريح..؟؟ هو الذي لم تشهد الأرض عدوّا للراحة مثله..؟؟
أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلا..؟؟ هو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه:
" الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام"..؟؟
أما هو، فلو خيّر لاختار أن يمدّ الله له في عمره مزيدا من الوقت يواصل فيه هدم البقايا المتعفنة القديمة، ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والاسلام..
ان روح هذا الرجل وريحانه ليوجدان دائما وابدا، حيث تصهل الخيل، وتلتمع الأسنّة، وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة..
وأنه ليقول:
" ما ليلة يهدى اليّ فيها عروس، أو أبشّر فيها بوليد، بأحبّ اليّ من ليلة شديدة الجليد، في سريّة من المهاجرين، أصبح بهم المشركين"..
من أجل ذلك، كانت مأساة حياته أن يموت في فراشه، وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده، وتحت بريق سيفه...



هو الذي غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقهر أصحاب الردّة، وسوّى بالتراب عرش فارس والروم، وقطع الأرض وثبا، في العراق خطوة خطوة، حتى فتحها للاسلام، وفي بلاد الشام خطوة خطوة حتى فتحها كلها للاسلام...
أميرا يحملشظف الجندي وتواضعه.. وجنديا يحمل مسؤولية الأمير وقدوته..
كانت مأساة حياة البطل أن يموت البطل على فراشه..!!
هنالك قال ودموعه تنثال من عينيه:
" لقد شهدت كذا، وكذا زحفا، وما في جسدي موضع الا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، أ، رمية سهم..
ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"..!
كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن، الا مثل هذا الرجل، وحين كان يستقبل لحظات الرحيل، شرع يملي وصيّته..
أتجرون الى من أوصى..؟
الى عمر بن الخطاب ذاته..!!
أتدرون ما تركته..؟
فرسه وسلاحه..!!

ثم ماذا؟؟
لا شيء قط ، مما يقتني الناس ويمتلكون..!!
ذلك أنه لم يكن يستحزذ عليه وهو حيّ، سوى اقتناء النصر وامتلاك الظفر على أعداء الحق.
وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه..
شيء واحد، كان يحرص عليه في شغف واستماتة.. تلك هي قلنسوته"..
سقطت منه يوم اليرموك. فأضنى نفسه والناس في البحث عنها.. فلما عوتب في ذلك قال:
" ان فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله واني أتافاءل بها، وأستنصر".



وأخيرا، خرج جثمان البطل من داره محمولا على أعناق أصحابه ورمقته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودّعه:
أنت خير من ألف ألف من القو م اذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع..؟ فأنت أشجع من لي ث غضنفر يذود عن أشبال
أجواد..؟ فأنت أجود من سي ل غامر يسيل بين الجبال


وسمعها عمر فازداد قلبه خفقا.. ودمعه دفقا.. وقال:
" صدقت..
والله ان كان لكذلك".
وثوى البطل في مرقده..
ووقف أصحابه في خشوع، والدنيا من حولهم هاجعة، خاشعة، صامتة..
لم يقطع الصمت المهيب سوى صهيل فرس جاءت تركض بعد أن خلعت رسنها، وقطعت شوارع المدينة وثبا وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره وأريجه..



واذ بلغت الجمع الصامت والقبر الرطب لوت برأسها كالراية، وصهيلها يصدح.. تماما مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها، يهدّ عروش فارس والروم، ويشفي وساوس الوثنية والبغي، ويزيح من طريق الاسلام كل قوى التقهقر والشرك...
وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان تعلو برأسها وتهبط، ملوّحة لسيدها وبطلها مؤدية له تحية الوداع..!!
ثم مقفت ساكنة ورأسها مرتفع.. وجبهتها عالية.. ولكن من آقيها تسيل دموع غزار وكبار..!!
لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله..
ولكن هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد..؟؟
وهل ستذلل ظهرها لأحد سواه..؟؟
ايه يا بطل كل نصر..
ويا فجر كل ليلة..
لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف بقولك لجندك:
" عند الصباح يحمد القوم السرى"..
حتى ذهبت عنك مثلا..
وهأنتذا، قد أتممت مسراك..
فلصباحك الحمد أبا سليمان..!!
ولذكراك المجد، والعطر، والخلد، يا خالد..!!
ودعنا.. نردد مع أمير المؤمنين عمر كلماته العذاب الرطاب التي ودّعك بها ورثاك:
" رحم الله أبا سليمان
ما عند الله خير مما كان فيه
ولقد عاش حميدا
ومات سعيدا

اسكندرانى
31-01-2009, 02:11 AM
http://up.haridy.org/storage/itsspringtop.jpg
اختى العزيزة
عذراء الروح
ارق تحياتى لك دائما
http://up.haridy.org/storage/itsspringrose.jpg

شكرا لك هذا الموضوع القيم

شخصيات متميزة

تزخر بها صفحات مضئ من التاريخ

سطروا بدمائهم وعلمهم واجتهادهم

تاريخ من الحضارة الاسلاميه العظيمة

جزاك الله كل خير

وان شاء الله اتابع كل ما يخطه قلمك فى هذا الموضوع القيم

دمتى بكل خير

http://up.haridy.org/storage/itsspringbutterflies.jpghttp://up.haridy.org/storage/itsspringbutterflies.jpg

http://up.haridy.org/storage/itsspringguestbookimage.jpg

سوما
31-01-2009, 10:25 AM
الله عليك.. ما شاء الله .. موضوع جميل جداا.. :y1:
تسجيل حضور ومتابعة للموضوع القيم.... تسلم أيدك :f2:

عذراء الروح
02-02-2009, 07:20 PM
http://up.haridy.org/storage/itsspringtop.jpg
اختى العزيزة
عذراء الروح
ارق تحياتى لك دائما
http://up.haridy.org/storage/itsspringrose.jpg

شكرا لك هذا الموضوع القيم

شخصيات متميزة

تزخر بها صفحات مضئ من التاريخ

سطروا بدمائهم وعلمهم واجتهادهم

تاريخ من الحضارة الاسلاميه العظيمة

جزاك الله كل خير

وان شاء الله اتابع كل ما يخطه قلمك فى هذا الموضوع القيم

دمتى بكل خير

http://up.haridy.org/storage/itsspringbutterflies.jpghttp://up.haridy.org/storage/itsspringbutterflies.jpg

http://up.haridy.org/storage/itsspringguestbookimage.jpg


اشكرك اخى الغالى

على حضورك العطر الذى شرفت به

لا حرمنى الله مروركم الغالى

دمت بخير

:f2:

عذراء الروح
02-02-2009, 07:24 PM
الله عليك.. ما شاء الله .. موضوع جميل جداا.. :y1:
تسجيل حضور ومتابعة للموضوع القيم.... تسلم أيدك :f2:


اشكرك حبيتى على حضورك الذى اضاء متصفحى واسعدنى كثيرا

لا حرمنى الله منكى

دمتى بكل الحب والود

:f2::f2::f2:

عذراء الروح
02-02-2009, 07:26 PM
البراء بن مالك - الله، والجنة
هو ثاني أخوين عاشا في الله، وأعطيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا نكا وأزهر مع الأيام..

أما أولهما فهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه السلام.

أخذته أمه أم سليم الى الرسول وعمره يوم ذاك عشر سنين وقالت:

"يا رسول الله..
هذا أنس غلامك يخدمك، فادع الله له"..

فقبّله رسول الله بين عينيه ودعا له دعوة ظلت تحدو عمره الطويل نحو الخير والبركة..

دعا له لرسول فقال:

" اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له، وأدخله الجنة"..

فعاش تسعا وتسعين سنة، ورزق من البنين والحفدة كثيرين، كما أعطاه الله فيما أعطاه من رزق، بستانا رحبا ممرعا، كان يحمل الفاكهة في العام مرتين..!!

**

وثاني الأخوين، هو البراء بن مالك..

عاش حياته العظيمة المقدامة، وشعاره:

" الله، والجنة"..

ومن كان يراه، وهو يقاتل في سبيل الله، كان يرى عجبا يفوق العجب..

فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممن يبحثون عن النصر، وان يكن النصر آنئذ أجلّ غاية.. انما كان يبحث عن الشهادة..

كانت كل أمانيه، أن يموت شهيدا، ويقضي نحبه فوق أرض معركة مجيدة من معارك الاسلام والحق..

من أجل هذا، لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة..

وذات يوم ذهب اخوانه يعودونه، فقرأ وجوههم ثم قال:

" لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي..

لا والله، لن يحرمني ربي الشهادة"..!!

ولقد صدّق الله ظنه فيه، فلم يمت البراء على فراشه، بل مات شهيدا في معركة من أروع معارك الاسلام..!!

**

ولقد كانت بطولة البراء يوم اليمامة خليقة به.. خليقة بالبطل الذي كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون قائدا أبدا، لأن جسارته واقدامه، وبحثه عن الموت.. كل هذا يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك..!!

وقف البراء يوم اليمامة وجيوش الاسلام تحت امرة خالد تتهيأ للنزال، وقف يتلمظ مستبطئا تلك اللحظات التي تمرّ كأنها السنين، قبل أن يصدر القائد أمره بالزحف..

وعيناه الثاقبتان تتحركان في سرعة ونفاذ فوق أرض المعركة كلها، كأنهما تبحثان عن أصلح مكان لمصرع البطل..!!

أجل فما كان يشغله في دنياه كلها غير هذه الغاية..

حصاد كثير يتساقط من المشركين دعاة الظلام والباطل بحدّ سيفه الماحق..

ثم ضربة تواتيه في نهاية المعركة من يد مشركة، يميل على أثرها جسده الى الرض، على حين تأخذ روحه طريقها الى الملأ الأعلى في عرس الشهداء، وأعياد المباركين..!!

**

ونادى خالد: الله أكبر، فانطلقت الصفوف المرصوصة الى مقاديرها، وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك..

وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه.. وهم يتساقطون كأوراق الخريف تحت وميض بأسه..

لم يكن جيش مسيلمة هزيلا، ولا قليلا.. بل كان أخطر جيوش الردة جميعا..

وكان بأعداده، وعتاده، واستماتة مقاتليه، خطرا يفوق كل خطر..

ولقد أجابوا على هجوم المسلمين شيء من الجزع. وانطلق زعماؤهم وخطباؤهم يلقون من فوق صهوات جيادهم كلمات التثبيت. ويذكرون بوعد الله..

وكان البراء بن مالك جميل الصوت عاليه..

وناداه القائد خالد تكلم يا براء..

فصاح البراء بكلمات تناهت في الجزالة، والدّلالة، القوة..

تلك هي:

" يا أهل المدينة..

لا مدينة لكم اليوم..

انما هو الله والجنة"..

كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله.

أجل..

انما هو الله، والجنة..!!

وفي هذا الموطن، لا ينبغي أن تدور الخواطر حول شيء آخر..

حتى المدينة، عاصمة الاسلام، والبلد الذي خلفوا فيه ديارهم ونساءهم وأولادهم، لا ينبغي أن يفكروا فيها، لأنهم اذا هزموا اليوم، فلن تكون هنلك مدينة..

وسرت كلمات البراء مثل.. مثل ماذا..؟

ان أي تشبيه سيكون ظلما لحقيقة أثرها وتأثيرها..

فلنقل: سرت كلمات البراء وكفى..

ومضى وقت وجيز عادت بعده المعركة الى نهجها الأول..

المسلمون يتقدمون، يسبقهم نصر مؤزر.

والمشركون يتسلقطون في حضيض هزيمة منكرة..

والبراء هناك مع اخوانه يسيرون لراية محمد صلى الله عليه وسلم الى موعدها العظيم..

واندفع المشركون الى وراء هاربين، واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها..

وبردت المعركة في دماء المسلمين، وبدا أن في الامان تغير مصيرها بهذه الحيلة التي لجأ اليها أتباع مسيلمة وجيشه..

وهنا علا البراء ربوة عالية وصاح:

" يا معشر المسلمين..

احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"..

ألم أقل لكم انه لا يبحث عن النصر بل عن الشهادة..!!

ولقد تصوّر في هذه الخطة خير ختام لحياته، وخير صورة لمماته..!!

فهو حين يقذف به الى الحديقة، يفتح المسلمين بابها، وفي نفس الوقت كذلك تكون أبواب الجنة تأخذ زينتها وتتفتح لاستقبال عرس جديد ومجيد..!!

**

ولم ينتظر البراء أن يحمله قومه ويقذفوا به، فاعتلى هو الجدار، وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب، واقتحمته جيوش الاسلام..

ولكن حلم البراء لم يتحقق، فلا سيوف المشركين اغتالته، ولا هو لقي المصرع الذي كان يمني به نفسه..

وصدق أبو بكر رضي الله عنه:

" احرص على الموت..

توهب لك الحياة"..!!

صحيح أن جسد البطل تلقى يومئذ من سيوف المشركين بضعا وثمانين ضربة، أثخنته ببضع وثمانين جراحة، حتى لقد ظل بعد المعركة شهرا كاملا، يشرف خالد بن الوليد نفسه على تمريضه..

ولكن كل هذا الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى..

بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس.. فغدا تجيء معركة، ومعركة، ومعركة..

ولقد تنبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مستجاب الدعوة..

فليس عليه الا أن يدعو ربه دائما أن يرزقه الشهادة، ثم عليه ألا يعجل، فلكل أجل كتاب..!!

ويبرأ البراء من جراحات يوم اليمامة..

وينطلق مع جيوش الاسلام التي ذهبت تشيّع قوى الظلام الى مصارعها.. هناك حيث تقوم امبراطوريتان خرعتان فانيتان، الروم والفرس، تحتلان بجيوشهما الباغية بلاد الله، وتستعبدان عباده..

ويضرب البراء بسيفه، ومكان كل ضربة يقوم جدار شاهق في بناء العالم الجديد لذي ينمو تحت راية الاسلام نموّا سريعا كالنهار المشرق..

**

وفي احدى حروب العراق لجأ الفرس في قتالهم الى كل وحشية دنيئة يستطيعونها..

فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محمأة بالنار، يلقونها من حصونهم، فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا..

وكان البراء وأخوه العظيم أنس بن مالك قد وكل اليهما مع جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون..

ولكن أحد هذه الكلاليب سقط فجأة، فتعلق بأنس ولم يستطع أنس أن السلسلة ليخلص نفسه، اذ كانت تتوهج لهبا ونارا..

وأبصرالبراء المشهد لإاسرع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحمأة تصعد به على سطح جدار الحصن.. وقبض على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قصمها وقطعها.. ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما..!!

لقد ذهب كل ما فيهما من لحم، وبقي هيكلهما العظمي مسمّرا محترقا..!!

وقضى البطل فترة أخرى في علاج بطيء حتى بريء..

**

أما آن لعاشق الموت أن يبلغ غايته..؟؟

بلى آن..!!

وهاهي ذي موقعة تستر تجيء ليلاقي المسلمون فيها جيوش فارس

ولتكون لـ البراء عيدا أي عيد..

**

احتشد أهل الأهواز، والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين..

وكتب امير المؤمنين عمر بن الخطاب الى سعد بن أبي وقاص بالكوفة ليرسل الى الأهواز جيشا..

وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى الأهواز جيشا، قائلا له في رسالته:

" اجعل امير الجند سهيل بن عديّ..

وليكن معه البراء بن مالك"..

والتقى القادمون من الكوفة بالقادمين من البصرة ليواجهوا جيش الأهواز وجيش الفرس في معركة ضارية..

كان الاخوان العظيمان بين الحنود المؤمنين.. أنس بن مالك، والبراء بن مالك..

وبدأت الحرب بالمبارزة، فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس..

ثم التحمت الجيوش، وراح القتلى يتساقطون من الفرقين كليهما في كثرة كاثرة..

واقترب بعض الصحابة من البراء، والقتال دائر، ونادوه قائلين:

" أتذكر يا براء قول الرسول عنك: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك..؟

يا براء أقسم على ربك، ليهزمهم وينصرنا"..

ورفع البراء ذراعيه الى السماء ضارعا داعيا:

" اللهم امنحنا أكنافهم..

اللهم اهزمهم..

وانصرنا عليهم..

وألحقني اليوم بنبيّك"..

ألقى على جبين أخيه أنس الذي كان يقاتل قريب امنه.. نظرة طويلة، كأنه يودّعه..

وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم..

ونصروا نصرا مبينا.

**

ووسط شهداء المعركة، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة هانئة كضوء الفجر.. وتقبض يمناه على حثيّة من تراب مضمّخة بدمه الطهور..

لقد بلغ المسافر داره..

وأنهى مع اخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم، ونودوا:

( أن تلكم الجنة، أورثتموها بما كنتم تعملون)....

عذراء الروح
02-02-2009, 07:28 PM
سعد بن معاذ ( هنيئا لك يا أبا عمرو )



في العام الواحد والثلاثين من عمره, أسلم..

وفي السابع والثلاثين مات شهيدا..

وبين يوم إسلامه, ويوم وفاته, قضى سعد بن معاذ رضي الله عنه أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله..

انظروا..

أترون هذا الرجل الوسيم, الجليل, الفارع الطول, المشرق الوجه, الجسيم, الجزل.؟؟

انه هو..

يقطع الأرض وثبا وركضا إلى دار أسعد بن زرارة فيرى هذا الرجل الوافد من مكة مصعب بن عمير الذي بعث به محمدا عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يبشّر فيها بالتوحيد والإسلام..

أجل.. هو ذاهب إلى هناك ليدفع بهذا الغريب خارج حدود المدينة, حاملا معه دينه.. وتاركا للمدينة دينها..!!



ولكنه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار ابن خالته أسيد بن زرارة, حتى ينتعش فؤاده بنسمات حلوة هبّت عليه هبوب العافية..

ولا يكاد يبلغ الجالسين, ويأخذ مكانه بينهم, ملقيا سمعه لكلمات مصعب حتى تكون هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه..

وفي إحدى مفاجآت القدر الباهرة المذهلة, يلقي زعيم الأنصار حبته بعيدا, ويبسط يمينه مبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وبإسلام سعد بن معاذ تشرق في المدينة شمس جديدة, ستدور في فلكها قلوب كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين..!!

أسلم سعد.. وحمل تبعات إسلامه في بطولة وعظمة..

وعندما هاجر رسول الله وصحبه إلى المدينة كانت دور بني عبد الأشهل قبيلة سعد مفتحة الأبواب للمهاجرين, وكانت أموالهم كلها تحت تصرّفهم في غير منّ, ولا أذى.. ولا حساب..!!



وتجيء غزوة بدر..

ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين والأنصار, ليشاورهم في الأمر.

وييمّم وجهه الكريم شطر الأنصار ويقول:

" أشيروا عليّ أيها الناس.."

ونهض سعد بن معاذ قائما كالعلم.. يقول:

" يا رسول الله..

لقد آمنا بك, وصدّقناك, وشهدنا أن ما جئت به هو الحق, وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا..

فامض يا رسول الله لما أردت, فنحن معك..

ووالذي بعثك بالحق, لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك, وما تخلف منا رجل واحد, وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا..

إنا لصبر في الحرب, صدق في اللقاء..

ولعلّ الله يريك ما تقرّ به عينك...

فسر بنا على بركة الله"...



أهلت كلمات سعد كالبشريات, وتألق وجه الرسول رضا وسعادة وغبطة, فقال للمسلمين:

" سيروا وأبشروا, فان الله وعدني إحدى الطائفتين.. والله لكأني أنظر إلى مصرع القوم"..

وفي غزوة أحد, وعندما تشتت المسلمون تحت وقع الباغتة الداهمة التي فاجأهم بها جيش المشركين, لم تكن العين لتخطئ مكان سعد بن معاذ..

لقد سمّر قدميه في الأرض بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم, يذود عنه ويدافع في استبسال هو له أهل وبه جدير..



وجاءت غزوة الخندق, لتتجلى رجولة سعد وبطولته تجليا باهرا ومجيدا..

وغزوة الخندق هذه, آية بينة على المكايدة المريرة الغادرة التي كان المسلمون يطاردون بها في غير هوادة, من خصوم لا يعرفون في خصومتهم عدلا ولا ذمّة..

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحيون بالمدينة في سلام يعبدون ربهم, ويتواصون بطاعته, ويرجون أن تكف قريش عن إغارتها وحروبها, إذا فريق من زعماء اليهود يخرجون خلسة إلى مكة محرّضين قريشا على رسول الله, وباذلين لها الوعود والعهود أن يقفوا بجانب القرشيين إذا هم خرجوا لقتال المسلمين..

واتفقوا مع المشركين فعلا, ووضعوا معا خطة القتال والغزو..

وفي طريقهم وهم راجعون إلى المدينة حرّضوا قبيلة من أكبر قبائل العرب, هي قبيلة غطفان واتفقوا مع زعمائها على الانضمام لجيش قريش..

وضعت خطة الحرب, ووزعت أدوارها.. فقريش وغطفان يهاجمان المدينة بجيش عرمرم كبير..

واليهود يقومون بدور تخريبي داخل المدينة وحولها في الوقت الذي يباغتها فيه الجيش المهاجم..

ولما علم النبي عليه الصلاة والسلام بالمؤامرة الغادرة راح يعدّ لها العدّة.. فأمر بحفر خندق حول المدينة ليعوق زحف المهاجمين.

وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة إلى كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة, ليتبيّنا حقيقة موقف هؤلاء من الحرب المرتقبة, وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يهود بني قريظة عهود ومواثيق..

فلما التقى مبعوثا الرسول بزعيم بني قريظة فوجئا يقول لكم:

" ليس بيننا وبين محمد عهد ولا عقد"..!!



عز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتعرض أهل المدينة لهذا الغزو المدمدم والحصار المنهك, ففكر في أن يعزل غطفان عن قريش, فينقض الجيش المهاجم بنصف عدده, ونصف قوته, وراح بالفعل يفاوض زعماء غطفان على أن ينفضوا أيديهم عن هذه الحرب, ولهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة, ورضي قادة غطفان, ولم يبق إلا أن يسجل الاتفاق في وثيقة ممهورة..

وعند هذا المدى من المحاولة, وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم ير من حقه أن ينفرد بالأمر, فدعا إليه أصحابه رضي الله عنهم ليشاورهم..

واهتم عليه الصلاة والسلام اهتماما خاصا برأي سعد بن معاذ, وسعد بن عبادة.. فهما زعيما المدينة, وهما بهذا أصحاب حق أول في مناقشة هذا الأمر, واختيار موقف تجاهه..



قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما حديث التفاوض الذي جرى بينه وبين زعماء غطفان.. وأنبأهما أنه إنما لجأ إلى هذه المحاولة, رغبة منه في أن يبعد عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير, والحصار الرهيب..

وتقدم السعدان إلى رسول الله بهذا السؤال:

" يا رسول الله..

أهذا رأي تختاره, أم وحي أمرك الله به"؟؟

قال الرسول:

" بل أمر أختاره لكم..

والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة, وكالبوكم من كل جانب, فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما"..

وأحسّ سعد بن معاذ أن أقدارهم كرجال ومؤمنين تواجه امتحانا, أي امتحان..

هنالك قال:

" يا رسول الله..

قد كنا وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه, وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة, إلا قرى, أي كرما وضيفة, أ, بيعا..

أفحين أكرمنا الله بالإسلام, وهدانا له, وأعزنا بك وبه, نعطيهم أموالنا..؟؟

والله ما لنا بهذا من حاجة..

ووالله لا نعطيهم إلا السيف.. حتى يحكم الله بيننا وبينهم"..!!

وعلى الفور عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه, وأنبأ زعماء غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة, وأنه أقرّ رأيهم والتزم به..



وبعد أيام شهدت المدينة حصارا رهيبا..

والحق أنه حصار اختارته هي لنفسها أكثر مما كان مفروضا عليها, وذلك بسبب الخندق الذي حفر حولها ليكون جنّة لها ووقاية..

ولبس المسلمون لباس الحرب.

وخرج سعد بن معاذ حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ويقول:

لبث قليلا يشهد الهيجا الجمل ما أجمل الموت إذا حان الأجل

وفي إحدى الجولات تلقت ذراع سعد سهما وبيلا, قذفه به أحد المشركين..

وتفجّر الدم من ورريده وأسعف سريعا إسعافا مؤقتا يرقأ به دمه, وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى المسجد, وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائما أثناء تمريضه..

وحمل المسلمون فتاهم العظيم إلى مكانه في مسجد الرسول..

ورفع سعد بصره إلى السماء وقال:

" اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها... فانه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك, وكذبوه, وأخرجوه..

وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم, فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة..

ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"..!



لك الله يا سعد بن معاذ..!

فمن ذا الذي يستطيع أن يقول مثل هذا القول, في مثل هذا الموقف سواك..؟؟

ولقد استجاب الله دعاءه..

فكانت إصابته هذه طريقه إلى الشهادة, إذ لقي ربه بعد شهر, متأثرا بجراحه..

ولكنه لم يمت حتى شفي صدرا من بني قريظة..

ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة, ودبّ في صفوف جيشها الهلع, حمل الجميع متاعهم وسلاحهم, وعادوا مخذولين إلى مكة..

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترك بني قريظة, يفرضون على المدينة غدرهم كما شاؤوا, أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه..

هنالك أمر أصحابه بالسير إلى بني قريظة.

وهناك حاصروهم خمسة وعشرين يوما..

ولما رأى هؤلاء ألا منجى لهم من المسلمين, استسلموا, وتقدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجاء أجابهم إليه, وهو أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.. وكان سعد حليفهم في الجاهلية..



أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه من جاؤوا بسعد بن معاذ

من مخيمه الذي كان يمرّض فيه بالمسجد..

جاء محمولا على دابة, وقد نال منه الإعياء والمرض..

وقال له الرسول:

" يا سعد احكم في بني قريظة".

وراح سعد يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق والتي كادت المدينة تهلك فيها بأهلها..

وقال سعد:

" إني أرى أن يقتل مقاتلوهم..

وتسبى ذراريهم..

وتقسّم أموالهم.."

وهكذا لم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة..



كان جرح سعد يزداد خطرا كل يوم, بل كل ساعة..

وذات يوم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادته, فألفاه يعيش في لحظات الوداع فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسه ووضعه في حجره, وابتهل إلى الله قائلا:

" اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك, وصدّق رسولك وقضى الذي عليه, فتقبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحا"..!

وهطلت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودّعة بردا وسلاما..

فحاول في جهد, وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة وقال:

" السلام عليك يا رسول الله..

أما إني لأشهد أنك رسول الله"..

وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال:

" هنيئا لك يا أبا عمرو".

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:

" كنت ممن حفروا لسعد قبره..

وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب, شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا إلى اللحد"..

وكان مصاب المسلمين في سعد عظيما..

ولكن عزاءهم كان جليلا, حين سمعوا رسولهم الكريم يقول:

" لقد اهتز عرش الرحمن لموت يعد بن معاذ"..

ابن طيبة
02-02-2009, 07:55 PM
مستمر في المتابعة
و مستمر في شكرك علي هذا الجهد الدؤب
دمتِ بكل خير

طـــــير في الســـما
04-02-2009, 04:07 PM
سلام الله عليكي

جزاك الله خيرا........

اختيار موفق جدا للشخصيات

في انتظار المزيد

تحيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـاتي

عذراء الروح
04-02-2009, 06:56 PM
مستمر في المتابعة
و مستمر في شكرك علي هذا الجهد الدؤب
دمتِ بكل خير



اخى الغالى

اشكرك على مرورك الطيب والكريم

دمت بكل الخير

ارق تحياتى لك

عذراء الروح
04-02-2009, 06:58 PM
سلام الله عليكي

جزاك الله خيرا........

اختيار موفق جدا للشخصيات

في انتظار المزيد

تحيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـاتي



وانتى بكل خير وسلام اختى الغاليه

اسعدنى حضورك العطر

دمتى بحب

عذراء الروح
04-02-2009, 07:02 PM
أول معلمة .. الشفاء بنت عبدالله



من غار حراء شع فجر الإسلام ... يملأ مكة وشعابها بنور الله ... فيفيض إشراقاً في العقول ويمنح للقلوب المؤمنة ضياء لتنسج به عظمة الإسلام.. فكم رفع الإسلام أناساً لم نسمع عنهم من قبل ... وكم زاد الإسلام من مكانه أناس فأضحوا خياراً في الجاهلية وخياراً في الإسلام.. لم يفرق بينهم نساء ورجالاً.. هكذا كانت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن شداد القرشية العدوية.. قيل اسمها ليلى وكانت تكنى بأم سليمان.. ولكنا اشتهرت بالشفاء وربما نالت هذا اللقب بسبب شفاء البعض على يديها بإذن الله.



تزوجت الشفاء بنت عبد الله من أبى خثمة بن حذيفة بن عامر القرشي العدوي.. واعتنقت الإسلام في وقت مبكر من بزوغ شمسه.. فصبرت مع المسلمين الأوائل وتحملت أذى قريش وتعنتهم حتى أذن المولى عز وجل للصابرين والصابرات في مكة بالهجرة إلى يثرب فهاجرت معهم.





كانت الشفاء بنت عبدالله العدوية من القلائل الذين عرفوا القراءة والكتابة في الجاهلية وقد حباها الله من فضله عقلاً راجحاً وعلماً نافعاً.. فقد كانت تجيد الرقية منذ الجاهلية.. فلما جاء الإسلام قالت : لا أرقي حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرت إليه وقالت : يا رسول الله إني قد كنت أرقي برقي الجاهلية وأردت أن أعرضها عليك ، فقال : اعرضيها ، قالت : فعرضتها عليه وكانت ترقي من النَمِلة [ النملة نوع من التقرحات تصيب الجلد ] فقال : (ارقي بها وعلميها حفصة : باسم الله ، اللهم اكشف البأس رب الناس) ، قال : ( ترقي به على عود كركم "زعفران" وتطليه على النملة).. فاستمرت الشفاء ترقي بها المرضى من المسلمين والمسلمات وعلمتها لأم المؤمنين حفصة .. ويلاحظ هنا أن الشفاء رغم علمها القديم الذي أجادته قبل الإسلام لم تحاول الإفادة منه إلا بعد أن عرفت حكم الشرع فيه.. فلما أجازها النبي عليه السلام خدمت به الناس.. ولم تكتف بهذا بل علمت نساء المسلمين القراءة والكتابة فحق لها أن تكون أول معلمة في الإسلام.





لم تترك لنا كتب التراجم من أخبار الشفاء بنت عبدالله إلا النذر اليسير.. إذ وصفها ابن حجر في الإصابة بأنها من عقلاء النساء وفضلاهن.. وكان عليه الصلاة والسلام يبر بها فأقطعها داراً في الحكاكين بالمدينة لتسكنها.





كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يثق برأيها ويقدم كلامها على غيرها حتى قيل إنه ولاها من أمر السوق شيئاً، ولم تذكر لنا كتب الأخبار ما المهام التي قامت بها الشفاء بنت عبدالله في السوق إلا ما رواه ابن سعد في طبقاته عن حفيدها عمر بن سليمان بن أبي خثمة ، عن أبيه قال : قالت الشفاء ابنة عبدالله : ورأيت فتياناً يقصدون في المشي يتكلون رويداً فقالت : ما هذا ؟ فقالوا : نسّاك ، فقالت : كان عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناس حقاً.. ويتضح لنا من كلام الشفاء بنت عبدالله السابق الذكر أن هذا جزء من مهام الحسبة التي قامت بها ولكنها ، كما هو وارد في القصة ، لم تخاطب جماعة الفتيان مباشرة إنما قالت كلامها لمن هم معها.





وربما كانت مهمتها أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يخص النساء ، وربما مراقبة تعليم الصبيان على اعتبار أن تلك المهام من أعمال المحتسب في الإسلام ، والله أعلم.




روت الشفاء بنت عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن الخطاب، وروى عنها ابنها سليمان بن أبي خثمة وآخرون من أحفادها، وقد روى لها البخاري في كتاب الأدب وكتاب أفعال العباد كما روى لها أبو داود والنسائي.





توفيت معلمة الإسلام الأولى في زمن عمر بن الخطاب سنة عشرين بعد هجرة النبي عليه السلام، فجزاها الله عن المسلمين والمسلمات خير الجزاء بما خدمت به الأمة ورقت مرضاها وعلمت نساءها...



والله من وراء القصد

عذراء الروح
07-02-2009, 07:50 PM
آينشتاين العرب



(في بلدي جيل يحتاج إلي)



(اعمل وإخوانك للإسلام.. لله).



(لا يزدهر حاضر أمة تهمل دراسة ماضيها، وأنه لا بد من الوقوف عند نوابغ الإسلام والعرب، ونكون أدرى الناس بها..)



(إن الحكومة التي تهمل دراسة الذرة إنما تهمل الدفاع عن وطنها).



(القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة).



(إن مبدأ تكافؤ الفرص هو المقياس الدقيق الذي يرتضيه ضميري).



من خلال هذه العبارات نستطيع أن نغوص فى شخصية هذا الراحل العظيم وأن نسبر أغوارها، ولكن من نحن حتى نفعل ذلك ؟؟

إننا مهما اقتربنا فلن نكون إلا كالصياد الواقف على شاطىء المحيط وبيده شبكة صغيرة يصطاد بها بعض السمك، لأن الإنسان العظيم كالمحيط الواسع فى أى ناحية تنظر اليه تراه يعانق السماء، لآنك فى كل ناحية ترسل نظرك فيها تجد جمالاً أو فضلاً وتقتنع فوراً بأن العين لم تحط بعد بكل الجمال الذى احتواه..



فأى عظيم كان ؟؟



وإننا إذ نقدم لشبابنا اليوم هذه الشخصية العظيمة فإننا ندلهم على المثل العليا والقدوات النبيلة ليقتدوا بهم ويترسموا خطاهم، ليحدثوا نهضة لبلادهم ورفعة وعزة وكرامة..



فهيا معا نقترب رويدا رويدا من هذه الشخصية العملاقة، علنا نوفيها بعض حقها فى تعريف شبابنا بها، ولعلنا نغير مفهموم القدوة والمثل عند شباب اليوم الذى غرهم ستار أكاديمى وسوبر ستار وغيرها من البرامج التافهة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع إلا من رحم ربي، فإلى هؤلاء جميعا نقدم هذه الشخصية:

الدكتور (( علي مصطفى مشرفة ))



بداية مشرقة :

- ولد الدكتور علي مصطفى مشرفة في دمياط في 22 صفر 1316 الموافق 11 يوليه 1898،

وغرس فيه والده منذ نعومة أظفاره الدين والخلق الكريم، وحبب إليه العلم والاطلاع في شتى المجالات المختلفة.



- حفظ القرآن الكريم فى طفولته، كما كان يحفظ الصحيح من الأحاديث النبوية.. كان محافظاً على صلاته مقيماً لشعائر دينه كما علمه والده، وقد ظلت هذه المرجعية الدينية ملازمة له طوال حياته.. يوصي إخوته وجميع من حوله بالمحافظة على الصلاة وشعائر الدين كلما سنحت له الفرصة.. وقد بدا ذلك جلياً في خطاباته التي كان يبعثها إلى إخوته وأصدقائه أثناء سفره للخارج.. والتي طالما ختمها بمقولة:

(اعمل وإخوانك للإسلام.. لله).

وقد عاش ملازماً له في جيبه مصحف صغير رافقه في السفر والحضر..



- ظهرت علامات النبوغ والتفوق والصبر والتحمل والتصميم على محياه مبكرا جدا

فقد توفى والده قبل امتحان الابتدائية بشهر ومع ذلك دخل الامتحان وحصل على المركز الأول على مستوى القطر المصري.



- انتقل مشرفة وأخواته إلى حي عابدين بالقاهرة , التحق مشرفة بالمدرسة العباسية الثانوية في الاسكندرية، وكان مثال للتفوق فتم تحويله إلى القاهرة بمدرسة السعيدية الثانوية .

نال الإعجاب من الجميع حتى مدرس اللغة العربية لم يكن يناديه إلا ( بالسيد) تقديرا واعجابا.



- توفيت والدته قبل أن يؤدي امتحان البكالوريا بشهرين .

- وحين تم اعلان نتيجة البكالوريا سنة 1914 م كان ( علي مصطفى مشرفة) الثاني على طلبة القطر المصري الذين اجتازوا امتحانها بنجاح .



- في عام 1914 التحق الدكتور علي مشرفة بمدرسة المعلمين العليا، التي اختارها حسب رغبته رغم مجموعه العالي في البكالوريا.



واستمرت المسيرة :

- وفي عام 1917 اختير لبعثة علمية لأول مرة إلى إنجلترا بعد تخرجه.. فقرر علي السفر بعدما اطمأن على إخوته بزواج شقيقته وبالتحاق أشقائه بالمدارس الداخلية..



- التحق علي بكلية نوتنجهام Nottingham ثم بكلية الملك بلندن؛ حيث حصل منها على بكالوريوس علوم مع مرتبة الشرف في عام 1923. ثم حصل على شهادة Ph.D (دكتوراة الفلسفة) من جامعة لندن في أقصر مدة تسمح بها قوانين الجامعة.



وقد رجع إلى مصر بأمر من الوزارة، وعين مدرساً بمدرسة المعلمين العليا.. إلا أنه وفي أول فرصة سنحت له، سافر ثانية إلى إنجلترا، وحصل على درجة دكتوراة العلوم D.Sc فكان بذلك أول مصري يحصل عليها.



في عام 1925 رجع إلى مصر، وعين أستاذاً للرياضة التطبيقية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم مُنح درجة أستاذ في عام 1926 رغم اعتراض قانون الجامعة على منح اللقب لمن هو أدنى من الثلاثين.



اعتمد الدكتور علي عميداً للكلية في عام 1936 وانتخب للعمادة أربع مرات متتاليات، كما انتخب في ديسمبر 1945 وكيلاً للجامعة.



أينشتاين العرب:

- بدأت أبحاث الدكتور علي مشرفة تأخذ مكانها في الدوريات العلمية وعمره لم يتجاوز الخامسة و العشرين.

في الجامعة الملكية بلندن King’s College، نشر له أول خمسة أبحاث حول النظرية الكمية التي نال من أجلها درجتي Ph.D ( دكتوراه الفلسفة) و Dsc.(دكتوراة العلوم).



- كذلك.. كان الدكتور مشرفة أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس للفراغ؛ حيث كانت هندسة الفراغ المبنية على نظرية أينشتاين تتعرض فقط لحركة الجسيم المتحرك في مجال الجاذبية.

ولقد أضاف نظريات جديدة في تفسير الإشعاع الصادر من الشمس؛ إلا أن نظرية الدكتور مشرفة في الإشعاع والسرعة عدت من أهم نظرياته وسبباً في شهرته وعالميته؛ حيث أثبت الدكتور مشرفة أن المادة إشعاع في أصلها، ويمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد يتحول إحداهما للآخر.. ولقد مهدت هذه النظرية العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات.



- كان الدكتور علي أحد القلائل الذين عرفوا سر تفتت الذرة وأحد العلماء الذين حاربوا استخدامها في الحرب.. بل كان أول من أضاف فكرة جديدة وهي أن الأيدروجين يمكن أن تصنع منه مثل هذه القنبلة.. إلا أنه لم يكن يتمنى أن تصنع القنبلة الأيدروجينية ، وهو ما حدث بعد وفاته بسنوات في الولايات المتحدة وروسيا..



- تقدر أبحاث الدكتور علي مشرفة المتميزة في نظريات الكم، الذرة والإشعاع، الميكانيكا والديناميكا بنحو خمسة عشر بحثاً.. وقد بلغت مسودات أبحاثه العلمية قبل وفاته إلى حوالي مائتين.. ولعل الدكتور كان ينوي جمعها ليحصل بها على جائزة نوبل في العلوم الرياضية.



العالم الموسوعي :

- وعلى الرغم من انشغاله بأبحاثه العلمية إلا أنه كان حافظاً للشعر.. ملمّاً بقواعد اللغة العربية.. عضواً بالمجمع المصري للثقافة العلمية باللغة العربية؛ حيث ترجم مباحث كثيرة إلى اللغة العربية.

كان يحرص على حضور المناقشات والمؤتمرات والمناظرات، وله مناظرة شهيرة مع د/ طه حسين حول: أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم.



- نشر للدكتور مشرفة ما يقرب من ثلاثين مقالاً منها: سياحة في فضاء العالمين - العلم والصوفية - اللغة العربية كأداة علمية - اصطدام حضارتين- مقام الإنسان في الكون..



- ولم ينس أن العالم لا بد وأن يتفاعل مع مجتمعه ولا يكون منعزلا عنهم ولا ينظر إليهم من برج عاجي، فقد شارك الدكتور علي في مشاريع مصرية عديدة تشجيعاً للصناعات الوطنية.. كما شارك في إنشاء جماعة الطفولة المشردة.. كان أول من لقن من حوله دروساً في آداب الحديث وإدارة الجلسات.

- وكان الدكتور مشرفة ينظر إلى الأستاذية على أنها لا تقتصر على العلم فقط، وإنما توجب الاتصال بالحياة.. وأن الأستاذ يجب أن يكون ذا أثر فعال في توجيه الرأي العام في الأحداث الكبرى التي تمر بالبلاد، وأن يحافظ على حرية الرأي عند المواطنين.



مصر التي في خاطره:

أول من أكد للحكومة عن وجود ( اليورانيوم) فى صحرائنا المصرية ولكن ليس هذا هو كل ما كان يعني د مشرفة وإنما كان يعد الصحراء المصدر الثاني بعد النيل لثرواتنا القومية فكان يتساءل :

متى نعنى بهذه الثروة المعدنية المبعثرة فى صحارينا ؟

أم سنبقى على حالنا ؟

فيصدق قول الشاعر :

كالعيش في البيداء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها محمول



- كان لمشرفة في النيل أمل عظيم، وكان يدعو إلى إنشاء معهد علمي تجريبي لدراسة طبيعات النيل على أن يزود هذا المعهد بالمعامل اللازمة لاجراء التجارب العلمية والعملية.



- كان يدعو إلى استغلال مساقط النيل فى استخراج الطاقة الكهربية، وكان يستحث الحكومة على السير قدما فى مشروع كهربة خزان أسوان.



- نادى بتكوين المجمع المصري للثقافة العلمية ليكون على غرار الجمعية البريطانية لتقدم العلوم، وكان د. مشرفة واحداً من مؤسسي هذا المجمع، وشارك بمحاضراته في مؤتمره الأول في مارس 1930م .



- أول من أسس الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية في السابع من فبراير 1936م واختير عضواً في المجمع العلمي المصري، وقام بتأسيس الأكاديمية المصرية للعلوم .



- اختير الدكتور مشرفة عضواً فى المجمع العلمي المصري من السادس من فبراير 1933 وكان اختياره عضواً فى شعبة الفيزياء والرياضة.



- ظل الدكتور مشرفة طيلة حياته بعيدا عن الأحزاب رغم العروض والرجاءات المتكررة والصداقات المتينة مع زعماء تلك الأحزاب وكان يقول:

(إننى لن أبقى في أي حزب أكثر من يوم واحد وذلك أني لن أسكت عن خطأ وسيكون مصيري الطرد من أول يوم ) وكان الزعماء يعجبون لهذه المصداقية .



- شارك فى تأسيس اتحاد الجامعة وعمل على إرساء تقاليده وتنشيطه وظل عضوا بارزاً فى هذا الاتحاد إلى أن اختير وكيلا للاتحاد ثم تولى الرئاسة فجعل د. مشرفة من الاتحاد برلمانا يضم الصفوة من الأساتذة والطلاب وضرب لهم المثل فى طريقة عرض المشروعات ومناقشتها فكان يعطي مؤيدي الرأي الفرصة للإدلاء بآرائهم ثم يعطي المعارضة حقها ثم يستخلص الأصوات للصالح العام .



- كان ينظم المناظرات فى رحاب الجامعة ويشارك فى هذه المناظرات، وناظر الدكتور طه حسين و أحمد أمين والأستاذ محمد توفيق دياب والأستاذ عباس العقاد.



- تمتعت كلية العلوم في عصره بشهرة عالمية واسعة؛ حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم.. ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية..



- سمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب الكلية؛ حيث كان يرى أن:

(القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة).

>nbsp;

- أنشأ قسماً للغة الإنجليزية والترجمة بالكلية.. كما حول الدراسة في الرياضة البحتية باللغة العربية.. صنف قاموساً لمفردات الكلمات العلمية من الإنجليزية إلى العربية.



- أرسى قواعد جامعية راقية.. حافظ فيها على استقلالها وأعطى للدرس حصانته وألغى الاستثناءات بكل صورها، وكان يقول: إن مبدأ تكافؤ الفرص هو المقياس الدقيق الذي يرتضيه ضميري.



العلم للحياة :

(خير للكلية أن تخرج عالماً واحداً كاملاً.. من أن تخرج كثيرين أنصاف علماء..)

هكذا كان يؤمن الدكتور مشرفة، وكان كفاحه المتواصل من أجل خلق روح علمية خيرة..



- يقول في سلسلة محاضراته الإذاعية (أحاديث العلماء):

(هذه العقلية العلمية تعوزنا اليوم في معالجة كثير من أمورنا، وإنما تكمن الصعوبة في اكتسابها والدرج عليها.. فالعقلية العلمية تتميز بشيئين أساسيين: الخبرة المباشرة، والتفكير المنطقي الصحيح).

ولقد نادى بأفكاره هذه في كثير من مقالاته ومحاضراته في الإذاعة: مثل: كيف يحل العالم مشكلة الفقر؟ – العلم والأخلاق – العلم والمال – العلم والاقتصاد - العلم والاجتماع.. وغيرها.



- كان ينادي دائماً أن على العلماء تبسيط كل جديد للمواطن العادي حتى يكون على إحاطة كاملة بما يحدث من تطور علمي.. يوجه كلامه إلى العلماء قائلاً:

(ومن الأمور التي تؤخذ على العلماء أنهم لا يحسنون صناعة الكلام؛ ذلك أنهم يتوخون عادة الدقة في التعبير ويفضلون أن يبتعدوا عن طرائق البديع والبيان، إلا أن العلوم إذا فهمت على حقيقتها ليست في حاجة إلى ثوب من زخرف القول ليكسبها رونقاً؛ فالعلوم لها سحرها، وقصة العلم قصة رائعة تأخذ بمجامع القلوب؛ لأنها قصة واقعية حوادثها ليست من نسج الخيال).

فبسط الدكتور مشرفة كتباً عديدة منها: النظرية النسبية - الذرة والقنابل - نحن والعلم - العلم والحياة.

واهتم خاصة بمجال الذرة والإشعاع وكان يقول: (إن الحكومة التي تهمل دراسة الذرة إنما تهمل الدفاع عن وطنها).



- ثقافتنا في نظر الدكتور مشرفة هي الثقافة الأصلية التي لا بد أن نقف عندها طويلاً. ويرى أنه لا يزدهر حاضر أمة تهمل دراسة ماضيها، وأنه لا بد من الوقوف عند نوابغ الإسلام والعرب، ونكون أدرى الناس بها.. فساهم بذلك في إحياء الكتب القديمة وإظهارها للقارئ العربي مثل: كتاب الخوارزمي في الجبر والفارابي في الطب والحسن ابن الهيثم في الرياضة.. وغيرها.



-وآمن الدكتور مشرفة بأن العلم في خدمة الإنسان دائماً وأن خير وسيلة لاتقاء العدو أن تكون قادراً على رده بمثله.. فالمقدرة العلمية والفنية قد صارتا كل شيء.. ولو أن الألمان توصلوا إلى صنع القنبلة الذرية قبل الحلفاء لتغيرت نتيجة الحرب.. وهو تنوير علمي للأمة يعتمد عليه المواطن المدني والحربي معاً.



وفاته الغامضة :

توفي الدكتور علي مصطفى مشرفة عن عمر يناهز 52 عاماً.. يوم الاثنين السابع والعشرين من ربيع الأول الموافق 15 يناير 1950 ...

وباتت ظروف وفاة د. مشرفة المفاجئة غامضة للغاية وكانت كل الظروف المحيطة به تشير إلى أنه مات مقتولا إما على يد مندوب عن الملك فاروق أو على يد الصهيونية العالمية ولكل منهما سببه، قد يكون للنظام الملكي المصري في ذلك الوقت دور في قتله خاصة إذا علمنا أن د.مشرفة قام بتشكيل جماعة تحت اسم «شباب مصر» كانت تضم عدداً كبيراً من المثقفين والعلماء والطلاب وكانت تهدف لإقصاء نظام فاروق الملكي وإعلان مصر جمهورية عربية مستقلة، وذاع أمر هذه الجماعة السرية ووصلت أخبارها إلى القصر الملكي، مما يعطي للقصر مبرراً للتخلص من د.مصطفى ، أما الصهيونية العالمية فيكفي أن نقول أن نظرتهم للطالبة النابغة د. سميرة موسى لن تختلف عن نظرتهم لأستاذها الأكثر نبوغاً د.مصطفى مشرفة، ولعبت الصهيونية لعبتها القذرة وهي التصفية الجسدية وكانت نظرة واحدة تعني التخلص منهما ومن أمثالهما.



قال عنه آينشتاين تعليقا على وفاته:

(إنه لخسارة للعالم أجمع)...



لقد قال الأستاذ الدكتور أديب عبدا لله : (لقد كان لظهور مواهب مشرفة فى المجال العلمي أثر فى كفاحنا القومي ضد النفوذ الأجنبي، فقد عجل ظهور مواهبه بتحرير الإرادة المصرية في مجال العلوم من السيطرة الأجنبية، وكان الساسة فى كل بلد يتعلمون من مشرفة كيف يتم تحقيق الانتصار الضخم فى كل مجال من مجالات الحياة) .



وقدمت الإذاعة فى أمريكا د. مشرفة على أنه واحد من سبعة علماء فى العالم يعرفون أسرار الذرة .



وقد أطلق اسم د. مشرفة على شارع فى القاهرة وهو الشارع الذى كانت فيه الفيلا التي سكنها مشرفة حتى وفاته , وأطلق اسمه على شارع في الاسكندرية وعلى شارع فى دمياط كما أطلق اسمه على المدرج الأول فى كلية العلوم وعلى معمل قسم الرياضة بالكلية وعلى مدرسة إعدادية بمدينة دمياط .



وقبل أن نودع هذه الشخصية العظيمة نهمس فى أذن شبابنا الكرام أملنا المرجو وغدنا المشرق ومستقبلنا المنير:

هذه هى القدوات

هذه هى المثل العليا

لا التافهين والتافهات

فاستعينوا بالله

وصيغوا لأمتكم مجدها

واصنعوا حياتها

بالإيمان

بالعلم

بالعمل

عذراء الروح
09-02-2009, 07:59 PM
سعيد بن جبير ......... و قتل الحجاج له

هو أبو عبد الله سعيد بن جبير من موالي بني أسد حبشي الأصل أسود الوجه ذو شعر خشن مفلفل وأنف أفطس تعلم العلم على يد جماعة من الصحابة منهم أبي سعيد الخدري ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي هريرة الدوسي ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، رَضِي اللَّه تعالى عَنْهم أجمعين وقالوا هو تابع للصحابي الجليل عبد الله بن عباس لازمه لزوم الظل لصاحبه فكان أستاذه الأكبر ومعلمه الأعظم كما قالت مصادر الشيعة أنه كان من أصحاب الإمام زين العابدين عليّ ين الحسين بن علي ين أبي طالب.
أدرك منذ نعومة أظافره أنه بأصله الحبشي ورقة حاله أن العلم هو الطريق الوحيد إلي الرفعة وسار على مقولة تعلموا العلم ، فإن كنتم سادةً فُقْتُمْ ، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم ، وإن كنْتُم سوقةً عِشْتُم .
فمنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إمَّا عاكفاً على كتاب يتعلم ، أو صافًّا في محراب يتعبد ، فهو بين طلب العلم والعبادة فإن كان الطعام غذاء الجسد فالعلم غذاء العقل والعبادة غذاء الروح فراح الفتى ينهل وبنهم من غذائي العقل والروح حتى قال عنه الإمامُ أحمد بن حنبل : لقد قتل سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ومحتاج إلى علمه .
سئل عن الخشية قال هي التي تحول بين العبد وإرتكاب المعاصي فالمعصية لا ترتكب وفي قلب العبد خشية وسئل عن الذكر فقال هو طاعة الله فمهما ذكرت ولم تطع الله فما ذكرت وهي في الحقيقة فلسفة جديرة بالاعتبار
ونأتي إلي النقطة الحساسة في بحثنا وهي علاقة سعيد بن جبير بالحجاج خصوصا والأمويين عموما ، فالحجاج كان والي عبد الملك بن مروان على الكوفة والعراق وفارس وبلاد ما وراء النهر وكان ظالما كسيده الذي أغلق القرآن بعد تولية إمارة المسلمين وقال للقرآن هذا فراق بيني وبينك فأراد أن يشغل الناس عن ظلمه بكثرة الفتح والغزو وكانت سياسة الحجاج أن يشغل المسلمين بالمعارك على الحدود ، ليربح أحد شيئين الاستيلاء على أراضي البلدان المجاورة و نهب ممتلكاتها ، أو قتل المسلمين و التخلص منهم .لهذا ما أن تنتهي معركة و ينتصر المسلمون حتى يرسل أوامر جديدة بالتوغل أكثر فأكثر
وقد سير الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث وهو أحد أخلص قواده لغزو رتبيل ملك الترك وأرض سجستان (أفغانستان) وقد فعل وغزا وأنتصر وفتح بلاد كثيرة وفاز بمغانم عديدة أرسل الخمس منها للحجاج ومعه كتاب استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن ، ليختبر مداخل البلاد ومخارجها ، ويقف على طبيعتها وأحوالها وليستريح الجند ولكن الحجاج صدق فيه قول الله سبحانه وتعالى ويمدهم في طغيانهم يعمهون اغتاظ الحجاج منه ، وأرسل إليه كتاباً يَصِفُه فيه بالجبن والخنوع ، وينذره بالويل والثبور ، ويهدِّده بالتنحية عن القيادة إن لم يستمر في الغزو والفتح جمع عبد الرحمن وجوهَ الجند ، وقادة الكتائب ، وقرأ عليهم كتاب الحجاج ، واستشارهم فيه ، فَدَعَوْهُ إلى الخروج عليه ، والمبادرة إلى نبذِ طاعته ، فقال لهم عبد الرحمن : أتبايعونني على ذلك ، وتؤازرونني على جهاده ، حتى يطهِّر اللهُ أرضَ العراق من رجسه ، فبايعه الجند على ما دعاهم إليه وطبعا كان الحجاج مكروها من رجال العلم والدين والزهد لحماقاته الكثيرة وبعده عن جادة الصواب والعمل بكتاب الله فأنضموا إلي جيش أبن الأشعث أفواجا حتى تكونت كتيبة في الجيش تحت أسم كتيبة القراء بقيادة كميل بن زياد وأنطوى سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبي وغيرهم في هذا الجيش وراح الجيش يفتح ويسترد البلاد من يد الحجاج وينقذ العباد من بطش هذا الظالم فضم سجستان وكرمان والبصرة وفارس والكوفة وأنتصر في كل معاركه حتى المعركة الأخيرة معركة وادي الجماجم قرب الكوفة وصل للحجاج المدد والعون من دمشق وإلتقى الجمعان ودانت المعركة في بادئ الأمر لجيش عبد الرحمن ولكن دارت الدوائر وأنكسر جيش عبد الرحمن وقتل من قتل وهرب من هرب فهرب عبد الرحمن بن الأشعث لبلاد الترك وهرب كميل ولكن الحجاج عذب أهله وعشيرته وهذه طبيعة القساة الطغاه إن لم يقدروا على أحد عاثوا فسادا في أهله وعشيرته متناسين قوله تعالى ولا تزروا وازرة وزر أخرى فعاد كميل وسلم نفسه فقتله الحجاج ومن عبرو طرائف القصص أن شيخاً معمَّراً من قبيلة خثعم ، كان معتزلاً للفريقين ، مقيماً وراء الفرات ، سِيق إلى الحجاج مع مَن سيقوا إليه ، فلما ادخل عليه سأله عن حاله ، فقال : مازلت منذ شبَت هذه النار معتزلاً وراء هذا النهر ، منتظراً ما يسفرُ عنه القتال ، فلما ظهرتَ وظفرتَ أتيتك مبايعاً ، فقال : تباً لك ، أتقعد متربصاً ، ولا تقاتل مع أميرك ، ثم زجره قائلاً : أتشهد على نفسك بأنك كافر ، قال : بئس الرجل أنا إنْ كنتُ عبدت الله ثمانين عاماً ، ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر ، ليس الأمرُ معقولاً ، فقال له : إذاً أقتلك ، قال : وإنْ قتلتني ، فوالله ما بقي من عمري إلا ظمأ حمار فإنه يشرب غدوة ، ويموت عشية ، وإني لأنتظر الموت صباحاً ومساء ، فافعل ما بدا لك ، فقال الحجاج لجلاده : اضرب عنقه ، فضرب الجلاد عنقه و دعا كميل بن زياد النخعي ، وقال له : أتشهد على نفسك بالكفر ، فقال : والله لا أشهد ، قال: إذاً أقتلك ، قال : فاقضِ ما أنت قاض ، وإنَّ الموعد فيما بيننا عند الله ، وبعدَ القتل ، فقال له الحجاج : ستكون الحُجَّة يومئذٍ عليك، لا لك ، فقال له : ذلك إذا كنتَ أنت القاضيَ يومئذٍ ، فقال الحجاج : اقتلوه ، فَقَدِّم وقتل ، قُدِّم إليه رجل آخر كان يكرهه الحجاج أشدّ الكراهية ، ويشتهي أن يظفر بقتله ، لِما كان ينقل له من سخريته به ، فبادَره قائلاً : إني أرى أمامي رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال له الرجل : لا تورطني ، وتخدعني عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فخلّى سبيله
أما سعيد بن جبير إذا وقع بين يدي الحجاج فلا بد أن يقتله ، فإما أن تُدَقَّ عنقُه ، وإمّا أنْ يُقِرّ على نفسه بالكفر ، وهما أمران أحلاهما مرٌّ ، فآثر أن يخرج من بلاد العراق ، وأن يتوارى عن الأنظار ، وظلّ يضرب في أرض الله الواسعة مستخفياً عن الحجاج وعيونه ، حتى لجأ إلى قرية صغيرة مِن أراضي مكة ، وبقي على حاله هذه عشر سنوات حتى جاء خالد عبدالله القسري والي على مكة وقد دخلها ومحمد بن مسلمة ماليها القديم يخطب في الناس فقطع خطاب الوالي و صعد المنبر أخرج رسالة مختومة بختم عبد الملك و فتحها ثم قرأ رسالة عبد الملك إلى أهل مكة ، من عبد الملك بن مروان إلى أهل مكة أما بعد فانّي قد ولّيت عليكم خالد بن عبد الله القسري فاسمعوا له و أطيعوا ، و لا يجعلنّ امرؤ على نفسه سبيلاً فانّما هو القتل لا غير ، و قد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير-يقصد محمد بن مسلمة- و السلام .
و بعد أن قرأ رسالة عبد الملك صاح خالد لا أجده في دار أحد إلاّ قتلته و هدمت داره و دور جيرانه وقبض عليه أخيرا وسيق إلي واسط إلي قصر الحجاج المملوء برائحة الدم المبني على جماجم العباد ودمائهم وسبيلة الكبر والتكبر ودخل على الحجاج فدار بينهم هذا الحديث :
قال الحجاج : ما أسمك
قال: سعيد بن جبير
قال الحجاج : بل شقي بن كسير
قال : بل كانت أمي أعلم بإسمي منك
قال الحجاج : شقيت وشقيت أمك
قال: لايعلم الغيب إلا الله
قال الحجاج : ما تقول في محمد ؟
قال : تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، سيد ولد آدم ، النبي المصطفى ، خير من بقي من البشر ، وخير من مضى ، حمل الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح لله ولكتابه ، ولعامة المسلمين ، وخاصتهم
قال الحجاج : فما تقول في أبي بكر ؟
قال: هو الصديق خليفة رسول الله ، ذهب حميداً ، وعاش سعيداً ، ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه ، لم يغيِّر ، ولم يبدل
قال الحجاج : فما تقول في عمر ؟
قال : هو الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل ، وخيرة الله من خلقه ، وخيرة رسوله ، ولقد مضى على منهاج صاحبَيْه ، فعاش حميداً ، وقتل شهيداً
قال الحجاج : فما تقول في عثمان ؟
قال : هو المجهِّزُ لجيش العسرة ، الحافرُ لبئر رومة ، المشتري لبيت لنفسه في الجنة ، صهر رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه ، ولقد زوَّجه النبي بوحي من السماء ، وهو المقتول ظلماً
قال الحجاج : فما تقول في عليِّ ؟
قال: ابن عم رسول الله ، وأول من أسلم من الفتيان ، وهو زوج فاطمة البتول ، وأبو الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة
قال الحجاج : فأي خلفاء بني أمية أعجب لك ؟
قال : أرضاهم لخالقهم
قال الحجاج : فأيُّهم أرضى للخالق ؟
قال : علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم
قال الحجاج : فما تقول فيَّ ؟
قال : أنت أعلم بنفسك
قال الحجاج : بل أريد علمك أنت
قال : أعفني
قال الحجاج : ما عافاني الله إن عفيتك
قال : إذاً يسوءك ولا يسرك، ويحزنك ولا يسعدك
قال الحجاج : لا بد من أن أسمع منك
قال : إني لأَعْلَمُ أنك مخالف لكتاب الله تعالى ، تُقدِم على أمور تريد منها الهيبة ، وهي تقحمك الهلَكَةَ ، وتدفعك إلى النار دفعاً أنت الحجاج بن يوسف الثقفي ظاهر البدعة قامع السنة الظالم لنفسه ولغيرة
قال الحجاج : أعطيك الذهب وتتبعني
قال : سيعطيني ربي الجنة فأعطينيها أتبعك
قال الحجاج : سأخسر عليك دنياك
قال : وسأخسر عليك آخرتك
قال الحجاج : اختر لنفسك أي قتلة شئت
قال : بل اخترها أنت لنفسك يا حجّاج ، فوالله ما تقتلني قتلة إلا وقتَلك اللهُ مثلها في الآخرة
قال الحجاج : أتريد أن أعفوَ عنك
قال : إن كان العفو فمن الله تعالى ، أمّا أنت ، فلا أريده منك
فاغتاظ الحجاج ، وقال : السيف والنطع يا غلام ، فتبَسَّم سعيد ، فقال له الحجاج : وما تبسُّمك ، قال عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عليك ، قال : اقتله يا غلام ، فاستقبل القبلة، وقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين الأنعام : 79
قال : حرِّفوه عن القبلة ، فقال : فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة : 115
قال : كبُّوه على الأرض ، فقال : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى طه : 55
قال : اذبحوا عدو الله ، فما رأيت رجلاً أَدْعَى منه لآيات القرآن الكريم ، فرفع سعيد كفَّيه ، وقال: اللهم لا تسلِّط الحجاجَ على أحد بعدي ، قال : فلم يمضِ على مصرع سعيد بن جبير غيرُ خمسة عشر يوماً حتى حمَّ الحجاج ، واشتدت عليه وطأةُ المرض ، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى ، فإذا غفا غفوة استيقظ مذعوراً وهو يصيح : هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي ، هذا سعيد بن جبير ، يقول : فيمَ قتلتني ؟ ثم يبكي ، ويقول : مالي ولسعيد بن جبير ، ردّوا عني سعيد بن جبير،
وهكذا تكون نهاية الظالمين فالمسجون أقوى من سجانه والمجلود أقوى من جلاده والمقتول أقوى من قاتله

عذراء الروح
09-02-2009, 08:03 PM
في صحبة الإمام أحمدبن حنبل







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنّا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين .



أما بعد :



فيا أيها الإخوة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .. وموضوعنا بعنوان : في صحبة الإمام أحمد ، وهي صحبة كريمه مع إمام جليل ؛ وغرض الصحبة أن ننظر في حاله ، وأن نستمع إلى أقواله ، وأن نقتبس من أفعاله، غير أنا جزماً لا نزعم أنّا سنحيط بسيرته ، ولا نجمع جميع دروسه ومواقفه وعبره وأقواله ! وإن المدّعي لذلك كمن يدعي قدرته على أن يجمع ماء البحر في قارورة ، فلو إدعى ذلك فلن يحظى الا بقدر ملء هذه القاروره من ماء البحر .. وحسبنا أن نغترف من بحر علمه وفضله وجوده وكرمه وجميع خلاله الحميدة ؛ فإن في ذلك ما ينفع ويهدي بإذن الله عز وجل في زمن قلّ فيه الثقات ، وصعد فيه النكرات ، واختلطت فيه الأولويات ، وقلّ من الناس من عاد يميز بين الغث والسمين ، ومن يفقه فقه أولئك الأئمة رحمة الله عليهم ورضوان الله عنهم ، وكما قال القائل :





من أين أبدأ قولي أيها البطل **** وأنت أبعد مما تطلب الجمل

كل القوافي التي استنفرتها وقفت **** مبهوره وبدا في وجهها الوحل

ماذا نقول وصرح العلم سامقة **** أركانه وبناء المجد مكتمل

ماذا تقول قوافي الشعر عن رجل **** كل يقول له هذا هو الرجل



ولذلك حسبنا وقفات من مواقف وسير الإمام الجليل - رضوان الله عليه - وسنمضي في صحبة متنوعة، غرضنا منها أن نرى التمايز والبون الشاسع بين ما كانوا عليه وما صرنا إليه، علّ ذلك يقوى العزم على اقتفاء آثار السلف ، وأن نفقه فقههم الإيماني وأن نسلك سلوكهم القرآني .






الجولة الأولى : هذا صبيٌ يتورع







فنمضي في جولة مع الصبي الورع ، إذ كان - رحمة الله عليه - صفحة بيضاء مشرقة كتب الله له أن يكون على حظ وافر من النجابة والذكاء ومن العلم والفطنة ومن الصفاء والطهارة منذ نعومة أظفاره، فهذه الروايات في ترجمته تذكر أنه قد كان في الكتّاب كما يروي أبو عفيف أحد أقرانه يقول : كان معنا في الكتّاب وهو غليم نعرف ظله .

وكانت الناس تأتيهم الكتابات والمراسلات وليسوا كلهم يعرفون الكتابة ، فكانت النساء ربما أرسلوا الى المعلم يقولون له إبعث لنا أحمد بن حنبل حتى يكتب لنا ، فكان يبعث لهم بأحمد بن حنبل ، وكان يجيء اليهم مطأطىء الرأس - أي من حياءه وغض بصره مع كونه صبياً صغيراً - فيكتب جواب كتبهم فربما أملوا عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم، فهذا وهو صغير يأبى أن يكتب ما فيه منكر . وكان إبراهيم بن شماس يقول : كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام صغير وهو يحي الليل منذ نعومة أظفاره .



ومن القصص المؤثرة والدالة على حسن سمته ، وعظيم رعاية الله له سبحانه وتعالى أنه كما قال داود البسطامي قال : أبطأت عليّ أخبار بغداد فوجهت إلى عم أبي عبد الله أحمد بن حنبل بعثت إليه فقلت : لم تصل إلينا الأخبار اليوم ، وكنت أريد أن أحررها وأوصلها الى الخليفة، فقال لي : قد بعثت بها مع ابن أخي أحمد ثم بحث عن أحمد وجاء به، وقال له : أليس قد بعثت معك الأخبار، قال : نعم، قال : فلأي شيء لم توصلها ؟ قال : أنا كنت أرفع هذه الأخبار قد رميت بها في الماء ؛ لأنه أنكر ما فيها من الأخبار وإن فيها شيئاً من عدم الصدق أو الظلم، فقال : هل أنا أسعى بمثل هذا المنكر وأرفع مثل تلك الأخبار ـ ولم ينتظر مشاورة ولا مراجعة بل قذف بها في الماء ، وهذا وهو في سن الصغر يتورع ـ قال ابن بسطام : هذا غلام يتورع فكيف نحن؟



.

فهذه تدلنا على عظيم أثر التربية في الصغر ، مع أننا نعلم أن الإمام أحمد بن حنبل ولد في بغداد سنة 164 هـ، ومات والده وهو صغير السن ابن ثلاث سنوات ، لكنه تربى تربية إيمانية صبغه بهذا النهج القويم منذ صغره، وكما ذكر أبو بكر بن الأثرم قال : أخبرني من كان يطلب الحديث مع أحمد بن حنبل قال : ما زال أبو عبد الله بائناً من أصحابه منذ صغره وهو متميز .



وهذه الوقفة تدلنا على ما للتربية من الصغر من أثر ومن إستقرار ، وإذا ربي الصغير على هذه المعاني الإيمانية ؛ فإنها تصبح ملكة ذاتية وطبيعية نفسية وسلوكاً دائماً لا يخشى عليه باذن الله أن يتغير لانه كما قيل : العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، ومن شبّ على شيء شاب عليه .





فلذلك رضاع الصغير فيه بداية التربية لأن الإسلام جعل هذا الأمر له ومضات حتى يبين أثر إستقرار الكلمات والأفعال والصور في ذهن الصغير وإن لم يكن عاقلاً مدركاً فإن من السنة كما هو معلوم عندما يستهل الوليد صارخاً أن يؤذن في أذنه وأن يقام في أذنه الأخرى حتى يكون أول ما يسمع من كلام هذه الدنيا شهادة التوحيد والدعوة للصلاة والفلاح ، ثم يحنك ثم تكون هناك من الأمور والدلائل في التربية ما يدل على أثرها وإن لم يكن الصغير يعقل معناها، كأن لا يكذب عليه ولو كذبة كما يقولون صغيرة أو بيضاء أو نحو ذلك .





الجولة الثانية : طلب العلم







وقد بدأ يطلب العلم فكان له سمت فريد وصفة عجيبة في كمال التوقير لأهل العلم من مشايخه ومن ذلك ما رواه عمرو الناقد قال : كنا عند وكيع وجاء الإمام أحمد بن حنبل فجعل وكيع يصف من تواضعه ويثني عليه، ويكرمه إكراماًَ عجيباً لما له من منزلة ونجابة كان يعرفها الناس فيه وهو صغير، قال : فقلنا له يا أبا عبد الله إن الشيخ يكرمك فمالك لا تتكلم ؟! قال :وإن كان يكرمني فينبغي أن أجلّه .

فجعل هذا الإكرام عليه من الحياء ما ألجم لسانه ؛ حتى يجل شيخه ولا يجاريه ، فيصبح مثله في المنزلة وإن كان قد أفاض في مدحه وثنائه.



وقد قال قتيبه بن سعيد وهو من شيوخه : قدمت الى بغداد وما كانت لي من همة إلا أن أرى أحمد بن حنبل ، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا وقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، فقلت : يا أبا عبد الله اجلس مكانك فقال : لا تشتغل بي إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه .

بعد اللقاء والسلام جلس بين يديه جلسة الطالب مع أستاذه وكان قتيبة يجله فقال : مكانك يا أبا عبد الله قال : لا تشتغل بي إني أريد أنأخذ العلم على وجهه ..، وبعضنا في هذه الأزمان التي قل فيها مراعاة الأدب إذا أثنى عليه أستاذه فاعطاه كلمة رد عليه بكلمة، فإذا وضع يده على ظهره مكرماً أو مبجلاً ربما فعل مثل فعل شيخه أو أستاذه، مما يدل على أن قضية الأدب والتوقير ليست على الصورة المطلوبة وهذه دروس نقتبسها من الإمام رحمة الله عليه .



وقال إسحاق الشهيد : كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند الى منارة المسجد فيقف بين يديه علي بن المديني - إمام أهل النقد والجرح والتعديل وشيخ الإمام البخاري - فيقف بين يديه علي بن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحي بن معين وغيرهم يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم حتى تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له .





لم يذكروا الجلوس ولا يأمرهم به ولا يجلسون هيبة له ولا يطلبون منه ذلك، قد يقول قائل : في ذلك مبالغة، وأقول : لا يجتمع أمثال هؤلاء على مثل هذه المبالغات تنطعاً أو تكلفاً ، ولكنها سجية التوقير غرست في نفوسهم ، والتعظيم للعلم ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال أحمد بن سعيد الرازي : ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم من فقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل .

وتأمل هنا قال : ما رأيت أحفظ ولا أعلم بفقهه ومعانيه، الخلاصة الجوهرية العلم السلوكي التربية الإيمانية قد إقتبسها الإمام أحمد مع الحفظ رحمة الله عليه .





الجولة الثالثة : مع الصديق الودود







ثم نمضي مع الصديق الودود كيف كانت علاقته وحسن تعامله ولين جانبه مع أصدقائه ولطافته في المعاملة ؛ فإن بعض الناس يظن أن العلم والوقار يقتضي التجهم ، وعبوس الوجه ، وتقطيب الجبين أو نحو ذلك، فلذلك يذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام - وهو من أئمة أهل العلم والإسلام - يقول وهذه زيارة بين عالمين جليلين ننظر كيف كان المستقبِل والمستقبَل: زرت أحمد بن حنبل فأجلسني في صدر داره وجلس دوني، قال فقلت : يا أبا عبد الله أليس يقال صاحب البيت أحق بصدر بيته، فقال ـ على البديهية مباشرة ـ : نعم يقعد ويقعد فيه من يريد إكراماً وإجلالاً واستضافة، يقول أبو عبيدة : فقلت في نفسي خذ إليك يا أبا عبيد هذه فائدة ـ إذاً كان يأتي للزيارة لا لمجرد المتعة والفكاهة والكلام والمزاح وإنما كان يأتي بغرض المذاكرة والإنتفاع فقال في نفسه خذ إليك فائدة ـ قال ثم قلت : يا أبا عبد الله لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم ـ يقول : لو أنني أزورك على قدر مرتبتك وحقك لكان واجباً علي أن أزورك كل يوم كأنه يعتذر من قلة زيارته على عظيم قدره ـ فقال له أيضاً : لا تقل هذا إن لي إخواناً لا ألقاهم الا في كل سنة مرة وأنا أثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم ـ المهم أن تعرف صدق المحبة وصدق التعامل وحسنه وليس الفرض؟ هو كثرة الزيارة ودوامها فان ذلك ليس بالضرورة هو الدال على هذا .فيقول هناك من لا يزورني ولكني واثق بمحبتهم وصدق إخلاصهم لي لما أعرف من حاله وطبيعة معاملته ـ فقال أبو عبيدة قلت في نفسي : خذ أخرى يا أبا عبيدة فهذه الثانية، قال فلما أردت القيام قام معي فقلت : لا تفعل يا أبا عبد الله ـ كما يفعل بعض الناس الآن يأتي الإنسان يذهب يقول في أمان الله يستأذن يقول له في أمان الله كأنه يطرده من بيته، فقال له : : من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه الى باب الدار وتأخذ بركابه، قال قلت يا أبا عبيد هذه ثالثة .

فاستفاد هذه الثلاث في التعامل مع الزائر والتودد للإنسان بينه وبين إخوانه وبين من يتعاملون معه وهذه من أسباب توطيد عرى المحبة والمودة بين القلوب .





الجولة الرابعة : مع الخائف الوجل







يقول عبد الله سمعت أبي يقول : وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا عليّ

هذا الذي كان طاهر النفس ، نقي النشأة ، حافظاً لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يعلم ويوقن عظمة المهمة والواجب الملقى على عاتقه ، ويعلم قصور العبد وقلة حيلته ويعلم عظمة الرب وعدم القدرة على إيفاء حقه سبحانه وتعالى، فيقول : وددت لو أني نجوت كفافاً لا لي ولا علي



.



وكان إذا دعا له رجل يقول : الأعمال بخواتيمها وكثيراً ما كان يُسمع منه قول : اللهم سلم سلم



.

لأن القلوب الخائفة الوجلة مهما عملت ؛ فإنها تبقى على وجل من عدم القبول أو على وجل من أن تكون الأعمال دون الواجبات المطلوبة ، ودون المنزلة المرجوة ، ولذلك كما قال الله عز وجل : { والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون } .

لما سألت عائشة رضي الله عنها قالت :يا رسول الله الرجل يصلي ويصوم ويتصدق الرجل يشرب الخمر ويزني ، ثم يخاف ؟! قال : ( لا يابنة الصديق ! ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى أن لا يقبل منه ).



إذاً هذا حال أهل الإيمان كما ذكر الحسن البصري رحمة الله عليه عندما قال : لـقـد لقيت أقواماً هم أخوف منكم أن لا تقبل حسناتهم من خوفكم أن تحاسبوا على سيئاتكم .

فهم في خوف عظيم أكثر من خوفنا من سيئاتنا ، وخوفهم أعظم ولكن ليس من السيئات ولكنه من خوف عدم قبول الحسنات، وهذا لا يكون الا مع عظمة الإيمان وإستحضار عظمة الله - عز وجل - وفهم الحق الواجب له سبحانه وتعالى .



ولذلك لما سئل الإمام أحمد : كيف أصبحت ؟ قال مقالة عجيبة فريدة تدل على عظيم ما كان يفقه من دين الله وما يحمل من أمر الله . قال : كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض ، ورسوله يطالبه بأداء السنة ، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل ، ونفسه تطالبه بهداها ، وإبليس يطالبه بالفحشاء ، وملك الموت يطالبه بقبض روحه ، وعياله يطالبونه بالنفقه ؟ .

كلها أمور يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة وإستقامة على أمر الله - عز وجل - إتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحرياً للإخلاص وصدق التوجه لله عز وجل، براءة من شهوات النفس ومجاهدة لها ، ومحاربة لإغواء الشيطان وتزيينه ، وفوق ذلك كله انتظار الموت على وجل وخوف، ولذلك كان - رحمة الله عليه - مع ما كان له من قدم سابقة في العلم والعمل كان دائماً يستحضرعظمه الله عز وجل .




الجولة الخامسة : مع الرجل الوقور







فقد كان - رحمة الله عليه - مع خوفه لله عز وجل ، ومع حسن تعامله مع الناس وقوراً يهابه الناس لما له من الوقار بالعلم والصلاح والتقوى لله عزو جل، حتى إن شيوخه وأهل العلم والتقوى وأهل الإمامة في الدين كانوا يراعون الإمام أحمد ويهابونه ويوقرونه، فهذا يزيد بن هارون - وهو من أعظم شيوخه ومن كبار أهل العلم - قال أحد تلاميذه :

كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه الذي يمليه الحديث ، فتنحنح أحمد بن حنبل فضرب يزيد على خده كالمتأسف ، وقال : ألا أعلمتموني أن أحمد ها هنا حتى لا أمزح .

كان الموقف في مقام مجلس الحديث تبسّط يسير، لكن الإمام أحمد كان أشد وأعظم توقيراً لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللعلم وأكثر هيبة في قلوب الناس، حتى إن الشيخ قال : لو أعلمتموني حتى لا أمزح بحضوره .



وعن أحمد بن شيبان قال : ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل ، ولا رأيته لأحدٍ أشد إكراماً له إكرامه لأحمد بن حنبل ،وكان يوقر الإمام أحمد ولا يمازحه أبداً .

وقال أحدهم : كنا عند إسماعيل بن علية فتكلم إنسان فضحك بعضنا ، وثمّ أحمد بن حنبل - أي جالس معهم - فأتينا إسماعيل بعد ذلك فوجدناه غضبان فقال : أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل !! ، من شدة هيبته ووقاره رحمة الله عليه .



وهناك قصة لطيفة تدل على هذا المعنى ، وتدل على سمت الإمام - رحمة الله عليه - يقول أحمد بن منصور يقول : صحبت الإمام أحمد ويحيى بن معين ، وكنت خادماً لهما في طلب الحديث عن عبد الرزاق ، ولما رجعا ذهبا الى أبي نعيم ، فقال ابن معين : نريد ان نختبر أبا نعيم وحفظه، فقال له الإمام أحمد : لا تفعل ؛ فإنه حافظ ثقة ، قال : لا بد لي من ذلك ، فعمد إلى ثلاثين حديثاً وجعل في كل عشرة منها حديث ليس من حديث أبي نعيم ، ثم ذهب الثلاثة إليه فخرج إليهم ، وجلس معهم على دكة طين قريباً من بيته ، فجعل يقرأ عليه الأول أحاديثه ، فلما جاء إلى الحديث المغلوط رفسه برجله أو قال : هذا ليس من حديثي ! ثم الثاني فلما جاء الى الحديث المغلوط قال : ليس من حديثي ! ثم الثالث ذكر العشرة أحاديث، فقال : هذا ليس من حديثي ! ثم التفت بعد ذلك إلى الثلاثة، وقال موجهاً حديثه إلى الإمام أحمد : أما هذا - أي الإمام أحمد - فأورع من أن يفعل هذا، و أما هذا - يعني أحمد بن منصور - فأقل من أن يفعل هذا - يعني لا يعرف مثل هذه الأمور - وما فعلها غيرك يا فاعل ، ثم رفسة حتى أسقطه من الدكة، قال الامام أحمد لما انصرفوا : ألم أمنعك من الرجل ، وأقل لك إنه ثبت، قال : والله لرفسته أحب الي من سفري . وهذا من لطائف المحدثين .



عندما تحقق للإمام أحمد هذ الجوانب كلها ورع في الصبا وأدب في العلم ووقار في الرجوله وحسن تعامل مع الأصدقاء والقرناء صار حينئذ إماماً وقدوة فنمضي معه وهو قدوة الأئمة أو هو الإمام القمة .





الجولة السادسة : قدوة الأئمة إمام القمة







فنرى أن المقتدى به من الأئمة يقتدون بالإمام أحمد وان المعظَّمين لعلمهم وفضلهم إذا هم يعظمون الإمام أحمد - رحمة الله عليه - فهذا علي بن عبد الله بن جعفر يقول : أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة يزداد خيراً في كل عام .

في كل عام وهو يزداد خمسون سنة وهو في زيادة، لو تصور الإنسان أنه خلال خمسين يوم فقط يزيد في كل يوم عمل من أعمال الخير، لا شك أنه سيأتي بعد هذه الأيام الخمسين ويرى تحولاً كبيراً في حياته، لو قلنا أنه كان مثلا يقرأ صفحة في اليوم من كتاب الله عز وجل فإذا بلغ الخمسين يوماً سيكون يقرأ في اليوم خمسين صفحة، وسيرى أنه قد بلغ مبلغاً عظيماً وهذا يزداد في كل يوم عبر خمسين سنة خيراً مطلقاً من علم وعبادة وزهد وتقوى وورع وحفظ وجهاد ومصابرة، فهذا لا شك أن هذا سيجعله من المقدمين بين أهل العلم والمقتدى به .



ويحيى بن معاذ يقول : أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل ثم يقول لا والله لا أكون مثل أحمد أبداً ، لا يعني أنه لا يريد ، ولكنه يقول أنه لا يطيق ؛ لأن الإمام أحمد قد بلغ منزلة عظيمة في كل باب من أبواب الخير ، حتى انقطعت دون الإقتداء به والإقتباس بفعله الرقاب .

وبشر بن الحارث ممن كان من قرناء الإمام أحمد ذكر عنه كثير من الأقوال التي تبين تبجيله وتوقيره للإمام أحمد وإبراز إمامته على الأئمة، فها هو يقول عندما ابتلي الإمام أحمد بالمحنة وثبت فيها يقول بشر : إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق أرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم .

وقال أيضاً : أحمد إمام من أئمة المسلمين .

ثم لما جاءوا وقالوا له : أنت تقول بقول أحمد نفلماذا لا تعلن قولك وتقف موقفه ؟ فقال : أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء ؟! إن أحمد قام مقام الأنبياء .

ولما بلغه أن الإمام أحمد ضرب بالسياط ، خاطب ساقه قائلاً : ما أقبح هذا الساق ألا يكون فيها القيد ! ، نصرة لهذا الرجل .



وأبو زرعه جمع لنا هذا كله في كلمات وجيزه عندما قال : ما رأت عيني مثل الإمام أحمد .

وكان الإمام البويتي - رحمة الله عليه - وهو من تلامذة الشافعي سجن في المحنة كتب من سجنه وقال في كتابه : إن لأرجو أن يجزي الله - عز وجل - أجر كل ممتنع في هذه المسألة لسيدنا الذي ببغداد يعني الإمام أحمد ، هو المقدم السيد المبجل في هذا الأمر فكل من وقف وقفه أو جزء مما فعل الإمام أحمد فانما كان يقتدى به .



ولذلك قال بشر في مفاضلة بين الإمام أحمد وسفيان أفاض فيها ثم قال: أحمد عندنا أمتحن في السراء والضراء ، وتداولته أربعة خلفاء بعضم بالضراء ، وبعضهم بالسراء فكان فيها مستعصماً بالله عز وجل .. تداوله المأمون والمعتصم والواثق بعضهم بالضرب والحبس ، وبعضهم بإخافة وترهيب ، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس ، ثم أمتحن أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم فبسطت الدنيا عليه ، فما ركن إليها ولا انتقل عن حاله الأول ، رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر ، وهذا هو الثبات العظيم الذي تميز به الإمام أحمد رحمة الله عليه .



ومن لطائف ما كان يدل على توقير وتعظيم الأئمة له أن حجاجا الشاعر وكان من المحدثين أيضاً يقول : كنت أكون عند الإمام أحمد فانصرف في الليل أي من بيته فاذكره في الطريق فأبكي .

فهذا كلام الأئمة في إمام كأنه كان بينهم إمام الأئمة رحمة الله عليه .





الجولة السابعة : مع السلفي الأصيل







ننظر كيف كان الإمام أحمد حريصاً على أن يكون متبعاً للسلف مع فقه أصيل ومع متابعة دقيقة، سئل عن الوسواس والخطرات فقال : ما تكلم فيها الصحابة والتابعون .

فكان يرى ما لم يتكلموا فيه من المسائل ولا يُحتاج إليه في رد شبهة ونحو ذلك ، فلا يفتح على الناس به، والا كان ذلك نوعاً من عدم الفقه في منهج السلف، إذ لو كان في مثل هذه المسائل من نفع لذكروه ولذلك كان رحمة الله عليه يحرص على إتباع السلف، وكذلك كان علمه وفقهه هو السنة وفقهها، لا يخوض في أمر الا إذا علم أن أصحابه خاضوا فيه ؛ فإن علم بذلك إتبع رأيهم ونفى غيرهم وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه واستعصم متوقفاً حذراً ، فلا يقف ما ليس له به علم ؛ لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف وإلحاد في دين الله عز وجل لأنهم لم يكونوا يتكلفون التعمق في المسائل خاصة المسائل العقلية التي كثرت في وقت الإمام وضل بها كثير من الناس، ولذلك لما سئل عن علم الكلام كتب الى السائل قائلا له : أحسن الله عاقبتك الذي كنا نسمع منه وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ ، وأما الأمر في التسليم والإنتهاء لما في كتاب الله لاتعد ذلك ولم تزد عليه ، ولم يزل الناس يكرهون كل محدث من وضع كتاب أو جلوس مع مبتدع ليردوا عليه بعض ما يلبس عليه في دينه فلذلك إنا أخذنا من القول ما أحتيج إليه في رد ما شُبِّه عليهم أو لبس عليهم في دينهم .



ولذلك انظروا على عمق الإتباع عندما قال الإمام أحمد يقول عن نفسه : ما كتبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم الا وقد عملت به ، ومسنده فيه نحواً من أربعين ألف حديث .



فإذاً قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ذكر في ترجمته أمور عجيبة في حرصه علىالمتابعه للمصطفى عليه الصلاة والسلام، فقد احتجم وما به من علة وأعطى الحجام ديناراً كما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولما أمر بالاختفاء ذهب إلى بيت بعض أصحابه و مكث به ثلاثة أيام، ثم قال التمس لي طريقاً يعني أخرج، قال : لا آمن عليك قال : التمس لي وأعطيك فائدة فلما جاءت الثلاث وخرج قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختبأ في غار حراء ثم خرج فسهل الله أمره .



وكان يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويحرص على إقتفاء الأثر، ولذلك قال عنه بعض أهل العلم : سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب عنها كلها ، في كل جواب يقول : أخبرنا حدثنا ينسب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ويروي عن الصحابة رضوان الله عليهم .

فلم تكن المسألة تعلقاً بأمر دون أمر ، ولا بظاهر دون باطن ولا باليسير من الأمور دون صعبها ، وإنما كان إمتثالا يشمل كل ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما أثر عن الصحابة ثم يقول عنه عبد الملك الميموني : ما رأت عيني أفضل من الإمام أحمد بن حنبل .. ما رأيت أحداً من المحدثين أشد تعظيماً لحرمات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إذا صحت عنده ولا أشد إتباعاً منه رحمة الله تعالى عليه .



فهذه جملة تبين لنا كيف كان الإمام أحمد حريصاً على إتباع السلف وقطع ما لم يكن في عهدهم من المعادلات ولا المسائل التي شققها الناس وفرعوها فخرجوا بها عن نهج السلف ، ولبّسوا فيها على الناس دينهم وكثر فيها القيل والقال ، ولم يقفوا عند أثر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وصحبه الكرام، وقد كان الإمام أحمد تروي عنه في مسائل الفقه أقوال متعددة ؛ لأنه لم يكن - رحمة الله عليه - يرى أن يخرج عن مجموع النصوص بل كان يرى أنه يغني بموجب هذه النصوص الواردة وإن كان ليس بينها تعارض ربما قال بقولين في مسألة ليجري الأثرين أو الحديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان من فقهه في سجود السهو - على سبيل المثال - أنه قال يتبع في كل حاله ما كان من فعل، فما روي في النقص من سجود السهو يتبعه وما روي في الزيادة يتبعه حاله بما له حذو القذة بالقذة، وهكذا كان رحمة الله عليه إمام أهل السنة في وقته لحرصه على هذا الإتباع مع هذا الفقه في الدين .



الجولة الثامنة : مع المتواضع المخبت







الذي كان إماماً للائمة وكان متابعا للسنة كان - رحمه الله - متواضعاً يحب خمول الذكر ، ويبعد عن ما يحف به الناس ويزيدون فيه، وهذا لا شك أنه من أعظم مراحل الإيمان والتقوى وهو ألا يفتر الإنسان ، وألا يفتن عندما يوفق إلى بعض الخير سيما والناس يحفون به ويزفون، فقد كان أحمد - رحمه الله - يحب الا يتبعه أحد، فقد قال إبنه وربما خرج الى الجمعة فيتبعه بعض الناس فيقف حتى ينصرفوا عنه ؛ لئلا يتبعه أحد يأخذ ذلك من هدي الصحابة كما ذكر ابن القيم في الفوائد : أن ابن مسعود خرج فتبعه بعض الناس، فقال : ألكم حاجة ؟ قالوا : لا وإنما نتبعك، قال : لا تفعلوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبرع .



هكذا كان أولئك القوم يحرص علي براءة نفوسهم وطهارة قلوبهم والحذر من الرياء أو من الكبرياء ونحو ذلك ، فهذا ابن معين - رحمة الله عليه - وهو من أصحاب أحمد والمقربين إليه يقول : ما رأيت أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتحر علينا بشيء مما كان عليه من الخير والصلاح .

هذا الصلاح وهذا الخير ما ذكر يوماً أنه أعلم منهم أو عنده فقه أكثر منهم ، أو أن عنده عبادة خيراً منهم أو أنه عنده أصل أو شرف أو كذا، مطلقاً مما يدل على أنه لم يكن يرى لنفسه شيئاً بل كان يرى منزلته بين يدي الله سبحانه وتعالى فلا يجد نفسه شيئاً مذكوراً بين الصحابة يرى نفسه ويقيس نفسه إليهم كأنه قزم صغير إلى عمالقة عظام رضي الله عنهم .



ومن ذلك أنه كان أحمد بن محمد الشيباني من قبائل العرب الصحيحة ، فكان يسأله بعض الناس كما قال عارض بن الفضل يقول : وكان يتردد عليّ ، فقلت مرة :يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب فمن أي العرب أنت ؟ وكان الناس يفتخرون بهذه الأصول وعلى أقل تقدير في تلك الأعصر التي كثر فيها العجم والفرس وكذا، فقال الإمام أحمد : يا أبا النعمان نحن قوم مساكين

قال فجعل يتردد عليّ وكل مرة أسأله يقول : يا أبا النعمان نحن قوم مساكن ، وقيل له مرة :

جزاك الله عن الإسلام خيراً ـ وكم نسمع هذه الكلمة ثم هم لا يبلغون عشر معشار الإمام أحمد وإن كانوا على خير وفضل وصلاح ـ فقال له : بل جزى الله الإسلام عني خيراً .. من أنا ؟ وما أنا ؟ .

من هذا الذي يفضُل حتى يكون له فضل على الإسلام بل جزى الله الإسلام عني خيراً الإسلام هو الذي بصرَّني بالنهج وهو الذي رزقني الله به الإيمان وهو الذي عرفت به الحلال والحرام وهو الذي شُرِّفت به في الدنيا وأنجو به في الآخرة بإذن الله عز وجل، وهذا يدلنا على أن النفس متى تطهرت من هذه الأوضار والأمراض التي تفتك بالنفوس ، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة .



وقيل له مرة : ما أكثر الداعين لك ! ، فاغروقت عيناه بالدمع وقال : أخشى أن يكون إستدراجاً ثم قال : اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً مما يظنون ، وأن تغفر لي ما لا يعلمون ، على ما روي من قول الصديق رضي الله عنه ، وهكذا كان رحمة الله عليه .



ولذلك كان الناس يسمعون عن الإمام أحمد بن حنبل ، ويسمعون عن تعظيمه وتوقيره وعلمه وصلاحه وموقفه الذي كان شائعاً في الأمة كلها ، حتى إن بعضهم كانوا يظنون أنه غير البشر ، حتى أن الذهبي ذكر أن رجلاً جاء من خراسان ورأى الإمام أحمد، فقال : الحمد لله الذي رأيته هكذا ؟ فقال له الإمام أحمد : أقعد أي شيء ذا ومن أنا ؟



ولذلك كان موصوفاً بهذه الهيبة مع كونه على هذا التواضع إذا رمى بصره في مجلس هدأت ضوضاءه واستقر الناس واعتدلوا ..





يسير في هيبه الإيمان تحرسه **** رعاية الله لا جند ولا خول

و ليس في كفه سيف يذل به **** من لا يطيع ولا في ثوبه بلل

ولكـنها طاعه الرحمن عز بها عزاً **** له في حياة المصطفى مثل

كأنما هو الهامات خاضعـة **** شد إليها جبال التهم ترتحل



و لذلك كان ابن حنبل رحمة الله عليه على هذه المنزلة .





الجولة التاسعة : مع المنصف العادل





فقد كان ينصف الناس ويعدل معهم ويعذرهم ويحسن بهم الظن، وفي ذلك مقالات فريدة جديرة بأن تكون موضع اعتبار وأذكار، فهذا الإمام أحمد لما جاءت المحنة كان معه جمع حُملوا معه وكان معه محمد بن نوح وعبد الله القواريري وسجادة، فبعضهم لما حبس أجاب في أول يوم وبعضهم في اليوم الثاني ، وأما محمد بن نوح لما حمل مع الإمام أحمد مات في الطريق وصلى عليه الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد يُسأل عمن كانوا معه فأجاب : فالتمسوا لأنفسهم تأولاً يعذرون به عند الله إن شاء الله وهم أهل خير وعلم .

فيقول الراوي عنه سمعت الإمام أحمد وقد ذكر الذين حملوا إلى المأمون وأجابوا لما طلب منهم من خلق القرآن توريه أو تاولا قال فذكرهم أبو عبد الله بعد ذلك وقال : هؤلاء لو كانوا صبروا وأقاموا لله ، لكان الأمر قد انقطع ، وحذّرهم المأمون لما أجابوا وهم عين البلد ولم يجترأ على غيرهم .



هذا كان في تقرير مسألة من حيث الجملة فيما كان ينبغي أن يكون في مواجهة هذه الفتنة يقول هؤلاء كانوا أعيان الناس لو أنهم ثبتوا ما اجترأ على غيرهم ولتراجع ؛ لأن المامون أراد أن يعلن المحنة في العام الثاني عشر بعد المئة الثانية قال : كنت أريد أن أعلن بخلق القرآن لولا خوفي من يزيد بن هارون - شيخ الإمام أحمد - فقالوا له : ومن يزيد بن هارون ؟ قال أخشى أن أقول فيقول بغير قولي فيبطل .

فيحسب حساب العلماء والأئمة التي كانت كلمتهم هي المسموعة كما كان موقف الإمام أحمد، لكن لما جاء العام الثامن عشر بعد المائتين أعلن ودعا وامتحن الناس، فكان الإمام أحمد يقول لو أنهم ثبتوا في ذلك الموقف لكان كذلك، لكن عن أحوالهم بأعيانهم كان أبو عبد الله رحمة الله عليه يعذر عبد الله القواريري وسجادة ويقول : قد أعذرا وجبا ، فقد قال الله عز وجل :{ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ،ثم قال : القيد كره والحبس كره ألتمس لهم العذر .





لم يقل أولئك قوم ضعفوا ولا جبنوا ولا انتقدهم ولا أقدح فيهم ولا أزدريهم ليعلو بنفسه عليهم وإنما التمس لهم العذر وأثنى عليهم بما لهم وأحسن الظن بهم، ولذلك هذا الموقف درس عظيم فيما ينبغي أن يكون من حسن الظن والتماس العذر وعدم التشنيع، وإن كان ثمة خطأ فينبغي أن يكون النصح بالحسنى أو بالسر حتى يقوِّم الإنسان أخاه بما يحصل به النفع دون الضرر والخير دون الشر .



وإن كثيراً من الناس ربما تغلبهم نفوسهم فيلتمسون علوها وشرفها بنقد الآخرين وجرحهم، وعندما تكون ثمة مواقف أو مقالات أو نحو ذلك ترى الناس يكثرون القول واللغط، فيقولون : فلان كان جريئاً وفلان كان جباناً خائفاً .





وهذا التقويم ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً فان من اجترأ إجترأ حمية لدين الله عز وجل ، وإنما سكت من سكت ربما فطنة أو حكمة أو مداراة أو مراعاة للمصلحة .

وهذا الإمام أحمد يثني في أمر أحمد بن نصر الخزاعي الذي رأى رأياً غيره حتى قُتل فأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل، وغيره تأول فالتمس له العذر، فكلٌ على خير ما دامت المقاصد بإذن الله عز وجل صحيحة، ولم يبلغ الناس خطأً متعمداً فإن هذا ينبغي أن لا يشاع عنه قالة السوء، ولذلك أحمد بن حفص السعدي يقول سمعت الإمام أحمد يقول : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء ؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً ، ابتداء هذا القول بالثناء على إسحاق وإن كان يخالفه في المسائل أو بمخالفة في الإجتهادات، لكن هذا الخلاف لم يمنعه من أن ينصفة ، ولم يكن هذا الخلاف مؤدياً الى الإختلاف ولا إلى نفرة القلوب بل كان من فقه الإمام أحمد وإيمانه وورعه وتقواه أن أثنى عليه وقال : ما عبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق - يعني أنه من أفضل من جاء إلى تلك البلاد - وإن كان يخالفنا في أشياء ؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا .



وأبلغ من هذا وأكثر منه ما رواه عبدالله بن محمد الوراق - وهذا درس عظيم - يقول : كنت في مجلس الإمام أحمد فقال : من أين أقبلتم ؟ فقالوا : من مجلس أبي كريب - محدث من المحدثين - فقال اكتبوا عنه ؛ فإنه شيخ صالح ، فقلنا له : إنه يطعن عليك - يعني يذكرك بسوء ويذمك - ، فقال الإمام أحمد : فأي شيء حيلتي فيه شيخ صالح قد بُلي بي .

لم يمنعه ذلك أن ينصفه أو يذكر فضله وأن يكف عن الرد عليه بما قد يسوء ويشوه ويبلبل الناس، ولذلك من أعظم ما ينبغي أن نفقهه ، وأن نعلمه ، وأن نستفيده من دروس الأئمة تجردهم لله - عز وجل - وعدم انتصارهم لأنفسهم، وقصدهم المصلحة العامة دون المصلحة الشخصية ، ودورانهم مع الحق دون دورانهم مع أنفسهم ولا آرائهم .



ولذلك هذه المواقف من هذا الإمام العظيم وهو إمام أهل السنة تبين لنا منهج أهل السنة في إحسان الظن والتماس العذر وعدم الرد على من يخالف، ففرض الرد عليه إنما لإظهار الحق ، وإن كان لا بد منه على ما كان من رسول الله - عليه الصلاة والسلام - عندما كان يقول : ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ! ) .



وهذه جولة من الجولات المهمة التي ينبغي أن نستفيد منها ، خاصة في هذه الأيام التي فيها الناس يسمعون من هذا قدحاً في هذا ومن ذاك عزاً في الآخر ، فيسقط عندئذ هذا وذاك ، ولا يبقى عند الناس حرمة لأهل العلم ولا للعلماء، وهذه الأمور إنما هي أساس للمسلم بوصفه مسلماً ، فكيف وإن كان عالما أو داعية أو مجاهداً في سبيل الله أو قائماً بأمر من أمور الخير والدين لا يقوم بها مثله ؟

فإنه ينبغي أن يكون المراعاة لحاله وشأنه والثناء عليه والتوصية به ، وإرشاد الناس للإقتداء به أكثر مما ينبغي أن يذكر مما يخالف فيه أحد غيره من رأي أو اجتهاد .





الجولة العاشرة : مع العابد

الذي وصفه إبنه إجتهاده في العبادة والنوافل فقال : كان أبي يصلي في كل يوم ثلثمائة ركعة ، فلما مرض من تلك الأسواط - أي من بعد الجلد والمحنة في السجن ثمانية وعشرين شهراً - أضعفته ، فكان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة وقد بلغ الثمانين .

هذا عندما ضعف ومرض وكبر في السن صار يصلي في اليوم مائة وخمسين ركعة ! فأي واحد في هذه الأعصر - إلا من رحم الله - يدِّعى أنه يفعل مثل هذا الفعل ؟

فلذلك لا يكون أهل العلم علماء حقيقيون ؛ إلا أن يجمعوا مع العلم العبادة والصلة بالله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول أحد طلاب العلم : أنه جاء الى الإمام أحمد مسافراً فنزل ضيفاً عليه، فأعد له ماءً ثم ذهب ، فجاء في الصباح فرأى الماء لم يمسه فقال : طالب حديث لا يقوم الليل ! كأن هذه المسألة في ذهنه ليست مقبولة ولا معقولة ولا متصورة، فقال : أنا مسافر، قال : وإن كنت مسافراً ؛ فإن مسروق حج ولم ينم الا ساجداً .

فهذا يدلنا على ما كان عليه أهل الإيمان من الصلة بالله التي نفتقر إليها في هذه الأيام كثيراً .. قد نكثر من الكلام ومن الخطب والمواعظ ، وقد نكثر مما نقرأ في الكتب ونقلّ كثيراً من دوام الصلة والطاعة والعبادة والصلاة والقيام والذكر والتلاوة !



ويقول عبد الله أيضاً في وصف أبيه : كان أبي يقرأ كل يوم سبعاً - يعني يختم القرآن في سبعة أيام -وكان ينام نومه خفيفه بعد العشاء ، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو ، وإذا صلى العشاء الآخرة ركع ركعات صالحة .



ويقول : وكان أيضاً ربما سمعت أبي في السحر يدعو القوم بأسمائهم فكان يكثر الدعاء ويخفيه ويصلي بين العشائين ، فإذا صلى العشاء الآخرة ركع ركعات صالحة ثم يوتر وينام نومة خفيفه ثم يقوم ويصلي وكانت قراءته لينه ربما لم أفهم بعضها ، وكان يصوم ويدع من الصوم ، ثم يفطر ما شاء الله ولا يترك صوم الإثنين والخميس وأيام البيض إلى أن مات .

فهذا كان حاله في العبادة وصلته بالله سبحانه وتعالى، على أمر فريد عجيب كما نرى .





الجولة الحادية عشر : مع الداعي المتضرع

ثم نمضي مع دعوات الإمام أحمد وقد كانت له دعوات جليلة عظيمة، حتى أن ابن الجوزي أفرد فصلاً لدعوات الإمام أحمد لنرى كيف كان أولئك الصالحين، من دعائه رحمة الله عليه أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة : اللهم كما صنت وجهي من السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك .

وكم من الناس يقعون في المسألة لغير الله من غير أن يشعروا ، ويقعون في شيء من الخوف أو الرجاء لغير الله - سبحانه وتعالى - دونما ينبغي أن يكون لمقامات المؤمنين الصادقين .



ويقول في دعوة عظيمة تبين لنا صفاء نفسه ونقاء سريرته وحبه الخير للناس : ينبغي أن يكون المسلم محباً للخير عند الآخرين ؛ لأن هذا من علائم كمال الإيمان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) أ.هـ كلام الإمام .



فلذلك هذه النفسية - إن وجدت في قلب المؤمن - نظر إلى الطائع فإذا به ينظر نظرة محبة وإجلال واقتداء ، إذا نظر إلى العاصي لم ينظر إليه نظرة إزدراء وإحتقار بل نظرة شفقة ورحمة ورغبة في الإصلاح والإرشاد مع النصح واللطف .

هذا هو الذي يفارق فيه المسلم الفطن المؤمن الحكيم في دعوته وبين من ينظر إلى الناس ولا يرى فيهم إلا شراً ، ولا يتوقع منهم إلا منكراً ، فكأنه يفرح بخطيئة الرجل ويفرح بزلة القول ، وإذا به يريد أن يجرم الناس أو يفسقهم أو يبدعهم أو يكفرهم، هذه نفس مريضة مظلمة ليست نفس مشرقة بالإيمان من محبة للخير وكان من دعاء الإمام أحمد يقول وقد كثرت الأهواء والفتن والبلايا وانحرافات العقيدة في عهده : اللهم من كان على هوى أو على رأي هو يظن أنه على حق وليس هو على حق فرده الى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد .

انظروا إلى القلب الشفيق الرحيم وقد رأى الفتن تغتال العقول وتفسد القلوب، وأشفق على هذه الأمة مما جاءها من البلاء ومن هذه الفتنة العمياء ومن هذه المقالات الفلسفية والإنحرافات العقلية : اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك ، ولا تمنعنا خيراً من عندك بشرِّ ما عندنا وترانا حيث نهيتنا ولا تفقدنا حيث أمرتنا أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية . هكذا كان دعاءه .



ومن ذلك أنه كان يقول : اللهم وفقنا لمرضاتك ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ،ومن الذل إلا لك ، اللهم لا تكثر علينا فنطغى ولا تقلل علينا فننسى ،فهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغاً لنا وأغثنا بفضلك يا رب العالمين .

فهذه الدعوات تبين لنا ما كان من فقه الإمام أحمد وبصره بهذا الأمر .



الإمام والفتنة

والحق أن المحنة التي وقعت له هي أبرز مفصل ومرحلة من مراحل حياته ، بدأت في عام ثمانية وعشر ومائتين ، واستمرت حتى عام أربع وثلاثين ومائتين ، وابتلي فيها الإام أحمد بصور شتى .. كان منها السجن والضرب ، وكان منها أن يعلق من رجليه فيدلى رحمة الله عليه، وكان منها أن يلف في بسط ويداس وهو في داخل البساط حتى يدمى رحمة الله عليه، وكان كالطود الشامخ ، لكن كانت عنده حجة مفحمة وبرهان قاطع أعيا به العقول ، وأخرس به الألسنة ، ووقف الجميع أمامه لا يملكون منه إلا حجة الضعيف - وحجة الضعيف هي القوة والطبش - تلك الحجة التي أجراها فرعون مع موسى لما انقطعت حجته وحيلته قال : { لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين } .

وهي الحجة التي قال بها النمرود لما أعيته الحجة ، وكذلك ما كان من قوم إبراهيم مع إبراهيم الخليل عليه السلام .

ولذلك أذكر أولاً بعض المواقف والرؤى التي كانت قبل المحنة، ذكر في كتاب كامل عن محنة الإمام أحمد بن حنبل يقول أحد هم في بعض الروايات : أن أحد هم رأى الإمام أحمد في المنام ، كان عليه بردٌ مخطط ، وكأنه يريد المسير إلى الجامع يوم الجمعة ،فاستعبر بعض أهل التعبير ، فقال : هذا يشتهر بالخير ، قال : فما أتي عليه إلا قريب حتى ورد ما ورد من خبر المحنة .

ويروى عنه أن قال : رأيت في المنام علي بن عاصم فأولته على هذا النحو، أولت علياً بالعلو ، وعاصم عصمة من الله عز وجل .

وهذ ما حصل له ، فعلى بين الناس ذكره وعصمه الله - عز وجل - من الفتنة والمحنة، ومن عجيب ما كان عنده من الحجة مثل هذه المواقف كان إذا أرادوه على شيء قال : ائتوني بشيء من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أي أنا ليس عندي شيء أعطوني دليل من الكتاب والسنة وأنا أقبل معكم وليس بيني وبينكم شيء .




من حوارات الإمام في الفتنة





استشهد المناظرين للإمام ببعض الشبه والآراء نسوقها على ذكر الشبهة والرد :

الشبهة : استشهدوا بقوله سبحانه وتعالى :

( الله خالق كل شيء )

فيقولون له : أليس القرآن شيئاً إذاً فيكون مخلوقاً، هذه أصل الفتنة، فتنة خلق القرآن .

الرد : أليس يقول الله عز وجل يقول :

( تدمر كل شيء بأمر ربها )

فدمرت كل شيء الا ما أراد الله عز وجل، فلا يكون هذا عموماً مطلقاً بل فيه ما هو بأمر الله عز وجل .

الشبهة : احتجوا بقوله سبحانه وتعالى بآية فيها ذكر الجعل مما يشتمل على القرآن، فقالوا أليس القرآن مجعولاً فإذاً هو مخلوق .

الرد : فقال قال الله سبحانه وتعالى

( فجعلهم كعصف مأكول ) هل معناها خلقهم كعصف مأكول، إن الجعل هنا ما يصير إليه الشيء وينتهي إليه .

الشبهة : احتجوا بقوله تعالى :

( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث )

والمحدث مخلوق .

الرد : فقال الله جل وعلا في سورة ص ( والقرآن ذي الذكر ) فقال هنا القرآن ذي الذكر فهو معرف بأل، وأما أي ذكر فليس معرّف فليس المراد به القرآن .

فكلما جاءوه بحجة ألجمهم حجة أخرى فما استطاعوا أن يظهروا عليه بالحجة، فارادوا أن يكون ظهورهم عليه بالقوة والفتنة والمحنة .





دروس وعبر من المحنة







أولاً : منشأ هذه الفتنة كيف وقعت ؟







مما ينبغي لنا أن ننتبه له كيف وقع من المأمون ما وقع من هذه الفتنة العظيمة ؟ كان في آخر عهد الرشيد بداية انتشار المقالات الفلسفية التي وردت للمسلمين من أولئك الفرس وغيرهم ممن فُتحت بلادهم، وكان المأمون ممن تتلمذ على العلاف وهو شيخ من شيوخ المعتزلة، ثم قرّب إليه هؤلاء الناس، فألقوا في عقله ونفسه الشبه فامتنع بها، ولذلك من أهم الأمور من يحيطون بالإمام أو الحاكم والخليفة أن يكونوا صالحين من أهل الخير والصلاح فيحسن حينئذ حاله وتحسن حال الأمة من ورائه ولذلك لماكانت بطانة المأمون من هؤلاء وقعت عنده هذه الشبهة وهذه المحن التي اُبتلي بها الناس وخلاصة هذه الفتنة خلق القرآن، إن القرآن مخلوق قالها المعتزله لأنهم أنكروا بعض الصفات ومنها صفة الكلام قالوا ننكرها لئلا نقع في التشبيه ووصف الله عز وجل بما لا يليق من الأوصاف، فجعلوا القرآن مخلوقاً وكونه مخلوقا يقتضي أموركثيرة من الفساد منها إن المخلوق يخطئ ويصيب وبالتالي تزول حرمه القرآن وقدسيته التي يتلقى بموجبها المسلمون كل شيء وارد في القرآن على أنه حكم مقطوع مجزوم به .

فلما أراد أن يقول بهذه الفتنة أو هذه القولة خشي بعض العلماء من أهل السنة ثم تروّى فزيّن له أهل الباطل أن يعلن بهذه الفتنة زينوا له ذلك، فهذا يدلنا على أثر أولئك القوم وأثر البطانة فلما قال أخشى يزيد بن هارون قالوا ومن يزيد بن هارون هذا، فلما أحجوه أعلن بهذه الفتنة في سنه 212 هـ ولكنه لم يدعو الناس إليها حتىجاء 218 هـ فأعلن فيها هذه المقالة وحمل علماء الأمة وبدأ يمتحن الناس عليها فأخذ عشرين من كبار العلماء والأئمة في بغداد منهم الإمام أحمد يريد أن يمتحنهم وأن يقولوا بهذا القول .



وبعد ذلك حمل الى الخليفه أربعة من هؤلاء الكبار ومنهم محمد بن نوح والقواريري وسجادة وفي أثناء الطريق جاءت مقالة تروي من أبي جعفر الأنباري ويرويها بعضهم من أحد الأعراب أنه سلم على الإمام أحمد وهم خارجون في الطريق و قيل أنه أبو جعفر الأنباري، وقد عبر النهر ليلقى الإمام أحمد فقال :



يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك ان تجيبهم الى ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم الى يوم القيامة وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وانك إن لم تقتل تموت وإن عشت عشت حميداً، قال أحمد : فكان كلامه مما قوّى عزمي وثبتني وفي بعض الروايات التي هي عن أبي جعفر انه قال :



ما شاء الله ماشاء الله



فرح لأنه كان هذا عزمه فرأى من شدة عزمه ما قواه، وهذا مما يدلنا على أن المرء بإخوانه يعان بإذن الله عز وجل، وأن التثبيت من الله لكن من أسبابه ان يثبت الإخوان أخاهم عندما تمر به محنة أو فتنة وهذا الذي وقع للإمام أحمد رحمة الله عليه .



مواقف عابرة



لا أراه ولا يراني



أنه لما قدموا على المامون كان محمد بن نوح قد مات في الطريق فجاء الى الإمام أحمد خادم الخليفه وهو يمسح دموعه يقول : يعز علي يا أبا عبد الله ان المامون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك وإنه يقسم إن لم تجبه بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف فجيء الإمام أحمد على ركبته ورمى بطرفه الى السماء وقال :

سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولئك بالضرب والقتل اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤمنته فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل وفي بعض الروايات ان الإمام أحمد قال :( اللهم اني أسالك ان لا أراه ولا يراني )فكان الأمر كما كان رجع الإمام أحمد مع محمد بن نوح في مقابلته المعتصم وكان مرض بن نوح وموته في هذا الطريق .



سبعة عشر فقط



ومن الصور التي مرت به في هذه المحنة انه قال رحمة الله عليه :



ضربت بالأسواط أول يوم فطفقت أعد سبعة عشر سوطاً ثم أغمي عليّ ولم أدر ما كان

ويقول الذين غسلوا الإمام أحمد وكانت وفاته سنه واحد واربعين ومائتين يقولوا :

رأينا أثر السياط في ظهره ما زال ظاهرا



ويقول أيضاً عن نفسه :



عُلِّقت من رجلي وبيني وبين الأرض مسافه ذراع فكانوا يضربونني بالسياط حتى انقطع الحبل بي ودقت عنقي في الأرض وأغمي علي ولم أدر ما وراء ذلك وكما يقال ما أشبه الليلة بالبارحة نسمع عن مثل هذا في مثل هذه الأيام بل نسمع ما هو أفظع وأشد، لأن القوم من مضوا كانوا على اجتهاد وان انحرفوا، أما من هم اليوم يعذبون دعاة الإسلام وأولياء الله عز وجل فإنهم قد نقموا على الإسلام كله ونعتمد؟ على أهله وأبوا أن يكون لهذا الإسلام دولة يطبق فيها شرعه ويحكم فيها بحكمه سبحانه وتعالى .



الدوس حتى الإغماء



ويقول أيضاً فيما وقع له من البلاء أنه :

جيء بحصيرة ولفوه فيها دخلوا يدوسونه بأرجلهم حتى أغمي عليه

وفي كل ذلك يقولون قل كما نقول بخلق القرآن فيأبى .



إن كان هذا عقلك



وفي فترة سجنه جاء بعض تلامذته يترخصون وكان معهم ابن أبي زهير فقال له : أيها الإمام ما عليك ان تجيب لك عيال لك كذا وكذا، يعني قل ببعض القول والمسألة سهلة قال ولو أجبتهم فإنه عند الله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلبك فنظر إليه الإمام أحمد، وقال كلمة كأنها صفعة قال :



إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت



إن كنت تفكر بنفسك وبهذه النظرة الضعيفة والمصلحة الشخصية والعيال فقد استرحت لإنك لا تحمل هم الأمة ولا هم أبناء الأمة ولا هم الدعوة والحماية لهذا الدين والذود عن العقيدة فإذاً فأنت كما قال القائل توبيخاً وهِجاءً

دع المكارم لا ترحل لبغيتها فاقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي هل يفكر مثل الإمام أحمد في طعامه وشرابه وأهله وعياله ودوره وما فيها وما كان فيها أصلاه؟ لكن لذلك قال له يا أبا سعيد إن كان هذا عقلك فقد استرحت ولا يستريح صاحب الهمة العالية وصاحب العقل الذي يفكر في هموم المسلمين وفي مصالح الأمة فإنه يبقى منشغلاً ويبقى حاملاً لهم، ولذلك قال الله عز وجل في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لميؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) .



كان يحمل هماً ويديم التفكير ويواصل العمل والتدبير لا لشيء يعود عليه بالنفع وإنما ليستنقذ الضُلاّل من الكفر الى الإيمان ومن الظلمة الى النور وليخرج الناس من هذا الموات الى حياة يحيون بها بالإيمان وتكون نجاتهم في الآخرة بإذن الله عز وجل .



لحم ميِّت



ثم أُخرج من السجن ورجع الى منزله ولما جاءه الطبيب جعل يقطع من جسمه لحماً ميتاً مما ابتله؟ السياط أي لم يكن؟ يحسن به مثل الأماكن التي تصبح كانها ليست من الجسم، وكان قد مكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً .

التجاوز إلا للبدعة ومن عظمة نفسه رحمة الله عليه انه كان قد أحل من آذان الا من كان صاحب بدعه حتى يدع عليه بدعته أما المساكين الذين كانوا يَجلِدون وهم مُستخدمين فقد عفا عنهم ولم يحمل في قلبه حقداً ولا غلاً لأنه لم يحتمل ذل لأجلهم ولم يحتمل ذلك منهم وإنما كان يرى في ذلك ثباتاً على أمر الله عز وجل والتماساً لثواب الله سبحانه وتعالى وكان يقول :



ماذا ينفعك ان يعذب أخوك المسلم بسببك



تريد أن تقتص منه مرة أخرى أو تقول هذا الذي فعل هذا وكذا وان تغري به حتى يقع به الضر ما هذه نفوس المؤمنين ولا النفوس الكبيرة التي تثقب؟ الأجساد بها وهي أعظم من هذه الأجساد ما تستطيعه، ثم أيضاً قيل له مرة ادع على ظالمك فقال :



ليس بصابر من دعا على ظالمه



هذه مراتب عالية في حياة الأنبياء إن سؤالهم الله عز وجل لم يكن سؤالاً مباشراً لأنهم كانوا يستعظمون بعد نعمة الله عز وجل ان يسرعوا في الجزع وان يلحوا في الدعاء كما في قصه أيوب عليه السلام وفي قصه الخليل إبراهيم عليه السلام ولذلك كان يتلو الإمام أحمد عند ما يذكر له هذا القول :




( فمن عفا وأصلح فأجره على الله )





ومن قصص ذلك أنه كان يذكر ما يضرب به من السياط وكان الخليفة بنفسه يشهد هذا الضرب ويقول للضارب شد عليه قطع الله يدك ثم تأتي القالة السيئة عندما بالغوا في ضربه فقال أحدهم : يا أمير المؤمنين دمه في عنقي أقتله وانا أتحمل دمه، هؤلاء الذين لم يكونوا يرعون حرمة المسلم ولا كرامة العالم ولا منزلة الإمام من الأئمة وجعلوا يقولون :

يا أمير المؤمنين أنت صائم وفي الشمس قائم فقال الخليفه ويحك يا أحمد ما تقول قال أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم أقول به فرجع وجلس وقال للجلاد : تقدم وأوجع قطع الله يدك، فجعلوا يضربونه أيضاً ثم جاء دور بعض الأشرار قالوا لا تقتله فيقولون مات في مجلسك صبراً فيعظم عند الناس ويكون إماماً ولكن أرسله حتى إذا مات في بيته لم يكن له مثل ذلك، فكانوا يعرفون إرتباط الناس وأثرهم في مثل هذه الأمور، وبعد المعتصم جاء الواثق واستمرت المحنة أيضاً، ولكنه في فترة من الفترات منعه من مجالسة الناس وشهود الجماعات الى غير ذلك من الأمور .



وذكر بعضهم مناظره وقعت لأحد الأشياخ قيل انه من أهل الشام جاء مناظراً أحمد بن أبي دوءد الذي هو كان قاضي القضاة وشيخ المعتزلة، وهو صاحب هذه الفتنة فجاء هذا الشيخ في مناظرة كما ذكر الذهبي وغيره في سندها لكن فيها حكمه وحجة، جاء الشيخ وأُدخل ليناظره ابن أبي دوءاد وقال له ناظر ابن أبي دوءاد قال الشيخ : يا بن أبي دوءاد أخبرني عن مقالتك هذه أهي داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملا حتى يقال ما قلت، قال نعم قال فأخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ستر شيئاً مما أمر به ؟ قال لا قال فدعا لمقالتك هذه، فسكت فقال : الشيخ يا أمير المؤمنين واحدة يعني هذه الجولة الأولى فقال واحدة .



ثم مضى مرة أخرى الشيخ يقول أخبرني عن الله حين قال : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي )

فكان هو صادق في إكمال دينه أم أنت الصادق في نقصانه حتى قلت هذا القول فسكت ابن أبي دوءاد، فقال الثانية .

فقال : أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة أم جهلها، فقال : علمها فقال : شيء لم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمته أنت فسكت ثم قال : لم يعلمها ثم بعد ذلك قال : هل دعا إليها فقال : لا، فقال : أمر إتسع له علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه ولم يطالب أمته به، قال : نعم، بعد ذلك حاجه مرة أخرى، فقال : يا أمير المؤمنين أمر وسع النبي صلى الله عليه وسلم ان يسكت عنه ووسع الخلفاء من بعده ان يسكتوا عنه ما يسعك ان تسكت عنه فاطرق الواثق يفكر فقال بل يسعني فكوا قيود هذا الشيخ .



فلذلك لما طال الأمر واستمر وقويت حجه الإمام أحمد مع صبره وثباته العجيب الذي جعله إماماً للممتحنين حينئذ قضى الله عز وجل بعد وفاة الواثق أن جاء المتوكل بعده فهداه الله الى السنة فرفع المحنة عن الإمام أحمد وعظمه ووقره وجعل له أمر تولية القضاء وأمر تغيير أحوال الدول هو كما قلنا مما روي عنه انه ابتلي بالضراء فصبر وابتلي بالسراء فشكر وجاءته الدنيا الى قدميه فلم يخفض رأسه لينظر إليها بل ظل شامخ الرأس ووطئها بأقدامه مضيقاً على طريق الله سبحانه وتعالى .



وكانت وفاته درساً وعبرة فإنه رحمة الله عليه مرض تسعة أيام وجعل يطلب أبناءه وأحفاده وجعل يشمهم ويودعهم وكان في وقت مرضه إذا اشتد عليه يقول : لا بعد لا بعد، فسأله إبنه فقال : إن الشيطان يقول فتني يا أحمد يعني انتهى أمرك ولم أستطع ان أبلغ منك مبلغاً يقول : فكنت أقول لا بعد لا بعد حتى أموت كان يخشى على نفسه الفتنة حتى في مثل هذه اللحظات .



ولذلك ظل الإمام أحمد حتى قيل انه روي له أو سمع حديثا عن ترك الأنين فلم يكن يئن حتى لا يدخل في الجزع من قضاء الله عز وجل، ولما مات الإمام أحمد بن حنبل خرجت بغداد كلها في جنازته حتى قالوا لم يصلوا العصر ذلك اليوم لأن وفاته كانت صبيحة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول وكانت ولادته أيضاً في الثاني عشر من ربيع الأول عام 164 هـ ووفاته في الثاني عشر من ربيع الأول عام 214 هـ .





يقول الذهبي في رواية :





فحُصِيَ من حضر جنازته ألف ألف نفس ـ يعني مليون ـ وظل الناس يصلون على قبره وقتاً طويلاً وكانت جنازته فرح الناس بها لما أظهرت من نصرة السنة وإن كانوا قد حزنوا لما كان من موت الإمام أحمد رحمة الله عليه، فهذه وقفات سريعة أمضيناها مع الإمام أحمد وإن كانت حقيقة كل واحدة منها جدية بأن تكون وضعاً للإقتداء ورؤية الواقع الذي نحن فيه لما بيننا وبين الإمام وغيره من الأئمة من بون شاسع خاصة فيما يتعلق بالصلة بالله عز وجل وقد جمع التقوى والورع مع العلم والفقه في الدين وخاصة أيضاً فيما يتعلق بالنفوس وتهذيبها والإخلاص وتحريره لله سبحانه وتعالى ورعايه مصلحة الأمة والجهاد في سبيل نشر دعوة الله عز وجل والثبات على ذلك، نسأل الله ان يرزقنا حسن الإقتداء والتأسي بأمثال هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم

عذراء الروح
10-02-2009, 06:22 PM
عائشة الحميراء .. قدوة النساء


• المقدمة

• من خصائص عائشة التي ذكرها ابن كثير .

• عائشة الفاضلة .

• عائشة الفقيهة العالمة .

• عائشة رضي الله عنها الزوجة والابنة .

• حادثة الإفك .

• من صفات عائشة .

• زواج عائشة رضي الله عنها .

• من فوائد التبكير في الزواج .

• للإستزادة من خبر عائشة رضي الله عنها .



عائشة الحميراء .. قدوة النساء



المقدمة:

الحمد لله هو لكل خير يرتجى ، وإليه من كل شر المتلجى ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى ، وإن هدى الله هو الهدى، من تمسك به اهتدى ، ومن حاد عنه ظل وغوى .



أما بعد :

قد سلف لنا أحاديث عديدة حول ما يتعلق بالمرأة المسلمة ، وبعض الموضوعات المتعلقة بها ، واليوم حديثنا عن " عائشة رضي الله عنها " يخدم هذا الجانب على وجه الخصوص، وإن كان في موضوع سيرتها ما هو نافع ومفيد للمجتمع المسلم كله رجالاً ونساءً ؛ لأن في مواقفها وتعاملها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ما مر بها من الأحداث والوقائع مع الصحابة رضوان الله عليهم فيه كثير من الدروس والعبر .



والحديث الذي يجري في هذا الصدد أيضاً ؛ لأن الحديث عن القدوات في صفوف الرجال يكثر، فقدوات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الأئمة العلماء وعن سلف هذه الأمة، ونذكر الإمام أحمد والشافعي وأبو حنيفة والإمام مالك وغيرهم من هؤلاء، ويقلّ ذكر قدوات النساء فلعل ذكر عائشة رضي الله عنها يعتبر مثالاً يحتذى ؛ لما لها من عظيم الفضائل وكثير الخصائص رضي الله عنها وأرضاها .



فعائشة رضي الله عنها كما قال الذهبي : " بنت الإمام الصديق الأكبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافه عثمان بن عامر " ، القرشية التميمية المكية النبوية أم المؤمنين رضي الله عنها، قد حازت الفضل من كل جوانبه ونالت الشرف من سائر وجهه وهي التي ولدت في ظلال الإسلام كما قالت : " لم أعقل أبوي الا وهما يدينان الدين "، فقد ولدت في الإسلام وفي بيئة إسلامية .



وحتى ندرك بايجاز أول ما يتعلق بسيرة عائشة رضي الله عنها ، نقول : أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها وهي ابنة ست سنين ، ودخل بها وهي ابنة تسع سنوات ، وتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ثماني عشر سنة ، فتأمل هذه السيرة التي أهلّتها بعد ذلك الى أن تكون قدوة من القدوات ، وعلماً من أعلام الأمة الإسلامية كلها مع هذه الفترة الوجيزة .



لكنها كانت فترة عظيمة ؛ لالتصاقها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أهل السير في وصفها أموراً وأوصافاً كثيرة، كما أفاض ذلك ابن كثير في البداية والنهاية، عندما ترجم لها في سنة وفاتها، قال : " أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب أزواجه إليه ، المبرأة من فوق سبع سموات رضي الله عنها وعن أبيها، وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، وكانت عائشة رضي الله عنها تكنى بأم عبد الله ، وإن لم يكن لها ولد ولم تلد مطلقاً ، لكنها ربت ابن أختها أسماء - وهو عبد الله بن الزبير رضي الله عنه - فكانت تكنى به رضي الله عنها .



من خصائص عائشة التي ذكرها ابن كثير:

وقد أوجز ابن كثير في هذه الترجمة ما سأذكره بإيجاز ثم يأتي تفصيل بعضه، ذكر جملة وافرة من خصائص عائشة رضي الله عنها :

1- لم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكر سواها .

2- لم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها .

3- لم يكن في أزواجه أحب إليه منها .

4- قد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حرير مرتين أو ثلاثاً يقول له هذه زوجتك، فتزوج منها بأمر الله ووحي الله سبحانه وتعالى .

5- أنها كان لها في القسم يومان يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقرباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

6- أنه مات في يومها وفي بيتها ، وبين سحرها ونحرها صلى الله عليه وسلم ، وجمع إليه بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعات الدنيا له عليه الصلاة والسلام وأول ساعة من ساعات الآخرة ثم دفن في بيتها .

7- أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي أعلم نساء الأمة على الإطلاق بلا نزاع في ذلك بين أهل العلم ، وقد قال أهل العلم في وصف علمها شيئاً كثيراً يأتي ذكره لاحقاً.



عائشة الفاضلة:

الميزة الأولى : في سرقة من حرير

فهذه عائشة رضي الله عنها ربما ذكر في وصفها على سبيل الإجمال و فضائلها كثيرة مشهورة في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد جاء ونزل في حقها آيات تتلى من كتاب الله عز وجل الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أريتكِ في المنام ثلاث ليال جاء بكِ الملك في سرقة من حرير - يعني مغطاة بقطعة من حرير – فيقول : هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه ، فاقول : إن يك هذا من عند الله يمضه ) وقد أمضاه الله سبحانه وتعالى .



الميزة الثانية : القرب من الوحي

وفي فضيلة قربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيلائها على عظيم محبته ، ورد الحديث الصحيح عن عمر بن العاص وهو ممن أسلم في السنة الثامنة للهجرة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : أي الناس أحب إليك يا رسول الله ؟ قال : عائشة، قال : فمن الرجال ؟ قال : أبوها .

فكانت هي حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم .



ولذلك قال الذهبي بعد إيراده هذا الحديث تعليق عليه : " وهذا خبر ثابت صحيح رغم أنوف الروافض ، وما كان عليه السلام يحب الا طيباً، وقد قال : ( لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل ) فأحبَّ أفضل رجلٍ من أمته ، وأفضل امرأة من أمته ، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حريٌ أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله " .

لأن الرافضة قالت في عائشة رضي الله عنها أقوالاً مرفوضة مرذولة قبيحة ، حتى أن بعضهم قد غالى في ذلك قولاً يكفر به صاحبه إن أعتقده ؛ حيث أنهم فسروا قول الله عز وجل : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، قال بعض الغلاة ممن كانوا على هذه النحلة والملة : " هي عائشة " ، تعالى الله عما يقولون في كتابه علواً كبيراً .



وهذا أيضاً حديث عن هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة - من معرفة الصحابة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة أنهم كانوا يهدون إليه في اليوم الذي يكون عندها ، حتى يكون ذلك اليوم أكثر سعداً وفرحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم -قالت : فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة - وكانت من كبار أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سناً ، وسيأتي تفسير الحزبين الذين كانا في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بحكم طبيعة المرأة وغيرتها - فقلن لها : إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان، فذكرت أم سلمه ذلك له ، فسكت فلم يرد عليها ، فعادت الثانية فلم يرد عليها ، فلما كانت الثالثة قال : ( يا أم سلمه لا تؤذينني في عائشة ؛ فإن الوحي لم يأتيني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ) .



وهذه فضيلة لها عن باقي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا بيان طبيعة فطرة المرأة مع العصمة بالشرع والبعد عن مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .



الميزة الثالثة : أنها ابنة أبي بكر

كان نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حزبين : فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخر أم سلمة وسائر أزواجه ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ، فإذا كانت عند أحد هم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله فأخرّها حتى إذا كان في بيت عائشة بعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلّم حزب أم سلمة مع أم سلمة ؛ لتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها ذلك القول ، فقالت أم سلمة في هذه الرواية: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله .



ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر فكلمته، فقال : يا بنية ألا تحبين ما أحب ؟! قالت : بلى ! فرجعت إليهن فأخبرتهن ، فقيل لها : ارجعي إليه ، فأبت أن ترجع ، فأرسلوا بعد ذلك زينب بنت جحش رضي الله عنهن جميعاً ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظت له في القول وقالت : إن نساءك ينشدنك الله العدل في ابنة أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة - أي ببعض القول - وعائشة قاعدة فسبتها - أي ذكرت لها كلاماً شديداً وقاسياً - حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تتكلم . قال : فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها - أي ذكرت لها من القول ما ألجمها وأسكتها - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنها ابنة أبي بكر ).

فشهد لها هذا الموقف بفضلها على أزواج رسول الله صلى الله علي وسلم .



الميزة الرابعة : أفضل من خديجة

وبالجملة فهناك خلاف بين أهل العلم في التفضيل بينها وبين خديجة رضي الله عنهن أجمعين، وقد مال الذهبي إلى تفضيل عائشة رضي الله عنها .



الميزة الخامسة : الثريد على سائر الطعام

ولذلك ورد عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) .

وهذا تفضيل لها على سائر نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لما كان لها من علم وسبق وفضل كما سيأتي ذكره .



الميزة السادسة : زوجة في الجنة

وفي مستدرك الحاكم عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عائشة قالت :

قلت يا رسول الله مَن مِن أزواجك في الجنة ؟ قال أما إنك منهن، قالت : فخيِّل اليّ أن ذاك لأنه لم يتزوج بكراً غيري .

وهذا السؤال في حد ذاته ليس مجرد سؤال عابر ، بل هو يدل على فطنة عائشة رضي الله عنها وحرصها على الفضل والخير ؛ فإنها كانت ترى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وشأنه معهن في هذه الحياة الدنيا وإنه كان يقسم لهن ، فأرادت أن ترى ما يكون في الآخرة وما تستشرف لها نفسها من أن تكون في الجنة وأن تكون رفيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حسن أدب المصطفى عليه الصلاة والسلام وكمال هديه ولطفه وبره ؛ فإنه أخبر عائشة أنها منهن ولم يفردها بذلك ولم يعرض بغيرها من النساء بل بشرها بذلك، وانقضى ما يدل عليه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وصفة أزواجه أنهن معه في الجنة بإذن الله عز وجل، ولكن في هذا الحديث بشارة واضحة لعائشة رضي الله عنها على وجه الخصوص .



الميزة السابعة : قرب حتى آخر لحظة

ومن الفضائل التي كانت لها أيضاً أنه كما ورد عنها قالت : " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، وفي يومي وليلتي ، وبين سحري ونحري، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت أنه يريده فأخذته - أي أخذت السواك - فمضغته ونفضته وطيبته ، ثم دفعته إليه فاستن به كأحسن ما رأيته مستناً قط، ثم ذهب يرفعه اليّ فسقطت يده صلى الله عليه وسلم، فأخذت أدعوا له بدعاء كان يدعوا له به جبريل صلى الله علي وسلم وكان هو يدعوا به إذا مرض يدعوا به في مرضه ذاك ، فرفع عليه الصلاة والسلام بصره إلى السماء وقال : الرفيق الأعلى ، وفاضت نفسه ، فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من أيام الدنيا " .



ومن فطنة وحكمة وعدالة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أنهن رأين تعلق المصطفى صلى الله عليه وسلم بعائشة في وقت مرضه ، وكان يسأل وهو يمرض عند نسائه عن يوم عائشة ، فلما رأين ذلك أجمعن أمرهن على أن يجعلن تمريض النبي صلى الله عليه وسلم في وقت مرضه إلى عائشة في بيتها في كل الأيام والليالي، وهذا يدل على أهمية الحكمة والعصمة بالشرع في أن تكون أسمى وأرفع من طبيعة الغيرة الموجودة لدى النساء .



عائشة الفقيهة العالمة:

هذا الجانب يكاد يكون في غاية الضعف عند نسائنا في هذه الأيام ؛ فإننا إذا تحدثنا عن طلب العلم والحرص على دروس العلم ونحو ذلك فكان الغالب في أذهاننا أن ذلك الحديث مخصوص بالشباب ومن الشابات وبالرجال دون النساء، وكذلك نجد أنه البيئة التي نعيش فيها تظهر فيها نماذج من طلبة العلم والحريصين عليه حفظاً لكتاب الله عز وجل ، وحفظا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واطلاعاً على أقوال أهل العلم وكتب الفقهاء ، وغير ذلك نجد ذلك في صفوف الرجال والشباب أكثر منه في صفوف النساء، حتى توهم الناس أنه لا يكون للمرأة قدرة على أن يكون حظها من العلم مثل حظ غيرها من الرجال، بل قد سرى الى بعض الرجال أن المرأة زوجة كانت لهم أو بنتاً أو أختاً أنها دون أن تكون لها صلة بالعلم والإستنباط والفهم والفقه مع أن هذا غير صحيح ونشأ عن هذا فقر مهم وفي نفس الوقت خطير ؛ لأن النساء لهن حاجات ومسائل قد يمنعهن الحياء أن يسألن عنها الرجال وخاصة في أمور المعاشرة مع الأزواج وفي أمور الطهارة الخاصة بالنساء .



فلما قل الفقه في النساء أصبح وقوع الخلل منهن لعدم سؤالهن للرجال حياء أو تحرجا أو نحو ذلك أصبح هذا ظاهراً بشكل كبير، وهذا أيضاً مدخل خطير ؛ لأن عدم تهيئ المرأة وإستعدادها وميلها وعلمها بإمكانية طلبها للعلم ونبوغها فيه واجرها في ذلك ونفعها لبنات جنسها، جعلها أكثر مناسبة أو تهيئه لأن يصطادها أعداء الله عز وجل وأن يشغلوها بأفكار ومطالعات وقرارات بعيدة عما ينفعها في دينها ودنياها وفي آخرتها بإذن الله عز وجل .



وكذلك في الحقيقة أرى أن جانب العلم سيما في الأمور التي تخص المرأة من المهم جداً أن تندب لها النساء الصالحات القانتات العابدات، وأن يحث الرجل من له عليه ولاية من النساء على أن تأخذ حظها من العلم وافراً لتنفع نفسها وتنفع بنات جنسها، وأن حديث الرجال الى النساء قاصر في تأثيره وفي لمسه لحاجتهن ومعرفته بأحوالهن، ولذا يكون لسان المرأة الى المرأة أبلغ وتعليم المرأة للمرأة أقوى ؛ ولأن قدرتها أو لأن الحوائل الشرعية من الحجاب وغير ذلك تمنع أن يكون التواصل العلمي والتربوي كاملا ؛ فإنه لا يغني ذلك من جانب الرجال الغناء الكامل ، بل لا بد أن يكون في صفوف النساء المسلمات عالمات ومربيات وداعيات ؛ لأن علمهن بأحوال النساء وقربهن منهن وقدرتهن على معاشرتهن ومواجهتهن ومكاشفتهن ومصارحتهن تؤدي دوراً أكبر ولذلك أسوق هذه القدوة في العلم للنساء وللرجال كذلك، فان عائشة رضي الله عنها قد كان الرجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشكل عليهم الأمر وأعجزتهم المسألة رجعوا إلى عائشة رضي الله عنها فأخبرتهم حكم وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فلذلك قال الذهبي رحمة الله عليه :" أفقه نساء الأمة على الإطلاق " .



وذكر أن مسند عائشة من الأحاديث يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثاً ، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ، وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثاً ، ولا يوجد في النساء من هي أكثر رواية لحديث رسول الله من عائشة، لم يكن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعدد الكثير من النساء عبثاً ، وإنما كان ليطلعن على ما لا يطلع عليه المرأة من زوجها في شأن الأمور الدقيقة ، فينقلن هذا العلم والأحكام الشرعية المتعلقة بأخص خصائص ما بين الرجل وزوجته لنساء الأمة ورجالها على حد سواء .



ولذلك قال الذهبي : " لا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بل ولا في النساء مطلقاً إمرأة أعلم منها " .



وقال الزهري : " لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل " .



وقال عطاء بن أبي رباح : " كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأياً في العامة " .



وتأمل هذه الجملة الأخيرة ، بل تأمل هذا النص كله، كانت أفقه الناس وأعلم الناس بالفقه غير العلم فالعلم حفظ والفقه استنباط فقد جمعت بين الأمرين معاً، وأحسن الناس رأياً في العامة أي أنها تعرف أمور الناس ومجريات الحياة ما ينبغي أن يكون من التوجيه وكيف تكون هذه الأساليب ، وقد ورد في مسند الإمام أحمد في سند صحيح : أن عائشة رضي الله عنها استدعت قاص أهل مكة الذي كان يقص لهم القصص ، ويعظهم بالمواعظ، وقالت له : لَتعاهدنيّ أو لأقاطعنك - أو معنى كلامها - فقال : علام يا أم المؤمنين أو يا زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قالت : أن لا تمل الناس وأن لا تنقطهم ، وإذا حدثهم فحدثهم يعني يوماً ويوماً .



أي لا تملهم بالحديث فقالت له : لاتملهم بطول حديثك وتكراره ، ولا تقنطهم بتأييسهم من رحمة الله عز وجل ، وإكثار الخوف عليهم دون أن تفتح لهم باب الرجاء، وهذا يدلنا على تلك العبارة أنها كان أحسن الناس رأياً في العامة، وقال عروة : " ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة رضي الله عنها " .



وهذه الرواية عن عروة تُروى بوجه آخر مفصل يبين لنا أن عائشة كانت على ذكاء وافر وفطنة عجيبة يقول عروة وهو ابن أختها : " صحبت عائشة رضي الله عنها فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآيه أنزلت ، ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا أروى له ، ولا بيوم من أيام العرب ، ولا بنسب ولا بكذا ولا بكذا ولا بقضاء ولا بطب منها " .



فانظر فقد كانت تعرف الأنساب ، ولا غرو في ذلك فهي ابنة نسابة قريش أبي بكر رضي الله عنها ، وكونها تعلم علم القرآن والسنة والفقه لاغرو في ذلك لذلك هو يقول : قلت لها : يا خالة الطب من أين عُلّمته ؟ - عرفنا أنك علمت الفقه والأحكام من الرسول صلى الله عليه وسلم والنسب من أبي بكر والشعر من حفظ لكن الطب من أين لك هذا الطب ؟- فقالت : " كنت أمرض فيُنعت لي الشيء ، ويمرض المريض فينعت له ، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فاحفظه " .



فكانت - رضي الله عنها - طبيبة قلوب ، وطبيبة أبدان ، فهذا يدل على الفطنة، ويدل على أن عائشة لم تكن هتماماتها إهتمامات سطحية كحال نساءنا اليوم ؛ فإن بعض النساء عندها فطنة ، وعندها ذكاء ، وعندها سرعة حافظه ، لكنها موجهة توجيهاً غير سليم ؛ فان عندها فطنة بأن تمزج الموديلات في الملابس فتخلط بين هذا وهذا ، وتحفظ هذا وذاك ، والأول والثاني ، وتعرف أن هذا طراز قديم وهذا طراز حديث ! بينما عائشة رضي الله عنها كانت لها أذن واعية ، وقلب مستقبل لكل ما فيه منفعة في هذه الدنيا والدين على وجه الخصوص، لذلك قال عروة : " فلقد ذهب عامة علمها لم أسأل عنه " .



عروة هو ابن أختها - والذي كان ملازماً لها - والذي روى كثيراً من علمها، يقول : لكثرة علمها وتشعبه أنها ماتت وتوفيت وذهب عامة علمها ولم يستطع أن يسألها عنه لكثرته ومضى الزمان وانتهى عمرها قبل أن يأخذ علمها الغزير ، وكانت تحفظ الشعر وترويه كأحسن ما يروي الناس الشعر ، ولا تنسوا أن هذا كله والنبي صلى الله عليه وسلم توفي عنها وهي ابنة الثامنة عشر عاماً .

ضبطها هذا العمر الذي اليوم ربما ابنة الثامنة عشرة لا همّ لها إلا أن تحسن وجهها ، وتنعّم صوتها ، وتميل وجهها ، وتتكسر في مشيتها ، لا تعرف إهتماماً عن أمور الدنيا ولا من أمور الدين ، ولا تفكر في آخرة ، ولا تحوز علماً ، ولا تتأهل الى تربية ، ولا تتصدى لفتيا ولا شيئاً من ذلك مطلقاً .



وهذا يدلنا على البون الشاسع بينما كانت عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين ، وبين ما آل إليه الحال - إلا من رحم الله - في عصرنا هذا، ولذلك ينبغي للمرأة أن تفطن إلى ما يتعلق بتحصيل العلم، فقد كانت عائشة رضي الله عنها على هذا النحو الواسع من العلم، ولذلك قال الشعبي : " أن عائشة رضي الله عنها قالت رويت للبيد نحواً من ألف بيت " .



وكان الشعبي يذكرها - يعني عائشة - فيتعجب من فقهها وعلمها ويقول : " فما ظنكم بأدب النبوة إذا كان هذا العلم الذي تحفظه ! " ، أي فما ظنكم بالتربيه العملية التي تلقتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا لجأ إليها الصحابة رضوان الله عليهم ونهلوا من علمها ، وأخذوا من فقهها كثيراً، كما قال ابن سعد في الطبقات : " كانت عائشة رضي الله عنها أعلم الناس ، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "



وكما قال أيضاً : " ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون في شيء الا سألوا عنه عائشة فيجدون عندها من ذلك علماً " .



بل قد صنف الزركشي كتاباً كاملاً سماه [ الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ] أي فيما استدركت عليهم من الأخطاء التي وقعوا فيها أو الأقوال التي خالفتهم فيها بحجة ودليل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما ورد في الصحيح : لما قال عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) ، فقالت عائشة رضي الله عنها : رحم الله ابن الخطاب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإنما قال : ( إن الكافر ليعذب بكاء أهله عليه ) ، وكانت تستدرك وتقول : حسبكم كتاب الله { لا تزر وازره وزر أخرى } .



فكان عندها فقه عجيب ، وبصر نافذ ، وإحاطة شاملة بكثير مما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كما قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : "ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أفقه في رأي إذا احتيج إلى رأيه ، ولا أعلم بآية نزلت ولا فريضة من عائشة رضي الله عنها " .



والمسائل في هذا الباب كثيرة، فلذلك ينبغي للمرأة المسلمة أن تعرف أنها على قدم سواء مع الرجل في التكليف ، وفي الفضائل المتعلقة بتحصيل الثواب من كثرة العبادات ومن تحصيل العلم وطلبه ؛ فإن في ذلك خيراً عظيماً لها ولمن وراءها من النساء، وأؤكد على هذه النقطة كثيراً للرجال والنساء ؛ لأننا في الحقيقة مقصرون في تمكين المرأة من أن تحوز العلم ومن أن تحصل ما يحتاج إليه وتنتفع به ؛ وكما أشرت فإن الأب قد يحرص على ابنه أن يدفعه الى من يحفظه القرآن ويعلمه بينما لا يلتفت إلى ابنته ، مع أن الأمر لو قيل بالمفاضلة لكانت البنت أولى لأنها أكثر تعرضاً للفتنة وبحكم عاطفتها أكثر تعرضاً للإغواء والإغراء بينما ليس كذلك الفتى . وإن كان المسلم مطالب بأن يعتني بتربية أبناءه ذكوراً وإناثاً وتعليمهم على نفس المستوى قدر المستطاع .



عائشة رضي الله عنها الزوجة والابنة:

وانتقل إلى جانب مهمّ يهمّ الرجال والنساء معاً ، ذلكم هو جانب المعاملة الزوجية التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق أجمعين - وبين عائشة رضي الله عنها ، وهي مَن علمنا فضلها وخصائصها، جملة من الروايات والقصص في معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة تكشف لنا عما ينبغي أن يكون عليه الرجل مع زوجته ، وما ينبغي أن تكون الزوجة عليه مع زوجها .



الموقف الأول : حسن التودد

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مظهراً لكل جوانب الرقة والحنان والمحبة والتودد لعائشة ، ويشهد لذلك ما ورد في الصحيح عن عائشة تقول : " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد ، وإنه ليسترني بردائه ؛ لكي أنظر الى لعبهم ، يقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف فاقدروا قدر الجاريه الحديثة السن الحريصة على اللهو " .



فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو مَن هو في عظمته - يتودد إلى عائشة ، ويمكّنها من أن ترى بعض ما يدخل السرور لنفسها ويقف لأجلها ، حتى يكون رداء وساتراً لها ، ولا يتحرك حتى تنتهي من فرجتها ومطالعتها ، ومن متعتها وسرورها تلطفاً منه عليه الصلاة والسلام، ومراعاة لها ولسنها ، فما بال الرجال يأنفون عن أقل من هذا بكثير ! بل يستكثرون به على أزواجهم ، ويظنون أن في ذلك إذهاباً لهيبتهم ، وأنه لا بد أن يكون الواحد منهم متجهم الوجه ، مقطب الجبين ، ينظر بعينه شزرا ، وتتقد عينه جمراً وإن لم يكن كذلك فلا يكون رجلاً .



هذا لا شك أنه من فرط الجهل في أصول المعاشرة ؛ فإن الإنسان قد يتوقى ويتحرز من الناس البعيدين أو الأغراب أما من تكثر الخلطه معهم فلا بد أن تكون معه على لين وتودد وتلطف وعلى ترسل في المعاملة من غير تكلف وعلى إبداء ما عندك دون حرج ؛ لأنك ستلقاه كل يوم فلو تحفظت وتحرجت وتهيبت ؛ فإنك لا تستطيع أن تستمر على ذلك، قد ترى الإنسان الآن عندما تتعرف عليه أول أمره لا يتكلم معك في خاص أموره ، ولا فيما يتعلق ببعض ما يحترز منه من الدعابة والمزاح وكذا ، لكن إذا كثرت خلطته وعثرته بدا لك منه كل شيء ، فكيف يكون الرجل مع زوجته وهي أقرب الناس إليه وأكثرهم عشرة له ، ثم لا يتلطف ولا يتودد ولا يكون في سيرته معها على ما هو طبعه وسجيته دون أن يكون متكلفاً ولا متجهماً .



الموقف الثاني : حسن الهجر

وكذلك من لطائف هذه المعاملة الزوجية ما ورد في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى !

أي أعرف الوقت الذي تكونين فيه غاضبة أو عاتبة علي ، فأولاً ليس هناك من غضاضة ولا جرم ولا كبيرة من الكبائر أن تغضب المرأة على زوجها، لما قد يقع من أسباب الإختلاف المعتادة في حياة الناس ولكن انظروا إلى أدب عائشة وإلى فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقالت له : كيف ذلك يا رسول الله ؟ أي كيف تعرف رضاي من غضبي ، فقال : ( إذا كنت راضية عني قلت : لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت : لا ورب إبراهيم ) ، فقالت عائشة رضي الله عنها : أجل والله ما أهجر يا رسول الله إلا اسمك .



فهنا يدل على أنه قد يقع ما يوجب الخلاف والنزاع ، ولكن لا بد أن يكون له حده فلا تتجرأ المرأة على زوجها وتشتمه ولا تنتقصه ولا تذكره بما يسؤوه ، ولا تنعته بما لا يحب ولا تصفه بما يكره ، ولا تنبزه بما هو عيب وإن كان فيه، لئلا توغل صدره وتجعل كما نقول : " من الحبة قبة " ولئلا تنفخ في نار هذه الشحناء البسيطة والمخالفة اليسيرة، فإذا بها تغدوا مشكلة كبيرة وصراعاً عنيفاً لا يحل بسهولة .



ثم انظر إلى أدب عائشة رضي الله عنها وحسن تقديرها وتعظيمها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إشعارها بمرادها، أليس المراد أن تشعره بأنها غضبى حتى يتلطف معها ؛ فإنها تشعره بأقل القليل الذي يغني عن غيره، فكانت تقول إذا كانت غضبى : " لا ورب إبراهيم " وإذا كانت راضية تقول : " لا ورب محمد "، وما أخطات في القولين كليهما ، وإنما أحسنت في الأدب، وانظروا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قال لها : إني أعرف أنك غاضبة ؛ ليقابل غضبها بغضب ، وإنما ليستل هذا الغضب ويدخل هذا المدخل اللطيف الودود المحب، ويقول لها مداعباً وملاطفاً : أني أعرف هذه الحالة وهذه الحالة وبيّن لها أنه قد بلغته رسالتها ، وعرف مقصدها ، وأراد أن يمحو ما كان من سبب هذا الغضب .



الموقف الثالث : قبول الإسترضاء

ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث النعمان بن بشير قال :

" استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا عائشة ترفع صوتها عليه ، فقال : يا ابنة فلانة - وهذه أساليب للعرف عجيبة في تعاملهم هي ابنته لكن في هذا الفعل لم يكن راضياً عنها فلم يرد أن ينسبها إليه وهي تفعل فعلاً لا يحبه ، فقال : يا ابنة فلانه نسبها الى أمها - ثم قال : ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها ، فقد أراد أبو بكر أن يتوجه لعائشة ليضربها ويعنفها " .



وقد استنبط بعض أهل العلم أنه يجوز لأبي البنت أن يربيها وأن يزجرها بحضرة زوجها ، لكن انظر " فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها " ، مع إن النبي صلى الله عليه وسلم، هو - إذا صح التعبير - المعتدى عليه ، وهي التي رفعت عليه صوتها، ومع ذلك حال بينها وبينه .

" ثم خرج أبو بكر رضي الله عنه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يترضاها – أي يترضى عائشة ويتلطف معها - ويقول : ألم تريني حلت بين الرجل وبينك - يستشفع بالموقف الدفاعي الذي وقفه صلى الله عليه وسلم - ثم إستأذن أبوبكر مرة أخرى فسمع تضاحكهما - النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها ـ قد أزال النبي صلى الله عليه وسلم بحسن معاملته هذا الأمر الذي كان سبب هذا الغضب ـ فقال أبو بكر : أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما "



ما أجمل هذا الموقف ! وما أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وما أحسن تأتي عائشة صلى الله عليه وسلم ولينها وانكسارها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! ومعلوم أن الحياة الزوجية لا تخلو من المكدرات ، ولكن هذه المعاملة هي التي تزيل أسباب الكدر، وإذا كانت هناك مكدرات ؛ فإن هناك مهدئات ومسكنات من هذه المعاملة اللطيفه، فقد رفعت المرأة صوتها على زوجها - ولم يكن زوجها أي أحد بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقبل منها مراعاة لطبيعتها وغضاًَ للطرف عما سبب لها ذلك الغضب، ثم بعد ذلك حال بينها وبين أبيها ، ثم جعل يترضّاها ويستشفع لها بما كان منه من موقف تجاهها ثم تضاحك الزوجان مرة أخرى وعاد الوئام في لحظات .

وإلا فإنه من الممكن أن يطول الأمر والخلاف ؛ فإن الكلمة تجر أختها وأحيانا الحركة تجد غيرها وتزداد الشقة والخلاف والنزاع .



الموقف الرابع : سابقني فسابقته

ومن لطيف أيضاً حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث هنا لعله يكون أكثر توجيهاً للأزواج والرجال أكثر منه للنساء كل هذه المواقف تربيه في سيرة عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم لكل الجنسين، ففي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته ما شاء - يعني أكثر من مرة - حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال : ( يا عائشة هذه بتلك ) .



موقف جميل جداً لعل الواحد منا يستكثر ما هو أقل منه ! ويرى أن ذلك خرماً لمرؤته ، وجرحاً في عدالته ، وإنزالاً من منزلته ، فإذا ظن ذلك فليستغفر ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ، ولنا فيه قدوة وأسوة حسنة ؛ فإنه كان يتطلف بهذا .



وهذا يدلنا أيضاً على عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه آخر ؛ فإنه كان يجيّش الجيوش ، ويدرّس الدروس ، ويربي الأجيال ، ولم يشغله كل ذلك وغيره عن أن يكون مؤدياً الحق لأهله ، ومراعياً لزوجته حتى في تفرقه لمسابقتها ومداعبتها وملاعبتها وغير ذلك من الأمور التي ينشغل عنها الناس اليوم ، ولا يفطنون لها ، ولا يتوددن بها إلى أزواجهم ، فتبقى الحياة كاحتكاك الحديد بالحديد ليس هناك بينهم التآلف الذي هو من حسن التودد والتلطف ، والذي يزيل هذا الإحتكاك ، ويجعل المسائل على أحسن وجه ؛ مما يجعل الحياة الزوجية هانئة سعيدة .



الموقف الخامس : يضع فاه على موضع فمها

ومن لطفه صلى الله عليه وسلم وعظيم محبته لعائشة رضي الله عنها، وهذا حبٌّ فريد منه فهنا يعلمنا ان الحب في ظل الشرع أمر لا حرج فيه ؛ فإنه قد قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العظم فأتعرقه - أي تأكل عروق العظم ما بقي من اللحم - ثم يأخذه فيديره حتى يضع فاه على موضع فمي ) .

تحبباً وتلطفاً معها وإشعاراً لمنزلتها عنه .



الموقف السادس : يا رب سلط عليّ حية

هنا أيضاً حادثة لطيفة فيما يتعلق فيما بين الزوجات مع أزواجهن .. الرواية عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة معاً وكان إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث ، فقالت حفصة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر – أي نتبادل تجربين هذا البعير وأنا أجرب – فقالت : بلى فركبت ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة و عليه حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة ، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول : يا رب ، سلّط عليّ عقرباً أو حية تلدغني ، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً ! " .

يعني تبدي ما كان من ندمها في هذا الشأن ، فهذه مواقف يسيرة من معامله الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ، وحسن أدب عائشة مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا كله يدلنا على ما ينبغي أن يكون بين الرجل وزوجته ، ومن ما يتعلق ببعض الإستنباطات الفقهية من عائشة رضي الله عنها ودقة علمها وهذا نوع من المواجه ؛ حتى ننتقل من مرحله الى أخرى لأن هناك مواقف أخرى سيأتي ذكرها لاحقا .



الموقف السابع : يا بنية إنك لمباركة

في مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بتربان بلد بينها وبين المدينة بريد وأميال وهو بلد لا ماء به ، وذلك من السحر انسلت قلادة من عنقي فوقعت ، فحبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسها حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماء فلقيت من أبي مالله به عليم من التعنيف والتأفيف - سقط عقدها فانتظر الرسول يبحث عنه حتى طلع الفجر ولم يتحرك القوم وليس عندهم ماء - ، فأنزل الله الرخصة في التيمم ، فتيمم القوم وصلّوا ، قالت : يقول أبي حين جاء من الله الرخصه للمسمين : والله ما علمت يا بنيه إنك المباركة ! لما جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر .

فهذا مما كان في نزول حكم التيمم ولم يكن فرض قبل ذلك، وهذا كان ببركة وبسبب ما حدث لعائشة رضي الله عنها .



الموقف الثامن : يُقبّل وهو صائم

ومن ذلك أيضاً فيما يتعلق بالأحكام الفقهية المنقوله والملتصقه بسيرة عائشة ، عن أبي قيس مولى عمر قال : بعثني عبد الله بن عمر إلى أم سلمة وقال : سلها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائم ؟ فإن قالت لا ! فقل : إن عائشة تخبر الناس أنه كان يُقبّل وهو صائـم ! فقالت له أم سلمة لا ! فقال لها ذلك ، فقالت له : لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا !

لأنها كانت رضي الله عنها كبيرة في السن، وهذا حكم أيضاً فقهي فيما يتعلق بهذا .



الموقف التاسع : تنزعي مقلتيك

ومن ذلك أيضاً ما روته بكرة بنت عقبة : أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة - أي لباس مزين أو فيه صفرة - فسألتها عن الحناء ؟ فقالت : شجرة طيبة وماء طهور، وسألتها عن الحفاء فقالت لها : إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتضعيها له أحسن مما هما فافعلي .

وهذا من أعظم فقه عائشة بالنسبة للنساء تقول إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك أي عينيك فتصنعينها أحسن مما هما عليه فافعلي، وذلك لكي تكون أقرب وأحب الى زوجها .



حادثة الإفك :

هذا موقف في الحقيقة جديرٌ بأن يكون درساً مستقلاً ، ولكني أدرجه في هذا الدرس ؛ لأن الحديث عن عائشة يستلزم ذكره وهو ما يتعلق بحادثة الإفك وهي حادثه طويلة، ذكرها الله تعالى في كتابه وبرأ فيها عائشة هذه الحادثة نوجزها :

أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بعض غزواته فلما أرادوا أن ينصرفوا كانت ذهبت لقضاء حاجتها ، فجاء القوم ليحملوا هودجها على البعير ، وحملوه ولم يشعروا بأنها ليست فيها ؛ لأنها كانت خفيفة الوزن في ذلك الوقت ، ومضوا فلما رجعت إلى مكانها وإذا القوم قد غادروا فظلت في مكانها لم تتحرك ؛ لأنهم سيشعرون بها ويرجعون ليأخذوها ، وإذا بصفوان بن معطل كان في آخر الجيش ، وبعد مضي الجيش بقليل مرّ ، فإذا به يرى سواداً فاقترب فإذا هو يرى عائشة رضي الله عنها ، قالت : وكان قد رآني قبل أن ينزل الحجاب فاسترجع - أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون - قالت فاستيقظت على إسترجاعه فأناخ جمله ،قالت : والله ما كلمني حتى بلغنا القوم، فلما بلغت عائشة رضي الله عنها القوم تكلم المنافقون ورأسهم عبد الله بن أبي بن سلول .



وخاضوا في وصم عائشة رضي الله عنها بالفاحشة مع صفوان بن معطل وكانت عائشة رضي الله عنها سليمة القلب سليمة النية ، لم تسمع بذلك ولم تشعر به، ثم لما قدمت المدينة وقدم القوم المدينة خاض الناس في ذلك وأشاعوا الكلام، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أثر فيه هذا القول وقال : من يعذرني في رجل يتكلم في أهلي ؟!



وكان هناك خلاف بين الأوس والخزرج في هذا الشأن ؛ لأن عبد الله بن أُبي كان من أحد الفريقين ، وكانت مسألة ومحنة عظيمة، ثم إن عائشة رضي الله عنها لم تكن قد شعرت بشيء حتى كانت في يوم من الأيام خرجت لتقضي حاجتها مع أم مسطح بن أثاثه - وكان أحد المهاجرين الذين خاضوا في هذا القول وقالوا بهذه الفرية - فلما رجعت عائشة رضي الله عنها وأم مسطح عثرت أم مسطح في حجرة ، فلما عثرت قالت : تعس مسطح ، فقالت عائشة رضي الله عنها - بسلامة فطرتها وحسن إسلامها - : بئس ما قلت في رجل من المهاجرين ممن شهد بدراً، تدافع عن مسطح، فقالت لها : إنك لا تعلمين ما قال فيك وعلمت بالخبر بعد ذلك .



ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها : إن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي فسكتت عائشة رضي الله عنها ولم ترد على رسول الله استعظاما لما قال لها، وظلت - كما تقول عائشة رضي الله عنها في وصف هذا - شهراً كاملا لا يرقأ لها دمع ، تبكي وهي حزينة على هذا الأمر حتى أنزل الله سبحانه وتعالى براءتها من فوق سبع سموات، واستأمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك واستشار بعض أصحابه فأما بريرة فاثنت وقالت خيراً ، وأما أسامه فقال كذلك، وأما علي رضي الله عنه فقال : سل الجارية فإن تسألها تصدقك الخبر، وكانت أزمة شديدة تتعلق بعرض رسول الله، ومن حكمة الله عز وجل أنه لم ينزل الوحي في ذلك سريعاً بل أبطأ شهراً كاملاً حتى أظهر الله المنافقين وبين مواقف المؤمنين .



وكان درساً عظيماً ذكره الله في سورة النور فيما يتعلق بوجوب التثبت في الأخبار ، وفي حسن الظن بالمسلمين ، وفي مقارنة المسلم نفسه بأخيه هل يتوقع ذلك من نفسه ؟ هل يرضى ذلك لنفسه ؟ فإن كان الجواب بالنفي ؛ فإنه ينفي ذلك عن أخيه المسلم أيضاً .

وفي ذلك أيضاً تعظيم لحرمة المسلم وعدم الإجراء عليه في عرضه أو في ماله أو في نفسه ، وكان هذا الدرس العظيم مدرسة كاملة متعددة الجوانب، حتى الإمام ابن حجر رحمة الله عليه لما ذكر هذا الحديث ذكر فيه من الفوائد أكثر من ثلاثين فائدة كل فائدة من هذه الفوائد تحتاج إلى درس طويل .



شاهد هذا الأمر هو أن عائشة رضي الله عنها قد كانت قوية الشخصية ؛ فإن بعض النساء من رقتهن وعاطفتهن الغالبة إذا ووجهت بأمر لم تفعله ، ثم كثر الكلام ربما غلب على ظنها أن تعترف بهذا الذي لم تفعله وتستغفر منه وتتبرأ منه بعد ذلك ؛ لأنها لن تستطيع أن تواجه الضغوط من أقوال الناس والشائعات وغير ذلك، ولكن عائشة رضي الله عنها لعلمها بطهارتها وبراءتها وقفت هذه الوقفة القوية بل إنها كانت لها وقفة مع رسول الله بل لما نزلت براءتها قال لها أبو بكر رضي الله عنه : قومي إلى رسول الله أي لتستسمحي وتنهي الأمر، فقالت : والله لا أقوم إليه أبداً فإن الله هو الذي أنزل براءتي، ثبات على الموقف وبيان لما كانت عليه من معرفة نفسها وطهارتها وفي ذات الوقت كان درساً للمسلمين عظيماً جداً يقع الناس فيه كثيراً كما قال الله عز وجل : { إذ تلقونه بألسنتكم }

وهذا التلقي بالألسنة التلقي يكون بالأذن ولكن قال بعض المفسرين : "إن هؤلاء الذين لا يتثبتون وصف الله تلقيهم بالألسنة ؛ لأنهم من الآذان مباشرة يجرونه على الألسنة لا يمرونه على أقوالهم ، ولا يمرونه على الواقع ، ولا يتأتون فيه ، ولا يستثبتون منه و لا شيئاًَ من ذلك بل ينشرونه مباشرة " .



ولذلك بيّن الله عز وجل أن هذا من أعظم الفرية ومن أعظم البهتان الذي ينبغي أن يتوقى عنه المسلم، سيما إذا كان يتعرض بعرض أخيه المسلم الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة وعظمة حرمته بأنه أعظم من حرمة الكعبة نفسها .

وإن حرمه المسلم عند الله عز وجل لها أبلغ وأعلى المراتب، ولذلك كان في وصف هذه الحادثة على لسان عائشة رضي الله عنها ما يصور الحالة النفسية التي مرت بها وقوة شخصيتها حتى تجاوزتها وطهارتها عما وصفت به رضي الله عنها وأرضاها .



وكما قلت عن الحديث عن حادثة إلافك فيه طول لا يتسع له هذا المقام ، ولكن أذكر بعض ما كان من وصف عائشة رضي الله عنها في هذا الحادث لماقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أما بعد ؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ، قالت :فلما قضى مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله فيما قال ! والله ما أدري ما أقول لرسول الله قالت : وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في رؤوسكم من كثره ما قيل وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بـريـئـة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أن بريئة لتصدقوني .



نعم كان هذا هو الحال لو اعترفت لكان ذلك أقرب إلى تصديق جميع الناس ، ولو أعلنت براءتها لكان أبعد عن التصديق ؛ لأنه قد كثر القول وانتشر وشاع ، وهذه سمة الشائعة سمة الشائعات إنها تشيع وتنتشر وتكثر حتى يسمعها الإنسان من أكثر من مصدر ، فإذا سئل عنها جزم بها قيل له : أمتحقق قال : نعم متحقق، فإذا سألته عن النسبة للخبر ولمن ينسب ومصدره أو أنه قام بالبحث والتأكد من الخبر وجدته صفر اليدين، إذا سألته ممن سمعت الخبر قال : سمعت كذا وكذا أهو الذي سمع ورأى بنفسه كلا هل سمع ممن وقعت له الحادثة كلا ! فيبقى الأمر في آخر الأمر كما يقولون كما على وكالة يقولون : { ألا أنهم من إفكهم ليقولون ولد الله }



هذه كلمة يقولون وتناقل الأخبار من غير تثبت من أفتك الأسباب بالمجتمعات وإشاعة الشحناء والبغضاء والإختلافات والنزاعات بين الناس، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها بعد أن عجز أبوبكر وعجزت أمها عن أن ترد على رسول الله قالت هذه المقالة قالت : والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف - نسيت إسم يعقوب من شدة حزنها وما وقع لها من البلاء - : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } .

ثم تقول عائشة : تحولت فاضجعت إلى فراشي ما تكلمت في هذا القول .



وهنا يدل على قوة شخصيتها رضي الله عنها وأرضاها ، وكان ممن حُد في ذلك حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة أما غير أولئك فكانوا من المنافقين، وقد كفر أولئك عن ذنبهم بالحد الذي أخذوه ثم بالتوبة الصادقة وقال حسان في مدح عائشة رضي الله عنها :



رأيتـك وليغفر الله لك حــرة **** مـن المحصنات غير ذات غوائـل

حصـان رزان ما تزال بريبــة **** وتصبح غرثى من لحـوم الغوافـل

وإن الـذي قـد قيل ليس بلائق **** بك الدهـر بل قيل إمرؤ متماحل

و كيف وودي ما حييت ونصرتي **** لآل رسول الله زيــن المـحافل

وإن لهـم عـزاً يرى الناس دونه **** قصاراً وطـال الـعـز الـتطاول

عـقـيلة حي من لؤي بن غالب **** كـرام المـساعي مجدهم غير زائل

مـهـذبـة قد طيب الله خيمها **** وطـهَّـرها من كل سـوء وباطل



فهذه الحادثة كانت من أعظم الحوادث في سيرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها .



من صفات عائشة:

الزاهدة المنفقة في سبيل الله عز وجل:

وهذا أمر مهم بينما عائشة رضي الله عنها تضرب المثل في ذلك في أبلغ صورة حتى أنه يهدى إليها الشيء وتهدى إليها الأموال الكثيرة الوفيرة ثم تنفق منها كما ورد : أنها جاءها مال فأنفقت منه ، ثم لما جاء المغرب قالت لمولاتها : ائتي لنا بطعام الفطور - تفطر من صومها – قالت : لو أبقيت لنا شيئاً حتى نشتري طعاماً، قالت : لولا ذكرتني قد نسيت .

لما كان منها من أمر الإنفاق وحب الإنفاق في سبيل الله عز وجل، ولذلك كانت رضي الله عنها على هذا النحو من الإنفاق في سبيل الله تعالى، وذكر في ذلك كثير من الأحاديث التي تبين أيضاً مشاركة المرأة لزوجها فيما يتعلق بشظف العيش وما يكون من الشدة التي تمر به أحياناً فقد قالت عائشة رضي الله عنها أنه : ( ما كان يوقد في بيت رسول الله نار الهلال والهلالان والثلاثة )

وكما قالت رضي الله عنها : كان طعامهم الأسودان :التمرو الماء .



بل كانت هي أول من خيرها النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة التخيير المشهورة أن يعطيهن من النعيم والمتاع وكذا أو يكون لهن اتباع رسول الله فآثرن رسول الله، وقد كان الصحابة يؤثرونها بالعطايا في ما بعد وفاة رسول الله، ومن ذلك أن معاوية رضي الله عنه بعث لها ثياباً رقاقاً فبكت رضي الله عنها وقالت : ما كان هذا على عهد رسول الله ! ثم تصدقت به .



وهذا يدلنا على طبيعتها التي تريد للمرأة المسلمة اليوم أن لا تغرها الأموال ، وأن لا تغرها لين الثياب ، بل تكون أسمى من ذلك وأرقى، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أكثر أهل النار من النساء، وكذلك ينبهن دوماً الى التصدق فكانت عائشة رضي الله عنها مثالاً راقياً وعالياً في هذا الأمر الذي يتعلق بشأن الإنفاق في سبيل الله عز وجل وأيضاً وصفت بأنها : " كانت للدنيا قالية وعن سرورها لاهية " .



وقد أوصاها النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي : بأن يكون زادها في هذه الحياة الدنيا كزاد الراكب .

ولذلك كانت على هذا النحو من التخفف من الدنيا والإنفاق في سبيل الله عز وجل، وقد كان عمر رضي الله عنه يتعهدها بالعطايا، وقد ورد في حديث مرسل : أنه جاء له درج في بعض المعارك - درج في بعض الجواهر واللالئ - واختلف الصحابة في تقسيمه فقال : ما قولكم أن يكون لعائشة رضي الله عنها ؛ فإنها كانت حبيبة رسول الله ! قالوا : الأمر كذلك فعُهد به إلى عائشة رضي الله عنها فبكت وقالت لعله ألا يصلي عطاؤه من قابل .

أي أرادت أن لا يكون الأمر كذلك، ولكنها عائشة رضي الله عنها وأرضاها فهذا ما كان مروياً أو بعض ماكان مروياً من زهدها رضي الله عنها وإنفاقها في سبيل الله عز وجل، وعن عروة بن الزبير أنه قال في وصفها :" رأيتها تقسم سبعين ألفاً وهي ترقع درعها " .



العابدة القانتة :

كانت عابدة لأنها عاشت في بيت النبوة ورأت رسول الله يقوم الليل فقالت لعبد الله بن قيس وهذا من وصاياها : " لا تدع قيام الليل ؛ فإن رسول الله كان لا يدعه ، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً " .



وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي موسى قال : أرسلني مدرك لعائشة رضي الله عنها لأسألها ، فجئت وهي تصلي فقلت أقعد حتى تفرغ ، ثم قلت : هيهات أي متى ستفرغ من صلاتها ! أي من شدة طولها .



وكانت رضي الله عنها ربما تقرأ الآية فتكررها، كما أثر عنها أنها كانت تقرأ قول الله عز وجل في صلاتها { فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم } ، فتكررها وتبكي وتقول : " اللهم منّ عليّ وقني عذاب السموم " .



المشاركة في الجهاد:

وهذا يدلنا على أن المرأة المسمله لها دور بارز في جوانب شتى من الحياة ، فقد ورد أنها كانت مع نساء المسلمين في يوم أحد في إغاثة المسلمين ومعاونة جرحاهم وسقيا الماء، كما ورد في حديث أنس : رأيت عائشة رضي الله عنها وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما - خدم واحدة الخلخال - تنقلان القرب على متونهما ، ثم تفرغانه في أفواههم - يعني في أفواه الرجال من الجرحى - ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم .



وقد ورد لها موقف فريد أيضاً في وقعة الخندق فقد كانت من النساء اللاتي كن في المدينة وقد كن يحصن في البيوت ، وكانت فيها جرأة رضي الله عنها فخرجت في أثناء غزوة الخندق تتبع بعض آثار القوم تؤمن؟ بعض الأماكن وجاء في إثرها بعض الصحابة فمروا بها فابتعدت عنهم قليلاً ، ثم دخلت على حديقة ومعها عصا أو وتد، فلقيت عمر رضي الله عنه أمامها فقال لها :

ما جاء بك لعمر الله ؟ لعمري والله إنك لجريئة ، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز ـ أي تحيز إلى فئة يفر الناس وكذا ـ تقول عائشة : فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذٍ ثم كان في القوم طلحة فرد على عمر وخفف عنها .



زواج عائشة رضي الله عنها:

أختم بمسألة مهمة آثرت إرجاءها وهي ما يتعلق بزواج عائشة رضي الله عنها، قد خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وهي إبنة ست سنين وبنى بها ودخل عليها وهي إبنة تسع سنين، وكان ذلك في العام الثاني للهجرة بعد عودته من غزوة بدر وكما قال بعض الكتاب :

"لما انتصر رسول الله وأعز الله الإسلام والمسلمين وخرج الرسول بذلك واطمانت أقدامه في المدينة كان الوقت مناسباً أن يبني بعائشة رضي الله عنها ، وفي وصف تلك الحالة تذكر عائشة رضي الله عنها ما كان من شأن تغير الجو على المسلمين المهاجرين من مكة لما جاءوا الى المدينة استوخوموا هواءها وأصابتهم حماها ، حتى إن عائشة رضي الله عنها تدخل على أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، وبلال يقول من شدة شوقه إلى مكة ومن شدة معاناته لهذا المرض كان يقول :



ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة **** بوادي المحول أذخر وجليل

و هل أردن يوما مياه مجنـة **** وهل يبدون لي شامه وطفيل

شامة وطفيل جبال من جبال مكة .



و أبوبكر كانت تدخل عليه وهو من شده الحمى يقول :



كل إمـرئ مصبَّح في أهله **** والموت أدنى من شراك نعله



وقد أصاب عائشة رضي الله عنها مرض حتى تساقط شعرها وكانت جميعة شعرها قليل الشعر المجموع يعني القليل، وعن ذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وصححها ، وبارك لنا فيها وفي صاعها ومدها ، وانقل حماها فاجعلها إلى الجحفة ) .



تقول عائشة رضي الله عنها : فلما شفيت كانت أمي تهيؤني للزواج وكانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تسمنها بعد أن ضعفت بسبب هذه الحمى قبل أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة ثم قالت : فجاءتني مرة وأنا ألعب مع صويحباتي فقالت : هات هات - تعني تعالي - فجئت حتى حسنتني ثم حتى أخذت نفسي ثم جاءت بي رسول الله، وقالت : أهلك يا رسول الله .



وذكرت عائشة رضي الله عنها في ما كان في وليمة عرسها ومهرها وما كان من بساطة ذلك قالت :

" والله ما ذبح جزور ولا شاة وإنما كان طعام يتهادى به سعد بن عبادة رسول الله ، فلما جاء به دعا رسول الله إلى القوم " .



ومن لطائف ما ورد وإن كان فيه انقطاع وبعضه، وهذه الرواية ترد بحديث قد يجبر هذا الضعف :

أن بعض نساء الأنصار كنّ يزينّ عائشة رضي الله عنها، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم لبن وأراد أن يعطيهن ، فقلن لا نريد فقال : لا تجمعن جوعاً وكذبا، فقد كن يحببن ذلك اللبن ولكنهن يمتنعن حياءً من الرسول .



هنا الأمر متعلق بالزواج المبكر الذي يحتقره بعض الناس ويذكرونه ذكراً فيه إزدراء وانتقاد ، وما يعلمون أن في هذا الإنتقاد إنتقاد لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول أن الزواج المبكر خير كثير .

من فوائد التبكير في الزواج:

1- عصمة ووقاية من الإنحراف والمعاصي

سواء للرجل والمرأة وبالنسبة للمرأة حتى لا يكون هناك مجال للتعرض للفتنة أو الإعتداء عليها أو نحو ذلك .



2- مصلحة الإستقرار النفسي المبكر

بدلاً من أن يبقى الحال كما هو حال الناس اليوم تبلغ الفتاة وهي ابن عشر وتتزوج وهي إبنة ثلاثين وتبلغ سن اليأس وهي إبنة أربعين فيكون ما مضى من عمر في الحرمان أكثر مما مضى في نعمة الزواج والمعاشرة، وهذه الفطرة البشرية لا تكون مستقرة الا بما يحقق غايتها ورغبتها وفق شرع الله عز وجل، ولذلك نجد اليوم جنوحاً في الأفكار وشطحاً في العواطف واختلالاً في التفكير واضطرابا في المعاملة كله ناشئ على أن النفس لم تجد بغيتها وحاجتها الغريزية الفطرية في الوقت المناسب وفي الهيئه المناسبة التي شرعها الله عز وجل .



3- تكثير النسل والتقارب ما بين الأب وأبنائه

فتكثير النسل لأن هذا يمتد مداه طويلاً فكما قال الشافعي : "رأيت جدة ولها إحدى وعشرين سنة " ، جدّة وعمرها واحد وعشرين سنة ؟ الآن عمرها واحد وعشرين سنة ولم تتزوج بعد! كيف هذا قد سبق أن ذكرت ذلك مرة تزوجت وعمرها تسع سنوات وولدت بعد سنة فكان عمرها عشر سنوات ثم بعد تسع سنوات تزوجت إبنتها، وبعد سنة أخرى ولدت فكان عمر الأم انتهى إلى الواحد والعشرين وصارت جدة بذلك، فهذا تكثير للنسل .



4- أنه يكون قرب بين الأب والأم وبين الأبناء

ومن حيث السن لا يكون الفارق كبيراً فإن الفارق الكبير في بعض الأحيان كما نرى أن الرجل الكبير يتزوج وهو متاخر يأتي أبناؤه صغاراً فيكون عنده العاطفة والشفقة الشيء الكثير فيغلب جانب حبهم والعطف عليهم دون أن يكون موجهاً أو مربياً لهم ويكون فارق التفكير والإهتمامات بين الأب وإبنه كبيراً بينما في غير هذه الصورة في الزواج المبكر يكون على غير هذا النحو والنهج .



ثم هذا كله يدلنا على ما كان من التيسير في الأمور دون التعقيد فيها فهذه جملة من المواقف التي تتعلق بسيرة عائشة رضي الله عنها وما طويت ذكره أكثر مما ذكرته وأذكر هنا لا يتسنى لنا وقت للإجابه على الأسئلة، ولكن أعلق على ما طلب من ذكر الكتب والأشرطة عن حياة عائشة رضي الله عنها .



للاستزادة من خبر عائشة رضي الله عنها:

1- سير أعلام النبلاء للذهبي .

2- البداية والنهاية لابن كثير .

3- فصل في فضائل عائشة رضي الله عنها من كتاب فضائل الصحابة للإمام أحمد رحمة الله عليه .

4-"عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين" ضمن سلسلة أعلام المسلمين .

5- "الإجابة فيما استدركته عائشة رضي الله عنهاعلى الصحابة" للزركشي .

7- رسالة في مسألة الزواج المبكر والرد على من نفوه وبيان فوائده وجوازه ومشروعيته ، للدكتور ملا خير خاطب .



وأكتفي بهذا وأسال الله عز وجل أن يكون في عائشة رضي الله عنها وغيرها من أزواج رسول الله ونساء الصحابة قدوة لنسائنا وأن نكون أيضاً نحن عاملين على تنشئة أزواجنا وبناتنا وأخواتنا على هذا النهج وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

قلب مصر
11-02-2009, 02:58 PM
الأخت الكريمة عذراء الروح
ما أجمل التاريخ عندما يكون عبرة ودروسا نتعلم منها ونعتبر بها
وما أحوجنا إلى مربين حقيقيين في هذا الزمان
أشكرك أختى الكريمة وأحييك على هذا الموضوع الرائع
ومتابعة معك ....
:f2:

عذراء الروح
13-02-2009, 08:26 PM
الأخت الكريمة عذراء الروح
ما أجمل التاريخ عندما يكون عبرة ودروسا نتعلم منها ونعتبر بها
وما أحوجنا إلى مربين حقيقيين في هذا الزمان
أشكرك أختى الكريمة وأحييك على هذا الموضوع الرائع
ومتابعة معك ....
:f2:



اشكرك غاليتى على حضورك الانيق والكريم

سعدت به كثيرا

دمتى يكل الحب

احترامى وتقديرى

عذراء الروح
13-02-2009, 08:29 PM
الزبير بن العوّام - حواريّ رسول الله



لا يجيء ذكر طلحة الا ويذكر الزبير معه..



ولا يجيء ذكر الزبير الا ويذكر طلحة معه..



فحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة، آخى بين طلحة والزبير.



وطالما كان عليه السلام يتحدث عنهما معا.. مثل قوله:



" طلحة والزبير جاراي في الجنة".

وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب.



أما طلحة، فيجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب.



وأما الزبير، فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاّب كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم..



وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة..



فالتماثل بينهما كبير، في النشأة، في الثراء، في السخاء، في قوة الدين، في روعة الشجاعة، وكلاهما من المسلمين المبكرين باسلامهم...



ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجنة. ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل اليهم عمر اختيار الخليفة من بعده.



وحتى مصيرهما كان كامل التماثل.. بل كان مصيرا واحدا.



ولقد أسلم الزبير، اسلاما مبكرا، اذ كان واحدا من السبعة الأوائل الذين سارعوا الى الاسلام، وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم..



وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة.. وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا..



ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه. حتى ان المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الاسلام كان سيف الزبير.



ففي الأيام الأولى للاسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل.. فما كان من الزبير الا أن استلّ سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، على حداثة سنه كالاعصار..!



ذهب أولا يتبيّن الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفربهم أو يظفروا به..



وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به....؟ فأنهى اليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب.



وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها.



وكان الذي تولى تعذيبع عمه.. كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه وهو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب".



فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غضّ العظام.. يجيب عمه في تحدّ رهب:

" لا.. والله لا أعود لكفر أبدا"...



ويهاجر الزبير الى الحبشة، الهجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة.



وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده..!!



ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنها فيقول:



" صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي. فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط. فقال لي: أم والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفي سبيل الله"..



وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكةو ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع الى المدينة واستئناف القتال..



وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها، وما هي الا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها، وأسرعت خطاها الى مكة..!!



ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح هو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه.. ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها، وسيف يتوهج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو..!!



وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله.



وكان يقول:



" ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد...



واني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون".!



وهكذا سمى ولده، عبدالله بن الزبير تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش.



وسمى ولده المنذر، تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو.



وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو.



وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب.



وسمّى جعفر، تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب.



وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير.



وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد..



وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء. راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء.



ولقد قيل في تاريخه:



" انه ما ولي امارة فط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو في سبيل الله".



وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل في في اعتماده التام على نفسه، وفي ثقته التامة بها.



فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف، لرأيته يقاتل وحده في لمعركة.. وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده.



وكان فضيلته كمقاتل، تتمثل في الثبات، وقوة الأعصاب..



رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد كثّل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر الا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه..!!



وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي ابن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله:



" والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم"..



ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن..



وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما انزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!



ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!!



ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما..



وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول:



" ان لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ن العوّام"..



ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبيّ، والجوّاد السخيّ، والبائع نفسه وماله لله رب العالمين:



ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:

أقام على عهد النبي وهديه *** حواريّه والقول بالفعل يعدل

أقام على منهاجه وطريقه * * * يوالي وليّ الحق، والحق أعدل



هو الفارس المشهور والبطل الذي * * * يصول، اذا ما كان يوم محجّل

له من رسول الله قربى قريبة * * * ومن نصرة الاسلام مجد موثّل

فكم كربة ذبّ الزبير بسيفه* * * عن المصطفى، والله يعطي ويجزل



**



وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رهان..!!



فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الاسلام حتى مات مدينا..!!



وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته..



حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له:



" اذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي"..



وسال عبدالله: أي مولى تعني..؟



فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير"..



يقول عبدالله فيما بعد:



" فوالله ما وقعت في كربة من دينه الا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".



وفي يوم الجمل، على النحو الذي ذكرنا في حديثنا السالف عن حياة سيدنا طلحة كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره..



فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال، وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي..



وذهب القاتل الى الامام علي يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه، بعد اقتراف جريمته..



لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلا:



" بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار"..



وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الامام وأمعن بالبكاء وهو يقول:



" سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله"..!!

أهناك تحيّة نوجهها للزبير في ختام حديثنا عنه، أجمل وأجزل من كلمات الامام..؟؟

سلام على الزبير في مماته بعد محياه..

سلام، ثم سلام، على حواري رسول الله...

************

عذراء الروح
14-02-2009, 02:07 PM
عبدالله بن عمرو بن العاص


القانت، التائب، العابد، الأواب، الذي نستها الحديث عنه الآن هو: عبدالله بن عمرو بن العاص..بقجر ما كان أبوه أستاذا في الدكاء والدهاء وسعة الحيلة.. كان هو أستاذا ذا مكانة عالية بين العابدين الزاهدين، الواضحين.. لقد أعطى العبادة وقته كله، وحياته ملها..وثمل بحلاوة الايمان، فلم يعد الليل والنهار يتسعان لتعبّده ونسكه..

**


ولقد سبق أباه الى الاسلام، ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعا، وقلبه مضاء كالصبح النضير بنور الله ونور طاعته..

عكف أولا على القرآن الذي كان يتنزل منجّما، فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها، حتى اذا تمّ واكتمل، كان لجميعه حافظا..

ولم يكن يحفظه ليكون مجرّد ذاكرة قوية، تضمّ بين دفتيها كتابا محفوظا..

بل كان يحفظه ليعمر به قلبه، وليكون بعد هذا عبده المطيع، يحلّ ما أحلّ، ويحرّم ما يحرّم، ويتجيب له في كل ما يدعو اليه ثم يعكف على قراءته، وتدبّره وترتيله، متأنقا في روضاته اليانعات، محبور النفس بما تفيئه آياته الكريمة من غبطة، باكي العين بما تثيره من خشية..!!

كان عبدالله قد خلق ليكون قد

قدّيسا عابدا، ولا شيء في الدنيا كان قادرا على أن يشغله عن هذا الذي خلق له، وهدي اليه..

اذا خرج جيش الاسلام الى جهاد يلاقي فيه المشركين الذين يشنون عليه لحروب والعداوة، وجدناه في مقدمة الصفوف يتمنى الشهادة بروح محب، والحاح عاشق..!!



فاذا وضعت الحرب أوزارها، فأين نراه..؟؟

هناك في المسجد الجامع، أو في مسجد داره، صائم نهاره، قائم ليله، لا يعرف لسانه حديثا من أحاديث الدنيا مهما يكن حلالا، انما هو رطب دائما بذكر الله، تاليا قرآنه، أو مسبّحا بحمده، أو مستغفرا لذنبه..

وحسبنا ادراكا لأبعاد عبادته ونسكه، أن نرى الرسول الذي جاء يدعو الناس الى عبادة الله. يجد نفسه مضطرا للتدخل كما يحد من ايغال عبدالله في العبادة..!!

وهكذا اذا كان أحد وجهي العظة في حياة عبدالله بن عمرو، الكشف عما تزخر به النفس الانسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقضى درجات التعبّد والتجرّد والصلاح، فان وجهها الآخر هو حرص الدين على القصد والاعتدال في نشدان كل تفوّق واكتمال، حتى يبقى للنفس حماستها وأشواقها..

وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته..!!

لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن عمرو بن العاص يقضي حياته على وتيرة واحدة..

وما لم يكن هناك خروج في غزوة فان أيامه كلها تتلخص في أنه من الفجر الى الفجر في عبادة موصولة، صيام وصلاة، وتلاوة قرآن..

فاستدعاه النبي اليه، وراح يدعوه الى القصد في عبادته..

قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:

" ألم اخبر أنك تصوم الناهر، ولا تفطر، وتصلي الليل لا تنام..؟؟

فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام..

قال عبدالله:

اني أطيق أكثر من ذلك..

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

فحسبك ان تصوم من كل جمعة يومين..

قال عبدالله:

فاني أطيق أكثر من ذلك..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فهل لك اذن في خير الصيام، صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما..

وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام يسأله قائلا:

وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة

واني أخشى أن يطول بك العمر

وأن تملّ قراءته..!!

اقرأه في كل شهر مرّة..

اقرأه في كل عشرة أيام مرّة..

اقرأه في كل ثلاث مرّة..

ثم قال له:

اني أصوم وأفطر..

وأصلي وأنام.

وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي

فليس مني".

ولقد عمّر عبدالله بن عمرو طويلا.. ولما تقدمت به السن ووهن منه العظم كان يتذكر دائما نصح الرسول فيقول:

" يا ليتني قبلت رخصة رسول الله"..


**


ان مؤمنا من هذا الطراز ليصعب العثور عليه في معركة تدور رحاها بين جماعتين من المسلمين.

فكيف حملته ساقاه اذن من المدينة الى صفين حيث أخذ مكانا في جيش معاوية في صراعه مع الامام علي..؟

الحق أن موقف عبدالله هذا، جدير بالتدبّر، بقدر ما سيكون بعد فهمنا له جديرا بالتوقير والاجلال..



رأينا كيف كان عبدالله بن عمرو مقبلا على العبادة اقبالا كاد يشكّل خطرا حقيقيا على حياته، الأمر الذي كان يشغل بال أبيه دائما، فيشكوه الى رسول الله كثيرا.

وفي المرة الأخيرة التي امره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدد له مواقيتها كان عمرو حاضرا، فأخذ الرسول يد عبدالله، ووضعها في يد عمرو ابن العاص أبيه.. وقال له:

" افعل ما أمرتك، وأطع أباك".

وعلى الرغم من أن عبدالله، كان بدينه وبخلق، مطيعا لأبويه فقد كان أمر الرسول له بهذه الطريقة وفي هذه المناسبة ذا تأثير خاص على نفسه.

وعاش عبدالله بن عمرو عمره الطويل لا ينسى لحظة من نهار تلك العبارة الموجزة.

" افعل ما أمرتك، وأطع أباك".


**


وتتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام

ورفض معاوية بالشام أن يبايع عليا..

ورفض علي أن يذعن لتمرّد غير مشروع.

وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين.. ومضت موقعة الجمل.. وجاءت موقعة صفين.

كان عمر بن العاص قد اختار طريقه الى جوار معاوية وكان يدرك مدى اجلال المسلمين لابنه عبدالله ومدى ثقتهم في دينه، فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية بذلك الخروجكثيرا..

كذلك كان عمرو يتفاءل كثيرا بوجود عبدالله الى جواره في قتا، وهو لا ينسى بلاءه معه في فتوح الشام، ويوم اليرموك.

فحين همّ بالخروج الى صفين دعاه اليه وقال له:

يا عبدالله تهيأ للخروج، فانك ستقاتل معنا..

وأجابه عبدالله:

" كيف وقد عهد اليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أضع سيفا في عنق مسلم أبدا..؟؟

وحاول عمرو بدهائه اقناعه بأنهم انما يريدون بخروجهم هذا أن يصلوا الى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزكيّ.

ثم ألقى مفاجأته الحاسمة قائلا لولده:

" أتذكر يا عبدالله، آخر عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك: أطع أباك؟..

فاني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل".

وخرج عبدالله بن عمرو طاعة لأبيه، وفي عزمه الا يحمل سيفا ولا يقا مسلما..

ولكن كيف يتم له هذا..؟؟

حسبه الآن أن يخرج مع أبيه.. أما حين تكون المعركة فلله ساعتئذ امر يقضيه..!

ونشب القتال حاميا ضاريا..



ويختاف المؤرخون فيما اذا كان عبدالله قد اشترك في بدايته أم لا..

ونقول: بدايته.. لأن القتال لم يلبث الا قليلا، حتى وقعت واقعة جعلت عبدالله بن عمرو يأخذ مكانه جهارا ضدّ الحرب، وضدّ معاوية..

وذلك ان عمّار بن ياسر كان يقاتل مع عليّ وكان عمّار موضع اجلال مطلق من أصحاب الرسول.. وأكثر من هذا، فقد تنبأ في يوم بعيد بمصرعه ومقتله.

كان ذلك والرسول وأصحابه يبنون مسجدهم بالمدينة اثر هجرتهم اليها..

وكانت الأحجار عاتية ضخمة لا يطيق أشد الناس قوة أن يحمل منها أكثر من حجر واحد.. لكن عمارا من فرط غبطته وتشوته، راح يحمل حجرين حجرين، وبصر به الرسول فتملاه بعينين دامعتين وقال:

" ويح ابن سميّة، تقتله الفئة الباغية".

سمع كل اصحاب رسول الله المشتركين في البناء يومئذ هذه النبوءة، ولا يزالون لها ذاكرين.

وكان عبدالله بن عمر أحد الذين سمعوا.

وفد بدء القتال بين جماعة عليّ وجماعة معاوية، كان عمّار يصعد الروابي ويحرّض بأعلى صوته ويصيح.

" اليوم نلقى الأحبة، محمدا وصحبه".

وتواصى بقتله جماعة من جيش معاوية، فسددوا نحوه رمية آثمة، نقلته الى عالم الشهداء الأبرار.

وسرى النبأ كالريح أن عمّار قد قتل..

وانقضّ عبدالله بن عمرو ثائرا مهتاجا:

أوقد قتل عمار..؟

وأنتم قاتلوه..؟

اذن انتم الفئة الباغية.

أنتم المقاتلون على ضلالة..!!

وانطلق في جيش معاوية كالنذير، يثبط عزائمهم، ويهتف فيهم أنهم بغاة، لأنهم قتلوا عمارا وقد تنبأ له الرسول منذ سبع وعشرين سنة على ملأ من المسلمين بأنه ستقتله الفئة الباغية..



وحملت مقالة عبدالله الى معاوية، ودعا عمرا وولده عبدالله، وقال لعمرو:

" ألا تكف عنا مجنونك هذا..؟

قال عبدالله:

ما أنا بمجنون ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية.

فقال له معاوية:

فلم خرجت معنا:؟

قال عبدالله:

لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي، وقد أطعته في الخروج، ولكني لا أقاتل معكم.

واذ هما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمار في الدخول، فصاح عبدالله بن عمرو:

ائذن له وبشره بالنار.

وأفلتت مغايظ معوية على الرغم من طول أناته، وسعة حلمه، وصاح بعمرو: أو ما تسمع ما يقول..

وعاد عبدالله في هدوء المتقين واطمئنانهم، يؤكد لمعاوية أنه ما قال الا الحق، وأن الذين قتلوا عمارا ليسوا الا بغاة..

والتفت صوب أبيه وقال:

لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معكم هذا المسير.

وخرج معاوية وعمرو يتفقدان جيشهما، فروّعا حين سمعوا الناس جميعا يتحدثون عن نبوءة الرسول لعمار:

تقتلك الفئة الباغية.

وأحس عمرو ومعاوية أن هذه المهمة توشك أن تتحول الى نكوص عن معاوية وتمرّد عليه.. ففكرا حتى وجدا حيلتهما التي مضيا يبثانها في الناس..

قالا:

نعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ذات يوم:

تقتلك الفئة الباغية..

ونبوءة الرسول حق..

وها هو ذا عمار قد قتل..

فمن قتله..؟؟

انما قتله الذين خرجوا به، وحملوه معهم الى القتال"..!!

وفي مثل هذا الهرج يمكن لأي منطق أن يروّج، وهكذا راج منطق معاوية وعمرو..

واستأنف الفريقان القتال..

وعاد عبدالله بن عمرو الى مسجده، وعبادته..


**


وعاش حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبّده..

غير أن خروجه الى صفين مجرّد خروجه، ظل مبعوث قلق له على الدوام.. فكان لا تلم به الذكرى حتى يبكي ويقول:

" مالي ولصفين..؟؟

مالي ولقتال المسلمين"..؟


**


وذات يوم وهو جالس في مسجد الرسول مع بعض أصحابه مرّ بهم الحسين بن علي رضي الله عنهما، وتبادلا السلام..

ولما مضى عنهم قال عبدالله لمن معه:

" أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض الى أهل السماء..؟

انه هذا الذي مرّ بنا الآن.ز الحسين بن علي..

وانه ما كلمني منذ صفين..

ولأن يرضى عني أحب اليّ من حمر النعم"..!!

واتفق مع أبي سعيد الخدري على زيارة الحسين..

وهناك في دار الحسين تم لقاء الأكرمين..

وبدأ عبدالله بن عمرو الحديث، فأتى على ذكر صفين فسأله الحسين معاتبا:

" ما الذي حملك على الخروج مع معاوية"..؟؟

قال عبدالله:

" ذات يوم شكاني عمرو بن العاص الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:

" ان عبدالله يصوم النهار كله، ويقوم الليل كله.

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا عبدالله صل ونم.. وصم وافطر.. وأطع أباك..

ولما كان يوم صفين أقسم عليّ أبي أن أخرج معهم، فخرجت..

ولكن والله ما اخترطت سيفا، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم"..!!

وبينما هو يتوقل الثانية والسبعين من عمره المبارك..

واذ هو في مصلاه، يتضرّع الى ربه، ويسبّح بحمده دعي الى رحلة الأبد، فلبى الدعاء في شوق عظيم..

والى اخوانه الذين سبقوه بالحسنى، ذهبت روحه تسعى وتطير..

والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى:

( يا أيتها النفس المطمئنة..

ارجعي الى ربك راضية مرضية

فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)..

عذراء الروح
15-02-2009, 05:32 PM
الإمام البخاري



وحياة هذا الإمام الجليل مليئة بالصفحات المشرقة ، فقد اجتمعت فيه كثير من الصفات الحميدة ، والخصال الجليلة ، ونذر حياته لخدمة السنة الغرّاء ، فنفع الله به ، وبارك في علمه ، وألّف كتابه الصحيح الذي اتفقت الأمة قاطبة على صحّته ، وتلقّيه بالقبول ، وسوف نستعرض بعض الجوانب من حياة هذا العلم ؛ حتى نسلك مسلكه ، ونقتدي بسيرته .

نسبه ومولده

هو شيخ الإسلام ، حجّة الأمة ، ناصر الحديث ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ، أمير المؤمنين في الحديث كما لقّبه بذلك غير واحد من أئمة السلف .

كان مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة في " بخارى " ، ونشأ في بيت علم ، وظهرت عليه في طفولته علامات النبوغ والنجابة ، ووهبه الله سبحانه وتعالى ذاكرةً قويّة تفوّق بها على أقرانه ، وقد اشتمله الله برعايته منذ طفولته ، وابتلاه بفقدان بصره في صباه فرأت والدته في المنام إبراهيم عليه السلام فقال لها : "يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك أو كثرة دعائك" فأصبحت وقد ردّ الله عليه بصره ببركة دعاء أمه له .

طلبه للعلم

بدأ البخاري حياته العلمية من الكتّاب ، فأتم حفظ كتاب الله في العاشرة من عمره ، ثم مرّ على الشيوخ ليأخذ عنهم الحديث ، ولما بلغ ستة عشر عاماً كان قد حفظ أحاديث ابن المبارك و وكيع ، وكان آية في الحفظ ، حتى بلغ محفوظه آلاف الأحاديث وهو لا يزال غلاما ، والشاهد على ذلك ما رواه حاشد بن إسماعيل - رحمه الله - أن الإمام كان يذهب إلى المشايخ مع رفقائه وهو غلام ، فكان يكتفي بسماع الأحاديث دون أن يدونها كما يفعل زملاؤه ، حتى أتى على ذلك أيام فكانوا يقولون له : " إنك تتردد معنا إلى المشايخ ولا تكتب ما تسمعه فما الذي تفعله ؟ " وأكثروا عليه حتى ضاق بهم ذرعاً ، وقال لهم مرةً بعد ستة عشر يوماً : " إنكم قد أكثرتم عليّ وألححتم فأخرجا إليّ ما كتبتموه " فأخرجوا إليه ما كان عندهم ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلوا يصحّحون ما كتبوه من حفظه ، فعرفوا أنه لا يتقدمه أحد.

ثم ارتحل في طلب الحديث إلى "بلخ" و"نيسابور" وأكثر من مجالسة العلماء ، وحمل عنهم علما جمّا ، ثم انتقل إلى مكة وجلس فيها مدة ، وأكمل رحلته إلى بغداد ومصر والشام حتى بلغ عدد شيوخه ما يزيد عن ألفٍ وثمانمائة شيخٍ ، وتصدّر للتدريس وهو ابن سبع عشرة سنة ، وقد كان الناس يزدحمون عليه وهم آلاف حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسوه في بعض الطريق ، يكتبون عنه ، وهو لا يزال شاباً لم تنبت له لحية.

مناقبه

وهب الله سبحانه وتعالى الإمام البخاري عددا من الخصال الحميدة ، والمناقب العظيمة ، حتى شهد له علماء عصره بتفوقه على أقرانه ، ولو كتبنا في مناقب هذا الإمام العظيم المؤلفات ما وفّينا حقه ، حتى قال عنه رجاء الحافظ : "هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض " ، من ذلك أن الله قد آتاه حفظاً وسعة علم حتى روي عنه أنه قال : " لو أردت ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة " وذلك في إحدى المجالس ، ومما يدل على كثرة محفوظاته قوله : " أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح " .

واشتَهر الإمام بشدّة ورعه ، فقد كان حريصا على ألفاظه عند الجرح والتعديل للرواة ، ومما أُثر عنه قوله : " أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً " ، كما اشتَهر رحمه الله بالزهد والكرم ، يعطي عطاءً واسعاً ، ويتصدّق على المحتاجين من أهل الحديث ليغنيهم عن السؤال ، وكان وقّافا عند حدود الله ، كما كان شديد الحرص على اتباع السنة ، قال النجم بن الفضيل : " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم كأنه يمشي ، ومحمد بن إسماعيل يمشي خلفه فكلما رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - قدمه وضع الإمام قدمه مكانها ".

وأعظم خصلة تحلّى بها الإمام هي الإخلاص لله تعالى - نحسبه كذلك والله حسيبه - ، فقد كان يريد الله بعلمه وعمله ، وبغضه وحبه ، ومنعه وبذله ، فانتشرت كتبه ، وتلقت الأمة كلها " صحيح البخاري " بالقبول ، حتى عدّه العلماء أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى .

كتبه ومؤلفاته

ساهم البخاري رحمه الله في التأليف والكتابة ، وأول كتاب يتبادر إلى الذهن هو كتابه العظيم " الجامع الصحيح " المعروف عند الناس بكتاب: " صحيح البخاري " ، وهو أول كتاب صُنف في الحديث الصحيح المجرد ، واستغرق تصنيف هذا الجامع ست عشرة سنة ، ولم يضع في كتابه هذا إلا أصح ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وللشيخ تصانيف أخرى مهمة ، مثل:" الأدب المفرد " ، والذي تناول فيها جملة من الآداب والأخلاق ، وبعض الأجزاء الحديثية مثل: " رفع اليدين في الصلاة " و " القراءة خلف الإمام " ، وفي علم التاريخ له : " التاريخ الكبير ، والأوسط والصغير " ، وفي العقيدة ألّف رسالة أسماها: " خلق أفعال العباد " ، وفي علم الرجال : "" الضعفاء " ، ومصنفات أخرى كثيرة بعضها في عداد المفقود .

محنته ووفاته

تعرض البخاري للامتحان والابتلاء كما تعرض الأنبياء والصالحون من قبله ، فصبر واحتسب ، وما وهن وما لان ، وكانت محنته من جهة الحسد الذي ألمّ ببعض أقرانه لما له من المكانة في قلوب العامة والخاصة ، فأثاروا حوله الشائعات بأنه يقول بخلق القرآن ، وهو بريئ من هذا القول ، فحصل الشغب عليه ، ووقعت الفتنة ، وخاض فيها من خاض ، حتى اضطر الشيخ درئاً للفتنة أن يترك " نيسابور " ويذهب إلى " بخارى " موطنه الأصلي .

وبعد رجوعه إلى بخارى استتبّ له الأمر زمناً ، ثم ما لبث أن حصلت وحشة بينه وبين أمير البلد عندما رفض أن يخصّه بمجلس علم دون عامة الناس ، فنفاه الوالي وأمر بإخراجه ، فتوجه إلى قرية من قرى سمرقند ، فعظم الخطب عليه واشتد البلاء ، حتى دعا ذات ليلة فقال : " اللهم إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، فاقبضني إليك " ، فما تم الشهر حتى مات ، وكان ذلك سنة ست وخمسين ومائتين ، وعاش اثنتين وستين سنة ، ودُفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر .

رحم الله الإمام رحمة واسعة ، وأجزل له العطاء والمثوبة ، فقد كانت سيرته مناراً يهتدى بها ، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا معه في جنات النعيم ، والحمد لله أوّلا وآخراً .

عذراء الروح
17-02-2009, 04:58 PM
شيخ الإسلام ابن تيمية

د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن*



اعتنى بدراسة شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القدامى والمحدثون، فكثرت الدراسات عنه، وتنوعت أهداف الدارسين لشخصيته، كل يأخذ منها ما يوافق تخصصه وهدفه، فهناك دراسات في سيرته الذاتية، ودراسات عن عقيدته، ودراسات عن فقهه، ودراسات عن تعمقه وإمامته في الحديث، ودراسات عن منهجه الدعوي، ودراسات عن فكره التربوي والاجتماعي، وغيرها.



وإذا استعرضت كتب التاريخ والرجال للقرن الثامن الهجري: فمن أبرز من يترجم له هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وإذا قرأت كتبه المحققة - وهي كثيرة - فإن في مقدمتها - غالباً - ذكر شيء من ترجمته.

فشهرته بلغت الآفاق، وتكاد تجمع الكتب على الثناء عليه من القديم والحديث، ولذلك يجد الكاتب في سيرته صعوبة في اختيار المناسب من سيرته لما يبحث فيه، أما التوسع في ذكر سيرته فقد أغنت شهرته عن ذلك كما يقول عنه الحافظ ابن رجب رحمه الله: (وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره) .



وسأحيل في نهاية الترجمة - إن شاء الله - إلى أبرز من حاول حصر المؤلفات فيه.



1 - اسمه ونسبه:

هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني .

وذكر مترجموه أقوالاً في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله : (أن جده محمداً كانت أمه تسمى (تيمية)، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.

وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقب بذلك) .



2 - مولده ونشأته:

ولد رحمه الله يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة 661هـ. في حرّان .



وفي سنة 667هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق ، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره .



ومما ذكره ابن عبد الهادي رحمه الله عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.



وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي ، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.



هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) .



(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.

فإنه لم يكن مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) .



وكان رحمه الله حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار رحمه الله: (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثاً، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) .



وكان رحمه الله ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صيناً، تقياً، براً بأمه، ورعاً عفيفاً، عابداً، ذاكراً لله في كل أمر على كل حال، رجاعاً إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.



قال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله عنه: (ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) .



3 - عصره:

أولاً: الناحية السياسية:

يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية رحمه الله أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:

أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.

ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.

جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.



وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله:

فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.

ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.

ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) .



فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (656هـ) وما قبل سقوط بغداد بسنوات ، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) .



وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية): فقد كانت ولادة ابن تيمية رحمه الله في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.



وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية رحمه الله مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية رحمه الله يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم .



ثانياً: الناحية الاجتماعية:

كانت مجتمعات المسلمين خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.

إذ اختلط التتار - القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة - بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتر.

ونوعية ثالثة: ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.

إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.



كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة كان لابن تيمية رحمه الله أكبر الأثر في بيان الخطأ والنصح للأمة، ومقاومة المبتدعة .



ثالثاً: الناحية العلمية:

في عصر ابن تيمية رحمه الله قل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.



ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى: سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير .



ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة.



وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.

فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.



4 - محن الشيخ:

امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة ، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد .



واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.



وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام رحمه الله فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.

وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.



وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.



وفي سنة 709هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلاً لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.



وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة 720هـ إلى سنة 721هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.



وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة 726هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة 728هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف .



5 - وفاته رحمه الله:

في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (728هـ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام .



6 - مؤلفاته:

مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار (ت - 749هـ) رحمه الله:

(وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها. بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه) .

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت - 795هـ) رحمه الله:

(وأما تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) .

وذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.



ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها .



ومن أبرز كتبه ما يلي:

1 - الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.

2 - اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.

3 - بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.

4 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه .

5 - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس .

6 - الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.

7 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس .

8 - النبوات: مطبوع .

وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود .



7 - بعض ثناء الناس عليه:

قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - 727هـ) : (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين ) .



وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) .



وكتب فيه قوله:

ماذا يقول الواصفون له *** وصفاته جلّت عن الحصر

هو حجة لله قاهرة *** هو بيننا أعجوبة الدهر

هو آية للخلق ظاهرة *** أنوارها أربت على الفجر



وقال ابن دقيق العيد رحمه الله : (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) .



وقال أبو البقاء السبكي : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) ، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - 748هـ) الإمام السبكي كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:

(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) .



وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي، ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:

(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) .



وقوله: (... ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف...) .



وقال: (... هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) .



ومما قاله في رثائه:

يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع

أخذت شيخ الإسلام وانقصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع

غيبت بحراً مفسراً جبلاً *** حبراً تقياً مجانب الشيع

اسكنه الله في الجنان ولا *** زال علياً في أجمل الخلع

مضى ابن تيمية وموعده *** مع خصمه يوم نفخة الفزع



وقال فيه: (... كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه...) .



وقال عنه: (... لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي.... فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى....) .



وقال الشوكاني رحمه الله: (إمام الأئمة المجتهد المطلق) .



رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته .

عذراء الروح
24-02-2009, 12:51 AM
عباس محمود العقاد


تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة.

وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.

المولد والنشأة


في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (29 من شوال 1306هـ= 28 من يونيو 1889)، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (1321هـ= 1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.

وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر.

ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (1323هـ= 1905م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1325هـ= 1907م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.



الاشتغال بالصحافة

ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (1325هـ= 1907م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.

وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331هـ= 1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1336هـ= 1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1338هـ= 1919م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.

وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1342هـ= 1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1349هـ= 1930م) بتهمة العيب في الذات الملكية.

وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة ( 1354هـ= 1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر.

مؤلفات العقاد



عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديبًا زاره يومًا، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعًا لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة.

وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر.

ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير.

وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا استعمار".

وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير.

وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرناردشو، والشيخ الرئيس ابن سينا".

وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".


إسلاميات العقاد


تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون.

وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين.

وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى.

وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام.

وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء.

وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام".

شاعرية العقاد

لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية.

ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر؛ ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها:




متحـكـم فــي الراكبـيـن
ومـــا لـــه أبـــدًا ركــوبــة
لهـم المثوبـة مـن بنانـك
حـيــن تـأمــر والـعـقـوبـة
مُر ما بدا لك في الطريق
ورض على مهل شعوبـه
أنـا ثـائـر أبــدًا ومــا فــي
ثــورتــي أبــــدًا صـعـوبــة
أنــا راكــب رجـلـي فـــلا
أمْـــرٌ عـلــيَّ ولا ضـريـبـة





تقدير العقاد

لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1359هـ= 1940م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1379هـ= 1959م).

وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.

وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه".

وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على بيلوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية.

واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد".



وفاة العقاد

ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (26 من شوال 1383هـ= 12 من مارس 1964م).

عذراء الروح
25-02-2009, 01:20 PM
محمد الفاتح


محمد الفاتح (الثاني) 866/855 هـ - 1461/1451 م
رسمة تخيليه نادرة لمحمد الفاتح محمد الفاتح أو محمد الثاني السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان، يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً عرفت توسع كبير للخلافة الإسلامية.




مولده


ولد "محمد الثاني" عام 30 مارس 1432 / 833هـ ، وتولى السلطنة عام(855/1451م)، فكان عمره يومذاك اثنين وعشرين سنة، وأراد أن يتمم ما بدأ به أبوه. وقد نجح في فتح القسطنطينية


شخصيته


لقد امتاز السلطان 'محمد الفاتح' بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل، كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها من شيوخه كالشيخ آق شمس الدين وكذلك من مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال حتى أنه اشتهر أخيراً في التاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينية .


سياسته


انتهج محمد الفاتح المنهج الذي سار عليه والده وأجداده في الفتوحات، ولقد برز بعد توليه السلطة في الدولة العثمانية بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيراً بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف. وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر. وعمل على تطوير إدارة الأقاليم، وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم، وعزل من ظهر منه تقصير أو إهمال، وطور البلاط السلطاني، وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة مما ساهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الإمام. وبعد أن قطع أشواطاً مثمرة في الإصلاح الداخلي تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحهاونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية بسبب المنازعات مع الدول الأوروبية الأخرى، وكذلك بسبب الخلافات الداخلية التي عمت جميع مناطقها ومدنها، ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل أنه عمل بجد من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي الهام للتحركات ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن، والتي طالما اعتزت بها الإمبراطورية البيزنطية بصورة خاصة والمسيحية بصورة عامة، وجعلها عاصمة للدولة العثمانية وتحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه من قادة الجيوش الإسلامية .


إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه
ورد في مسند أحمد بن حنبل في الحديث رقم18189

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ حَدّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ

فتح القسطنطينية


محمد الفاتح يقود جيش المسلمينفتح القسطنطينية هو انتصار العثمانيين ودخولهم لما كان عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في الثلاثاء 29 مايو عام 1453. وهذا ما أنهى الاستقلال السياسي لإمبراطورية عاشت أكثر من ألف عام. وقد كان من آثار هذا الفتح هجرة علماء بيزنطيين إلى أوروبا الغربية مما أدى لبدء الدراسات الإغريقية الكلاسيكية في عصر النهضة الأوروبية لاحقا. وساعد الفتح على استقرار السلطنة العثمانية وتوسعها في شرق المتوسط والبلقان. وكثيرا ما يقترح تاريخ الفتح كنهاية للقرون الوسطى.


حياته


حصار قسطنطينية


دخول محمد الفاتح للقسطنطينية للرسام زوناروبنى قلعة على مضيق البوسفور على الشاطئ الأوروبي مقابل القلعة التي بناها السلطان بايزيد على الشاطئ الآسيوي كي يتحكم بالمضيق ، ويمنع وصول الإمدادات إلى القسطنطينية من مملكة طرابزون الروحية الواقعة على ساحل البحر الأسود شمال شرقي الاناضول ، ورأى قسطنطين أن محمد الثاني عازم على دخول مدينته فعرض دفع الجزية التي لم يريد فرفض السلطان ، ورأى أن يتزوج بأرملة السلطان مراد الثاني أم السلطان محمد وكانت لا تزال على نصرانيتها فرفضت واعتكفت في بعض الأديرة. أراد السلطان الفاتح بعدئذ أن يتوجه إلى بلاد المورة لاحتلالها، فأرسل ملكها وفداً إليه يعرض عليه دفع جزية سنوية قدرها 12 ألف دوك ذهب. ثم بدأ الإمبراطور يستنجد الدول المسيحية، وتم حصار القسطنطينية والاستيلاء عليها بعد عامين فقط من توليه السلطة .

وصالح أمير الصرب مقابل جزية قدرها ثمانون ألف دوك عان 857، وفي السنة الثانية دخل السلطان إلى بلاد الصرب، وحاصر بلغراد ، ودافع عنها المجر ، ولم يتمكن العثمانيون من احتلالها، ثم صار الصدر الأعظم محمود باشا فاستولى عليها بين ( 861 – 863 ). وتمكن من احتلال بلاد المورة (عام 863/1453م)، وفر ملكها إلى إيطاليا ، كما استولى على الجزر التي في بحر ايجه قرب مضيق الدردنيل . وعقد صلحاً مع اسكندر بك أمير البانيا .توجه سراً إلى الاناضول فاستولى على ميناء (اماستريس) الذي يتبع جنوه، وأكثر سكانه من التجار، كما دخل ميناء سينوب ، واحتل مملكة طرابزون دون مقاومة ، وكانت تتبع القسطنطينية .

سار إلى أوروبا لمحاربة أمير الأفلاق لظلمه وتعديه على العثمانيين ، فطلب الأمير صلحاً مقابل جزية سنوية قدرها عشرة آلاف دوك ، فوافق السلطان غير أن هذا الأمير لم يطلب هذا الصلح إلا لتتاح له الفرصة ليتفق مع ملك المجر لمحاربة العثمانيين. فلما اتفقا، وعلم السلطان أرسل إليه رجلين يستوضح الخبر فقتلهما أمير الأفلاق، وسار مغيراً على أملاك الدولة العثمانية في بلغاريا، فأفسد فيها ، واستاق الأسرى. فأرسل إليه السلطان وفداً يطلب منه أن يعيد الأسرى، ويبقى على صلحه ، فمثل بهم، فسار إليه السلطان ففر أمير الأفلاق إلى ملك المجر ، فضم السلطان الأفلاق إلى العثمانيين ، وعين أخا أمير الأفلاق والياً عليها من قبله.

وامتنع أمير البوسنة عن دفع الخراج فسار إليه السلطان ، وانتصر عليه ، وضم البوسنة للدولة العثمانية ، وحاول ملك المجر مساعدة أهل البوسنة (البوشناق) لكنه هزم. وأسلم الكثير من البوشناق بعد ذلك. واصطدم السلطان مع البنادقة الذين يملكون بعض المواقع في بلاد المورة ، وجزراً كثيرة في بحر ايجه ، وقد هاجم البنادقة بعض المراكز العثمانية ودخلوها ، فسار إليهم السلطان ففروا من مواقعهم ، ودخلها العثمانيون . وبعد هدنة سنة عاد البنادقة لغيهم إذ أرادوا استعادة ما فقدوه ، وبدؤوا يغيرون على الدولة فكانت النتيجة أن فقدوا بعض مواقعهم المهمة.

بدأ البابا يدعو إلى حملة صليبية فشجع اسكندر بك أمير البانيا على نقض عهده مع السلطان، ودعا ملوك أوروبا وأمرائها لمساندته، غير أن البابا قد توفي ولم تقم الحملة الصليبية، لكن اسكندر بك نقض العهد، وحارب العثمانيين، وكانت الحرب سجالاً بين الطرفين. وتوفي اسكندر بك عام 870 .اتجه السلطان إلى الاناضول فضم إليه إمارة القرمان نهائياً إذ اختلف أبناء أميرهم إبراهيم الذي أوصى عند وفاته لابنه إسحاق فنازعه إخوته، فأيد السلطان إخوة إسحاق عليه وهزمه ، وعين مكانه أحد إخوته ، فلما رجع السلطان إلى أوروبا ، احتل إسحاق قونية وفرض نفسه ، فرجع إليه السلطان وهزمه ، وضم الإمارة إلى الدولة العثمانية. وهاجم اوزون حسن أحد خلفاء تيمورلنك شرقي الأناضول ، واحتل مدينة توقات ، فأرسل إليه السلطان جيشاً هزمه عام 1469 / 874 ، ثم سار إليه السلطان بنفسه على رأس جيش وأجهز على ما بقي معه من جنود.

عرض السلطان عام( 878 / 1473 ) على أمير البغدان اصطفان الرابع الجزية حتى لا يحاربه فلم يقبل الأمير، فأرسل إليه جيشاً وانتصر عليه بعد حروب عنيفة، ولكن لم يستطيع غزو هذا الإقليم ، فعزم السلطان على دخول القرم للإفادة من فرسانها في قتال البغدان ، وتمكن من احتلال أملاك الجنوبيين الممتدة على شواطئ شبه جزيرة القرم ، ولم يقاوم التتار سكان القرم العثمانيين بل دفعوا لهم مبلغاً من المال سنوياً . وأقلعت السفن الحربية العثمانية من القرم إلى مصب نهر الدانوب فدخلت ، وكان السلطان يدخل بلاد البغدان عن طريق البر ، فانهزم اصطفان الرابع ، فتبعه السلطان في طريق مجهولة ، فانقض عليه اصطفان الرابع وانهزم السلطان ، وارتفع اسم اصطفان الرابع وذلك عام 881 .

وصالح السلطان البنادقة ، وانهزم أمام المجر عندما سار لغزو ترانسلفانيا ، ولكنه في البحر استولى على الجزر التي بين اليونان و إيطاليا ، كما احتل مدينة (اوترانت) في جنوبي شبه جزيرة إيطاليا عام 885 ، وحاصر في العام نفسه جزيرة رودوس ولم يتمكن من احتلالها. وفي أثناء حصار القسطنطينية عرف قبر ابي أيوب خالد بن زيد الانصاري ، فبنى بجواره مسجداً ، وأصبح تنصيب السلاطين يتم بهذا المسجد.


أهم أعماله


اهتمامه بالمدارس والمعاهد


فقد كان محباً للعلم والعلماء، لذلك اهتم ببناء المدارس والمعاهد في جميع أرجاء دولته، وفاق أجداده في هذا المضمار، وبذل جهوداً كبيرة في نشر العلم وإنشاء المدارس المعاهد، وأدخل بعض الإصلاحات في التعليم وأشرف على تهذيب المناهج وتطويرها، وحرص على نشر المدارس والمعاهد في كافة المدن والقرى وأوقف عليها الأوقاف العظيمة.

ونظم هذه المدارس ورتبها على درجات ومراحل، ووضع لها المناهج، وحدد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة، ووضع لها نظام الامتحانات الدقيقة للانتقال للمرحلة التي تليها، وكان ربما يحضر امتحانات الطلبة ويزور المدارس ولا يأنف من سماع الدروس التي يلقيها الأساتذة، ولا يبخل بالعطاء للنابغين من الأساتذة والطلبة ، وجعل التعليم في كافة مدارس الدولة بالمجان ، وكانت المواد التي تدرس في تلك المدارس: التفسير والحديث والفقه والأدب والبلاغة وعلوم اللغة والهندسة، وأنشأ بجانب مسجده الذي بناه بإسطنبول ثمان مدارس على كل جانب من جوانب المسجد أربعة مساجد يتوسطها صحن فسيح، وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته وألحقت بهذه المدارس مساكن الطلبة ينامون فيها ويأكلون طعامهم ووضعت لهم منحة مالية شهرية، وأنشأ بجانبها مكتبة خاصة وكان يشترط في الرجل الذي يتولى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى متبحراً في أسماء الكتب والمؤلفين، وكانت مناهج المدارس يتضمن نظام التخصص، فكان للعلوم النقلية والنظرية قسم خاص وللعلوم التطبيقية قسم خاص أيضاً.


اهتمامه بالعلماء


فقد قرب العلماء ورفع قدرهم وشجعهم على العمل والإنتاج وبذل لهم الأموال ووسع لهم في العطايا والمنح والهدايا ويكرمهم غاية الإكرام، ولما هزم أوزون حسن أمر السلطان بقتل جميع الأسرى إلا من كان من العلماء وأصحاب المعارف ليستفاد منهم. وكان من مكانة الشيخ أحمد الكوراني أنه كان يخاطب السلطان باسمه ولا ينحني له، ولا يقبل يده بل يصافحه مصافحة، وأنه كان لا يأتي إلى السلطان إلا إذا أرسل إليه، وكان يقول له: مطعمك حرام وملبسك حرام فعليك بالاحتياط.


اهتمامه بالشعراء والأدباء


فكان شاعراً مجيداً مهتماً بالأدب عامة والشعر خاصة، وكان يصاحب الشعراء ويصطفيهم، واستوزر الكثير منهم، وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتناول كل منهم راتباً شهرياً قدره ألف درهم، وكان مع هذا ينكر على الشعراء التبذل والمجون والدعارة ويعاقب من يخرج عن الآداب بالسجن أو يطرده من بلاده.


اهتمامه بالترجمة


فقد كان متقناً للغة الرومية، وأمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة باليونانية واللاتينية والعربية والفارسية إلى اللغة التركية، ونقل إلى التركية كتاب التصريف في الطب للزهراوي، وعندما وجد كتاب بطليموس في الجغرافيا وخريطة له طلب من العالم الرومي جورج اميروتزوس وابنه أن يقوما بترجمته إلى العربية وإعادة رسم الخريطة بالغتين العربية والرومية و كافأهما على هذا العمل بعطايا واسعة، وقام العلامة القوشجي بتأليف كتاب بالفارسية ونقله للعربية وأهداه للفاتح.

كما كان مهتماً باللغة العربية فقد طلب من المدرسين بالمدارس الثماني أن يجمعوا بين الكتب الستة في تدريسهم وبين علم اللغة كالصحاح.. ودعم الفاتح حركة الترجمة والتأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالإكثار من نشر المكاتب العامة وأنشأ له في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم، وكان بها اثنا عشر ألف مجلد عندما احترقت.


اهتمامه بالعمران والبناء والمستشفيات


كان السلطان محمد الفاتح مغرماً ببناء المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة، وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة . وشجع الوزراء وكبار رجال الدولة والأغنياء والأعيان على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين والحمامات وغيرها من المباني التي تعطى المدن بهاء ورونقاً، واهتم بالعاصمة ("اسلامبول":اى مليئة بالاسلام و قد غير مصطفى كمال اتاتورك هذا الاسم إلى "استانبول" بعد عزل السلطان و انهاء الخلافةالعثمانية في تركيا ) اهتماماً خاصاً، وكان حريصاً على أن يجعلها (أجمل عواصم العالم) وحاضرة العلوم والفنون. وكثر العمران في عهد الفاتح وانتشر ، واهتم بدور الشفاء ، ووضع لها نظاماً مثالياً في غاية الروعة والدقة والجمال، فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب – ثم زيد إلى اثنين – من حذاق الأطباء من أي جنس كان، يعاونهما كحال وجراح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين ، ويشترط في جميع المشتغلين بالمستشفي أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية، ويجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم ، وأن لاتصرف الأدوية للمرضى إلا بعد التدقيق من إعدادها، وكان يشترط في طباخ المستشفي أن يكون عارفاً بطهي الأطعمة والأصناف التي توافق المرضى منها ، وكان العلاج والأدوية في هذه المستشفيات بالمجان ويغشاها جميع الناس بدون تمييز بين أجناسهم وأديانهم.


الاهتمام بالتجارة والصناعة


اهتم السلطان محمد الفاتح بالتجارة والصناعة وعمل على إنعاشهما بجميع الوسائل والعوامل والأسباب. وكان العثمانيون على دراية واسعة بالأسواق العالمية ، وبالطرق البحرية والبرية وطوروا الطرق القديمة ، وأنشأوا الكباري الجديدة مما سهل حركة التجارة في جميع أجزاء الدولة ، واضطرت الدول الأجنبية من الاستيلاء على موانيها لرعايا الدولة العثمانية ليمارسوا حرفة التجارة في ظل الراية العثمانية . وكان من أثر السياسة العامة للدولة في مجال التجارة والصناعة أن عم الرخاء وساد اليسر والرفاهية في جميع أرجاء الدولة، وأصبحت للدولة عملتها الذهبية المتميزة، ولم تهمل ا لدولة إنشاء دور الصناعة ومصانع الذخيرة والأسلحة ، وأقامت القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية في البلاد.


الاهتمام بالتنظيمات الإدارية


عمل السلطان محمد الفاتح على تطوير دولته ؛ ولذلك قنن قوانين حتى يستطيع أن ينظم شؤون الإدارة المحلية في دولته ، وكانت تلك القوانين مستمدة من الشرع الحكيم . وشكل السلطان محمد لجنة من خيار العلماء لتشرف على وضع (قانون نامه) المستمد من الشريعة الغراء وجعله أساساً لحكم دولته، وكان هذا القانون مكوناً من ثلاثة أبواب ، يتعلق بمناصب الموظفين وببعض التقاليد وما يجب أن يتخذ من التشريفات والاحتفالات السلطانية وهو يقرر كذلك العقوبات والغرامات ، ونص صراحة على جعل الدولة حكومة إسلامية قائمة على تفوق العنصر الإسلامي أياً كان أصله وجنسه. واهتم محمد الفاتح بوضع القوانين التي gt sex #تحويل [[#تحويل المكان المقصود]]تنظم علاقة السكان من غير المسلمين بالدولة ومع جيرانهم من المسلمين ، ومع الدولة التي تحكمهم وترعاهم ، وأشاع العدل بين رعيته ، وجد في ملاحقة اللصوص وقطاع الطرق ، وأجرى عليهم أحكام الإسلام ، فاستتب الأمن وسادت الطمأنينة في ربوع الدولة العثمانية. وعندما تعلن الدولة الجهاد وتدعوا أمراء الولايات وأمراء الألوية، كان عليهم أن يلبوا الدعوة ويشتركوا في الحرب بفرسان يجهزونهم تجهيزاً تاماً ، وذلك حسب نسب مبينة، فكانوا يجهزون فارساً كامل السلاح قادراً على القتال عن كل خمسة آلاف آقجه من إيراد اقطاعه ، فإذا كان إيراد إقطاعه خمسمائة ألف آقجة مثلاً كان عليه أن يشترك بمائة فارس ، وكان جنود الإيالات مؤلفة من مشاة وفرسان ، وكان المشاة تحت قيادة وإدارة باشوات الإيالات وبكوات الألوية. وقام محمد الفاتح بحركة تطهير واسعة لكل الموظفين القدماء غير الأكفاء وجعل مكانهم الأكفاء ، واتخذ الكفاية وحدها أساساً في اختيار رجاله ومعاونيه وولاته.


اهتمامه بالجيش والبحرية


وقد تميز عصر السلطان محمد الفاتح بجانب قوة الجيش البشرية وتفوقه العددي ، بإنشاءات عسكرية عديدة متنوعة ، فأقام دور الصناعة العسكرية لسد احتياجات الجيش من الملابس والسروج والدروع ومصانع الذخيرة والأسلحة ، وأقام القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية ، وكانت هناك تشكيلات متنوعة في تمام الدقة وحسن التنظيم من فرسان ومشاة ومدفعية وفرق مساعدة ، تمد القوات المحاربة بما تحتاجه من وقود وغذاء وعلف للحيوان وإعداد صناديق الذخيرة حتى ميدان القتال . وكان هناك صنف من الجنود يسمى ، " لغمجية" وظيفته الحفر للألغام وحفر الأنفاق تحت الأرض أثناء محاصرة القلعة المراد الاستيلاء عليها وكذلك السقاؤون كان عليهم تزويد الجنود بالماء. ولقد تطورت الجامعة العسكرية في زمن الفاتح وأصبحت تخرج الدفعات المتتالية من المهندسين والأطباء والبيطريين وعلماء الطبيعيات والمساحات ، وكانت تمد الجيش بالفنيين المختصصين. استحق معه أن يعده المؤرخون مؤسس الأسطول البحري العثماني ، ولقد استفاد من الدول التي وصلت إلى مستوى رفيع في صناعة الأساطيل مثل الجمهوريات الإيطالية وبخاصة البندقية وجنوا أكبر الدول البحرية في ذلك الوقت.


اهتمامه بالعدل


سيف السلطان محمد الفاتحإن إقامة العدل بين الناس كان من واجبات السلاطين العثمانيين ، وكان السلطان محمد شأنه في ذلك شأن من سلف من آبائه – شديد الحرص على إجراء العدالة في أجزاء دولته، ولكي يتأكد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إلى بعض رجال الدين من النصارى بالتجوال والتطواف في أنحاء الدولة ، ويمنحهم مرسوماً مكتوباً يبين مهمتهم وسلطتهم المطلقة في التنقيب والتحري والاستقصاء لكي يطلعوا كيف تساس أمور الدولة وكيف يجري ميزان العدل بين الناس في المحاكم ، وقد أعطى هؤلاء المبعوثون الحرية الكاملة في النقد وتسجيل ما يرون ثم يرفعون ذلك كله إلى السلطان. وقد كانت تقرير هؤلاء المبعوثين النصارى تشيد دائماً بحسن سير المحاكم وإجراء العدل بالحق والدقة بين الناس بدون محاباة أو تمييز ، وكان السلطان الفاتح عند خروجه إلى الغزوات يتوقف في بعض الأقاليم وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم ويرفع إليه من شاء من الناس شكواه ومظلمته. وقد اعتنى الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس ، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة والاتصاف بالنزاهة والاستقامة وحسب بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبة وتقدير بين الناس ، وأن تتكفل الدولة بحوائجهم المادية حتى تسد طرق الإغراء والرشوة ، فوسع لهم الفاتح في عيشهم كل التوسعة ، وأحاط منصبهم بحالة مهيبة من الحرمة والجلالة والقداسة والحماية. أما القاضي المرتشي فلم يكن له عند الفاتح من جزاء غير القتل. وكان السلطان الفاتح - برغم اشتغاله بالجهاد والغزوات - إلا أنه كان يتتبع كل ما يجري في أرجاء دولته بيقظة واهتمام ، وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاء قوي وبصيرة نفاذة وذاكرة حافظة وجسم قوي ، وكان كثيراً ما ينزل بالليل إلى الطرقات والدروب ليتعرف على أحوال الناس بنفسه ويستمع إلى شكاواهم بنفسه، كما ساعده على معرفة أحوال الناس جهاز أمن الدولة الذي كان يجمع المعلومات والأخبار التي لها علاقة بالسلطنة وترفع إلى السلطان الذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرعية ، وتفقد أمورها والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها.


وفاته


قاد السلطان يقود حملة لم يحدد وجهتها، لكن المؤرخون يخمنون بأنها كانت إلى إيطاليا. عرض أهل البندقية على طبيبه الخاص يعقوب باشا أن يقوم هو باغتياله، يعقوب لم يكن مسلما عند الولادة فقد ولد بإيطاليا، وقد ادعى الهداية، وأسلم. بدأ يعقوب يدس السم تدريجيا للسلطان، ولكن عندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السم. وتوفى السلطان في العام 1481م، عن عمر 49 عاما، وبلغت مدة حكمه 31 عاما. انفضح أمر يعقوب، فأعدمه حرس السلطان. وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوما، جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في إسطنبول، احتوت الرسالة على هذه الجملة "لقد مات النسر الكبير". انتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوروبا، وراحت الكنائس في أوروبا تدق أجراسها لمدة ثلاثة أيام بأمر من البابا.

عذراء الروح
27-02-2009, 10:09 PM
عالم أفغاني


الاسم : جمال الدين الحسيني الأفغاني
تاريخ الميلاد : 1838 م - 1254 هـ
تاريخ الوفاة : 7 مارس 1897 م
مدرسة الفقه (المذهب) :
العقيدة : أهل السنة ، سلفية
جمال الدين الحسيني الأفغاني (1838 – 1897)، أحد الأعلام البارزين في عصر النهضة العربية وأحد الدعاة للتجديد الإسلامي.




منشأه


ولد جمال الدین سنة 1838 م - 1254 هـ، في "اسعد آباد" إحدى القرى التابعة لخطة كونار من أعمال كابل عاصمة الأفغان، ووالده السيد صفدر من سادات كنر الحسينية، ويتصل نسبه بالسيد على الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنه، ومن هنا جاء التعريف عنه بالسيد جمال الدين الافغانی.

وتدعي المصادر ان شركة الأفغاني ولدت في 1838 في "أسعد آباد" ، مقاطعة في مقاطعة كونار في أفغانستان ، الوثائق (خصوصا مجموعة من اوراق اليسار في إيران عند طرده في 1891) كان ولد وأمضى طفولته في "أسد آباد" ، همدان ، إيران.[1][2][3]

لأسرته منزلة عالية في بلاد الأفغان، لنسبها الشريف، ولمقامها الإجتماعي والسياسي إذ كانت لها الإمارة والسيادة على جزء من البلاد الأفغانية، تستقل بالحكم فيه، إلى أن نزع الإمارة منها دوست محمد خان أمير الأفغان وقتئذ، وأمر بنقل والد السيد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وأنتقل الأفغاني بانتقال أبيه إليها، وهو بعد في الثامنة من عمره، فعني أبوه بتربيته وتعليمه، على ماجرت به عادة الأمراء والعلماء في بلاده.

وكانت مخايل الذكاء، وقوة الفطرة، وتوقد القريحة تبدو عليه منذ صباه، فتعلم اللغة العربية، والأفغانية، وتلقى علوم الدين، والتاريخ، والمنطق، والفلسفة، والرياضيات، فأستوفى حظه من هذه العلوم، على أيدي أساتذة من أهل تلك البلاد، على الطريقة المألوفة في الكتب الإسلامية المشهورة، وأستكمل الغاية من دروسه وهو بعد في الثامنة عشرة من عمره، ثم سافر إلى الهند، وأقام بها سنة وبضعة أشهر يدرس العلوم الحديثة على الطريقة الأوروبية، فنضج فكره، وأتسعت مداركه. وكان بطبعه ميالاً إلى الرحلات، وأستطلاع أحوال الأمم والجماعات، فعرض له وهو في الهند أن يؤدي فريضة الحج، فأغتنم هذه الفرصة وقضى سنة ينتقل في البلاد، ويتعرف أحوالها، وعادات أهلها، حتى وافى مكة المكرمة في سنة 1857 م - 1273 هـ، وأدى الفريضة.


أسد آباد أم أسعد أباد؟


مدينة "أسد آباد" فتبعد نحو سبعة فراسخ (27 كيلومتر) من مدينة همذان إلى جهة العراق بين همذان وكرمانشاه.

أما مدينة "أسعد آباد" في إقليم "كونار" على بعد نحو 240 كلم شرقي العاصمة الأفغانية "كابل"، على مقربة من الحدود مع باكستان.


بدء حياته العملية


ثم عاد إلى بلاد الأفغان، وأنتظم في خدمة الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان المتقدم ذكره وكان أول عمل له مرافقته إياه في حملة حربية جردها لفتح هراة، إحدى مدن الأفغان، وليس يخفى أن النشأة الحربية تعود صاحبها الشجاعة، وأقتحام المخاطر، ومن هنا تبدو صفة من الصفات العالية، التي أمتاز بها جمال الدين، وهي الشجاعة، فإن من يخوض غمار القتال في بدء حياته تألف نفسه الجرأة والإقدام، وخاصة إذا كان بفطرته شجاعاً.

ففي نشأة الأفغاني الأولى، وفي الدور الأول من حياته، تستطيع أن تتعرف أخلاقه، والعناصر التي تكونت منها شخصيته، فقد نشأ كما رأيت من بيت مجيد، ازدان بالشرف وأعتز بالإمارة، والسيادة، والحكم، زمناً ما، وتربى في مهاد العز، في كنف أبيه ورعايته، فكان للوراثة والنشأة الأولى أثرهما فيما طبع عليه من عزة النفس، التي كانت من أخص صفاته، ولازمته طوال حياته، وكان للحرب التي خاضها أثرها أيضاً فيم أكتسبه من الأخلاق الحربية، فالوراثة والنشأة، والتربية، والمرحلة الأولى في الحياة العملية، ترسم لنا جانباً من شخصية جمال الدين الأفغاني.

سار الأفغاني إذن في جيش دوست محمد خان لفتح "هراة"، ولازمه مدة الحصار إلى أن توفي الأمير، وفتحت المدينة بعد حصار طويل، وتقلد الإمارة من بعده ولى عهده شير علي خان سنة 1864 م - 1280 هـ.

ثم وقع الخلاف بين الأمير الجديد وأخوته، إذ أراد أن يكيد لهم ويعتقلهم، فانضم السيد جمال الدين إلى محمد أعظم أحد الأخوة الثلاثة، لما توسمه فيه من الخير. أستعرت نار الحرب الداخلية، فكانت الغلبة لمحمد أعظم، وانتهت إليه إمارة الأفغان، فعظمت منزلة الأفغاني عنده، وأحله محل الوزير الأول، وكان بحسن تدبيره يستتب الأمر للأمير، ولكن الحرب الداخلية، مالبثت أن تجددت، إذ كان شير علي لايفتأ يسعى لاسترجاع سلطته، وكان الإنجليز يعضدونه بأموالهم ودسائسهم، فأيدوه ونصروه، ليجعلوه من أوليائهم وصنائعهم، وأغدق شير علي الأموال على الرؤساء الذين كانوا يناصرون الأمير محمد أعظم، فبيعت أمانات ونقضت عهود وجددت خيانات، كما يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده وأنتهت الحرب بهزيمة محمد أعظم، وغلبه شير علي، وخلص له الملك.

بقي السيد جمال الدين في كابل لم يمسسه الأمير بسوء، احتراماً لعشيرته وخوف انتفاض العامة عليه حمية لآل البيت النبوي، وهنا أيضاً تبدو لك مكانة الأفغاني، ومنزلته بين قومه، وهو بعد في المرحلة الأولى من حياته العامة، ويتجلى استعداده للإضطلاع بعظائم المهام، والتطلع إلى جلائل الأعمال، فهو يناصر أميراً يتوسم فيه الخير، ويعمل على تثبيته في الإمارة، ويشيد دولة يكون له فيها مقام الوزير الأول، ثم لاتلبث أعاصير السياسة والدسائس الإنجليزية أن تعصف بالعرش الذي أقامه، ويغلب على أمر الأمير، ويلوذ بالفرار إلى إيران لكي لايقع في قبضة عدوه، ثم يموت بها، أما الأفغاني فيبقى في عاصمة الإمارة، ولايهاب بطش الأمير المنتصر، ولايتملقه أو يسعى إلى نيل رضاه، ولاينقلب على عقبيه كما يفعل الكثيرون من طلاب المنافع، بل بقي عظيماً في محنته، ثابتاً في هزيمته، وتلك لعمري ظواهر عظمة النفس، ورباطة الجأش، وقوة الجنان.

وهذه المرحلة كان لها أثرها في الإتجاه السياسي للسيد جمال الدين، فقد رأيت مابذلته السياسة الإنجليزية لتفريق الكلمة، ودس الدسائس في بلاد الأفغان، وإشعال نار الفتن الداخلية بها، وأصطناعها الأولياء من بين أمرائها، ولا مراء في أن هذه الأحداث قد كشفت للمترجم عن مطامع الإنجليز، وأساليبهم في الدس والتفريق، وغرست في فؤاده روح العداء للسياسة البريطانية خاصة، والمطامع الإستعمارية الأوروبية عامة، وقد لازمه هذا الكره طوال حياته، وكان له مبدأ راسخاً يصدر عنه في أعماله وآرائه وحركاته السياسية.


رحيله إلى الهند


لم ينفك الأمير شير علي يدبر المكايد للسيد جمال الدين، ويحتال للغدر به فرأى السيد أن يفارق بلاد الأفغان، ليجد جواً صالحاً للعمل، فاستأذنه في الحج، فأذن له، فسار إلى الهند سنة 1869 م - 1285 هـ، وكانت شهرته قد سبقته إلى تلك الديار، لما عرف عنه من العلم والحكمة، وماناله من المنزلة العالية بين قومه، ولم يكن يخفى على الحكومة الإنجليزية عداؤه لسياستها، ومايحدثه مجيئة إلى الهند من إثارة روح الهياج في النفوس، خاصة لأن الهند كانت لاتزال تضطرم بالفتن على الرغم من إخماد ثورة سنة 1857 م، فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته الحكومة بالحفاوة والإكرام، ولكنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، وجاء أهل العلم والفضل يهرعون إليه، يقتبسون من نور علمه وحكمته، ويستمعون إلى أحاديثه ومافيها من غذاء العقل والروح، والحث على الأنفة وعزة النفس، فنقمت الحكومة منه اتصاله بهم، ولم تأذن له بالإجتماع بالعلماء وغيرهم من مريديه وقصاده، إلا على عين من رجالها، فلم يقم هناك طويلاً، ثم أنزلته الحكومة إحدى سفنها فأقلته إلى السويس.


مجيئه مصر لأول مرة


جاء مصر لأول مرة أوائل سنة 1870 م - أواخر سنة 1286 هـ، ولم يكن يقصد طول الإقامة بها، لأنه إنما جاء ووجهته الحجاز، فلما سمع الناس بمقدمه حتى اتجهت إليه أنظار النابهين من أهل العلم، وتردد هو على الأزهر، واتصل به كثير من الطلبة، فآنسوا فيه روحاً تفيض معرفة وحكمة، فأقبلوا عليه يتلقون بعض العلوم الرياضية، والفلسفية، والكلامية، وقرأ لهم شرح "الأظهار" في البيت الذي نزل به بخان الخليلي، وأقام بمصر أربعين يوماً، ثم تحول عزمه عن الحجاز، وسافر إلى الأستانة.


سفره إلى الأستانة ثم رحيله عنها


وصل السيد جمال الدين إلى الأستانة، فلقي من حكومة السلطان عبد العزيز حفاوه وإكراماً، إذ عرف له الصدر الأعظم عالى باشا مكانته، وكان هذا الصدر من ساسة الترك الأفذاذ، العارفين بأقدار الرجال، فأقبل على السيد يحفه بالإحترام والرعاية، ونزل من الأمراء والوزراء والعلماء منزلة عالية، وتناقلوا الثناء عليه، ورغبت الحكومة أن تستفيد من علمه وفضله، فلم تمض ستة أشهر حتى جعلته عضواً في مجلس المعارف، فاضطلع بواجبه، وأشار بإصلاح مناهج التعليم، ولكن آراءه لم تلق تأييداً من زملائه، واستهدف لسخط شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي، إذ رأى في تلك الآراء مايمس شيئاً من رزقه، فأضمر له السوء، وأرصد له العنت، حتى كان رمضان سنة 1287 هـ - ديسمبر سنة 1870 م، فرغب إليه مدير دار الفنون أن يلقي فيها خطاباً للحث على الصناعات، فاعتذر باديء بدء بضعفه في اللغة التركية، فألح عليه، فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه، وعرضه على نخبة من أصحاب المناصب العالية، فأقروه واستحسنوه.

وألقى السيد خطابه بدار الفنون، في جمع حاشد من ذوي العلم والمكانة، فنال استحسانهم، ولكن شيخ الإسلام اتخذ من بعض آرائه مغمزاً للنيل منه بغير حق، ورميه بالزيغ في عقيدته، واغتنمها فرصة للإيقاع به، وألب عليه الوعاظ في المساجد، وأوعز إليهم أن يذكروا كلامه محفوفاً بالتفنيد والتنديد، فغضب السيد لمكيدة شيخ الإسلام، وطلب محاكمته، ولكن الحكومة انحازت إلى شيخها، وأصدرت أمرها إلى المترجم بالرحيل عن الأستانة بضعة أشهر، حتى تسكن الخواطر، ويهدأ الاضطراب، ثم يعود إليها أن شاء، ففارقها مهضوماً حقه، ورغب إليه بعض مريديه أن يتحول إلى الديار المصرية، فعمل برأيهم وقصد إليها.


عودته إلى مصر وإقامته بها


جاء السيد جمال الدين إلى مصر في أول محرم سنة 1288 هـ - مارس سنة 1871 م، لا على نية الإقامة بها، بل على قصد مشاهدة مناظرها، واستطلاع أحوالها، ولكن رياض باشا وزير إسماعيل في ذلك الحين رغب إليه البقاء في مصر، وأجرت عليه الحكومة راتباً مقداره ألف قرش كل شهر، لا في مقابل عمل، واهتدى إلى المترجم كثير من طلبة العلم، يستورون زنده، ويقتبسون الحكمة من بحر علمه، فقرأ لهم الكتب العالية في فنون الكلام، والحكمة النظرية، من طبيعية وعقلية، وعلوم الفلك، والتصوف، وأصول الفقة، بإسلوب طريف، وطريقة مبتكرة. وكانت مدرسته بيته، ولم يذهب يوماً إلى الأزهر مدرساً، وإنما ذهب إليه زائراً، وأغلب مايزوره يوم الجمعة، وكان أسلوبه في التدريس مخاطبة العقل، وفتح أذهان تلاميذه ومريديه إلى البحث والتفكير، وبث روح الحكمة والفلسفة في نفوسهم، وتوجيه أذهانهم إلى الأدب، والإنشاء، والخطابة، وكتابة المقالات الأدبية، والاجتماعية، والسياسية، فظهرت على يده نهضة في العلوم والأفكار أنتجت أطيب الثمرات.

وهنا موضع للتساؤل، عما حمل الخديوي إسماعيل إلى إستمالته الأفغاني للإقامة في مصر، وإكرام مثواه، ويبدو هذا العمل غريباً، لأن لجمال الدين ماضياً سياسياً ومجموعة أخلاق ومبادئ، ولاترغب فيه الملوك المستبدين، ولم يكن السيد من أهل التملق والدهان، فينال عطفهم ورعايتهم، ويجرون عليه الأرزاق بلا مقابل، ولكن الأمر لايعسر فهمه إذا عرفنا أن في إسماعيل جانباً ممدوحاً من صفاته الحسنة، وهو حبه للعلم، ورغبته في نشره ورعايته، وكانت شخصية جمال الدين العلمية، وشهرته في الفلسفة، أقوى ظهوراً وخاصة في ذلك الحين، من شخصيتة السياسية، فلا غرو أن يكرم فيه إسماعيل العالم المحقق، الذي يفيض على مصر من بحر علمه وفضله، وفي الحق أن إسماعيل لم يكن يقصر في اغتنام الفرصة لتنشيط النهضة العلمية ورعاية العلماء والأدباء، فترغيبه جمال الدين في البقاء بمصر يشبه أن يكون فتحاً علمياً، كتأسيس معهد من معاهد العلم العالية التي أنشئت على يده.

أما آراء الحكيم السياسية وكراهيته للإستبداد ن ونزعته الحرة، فلم يكن مثل إسماعيل يخشاها أو يحسب لها حساياً كبيراً، لأنه في ذلك الحين سنة 1871 م كان قد بلغ أوج سلطته ومجده، فكان يحكم البلاد حكماً مطلقاً، يأمر وينهى ويتصرف في أقدار البلاد ومصاير أهلها، دون رقيب أو حسيب، وكان مجلس شورى النواب آلة مطواعة في يده، والصحافة في بدء عهدها تكيل له عبارات المديح، وتصوغ له عقود الثناء، ولم يكن سلطانه قد استهدف بعد التدخل الأجنبي، لأن هذا التدخل لم يقع إلا في سنة 1875 م، كما رأيت في سياق الحديث، فليس ثمة مايخشى منه إسماعيل، على سلطته المطلقة، من الناحية الداخلية أو الخارجية، حين رغب إلى حكيم الشرق الإقامة والتدريس في مصر. وقد بدأت النهضة التي ظهرت على يد السيد، علمية، أدبية، ولم تتطور إلى الناحية السياسية إلا حوالي سنة 1876 م، على أنها في تطورها السياسي لم تتجه ضد إسماعيل بالذات، بل اتجهت في الجملة ضد التدخل الأجنبي.

وثمة اعتبار آخر لايفوتنا الإلماح إليه، ذلك أن جمال الدين قد بارح الأستانة، إذ لم يجد فيها جواً صالحاً للنهضة العلمية، والفكرية، وقصد إلى مصر وقد سبقته إليها أنباؤه، ومالقيه في "دار الخلافة" من العنت والإضطهاد، وكان إسماعيل ينافس حكومة الأستانة في المكانة والنفوذ السياسي، وينظر إليها بعين الزراية، ولايرضى لمصر أن تكون تابعة لتركيا، ولا أن يكون هو تابعاً للسلطان العثماني، وليس خافياً ما كان يبذله من المساعي للإنفصال عن تركيا في ذلك الحين، وظهوره بمظهر العاهل المستقل، في المعرض العالمي في باريس سنة 1867 م، وفي إغفاله دعوة السلطان إلى حضور حفلات القناة سنة 1869 م، وعزمه على إعلان استقلال مصر التام في تلك الحفلات، لولا العقبات السياسية التي اعترضته، ولايغرب عن الذهن ماكان بين الخديوي والسلطان من مظاهر الفتور والجفاء التي كادت تقطع الروابط بينهما، وأخصها فرمان نوفمبر سنة 1869 م الذي أصدره السلطان منتقصا من سلطة الخديوي.

ففي هذا الجو هبط جمال الدين مصر مبعداً من الأستانة، فلم يفت ذكاء إسماعيل أن يغتنم الفرصة ليحمي العلم في شخص الفيلسوف الأفغاني، ولايخفى ما لهذا العمل من حسن الأثر وجميل الأحدوثة، إذ يرى الناس فيه أن مصر تؤوي العلماء والحكماء، حين تضيق عنهم "دار الخلافة" وأن عاهل مصر العظيم أحق من السلطان العثماني بالثناء والتقدير لأنه يفسح للعلم رحابه، ويوطئ له في وادي النيل أكنافه.

وقد يكون لرياض باشا يد في إكرام وفادة المترجم، ولكن إذا علمنا أن وزراء إسماعيل لم يكونوا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، أدركنا أن رياض باشا لم يكن الرجل الذي ينفرد بهذا الصنيع نحو المترجم، ومهما يكن واقع الأمر فإن لرياض باشا فضل المشاركة في عمل كان له الأثر البالغ في نهضة مصر العلمية والفكرية والسياسية.


أثره العلمي والأدبي


أقام المترجم في مصر، وأخذ يبث تعاليمه في نفوس تلاميذه، فظهرت على يده بيئة، استضاءت بأنوار العلم والعرفان، وارتوت من ينابيع الأدب والحكمة، وتحررت عقولها من قيود الجمود والأوهام، وبفضله خطا فن الكتابة والخطابة في مصر خطوات واسعة، ولم تقتصر حلقات دروسه ومجالسه على طلبة العلم، بل كان يؤمها كثير من العلماء والموظفين والأعيان وغيرهم، وهو في كل أحاديثه "لايسأم" كما يقول عنه محمد عبده، من الكلام فيما ينير العقل، أو يطهر العقيدة أو يذهب بالنفس إلى معالي الأمور، أو يستلفت الفكر إلى النظر في الشؤون العامة مما يمس مصلحة البلاد وسكانها، وكان طلبة العلم ينتقلون بمايكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون يذهبون بماينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر وتنبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصاً في القاهرة.

وقال محمد عبده في موطن آخر يصف تطور الكتابة على يد الأفغاني: "كان أرباب القلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل، وما كنا نعرف منهم إلا عبد الله باشا فكري، وخيري باشا، ومحمد باشا سيد أحمد على ضعف فيه، ومصطفى باشا وهبي على اختصاص فيه، ومن عدا هؤلاء فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وماشاكلها، ومن عشر سنوات ترى كتبة في القطر المصري، لايشق غبارهم ولايوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن، شيوخ في الصناعة، وما منهم إلا من أخذ عنه، أو عن أحد تلاميذه، أو قلد المتصلين به" .

فروح جمال الدين كان لها الأثر البالغ في نهضة العلوم والآداب في مصر، ولايفوتنا القول بأن البيئة التي كانت مستعدة للرقي، صالحة لغرس بذور هذه النهضة، وظهور ثمارها، أو بعبارة أخرى أن مصر بما فيها جامع الأزهر، والمعاهد العلمية الحديثة، والتقدم العلمي الذي ابتدأ منذ عهد محمد علي، كانت على استعداد لتقبل دعوة الحكيم الأفغاني، ولولا هذا الإستعداد لقضي على هذه الدعوة في مهدها، ولأخفق هو في مصر كما أخفق في الأستانة، حيث وجد أبواب العمل موصدة أمامه، وهذا يبين لنا جانباً من مكانة مصر، وسبقها الأقطار الشرقية في التقدم العلمي والفكري والسياسي، ويزيد هذه الحقيقة وضوحاً أنك إذا استعرضت حياة جمال الدين العامة، وماتركه من الأثر في مختلف الأقطار الشرقية التي بث فيها دعوته، وجدت أثره في مصر أقوى وأعظم منه في أي بلد من البلدان الأخرى، وفي هذا مايدلك على مبلغ استعداد مصر للنهضة والتقدم، إذا تهيأت لها أسباب العمل ووجدت القادة والحكماء.


أثره الأخلاقي والسياسي


جاء جمال الدين الأفغاني إلى مصر يحمل بين جنبيه روحا كبيرة ، ونفساً قوية ، تزينها صفات وأخلاق عالية ، أنبتتها الوراثة والتربية الأولى ، وهذبتها الحكمة والمعرفة ، ومحصتها الحياة الحربية التي خاض غمارها في بلاد الأفغان ، والتجارب التي مارسها ، والشدائد التي عاناها جاء وفيه من الشمم والإباء ما صدفه عن أن يطأ طأ الرأس أو يقيم على الضيم ، جاء وفيه من الثبات ما جعله يتغلب على العقبات التي اعترضته في أدوار حياته ، فقد رأيت كيف بقي على ولائه للأمير محمد أعظم ، رغم ما أصابه من الهزيمة ولم يخضع لخصمه ( شير على ) ، ورحل إلى الهند ، فلم تطق السياسة الاستعمارية بقاءه فيها وأقصته عنها ، وذهب إلى الأستانة ، فلم يعرف التملق والدهان ، وجهر بالحق ، واستهدف لعداوة شيخ الإسلام ، فلم يتراجع ولم ينكص على عقبيه ، وانتهى الخلاف بإقصائه عن الأستانة.

فهذه الأخلاق التي جاء بها جمال الدين كانت بلا مراء أقوى مما عرف عن المجتمع ، في ذلك العهد ، من خفض الجناح ، والصبر على الضيم ، والخضوع للحكام ، وليس يخفى ما للشخصيات الكبيرة من سلطان أدبي على النفوس وما تؤثر فيها من طريق القدوة ، فالسيد جمال الدين بما اتصف به من الأخلاق العالية ، أخذ يبث في النفوس روح العزة والشهامة ، ويحارب روح الذلة والاستكانة ، فكان بنفسيته ودروسه وأحاديثه ،ومناهجه في الحياة ، مدرسة أخلاقية ، رفعت من مستوى النفوس في مصر ، وكانت على الزمن من العوامل الفعالة للتحول الذي بدا على الأمة وانتقالها من حالة الخضوع والاستكانة إلي التطلع للحرية والتبرم بنظام الحكم القديم ومساوئه ، والسخط على تدخل الدول في شؤون البلاد. اسرفت حكومة إسماعيل في القروض ، وبدأت عواقب هذا الإسراف تظهر للعيان رغم ما بذلته الحكومة لإخفائها بمختلف الوسائل ، وأخذت النفوس تتطلع إلى إصلاح نظام الحكم بعد إذا أحست مرارة الاستبداد وهالتها فداحة القروض التي كبلت البلاد بقيود تدخل الدول.

ويمكننا أن نحدد أواخر سنة 1875 ، وأوائل سنة 1876 كمبدأ للتدخل الأوربي إذ حدث من مظاهره وقتئذ شراء إنجلترا أسهم مصر في القناة ثم قدوم بعثة المستر " كيف " الإنجليزية لفحص مالية مصر ، ثم توقف الحكومة عن اداء أقساط ديونها وما اعقب ذلك من إنشاء صندوق الدين في مايو سنة 1876 0 فهذا التدخل كان من الأسباب الجوهرية التي حفزت النفوس إلي التبرم بنظام الحكم ، والتخلص من مساوئه ، لأن سياسة الحكومة هي التي أفضت إلي تدخل الدول في شؤون مصر وامتهانها كرامة البلاد واستقلالها 0 ومن هنا جاءت النهضة الوطنية والسياسية ، ووجدت مبادئ حكيم الشرق وتعاليمه سبيلاً إلي النفوس ، فكانت من العوامل الهامة في ظهور هذه النهضة التي شغلت السنوات الأخيرة من عهد إسماعيل وكانت من أعظم أدوار الحركة القومية. كان من مظاهر هذه النهضة نشاط الصحف السياسية ، وإقبال الناس عليها ، وتحدثهم في شؤون البلاد العامة ، وتبرمهم بحالتها السياسية والمالية ، ثم ظهور روح المعارضة والبيقظة في مجلس الشورى ، على يد نواب نفخ فيهم جمال الدين من روحه ، وعلى رأسهم عبد السلام بك المويلحي ( باشا ) ، الذي يعد من تلاميذه الأفذاذ ، وإنك لتلمس الصلة الروحية بينهما ، من الكلمات والعبارات الرائعة التي كان المويلحي يجهر بها في جلسات مجلس شورى النواب ن مما سنذكره في موضعه ، فإن هذه العبارات هي قبس من روح الحكيم الأفغاني.

وقد جاء ذكر النائب المويلحى ضمن تلاميذ جمال الدين ومريديه على لسان سليم بك العنجوري أحد أدباء سورية حين زار مصر ووصف مكانة الأفغاني بقوله : " في خلال سنة 1878 زاد مركزه خطراً وسما مقامه ، لأنه تدخل في السياسات وتولى رئاسة جمعية ( الماسون ) العربية وصار له أصدقاء وأولياء من أصحاب المناصب العالية ، مثل محمود سامي البارودي الذي نفي اخيراً مع عرابي إلي جزيرة سيلان ، وعبد السلام بك المويلحي النائب المصري في دار الندوة ، وأخيه إبراهيم ( المويلحي ) كاتب الضابطة ، وكثر سواد الذين يخدمون افكاره ، ويعلون بين الناس مناره ، من أرباب الأقلام ، مثل الشيخ محمد عبده ، وإبراهيم اللقاني ، وعلى بك مظهر ، والشاعر الزرقاني ، وأبي الوفاء القوني في مصر ، وسليم النقاش ، وأديب إسحق ، وعبد الله النديم في الإسكندرية".


جمال الدين والثورة العرابية


لم يكن جمال الدين الأفغاني مناصراً لإسماعيل ، بل كان ينقم منه استبداده وإسرافه، وتمكينه الدول الاستعمارية من مرافق البلاد وحقوقها ، وكان يتوسم الخير في توفيق ، إذ رآه وهو ولي للعهد ميالاً إلي الشورى ، ينتقد سياسة أبيه وإسرافه ، وقد اجتمعا في محفل الماسونية ، وتعاهدا على إقامة دعائم الشورى.

ولكن توفيق لم يف بعهده بعد أن تولى الحكم ، فقد بدا عليه الانحراف عن الشورى واستمع لوشايات رسل الاستعمار الأوربي ، وفي مقدمتهم قنصل إنجلترا العام في مصر ، إذ كانوا ينقمون من السيد روح الثورة والدعوة إلي الحرية والدستور ، فغيروا عليه قلب الخديوي ، وأوعزوا إليه بإخراجه من مصر ، فأصدر أمره بنفيه ن وكان ذلك بقرار من مجلس النظار منعقداً برآسة الخديوي ، وكان نفيه غاية في القسوة والغدر ، إذ قبض عليه ليلة الأحد سادس رمضان سنة 1296 - 24 أغسطس سنة 1879 ، وهو ذاهب إلي بيته هو وخادمه الأمين ( أبو تراب ) ، وحجز في الضبطية ، ولم يمكن حتى من أخذ ثيابه ، وحمل في الصباح في عربة مقفلة إلي محطة السكة الحديدية ، ومنها نقل تحت المراقبة الشديدة إلى السويس ، وانزل منها إلى باخرة اقلته إلى الهند ، وسارت به إلي بومباي ، ولم تتورع الحكومة عن نشر بلاغ رسمي من غدارة المطبوعات بتاريخ 8 رمضان سنة 1296 ( 26 أغسطس سنة 1879 م ) ذكرت فيه نفي الأفغاني بعبارات جارحة ملؤها الكذب والأفتراء، مما لا يجدر بحكومة تشعر بشيء من الكرامة والحياء أن تسف إليه ، فهي قد نسبت إليه السعي في الأرض بالفساد ، ويعلم الله أنه لم يكن يسعى إلا إلى يقظة الأمة ، وتحريرها من ربقة الذل والعبودية ، وذكرت عنه أنه " رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا " ، وحذرت الناس من الاتصال بهذه الجمعية ، ومن المؤلم حقاً أن يتقرر النفي ويصدر مثل هذا البلاغ من حكومة يرأسها الخديوي توفيق باشا وهو على ما تعلم من سابق تقديره للأفغاني، ومن وزرائها محمود باشا سامي البارودي ناظر الأوقاف وقتئذ ، وقد كان من اصدق مريديه وانصاره ، فتأمل كيف يتنكر الأنصار والأصدقاء لأستاذهم ، وإلى أي حد يضيع الوفاء بين الناس !! ، ولا ندري كيف أساغ البارودي نفي السيد جمال الدين واشترك في احتماله تبعته ، وإذغ لم يكن موافقاص على هذا العمل المنكر فَلِمَ لم يستقيل من الوزارة احتجاجاً واستنكاراً ؟ لا شك أن موقف البارودي في هذه الحادثة لا يمكن تسويغه أو الدفاع عنه بأي حال.

نفي جمال الدين من مصر ، على أن روحه ومبادئه وتعاليمه تركت أثرها في المجتمع المصري وبقيت النفوس ثائرة تتطلع إلي نظام الحكم ، وإقامته على دعائم الحرية والشورى ن فجمال الدين هو من الوجهة الروحية والفكرية أبو الثورة العرابية ، وكثير من أقطابها هم من تلاميذه أو مريديه ، والثورة في ذاتها هي استمرار للحركة السياسية التي كان لجمال الدين الفضل الكبير في ظهورها على عهد إسماعيل ، ولو بقي في مصر حين نشوب الثورة لكان جائزاً أن يمدها بآرائه الحكيمة ، وتجاربه الرشيدة ، فلا يغلب عليها الخطل والشطط ، ولكن شاءت الأقدار ، والدسائس الإنجليزية ، أن ينفى الأفغاني من مصر ، وهي أحوج ما تكون إلى الانتفاع بحكمته وصدق نظره في الأمور.

وأقام الأفغاني بحيدر أباد الدكن ، وهناك كتب رسالته في الرد على الدهريين ، وألزمته الحكومة البريطانية بالبقاء في الهند حتى انقضى أمر الثورة العرابية.


عمله في أوروبا


جريدة العروة الوثقى


اخفقت الثورة العرابية ، واحتل الإنجليز مصر ، فسمحوا للأفغاني بالذهاب إلي اي بلد فاختار الذهاب إلى أوروبا فقصد إليها سنة 1883 ، وأول مدينة وردها مدينة لندن ، وأقام بها أياماً معدودات ، ثم انتقل إلي باريس ، وكان تلميذه محمد عبده منفياً في بيروت عقب إخماد الثورة ، فاستدعاه إلى باريس ، فوافاه إليها ، وهناك أصدر جريدة (العروة الوثقى ) ، وقد سميت باسم الجمعية التي أنشأتها ، وهي جمعية تألفت لدعوة الأمم الإسلامية إلى الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة ، ومجاهدة الاستعمار ، وتحرير مصر والسودان من الاحتلال ، وكانت تضم جماعة من أقطاب العالم الإسلامي وكبرائه وهي التي عهدت إلى الأفغاني بإصدار الجريدة لتكون لسان حالها.

واشتركا معاً في تحريرها ، وكانت مقالاتها جامعة بين روح جمال الدين ، وقلم محمد عبده ، فجاءت آيات بينات سمو المعاني ، وقوة الروح ن وبلاغة العبارة ، وهي اشبه ما تكون بالخطب النارية ، تستثير الشجاعة في نفوس قارئها ، وتداني في روحها وقوة تأثيرها اسلوب الإمام علي كرم الله وجهه في خطبه الحماسية المنشورة في نهج البلاغة، واتخذت العروة شعارها إيقاظ الأمم الإسلامية ، والمدافعة عن حقوق الشرقيين كافة ، ودعوتهم إلى مقاومة الاستعمار الأوربي والجهاد.

وقد ذاع شأنها في العالم الإسلامي ن وأقبل عليها الناس في مختلف الأقطار ، ولكن الحكومة الإنجليزية أقفلت دونها ابواب مصر والهند ، وشددت في مطاردتها واضطهاد من يقرؤها ، وبلغ بها السعي في مصادرتها أن اوعزت إلي الحكومة المصرية بتغريم كل من توجد عنده العروة الوثقى خمسة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين جنيهاً ، وأقامت الموانع دون استمرارها ، فلم يتجاوز ما نشر منها ثمانية عشر عدداً . قضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات ، كان لا يفتأ خلالها بنشر المباحث والمقالات الهامة في مقاومة اعتداء الدول الأوربية على الأمم الإسلامية ، ويراسل تلاميذه في مصر.

جمال الدين و رينان


وجرت له أبحاث مع الفيلسوف إرنست رينان Renan في العالم الإسلامي وأكبر فيه رينان عبقريته ، وسعة علمه وقوة حجته ، وقال عنه : " كنت أتمثل أمامي عندما كنت أخاطبه ابن سينا ، أو ابن رشد ، أو واحد من أساطين الحكمة الشرقيين ".


عمله في فارس ثم نفيه منها


ثم أخذ يتنقل بين باريس ولندن إلى أوائل فبراير سنة 1886 ( جمادي الأولى سنة 1303 ) وفيه ذهب إلى بلاد فارس ثم إلى روسيا.

ولما كان معرض باريس سنة 1889 ، رجع جمال الدين إليها ، وفي عودته منها التقى بالشاه في ميونخ عاصمة بافاريا ، فدعاه إلى صحبته إذ كان يرغب في الانتفاع بعلمه وتجاربه ، فأجاب الدعوة ، وسار معه إلى فارس ، وأقام في طهران ، فحفه علماء فارس وأمراؤها وأعيانها بالرعاية والإجلال.

واستعان به الشاه على إصلاح أحوال المملكة ، وسن لها القوانين الكفيلة بإصلاح شئونها ، ولكنه استهدف لسخط أصحاب النفوذ في الحكومة ، وخاصة الصدر الأعظم ، فوشوا به عند الشاه ، واسر إليه الصدر الأعظم أن هذه القوانين تؤول إلى انتزاع السلطة من يده ، فأثرت الوشايات في نفس الشاه ، وبدأ يتنكر للسيد فاستاذنه في المسير إلى المقام المعروف " بشاه عبد العظيم " على بعد عشرين كيلو متر من طهران ، فاذن له ، فوافاه به جم غفير من العلماء والوجهاء من انصاره في دعوة الإصلاح ، فازدادت مكانته في البلاد ، وتخوف الشاه عاقبة ذلك على سلطانه فاعتزم الإساءة إليه ، ووجه إلى " الشاه عبد العظيم " خمسمائة فارس قبضوا عليه وكان مريضاً ، فانتزعوه من فراشه واعتقلوه ، وساقه خمسون منهم إلى حدود المملكة العثمانية منيفاً ، فنزل بالبصرة ، فعظم ذلك على مريديه ، واشتدت ثورة السخط على الشاه.


دعوة جمال الدين ضد الشاه


أقام السيد بالبصرة زمناً حتى أبل من مرضه ، ثم أرسل كتاباً إلى كبير المجتهدين في فارس ميرزا محمد حسن الشيرازي ، عدد فيه مساوئ الشاه ، وخص بالذكر تخويله إحدى الشركات الإنجليزية حق احتكار التباك في بلاد فارس ، وما يفضي إليه من استئثار الأجانب بأهم حاصلات البلاد ، وكان هذا النداء من أعظم الأسباب التي جعلت كبير المجتهدين يفتي بحرمة استعمال التنباك إلى أن يبطل الامتياز ، فاتبعت الامة هذه الفتوى ، وامسكت عن تدخينه ، واضطر الشاه خوف انتقاض الأمة إلى إلغائه ، ودفع للشركة الإنجليزية تعويضاً فخلصت فارس من التدخل الأجنبي.


شخوصه إلى أوروبا


مكث جمال الدين بالبصرة ريثما عادت إليه صحته ، ثم رحل إلى لندن، فتلقاه الإنجليز بالإكرام، ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية والعلمية ، وحمل على الشاه وسياسته حملات صادقة في مجلة سماها (ضياء الخافقين) ، ودعا الأمة الفارسية إلى خلعه، وقويت دعوته الحرية في إيران، وأشتد السخط على الشاه ناصر الدين إلى أن قتل سنة 1896م، بيد فارسي أهوج ، وقيل أن للأفغاني دخلاً في التحريض على قتله، وتولى بعده مظهر الدين، وأستمرت دعوة الحرية التي غرسها جمال الدين في إيران تنمو وتترعرع حتى آلت إلى إعلان الدستور الفارسى سنة 1906م.

ذهابه إلى الاستانة وإقامته بها


وفيما هو بلندن ورد عليه كتاب آخر بتكرار دعوته فلبى الطلب وذهب إلى الأستانة سنة 1892 ، وكانت هذه المرة الثانية لوروده هذه المدينة ، والمرة الأولى كانت في عهد السلطان عبد العزيز كما تقدم بيانه ، وقد يبدو غريباً أن السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان نصيراً للاستبداد وخصيماً للحرية ، يدعوا إلى جواره أكبر زعيم للحرية في الشرق ، وأغلب الظن أنه أراد أن يخدم سياسته في الجامعة الإسلامية باستضافته فيلسوف الإسلام ، لكي يظهر للعالم الإسلامي أنه يرعى العلم والعلماء من الأمم الإسلامية كافة ، وقد لبى جمال الدين دعوته ، آملاً أن يرشده إلى إصلاح الدولة العثمانية ، لأن مقصده السياسي هو انهاض دولة إسلامية أياً كانت إلى مصاف الدول العزيزة القوية ، فسار إلي الأستانه لتحقيق هذا المقصد ، وحفه عبد الحميد الثاني بالرعاية والإكرام وانزله منزلاً كريماً في قصر بحي ( نشان طاش ) ، من أفخم أحياء الأستانة ، وأجرى عليه راتباً وافراً ، قيل أنه خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر ، ومضت مدة وجمال الدين له عند السلطان منزلة عالية ؛ ثم ما لبث أن تنكر له ، واساء به الظن ، إذ كان من أخص صفات عبد الحميد إسائة الظن بالناس كافة ، وخاصةً بمن يتصلون به ، والاستماع إلى الوشايات والدسائس ، وكان الشيخ أبو الهدى الصيادي الذي نال الحظوة الكبرة عند مولاة يكره أن يظفر أحد بثقته فوشى بالأفغاني عند السلطان وأوغر عليه صدره فاحيط الأفغاني بالجواسيس يحصون عليه غدواته وروحاته ، ويرقبون حركاته وسكناته.

ذكر الأمير شكيب أرسلان في هذا الصدد في كتاب ( حاضر العالم الإسلامي ) أن الأفغاني كان وعبد الله النديم الكاتب والخطيب المشهور في متنزه ( الكاغدخانة ) ، فصادفا الخديوي عباس حلمي وسلم بعضهم على بعض ، وتحادثوا نحو ربع ساعة تحت شجرة هناك ، فقيل أن الشيخ أبا الهدى قدم تقريرا للسلطان بأن جمال الدين وعبد الله نديم توعدا مع الخديوي على الاجتماع في (الكاغدخانة )، وهناك عند الاجتماع بايعاه تحت الشجرة ، ويقول الامير شكيب أن السلطان بحسب قول جمال الدين لم يحفل بهذه الوشاية ، ولكنا نميل إلى الأعتقاد أنها تركت أثرا في نفسه ، وغيرت قلبه على الأفغاني ، وذكر أن الذي أدى إلى وحشة السلطان منه استمراره في مجالسه على القدح في شاه العجم ناصر الدين ، مما حمل سفير إيران على الشكوى منه إلى السلطان ، فأستدعاه ، وطلب إليه الكف عن مهاجمة الشاه فقبل ، ولكن حدث أن قتل الشاه سنة 1896 ، فاشتدت الريبة في جمال الدين ، واتجهت إليه شبهة التحريض على قتله ، فأمر السلطان بتشديد الرقابة عليه ، ومنع أي أحد من الاختلاط به إلا بإرادة سلطانية ، فأصبح محبوساً في قصره.


مرضه ووفاته


تواترت الروايات بأن جمال الدين مات شبه مقتول ، وتدل الملابسات والقرائن على ترجيح هذه الرواية ، فإن اتهامه بالتحريض على قتل الشاه ، وتغيير السلطان عليه ، وحبسه في قصره ، ووشايات أبي الهدى الصيادي ، مما يقرب إلى الذهن فكرة التخلص منه باية وسيلة ، هذا إلى أن الغدر والأغتيال كانا من الأمور المألوفة في الأستانة.

وما ذكره الأمير شكيب أرسلان في كتاب ( حاضر العالم الإسلامي ) ، قال ما خلاصته : أنه لما اشتد التضييق على السيد جمال الدين أرسل إلى مستشار السفارة الإنجليزية يطلب منه إيصاله إلى باخرة يخرج بها من الأستانة ، فجاءه المستشار وتعهد له بذلك ، فلما بلغ السلطان الخبر أرسل إليه أحد حجابه يستعطفه أن لا يمس كرامته إلى هذا الحد ولا يتلمس حماية أجنبية فثارت في نفسه الحمية والأنفة ، وأخبر مستشار السفارة بأنه عدل عن السفر ، ومهما كان فليكن ، ولكن الرقابة عليه بقيت كما كانت ، وبعد أشهر من هذه الحادثة ظهر في فمه مرض السرطان ، فصدرت الإرادة السلطانية باجراء عملية جراحية يتولاها الدكتور قمبور زادة إسكندر باشا كبير جراحي القصر السلطاني ، فأجرى له العملية الجراحية فلم تنجح ، وما لبث إلا أياماً قلائل حتى فاضت روحه ، ومن هنا تقول الناس في قصة هذا السرطان ، وهذه العملية الجراحية ، لقرب عهد المرض بتغير السلطان عليه، وما كان معروفاً من وساوس عبد الحميد ، فقيل أن العملية الجراحية لم تعمل على الوجه اللازم لها عمداً ، وقيل لم تلحق بالتطهيرات الواجبة فنياً ، بحيث انتهت بموت المريض.

وذكر الأمير شكيب أن المستشرق المعروف الكونت ( لاون استروروج ) حدثه أن المترجم كان صديقة ، فدعاه إليه بعد إجراء العملية الجراحية وقال له إن السلطان أبى أن يتولى العملية إلا جراحه الخاص ، وإنه هو رأي حال المريض إذدادت شدة بعد العملية ، ورجا منه أن يرسل إليه جراحاً فرنساوياً مستقل الفكر طاهر الذمة ، لينظر في عقبى العملية ، فأرسل إليه الدكتور ( لاردي ) فوجد أن العملية لم تجر على وجهها الصحيح ، ولم تعقبها التطهيرات اللزمة ، وأن المريض قد أشفى بسبب ذلك ، وعاد إلي استروروج ، وأنبأه بهذا الأمر المحزن ، ولم تمض أيام حتى فارق جمال الدين الحياة.

وذكر وأحد ممن كانوا في خدمة عبد الحميد ، بعد أن روى له الأمير هذه القصة أن قمبور زاده إسكندر باشا كان أطهر وأشرف من أن يرتكب مثل تلك الجريمة ، وحقيقة الواقعة أنه كان بالأستانة طبيب اسنان عراقي أسمه ( جارح ) يتردد كثيراً على جمال الدين ، ويعالج اسنانه ، وكانت نظارة الضابطة ( إدارة الأمن العام ) قد استمالت ( جارح ) هذا بالمال ، وجعلته جاسوس على السيد ، وصار له عدواص في ثياب صديق ، وقال صاحب هذه الرواية أنه أراد مرة أن يمنع الطبيب المذكور من الاختلاط بجمال الدين ، فأشار إليه ناظر الضابطة إشارة خفية بان يتركه ، وفهم من الإشارة أن يذهب إلي السيد ويعالج اسنانه ، بعلم من النظارة ، والسيد لا يعلم بشيء من ذلك ، ويطمئن إلي ( جارح ) ويثق به ، ولم تمض عدة أشهر على حادثة الشاه حتى ظهر السرطان في فك السيد من الداخل ، وأجريت له عملية جراحية فلم تنجح ، وجارح هذا ملازم للمريض ، وبعد موته كانوا يرونه دائماً حزيناً، يبدو على وجهه الوجوم والخزى ، مما جعلهم يشتبهون أن يكون له يد في إفساد الجرح بعد العملية ، أو في توليد المرض نفسه من قبل بوسيلة من الوسائل ، ولما مات السيد بدا الندم على الطبيب الأثيم ، وشعر بوغز الضمير يؤنبه على خيانته هذا الرجل العظيم.

وكانت وفاته صبيحة الثلاثاء 9 مارس سنة 1897 ، وما أن بلغ الحكومة العثمانية نعيه حتى أمرت بضبط أوراقه وكل ما كان باقياً عنده ، وأمرت بدفنه من غير رعاية أو احتفال في مقبرة المشايخ بالقرب من نشان طاش فدفن كما يدفن اقل الناس شأنا في تركيا ، ولا يزال قبره هناك.تا


الانتقادات


قام الكاتب السوري موفق بني المرجة في رسالته للماجستير صحوة الرجل المريض أو السلطان عبدالحميد الثاني بجمع رسائل كتبها الأفغاني بنفسه، تثبت علاقته بالمجمع الماسوني "كوكب الشرق" وعلاقته ببريطانيا من خلال مراسلاته مع زوجة رئيس الوزراء البريطاني حينها آندي بلير وتوقيع رسائله بعبارة "صديقكم المخلص".

وطبعا فأن كل مصلح لابد ان يتعرض لمثل هذة الخشخشات في طريقة وهذة الأشواك التي يحاولون اطفاء نور الله بها ولكن الله متم لنورة ولو كرة الكافرون والسيد ارقى وارفع من ان تكون لة علاقة بالمجمع الماسوني او كما يشيعون عنة بأنة كان يشرب الكونياك-الخمر- وكل هذا الكلام المنفق والمغرض لأحد دعاة الأصلاح والتجديد في العالم الأسلامي

كما حاول المؤلف أن يثبت ان الأفغاني، والذي كان له ألقاب عديدة يستخدمها كالحسيني والكابلي وغيرها مما يزيد الغموض حول شخصيته. وكان في أواخر أيامه يلبس اللباس الإفرنجي ويدخن السيجار ويجتمع بمريديه في بار يملكه يهودي في القاهرة، وقد وضع له صورة باللباس الإفرنجي.

كما اتهمه السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته بالعمالة للانكليز، وقام بسجنه تبعاً لذلك. واتهمه د. عبد الله عزام في كتابه القومية العربية بأنه شيعي اثني عشري وأنه إيراني عميل للشاه. وقد ذكر محمد محمد حسين هذا الكاذب المفتري عدة أدلة على ذلك ومن هنا نلاحظ بأن كل دعوة تجديدية وأصلاحية ترمى في وجهها الأشواك من قبل العوام والجهلة المفترين كما قال الشاعر بولس سلامة : شيمة المصلحين يمشون في الأرض على شفرة الحسام الفالقِ ولاحول الابالله العلى العظيم والله من وراء القصد.

عذراء الروح
05-03-2009, 01:43 AM
الأوزاعى .. الفقيه المرابط

عبد الرحيم محمد يوسف



لم يدم حكم بني أمية الذي أقيم علي أنقاض الخلافة الراشدة سوى أقل من قرن من الزمان, وسرعان ما تكونت قوات للعباسيين مكنتهم من القضاء علي الأمويين وإنهاء وجودهم في الشام والعرق، وما بين زوال دولة الأمويين وقيام دولة العباسيين عبر وعظات، إلا أنه أعظم للأمة بعد الدماء فتنة وامتحان العلماء، ومن علماء وأعلام هذه المرحلة الصعبة من عمر الأمة الإسلامية الإمام الفقيه المرابط عبد الرحمن الأوزاعى .



اسمه ونسبه :

هو أبو عمر عبد الرحمن بن يحمد الأوزاعى ينسب إلي أوزاع وهي محلة خارج أسوار دمشق ..

وكانت ولادته في بلدة بعلبك بلبنان بسهل البقاع سنة ثمان وثمانين من الهجرة في أسرة فقيرة، ولم يلبث أن أباه مات قبل بلوغه الرابعة من العمر، فتنقلت به أمه بين قرى البقاع.

ثم انتقلت به إلى دمشق وأسكنته محلة "أوزاع " خارج دمشق، و عاش في كنفها وأفرغت كل جهدها في تربيته، وعلمته كيف يراقب نفسه وينأي بها عن الانحراف أو عن رفقة السوء .



كفالة اليتيم :

لقد نشأ الأوزاعي يتيما إلا أن الله تعالى وهبه كافلا اهتم بأمره وأصلح من شأنه وحاله، فذات مرة وبينما الأوزاعي يلعب مع الصبيان إذ رأه أحد معارف والده فلما عرفه احتضنه وتكفله برعايته وتهذيبه أسوة بأولاده، ثم ألحقه بوظيفة كاتب في ديوان بني أمية , لقد قيض تعالى للأوزاعي كافلا يحتضنه فأخرج للأمة عالما .



يقول الأوزاعى : مات أبي وأنا صغير فذهبت ألعب مع الصبيان فمر بنا شيخ جليل من العرب , ففر الصبيان حين رأوه , وثبت أنا فقال الشيخ : ابن من أنت ؟ فأخبرته، فقال : يا أبن أخي يرحم الله أباك , فذهب بي إلى بيته , فكنت معه حتى بلغت , فألحقني - أي : كاتبا - في الديوان .



لقد أثرت حياة اليتيم على الأوزاعي فكان حليما وقورا، يقول عنه ابن كثير رحمه الله : تأدب بنفسه فلم يكن من أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أروع ولا أعلم ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم ولا أكثر صمتا منه " .



لقد وفرت مهنة الكتابة للأوزاعي رزقا ودخلا يكفيه ويكفل له حياة كريمة , ولأنه في وظيفة تتيح له الاتصال بالأمراء والولاة فعاد ذلك عليه بالصلات والعطايا والهبات، إلا أن الأوزاعي كان ينفقها كلها في سبيل الله تعالى، شأنه ذلك في ظل خلافة الأمويين كما في خلافة العباسيين , فلم تكن الدنيا مطلبه الذي يريق في سبيله ماء وجهه أو علمه فقد رزقه الله تعالى مع العلم ورعا وتعففا عما في أيدي الناس , وعبادة وزهدا كانا مضرب المثل .



وعجب ولده ذات مرة مما يهدي إليه فيرده أو يتصدق به، فقال لولده : يابني لو قبلنا من الناس كل ما يعطوننا لهنا عليهم .. وكان كثير الوعظ والنصيحة للأمراء والعامة.



أخلاقه وعلمه :

كان شديد الورع ملتزما بالسنة فصار علمه حجة، فإذا سئل علماء عصره عن شئ من عمل الصحابة أو التابعين قالوا لسائلهم : أما رأيت الأوزاعي ؟

فيقول :نعم فيقولون : اقتد به فلنعم المقتدي .



ولما جلس للتعليم والفقه وأحاط به طلاب العلم لم يتيح لنفسه المزاح، قال موسى بن أعين قال لي الأوزاعي : "يا أبا سعيد كنا قبل اليوم نضحك ونلعب أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا فلا أرى يسعنا التبسم". وكان لا يرى في مجلسه مقهقها قط .



وكان يعظ الناس فلا يبقي أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بلقبه، وما كان يبكي في مجلسه قط فإذا خلا في بيته بكى حتي يرحم .



وكان كثير العبادة حسن الصلاة، ورعا ناكسا طويل الصمت، وكان يقول : من أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام من يوم القيامة. وقد أخذ ذلك من قوله تعالى : { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } (الإنسان : 26:27) .



وقد حج الأوزاعي في سنة فما نام على الراحلة إنما هو في صلاة , وكان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس .



محاربته لأهل البدع والأهواء :

لم يمالئ الأوزاعي بني أمية كما لم ينافق العباسيين بعدهم، وكان يقول : لا يجتمع حب عثمان وعلي إلا في قلب مؤمن.



وكان الأوزاعي على عقيدة سلف الأمة الصالح، ولم يخض فيما خاض فيه الناس في آخر أيام بني أمية من بدع القدرية والجهمية التي لاكها معبد الجهني وغيلان الدمشق وما افتراه جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم بل أنكر عليهم مبتدعاتهم .



فقد سأله الوليد بن مسلم عن أحاديث الصفات فقال : أرووها كما جاءت فإن الله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.



وكان يقول: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية الموافقة للسنة".



وكان مثل من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان.

وألف في الرد على القدرية رسائل , وناظر أمام هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي غيلان بن جرير الدمشقي وأثبت زندقته وردته عن الدين .



فقه الأوزاعي :

ولقد أخذ الأوزاعي العلم عن ثلة من كبار التابعين فعلى أيديهم تأدب وتعلم أمثال مكحول الشامي وعكرمة بن خالد وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري.



وشهد له فقهاء عصره بالفضل كسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك بن أنس.



وجلس للتعليم والفتيا وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتنازعته مدرستا الحديث والرأي حتى قال بعضهم إن شأن الأوزاعي عجب , قيل وما عجبه ؟ قال : كان يسأل عن شئ عندنا فيه أثر فيقول : ما عندي فيه شئ وأنا أكره التكلف. ولعله يبتلى بلجاجة السائل حتى يرد فلا يعدو الأثر الذي عندنا لا يقدم ولا يؤخر فتكون فتواه موافقة للسنة، ولذا قال الشافعي : "ما رأيت رجلا أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي".



وقد اشتهر تلاميذه بالأوزاعيين وانتشر مذهبه بالشام والأندلس وبلاد المغرب، وكان بقاؤه في الشام أكثر من غيره، إذ بقي لمائة وعشرين سنة، وفي المغرب والأندلس لأربعين سنة.



وفي زمانه لجأت جماعة من نصارى الجبل إلى السلاح منتهزين وجود الأسطول البيزنطي في مياه طرابلس، فانتهبوا عددا من قرى البقاع. فأوقع بهم العباسيون وقرر والي دمشق صالح بن علي إجلاء النصارى من قراهم رغم عدم مشاركتهم في الفتنة تحسبا واحتياطا، فغضب الأوزاعي وكتب إليه قائلا : (( قد كان إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان ممن لم يكن ممالئا لمن خرج على خروجه فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم ؟ وحكم الله تعالى " ألا تزر وازرة وزر أخري "(النجم :38) . وهذا أحق ما وقفت عنده وأقتدي به، وأحق الوصايا أن تحتفظ وترعى وصية الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه قال : "من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه" )). فاستجاب الوالي لمطالب الأوزاعي .



نماذج من فقهه :

كان الأوزاعي يرى جواز القيمة في الزكاة، ويقول من وجبت عليه زكاة جاز له أن يخرج قيمتها، وقال في زكاة الإبل : إن جابي الصدقات إن لم يجد السن المطلوبة أخذ قيمتها. وكان يرى أن أداء الزكاة و وفاء الدين كلاهما لا يحتاج إلى نية عند الأداء بل عند بقية المال. وأجاز رحمه الله تقديم الزكاة عن وقتها، وكذا تعجيل إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين لأنه أرفق بالفقير .



وقد تفرد الإمام الأوزاعي عن الجمهور في ثلاثين مسألة فقهية، ومنها أن المحرم إن أتى شيئا من المعاصي من شتم أو ظلم للغير فلا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار، فقال الأوزاعي عليه دم , وفي شهادة النساء : أجمعوا على أن شهادة النساء وحدهن في القتل لا تجوز، قال الأوزاعي في امرأة قتلت في الحمام إن شهدت أربع نسوة على رجل أو امرأة أنه قتلها قبلت شهادتهن ويجب عليه الدية ولا يجب عليه القصاص .



ثباته وشجاعته :

يحلو لبعض الحادقين علي الإسلام الطعن في عدول هذه الأمة من العلماء العاملين فصوروا بخيالهم المريض أن الأوزاعي كاتب الديوان في دولة بني أمية كان من رجال حكمهم ومن أعمدة دولتهم، فلما دالت دولتهم نافق العباسيين وتزلف إليهم بوضع حديث قتل المرتد إباحة لدماء الأمويين، وعليه فقد نال من الحظوة والهبات والمكانة ما كان يتمتع به في زمن الأمويين.

ونترك الحديث لابن كثير ليرد هذه التهمة عن عالم ثقة يخشى الله وحده ولا يخشى أحدا سواه، يقول ابن كثير : لما دخل عبد الله بن علي عم السفاح الخليفة العباسي - بلاد الشام - طلب الأوزاعي، فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه، قال الأوزاعي : دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة والمسود - الجنود - عن يمينه وشماله معهم السيوف مصلتة، فسلمت عليه فلم يرد، ونكت بتلك الخيزارنة التي في يده، ثم قال : يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد ؟ أجهادا ورباطا هو ؟

فقال الأوزاعي : مسنداً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. الحديث.

قال : فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون على سيوفهم، ثم قال : ما تقول في دماء بني أمية ؟

فقلت : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني , والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

فنكت بها أشد من ذلك، ثم قال : ما تقول في أموالهم ؟ فقلت : إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا , وإن كانت حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.

فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، قال : ألا نوليك القضاء.

فقلت :إن أسلافك لم يكونوا يشقّون عليّ ذلك، وإني أحب الانصراف ؟ فقلت: إن ورائي حرما وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن , وقلوبهن مشغولة بسببي. قال : وانتظرت رأسي أن تسقط بين يدي. فأمرني بالانصراف فلما خرجت إذا برسوله من ورائي وإذا معه مائتا دينار فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفا. وكان في يومه صائما فعرض عليه الأمير الفطر عنده فأبى .



وفاته:

ارتحل الأوزاعي من دمشق إلى بيروت مرابطا بأهله وأولاده مع جند الساحل ببيروت في مواجهة الروم، وبجواره قرى لنصارى الشام كما نصح لهم وحفظ لهم ذمتهم وكاتب الأمراء في الوفاء بذمتهم وحقوقهم.



وفي يوم وفاته في اليوم الثاني من صفر لسبع وخمسين ومئة فتحت الثغور لوفاته وخرج في جنازته أربع أمم تشيعه اليهود والنصارى والقبط وحمله المسلمون ومعهم خلق كثير.



ولما مات فتحت خزائنه فما وجد فيها غير ستة أو سبعة دراهم من عطاءه فجهز بها. ولم يكن يحتفظ من عطاياه بشيء، بل كان ينفقه في سبيل الله فرضي الله عنه وأرضاه وتقبله في عباده المرابطين المجاهدين وجمعنا به في الجنة آمين.

عذراء الروح
30-03-2009, 11:41 PM
ابن سينا

عالم مسلم


رسم تخيلي لابن سينا

الاسم: أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا
اللقب: شرف الملك - حجة الحق - الشيخ الرئيس
ميلاد: 980 م - 370 هـ
وفاة: 1037 م - 428 هـ
الاهتمامات الرئيسية: طب إسلامي، فلك، كيمياء، فلسفة ، جغرافيا، رياضيات، فيزياء، شعر عربي، شعر فارسي، علوم إسلامية، علم الكلام
أعمال ملحوظة: أب الطب الحديث، ومبدأ زخم الحركة، رائد طب الروائح.
أعمال: القانون في الطب، الشفاء
تأثر بـ: أبقراط، أرسطو، تشاراكا، جالينوس، أفلوطين، محمد بن عبد الله، جعفر الصادق، واصل بن عطاء، الكندي، الفارابي، الرازي، البيروني
تأثر به: أبو الريحان البيروني، عمر الخيام، الغزالي، ابن طفيل، ابن رشد، نصير الدين الطوسي، ابن النفيس، ألبيرتوس ماغنوس، توما الأكويني، غاليلو غاليلي، وليم هارفي، رينيه ديكارت، باروخ سبينوزا
ابن سينا هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، عالم مسلم اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. ولد في قرية (أفشنة) بالقرب من بخارى (في أوزبكستان حاليا) من أب من مدينة بلخ (في أفغانستان حاليا) و أم قروية سنة 370هـ (980م) وتوفي في مدينة همدان (في إيران حاليا) سنة 427هـ (1037م). عرف باسم الشيخ الرئيس وسماه الغربيون بأمير الأطباء و أبو الطب الحديث. وقد ألّف 200 كتاب في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب. إن ابن سينا هو من أول من كتب عن الطبّ في العالم ولقد اتبع نهج أو أسلوب أبقراط و جالينوس. وأشهر أعماله كتاب الشفاء وكتاب القانون في الطب .




مولده ونشأته

ولد في قرية افشنا قريبة من بخاري, ووالده من اتباع الباطنية، كما ذكر ابن سينا وقد كان يحضر اجتماعاتها السرية ويعقد بعضها في بيته، ويحرص على حضور ابن سينا وأخيه لتلك الاجتماعات، وإن كان ابن سينا غير مقتنع بها. رحل إلي مدينة بخاري وهناك التحق ببلاط السلطان نوح بن منصورالساماني,الذي اسند إليه متابعة الأعمال المالية للسلطان.

في بخاري بدأ ابن سينا رحلة تلقي العلوم, حفظ القرآن وعمره لم يتجاوز العاشرة ثم تلقي علوم الفقه والأدب والفلسفة والطب.

حدث أن قدم إلى بخارى عالم متخصص بعلوم الفلسفة والمنطق اسمه"أبو عبد الله النائلي" وهو من فلاسفة الباطنية، فاستضافه والد ابن سينا، وطلب إليه أن يلقِن ابن سينا شيئاً من علومه، فما كان من هذا العالم إلا أن تفرَغ لتلميذه، وأخذ عليه دروساً من كتاب المدخل إلى علم المنطق المعروف باسم "إيساغوجي". وما كان أشد اعجاب النائلي من تلميذه حين وجده يجيب عن الأسئلة المنطقية المحيِِرة إجابات صائبة تكاد لاتخطر على بال معلمه. واستمر ابن سينا مع معلمه إلى أن غادر هذا المعلم بخارى.

بدأ نبوغ ابن سينا منذ صغره, إذ يحكي أنه قام وهو لم يتجاوز الثامنة عشر بعلاج السلطان نوح بن منصور الساماني, وكانت هي الفرصة الذهبية التي سنحت لابن سينا, إلتحاقه ببلاط السلطان ووضعت مكتبته الخاصة تحت تصرف ابن سينا.


ترحاله

كان ابن سينا محبًا للترحال لطلب العلم، رحل إلي خوارزم وهناك مكث عشر سنوات ثم تنقل بين البلاد ثم ارتحل إلي همذان وهناك مكث تسع سنوات غير أن حبه للترحال دفعه إلي الرحيل إلي بلاط السلطان علاء الدولة في أصفهان. air


فكرُه الفلسفي

يعتبر الفكر الفلسفي لأبو علي ابن سينا امتداد لفكر لفارابي و قد أخذ عن الفارابي فلسفته الطبيعية وفلسفته الإلهية أي تصوره للموجودات وتصوره للوجود وأخذ منه على الأخص نظرية الصدور وطوّر نظرية النفس وهو أكثر ما عني به.

كان يقول بنفس المبادئ التي نادى بها الفارابي من قبله بأن العالم قديم أزلي و غير مخلوق ، و أن الله يعلم الكليات لا الجزئيات ، و نفى أن الأجسام تقوم مع الأرواح في يوم القيامة . و قد كفره نتيجة أفكاره هذه الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" ، و أكد نفس المعلومات ابن كثير في البداية و النهاية . وأكد ابن عماد في شذرات الذهب أن كتابه "الشفاء" اشتمل على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين . اما شيخ الإسلام ابن تيمية أكد أنه كان من الإسماعيلية الباطنية الذين ليسوا من المسلمين أو اليهود أو النصارى.

وقال فيه ابن القيمُ في كافيته:

وقضى بأنَّ الله يجعل خلقـــه * عدماً ويقلبه وجـوداً ثـاني

العرش والكرسـي والأرواح و * الأملاكُ والأفـلاكُ والقمـرانِ

والأرض والبحر المحيط وسائر * الأكوانِ من عرض ومن جثمانِ

كلٌّ سيفنيـه الفنـاءُ المحـض لا * يبقـى له أثــر كظـلٍّ فانِ

ويعيـد ذا المعـدوم أيضاً ثانياً * محض الوجـود إعادة بزمانِ

هـذا المعـاد وذلك المبدأ لدى * جَهم وقـد نسبـوه للقرآنِ

هـذا الذي قاد ابن سينا والألى * قالـوا مقالتَـةُ إلى الكفرانِ

لاشك أن الرجل كان ذو شبهات دنيوية، ولكن كان يتوجه نحو هدفه بحذر وروية. فقد روي عنه تلميذه المخلص ابن أبي أصيبعة الذي صحبه 25 سنة: أن ابن سينا تناول حظه من شهوات الدنيا، وأنه أسرف في الجنس إسرافا كان من أسباب تدهور صحته، وأنه كان إذا فرغ من دروس الطب الليلية أحضر الشراب والآلات الموسيقية واستمر باللهو لساعات.


تعريفه للنفس

أهمية ابن سينا الفلسفية تكمن في نظريته في النفس وأفكاره في فلسفة النفس، مقدمات ابن سينا في النفس هي مقدمات أرسطية.

تعريف ابن سينا للنفس:

النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة أي من جهة ما يتولد (وهذا مبدأ القوة المولدة) ويربو (وهذا مبدأ القوة المنمية) ويتغذى (وهذا مبدأ القوة الغاذية) وذلك كله ما يسميه بالنفس النباتية.

وهي كمال أول من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة وهذا ما يسميه بالنفس الحيوانية. وهي كمال أول من جهة ما يدرك الكليات ويعقل بالاختيار الفكري وهذا ما يسميه النفس الإنسانية. شرح التعريف: ونعني في التعريف السابق أن النفس عند ابن سينا 3 نباتية/حيوانية/إنسانية. كمال أول: تعني مبدأ أول ذي حياة بالقوة: يعني لدينا جسم مستعد وطبيعي لتقبل الحياة مبادئ النفس النباتية: تنمو وتتوالد وتتغذى ولا يفعل النبات أكثر من ذلك. مبادئ النفس الحيوانية: تدرك الجزئيات (مثلا يدرك أفعى أمامه/ إنسان أمامه) يتحرك بالإرادة أي فيه إرادة توجهه (مثلا الأسد بإرادته ممكن أن يقفز على إنسان ويبتلعه). مبادئ النفس الإنسانية: تدرك الكليات، اختيار فكري أي الحرية الفكرية التي نتوجه لها للاختيار من بين بدائل مختلفة.

تصور ابن سينا لأصل النفس: 1- من أين جاءت/ 2- علاقة النفس بالبدن/ 3- مصير النفس. المسألة غامضة عند ابن سينا ولكن ربما قصيدته العينية هي التي تعبر أكثر من غيرها عن رأي ابن سينا في المسائل الثلاث. قصيدته مكونة من4 أقسام لدى قراءتها تتضح الإجابة على الثلاث أسئلة السابقة.

[[البراهين على وجودالنفس عند ابن سينا :]]

وقد برهن ابن سينا على وجود النفس عن طريق :

1- البرهان الطبيعي : ويعتمد هذه البرهان على مبدأ الحركة واللتي هي نوعان : - حركة قسرية : ناتجة عن دفعة خارجية تصيب جسما فتحركه - حركة لاقسرية : وهذا ما عناها ابن سينا وهي انواع : .. منها ما يحدث على مقتضى الطبيعة كسقوط حجر من الأعلى إلى الأسفل .. منها ما يحدث ضد مقتضى الطبيعة وهنا يكمن "البرهان" كالإنسان اللذي يمشي على وجه الأرض كع ان ثقل جسمه يدعو إلى السكون, هذه الحركة المضادة للطبيعة ولقوانينها تستلزم محركا خاصا زائدا على عناصر الجسم المتحرك ألا وهي (النفس)

2- البرهان النفسي : ويقوم هذا البرهان على الافعال الوجدانية والإدراك, فالإنسان يمتاز عن الحيوان بأنه يتعجب ويضحك ويبكي, كما انه من أهم خواصه: الكلام واستعمال الرموز والاشارات وإدراك المعاني المجردة واتسخراج المجهول من المعلوم. هذه الافعال والاحوال هي مما يختص به الإنسان, وهي ليست راجعة للبدن, بل هي قوة مستقلة كما قال ابن سينا شيىء آخر لك ان تسميه النفس. وهذا الجوهر اللذي يتصرف في أجزاء بدنك هو فيك واحد وهو انت بالتقيق..


قصيدته العينية في النفس
والتي يقول أول أبياتها

هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع

محجوبة عن كل مقلة عارف وهي التي سفرت ولم تتبرقع

تصور ابن سينا لأصل النفس:

من أين جاءت
علاقة النفس بالبدن
مصير النفس.
المسألة غامضة عند ابن سينا ولكن ربما قصيدته العينية هي التي تعبر أكثر من غيرها عن رأي ابن سينا في المسائل الثلاث. قصيدته مكونة من4 أقسام.

يشير ابن سينا في قسمها الأول من أين جاءت النفس ويقول أنها جاءت من محل أرفع أي من فوق وأتت رغما عنها وكارهة لذلك، ثم تتصل بالبدن وهي كارهه لكنها بعد ذلك تألف وجودها بالبدن، وتألف البدن لأنها نسيت عهودها السابقة كما يقول في قصيدته، إذن فهو يقول هبطت النفس من مكان رفيع، كرهت وأنفت البدن، ثم ألفته واستأنسته، ثم رجعت من حيث أتت وانتهت رحلتها والآن في القسم الأخير من القصيدة يبدأ ابن سينا يتساءل لماذا؟ فيجيب أنها هبطت لحكمة إلهية، هبطت لا تعلم شيء لتعود عالمة بكل حقيقة ولكنها لم تعش في هذا الزمن إلا فترة. كان رجلا جيدا


مؤلفاته

فی الفلسفة

الإشارات والتنبیهات : في كتابه كتاب الإشارات الذي ذهب فيه مذهب أرسطو وقربه قليلاً إلى الأديان، فهو مؤسس الإتجاه الفلسفي الذي تحدى العقيدة وفكرة النبوة والرسالة في الإسلام[1] وكان يقول بقدم العالم وإنكار المعاد ونفي علم الله وقدرته وخلقه العالم وبعثه من في القبور.

وذهب ابن سينا مذهب الفلاسفة من امثال الفارابي أبي نصر التركي الفيلسوف، وكان الفارابي يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، واعاد تلك الفكرة ابن سينا ونصره، وقد رد عليه الغزالي في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً له كفَّره في ثلاث منها وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وقوله إِنَّ الله لا يعلم الجزئيات، وبدّعه في البواقي.

لاشك أن صحبته لفلاسفة الباطنية (أبو عبد الله النائلي الذي علمه بصغره) قد أثرت في تفكير ابن سينا، وهيأته للدور الذي لعبه في تنشيط تيار الفلسفة واتخاذها موقف التحدي للعقيدة الإسلامية، ومثال على ذلك "نظرية المعرفة" والتي ساوى فيها الفلاسفة مع الأنبياء، وقد خص الفلاسفة بميزة أخرى وهي أن الفلاسفة استمروا في رسالتهم وارتقاء معارفهم في الوقت الذي ختمت النبوة بمحمد .

وكان اتباعه يدعون بـ "الألى" وقالوا مقالته ومن أشهرهم النصير الطوسي واسمه محمد بن عبد الله ويقال له الخواجا نصير الدين، الذ انتصر لمذهب ابن سينا والذب عنه وشرح إشاراته وكان يسميها "قرآن الخاصة"، ويسمي كتاب الله تعالى "قرآن العامة"، ورد على الشهرستاني في مصارعته ابن سينا بكتاب سماه مصارعة المصارع.

الشفاء

في العلوم الآلية

وتشتمل على كتب المنطق، وما يلحق بها من كتب اللغة والشعر و العلوم و الطب، ومن آثاره اللغوية: أسباب حدوث الخروف.


في العلوم النظرية

وتشتمل على كتب العلم الكلّي، والعلم الإلهي، والعلم الرياضي.


في العلوم العملية

وتشتمل على كتب الأخلاق، وتدبير المنزل، وتدبير المدينة، والتشريع.


في العلوم الأصلية

فروع وتوابع، فالطب مثلاً من توابع العلم الطبيعي، والموسيقى وعلم الهيئة من فروع العلم الرياضي. كتب الطب أشهر كتب ابن سينا الطبية كتاب القانون الذي ترجم وطبع عدّة مرات: والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر. ومن كتبه الطبية أيضاً كتاب الأدوية القلبية، وكتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية، وكتاب القولنج، ورسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب، ورسالة في تشريح الأعضاء، ورسالة في الفصد، ورسالة في الأغذية والأدوية. ولإبن سينا أراجيز طبية كثيرة منها: أرجوزة في التشريح، وأرجوزة المجربات في الطب والألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت. ولإبن سينا كتاب نفيس في الطب هو " القانون"، جمع فيه ما عرفه الطب القديم وما ابتكره هو من نظريات واكتشفه من أمراض، وقد جمع فيه أكثر من سبعمائة وستين عقارا مع أسماء النباتات التي يستحضر منها العقار. وبحث ابن سينا في أمراض شتى أهمها السكتة الدماغية، التهاب السحايا والشلل العضوي، والشلل الناجم عن إصابة مركز في الدماغ، وعدوى السل الرئوي، وانتقال الأمراض التناسلية، والشذوذ في تصرفات الإنسان والجهاز الهضمي. وميز مغص الكلى من مغص المثانة وكيفية استخراج الحصاة منهما كما ميز التهاب البلورة ( غشاء الرئة ) والتهاب السحايا الحاد من التهاب السحايا الثانوي.


في الرياضيات

رسالة الزاوية
مختصر إقليدس
مختصر الارتماطيقي
مختصر علم الهيئة
مختصر المجسطي
رسالة في بيان علّة قيام الأرض في وسط السماء، طبعت في مجموع (جامع البدائع)، في القاهرة سنة [[1917

في الطبيعيات وتوابعها

رسالة في إبطال أحكام النجوم
رسالة في الأجرام العلوية وأسباب البرق والرعد
رسالة في الفضاء
رسالة في النبات والحيوان

في الطب

كتاب القانون في الطب الذي ترجم وطبع عدّة مرات والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر.
كتاب الأدوية القلبية
كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية
كتاب القولنج
رسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب
رسالة في تشريح الأعضاء
رسالة في الفصد
رسالة في الأغذية والأدوية

أراجيز طبية

أرجوزة في التشريح
أرجوزة المجربات في الطب
الألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت

في الموسيقى

مقالة جوامع علم الموسيقى
مقالة في الموسيقى
ومقالات أخرى

oo7
31-03-2009, 10:00 AM
متابع معكم
جزاكى الله خيرا