المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحات منسية (متجدد).



محمد الثالث
08-09-2008, 05:06 PM
السلام عليكم و رحمه الله و بركاته

:f2:
اخوني في الله اخواتي في الله حياكم الله جميعا
بسم الله و الصلاة و السلام علي رسول الله
اما بعد اخواني و اخواتي الكرام فإني قد وجد
ان التاريخ تجاهل كثيرا من الأحداث المهمه التي
يجب ان تأخذ حقها رغم عظمها فأحببت ان
اكتب عنها في موضوع خاص
و جزاكم الله كل خير
:f2:

محمد الثالث
08-09-2008, 05:11 PM
يعتبر يوسف بن تاشفين بحق واحداً من عظماء المسلمين الذين جدّدوا للأمة أمر دينها ولم يأخذ حقه من الاهتمام التاريخي إلا قليلاً.
وشخصية يوسف بن تاشفين شخصية إسلامية متميزة استجمعت من خصائل الخير
وجوامع الفضيلة ما ندر أن يوجد مثلها في شخص مثله. فيوسف بن تاشفين «أبو
يعقوب» لا يقل عظمة عن يوسف بن أيوب الملقب بصلاح الدين الأيوبي، وإذا كان
الأخير قد ذاع صيته في المشرق الإسلامي وهو يقارع الصليبيين ويوحد
المسلمين، فإن الأول قد انتشر أمره في المغرب الإسلامي وهو يقارع الإسبان
والمارقين من الدين وملوك الطوائف ويوحد المسلمين في زمن كان المسلمون فيه
أحوج ما يكونون إلى أمثاله.

نشأ يوسف بن تاشفين في جنوب بلاد المغرب (موريتانيا حالياً) نشأة إيمانية
جهادية، وأصله من قبائل «سنهاجه اللثام» ويقال بأنه حميري عربي وفي روايات
أخرى بربري.


كانت الظروف السياسية السائدة في زمنه غاية في التعقيد وغلب عليها تعدد
الولاءات وانقسام العالم الإسلامي وسيطرة قوى متناقضة على شعوبه. ففي
بغداد كانت الخلافة العباسية من الضعف بمكان بحيث لا تسيطر على معظم
ولاياتها، وفي مصر ساد الحكم الفاطمي الفاسد، وفي بلاد الشام بدأت بواكير
الحملات الصليبية بالنزول في سواحل الشام، وفي الأندلس استعرت الخصومة
والخيانة وعم الفساد بين ملوك طوائفها، وأما في بلاد المغرب الإسلامي حيث
نشأ وترعرع فكانت قبائل مارقة من الدين تسيطر على الشمال المغربي، وتحصن
مواقعها في ا لمدن الساحلية كسبتة وطنجة ومليلة، وهي من آثار الدولة
العبيدية الفاطمية التي تركت آثاراً عقيدية منحرفة تمثلت في جزء منها
بإمارة تسمى الإمارة البرغواطية سيطرت على شمال المغرب وبنت أسطولاً قوياً
لها وحصنت قواتها البحرية المطلة على مضيق جبل طارق.



وفي عام 445هـ أسّس عبد اللـه بن ياسين حركة المرابطية (الرباط في سبيل
اللـه)، وبعد عشر سنوات تسلم قيادة الحركة يوسف بن تاشفين، فبدأ بتعمير
البلاد وحكمها بالعدل، وكان يختار رجالاً من أهل الفقه والقضاء لتطبيق
الإسلام على الناس، واهتم ببناء المساجد باعتبارها مراكز دعوة وانطلاق
وتوحيد للمسلمين تحت إمارته، ثم بدأ يتوسع شرقاً وجنوباً وشمالاً فكانت
المواجهة بينه وبين الإمارة البرغواطية الضالة أمراً لا مفر منه.


إستعان ابن تاشفين في البداية بالمعتمد بن عباد - وهو أحد أمراء الأندلس
الصالحين - لمحاربة البرغواطيين، فأمدّه المعتمد بقوة بحرية ساعدته في
القضاء على الإمارة الضالة، وهكذا استطاع أن يوحد كل المغرب حتى مدينة
الجزائر شرقاً، وحتى غانة جنوباً، وكان ذلك عام 476هـ. وبعد أن قوي ساعده
واستقرت دولته وتوسعت، لجأ إليه مسلمو الأندلس طالبين الغوث والنجدة، حيث
كانت أحوال الأندلس تسوء يوماً بعد يوم، فملوك الطوائف لقبوا أنفسهم
بالخلفاء، وخطبوا لأنفسهم على المنابر، وضربوا النقود بأسمائهم، وصار كل
واحدٍ منهم يسعى للاستيلاء على ممتلكات صاحبه، لا يضره الاستعانة بالإسبان
النصارى أعداء المسلمين لتحقيق أهدافه، واستنابوا الفساق، واستنجدوا
بالنصارى وتنازلوا لهم عن مداخل البلاد ومخارجها. وأدرك النصارى حقيقة
ضعفهم فطلبوا منهم المزيد.



ولقد استجاب ابن تاشفين لطلب المسلمين المستضعفين، وفي ذلك يقول الفقيه
ابن العربي: «فلبّاهم أمير المسلمين ومنحه اللـه النصر، وألجم الكفار
السيف، واستولى على من قدر عليه من الرؤساء من البلاد والمعاقل، وبقيت
طائفة من رؤساء الثغر الشرقي للأندلس تحالفوا مع النصارى، فدعاهم أمير
المسلمين إلى الجهاد والدخول في بيعة الجمهور، فقالوا: لا جهاد إلا مع
إمام من قريش ولستَ به، أو مع نائبه وما أنت ذلك، فقال: أنا خادم الإمام
العباسي، فقالوا له: أظهر لنا تقديمه إليك، فقال: أو ليست الخطبة في جميع
بلادي له؟ فقالوا: ذلك احتيال، ومردوا على النفاق».



وحتى يكون ابن تاشفين أميراً شرعياً أرسل إلى الخليفة العباسي يطلب منه
توليته. ويقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: «وفي سنة تسع وسبعين أرسل
يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما
بيده من البلاد فبعث إليه الـخُلَعَ والأَعلام والتقليدَ ولقّبه بأمير
المسلمين، ففرح بذلك وسُر به فقهاء المغرب».


وبعد أن زاد ضغط النصارى الإسبان القادمين من الشمال استنجد بابن تاشفين
المعتمد بن عباد، ونُقِلَ عنه في كتاب دراسات في الدولة العربية في المغرب
والأندلس أنه قال: «رعي الـجِمال عندي خير من رعي الخنازير» وذلك كناية عن
تفضيله للسيادة الإسلامية، ودخل المعتمد مع ابن تاشفين الأندلس شمالاً
وقاد ابن تاشفين الجيوش الإسلامية وقاتل النصارى قتالاً شديداً وكانت
موقعة الزلاّقة من أكبر المعارك التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً
على الإسبان، وهُزم ملكهم الفونسو السادس هزيمة منكرة.



وعلى أثر هذه الموقعة خَلَعَ ابنُ تاشفين جميعَ ملوك الطوائف من مناصبهم
ووحّد الأندلس مع المغرب في ولاية واحدة لتصبح: أكبر ولاية إسلامية في
دولة الخلافة.
يقول صاحب الـحُلَل الـمَوْشِيّة: (ولما ضخمت مملكة يوسف بن تاشفين واتسعت
عمالته، اجتمعت إليه أشياع قبيلته، وأعيان دولته، وقالت له: أنت خليفة
اللـه في أرضه، وحقك أكبر من أن تدعى بالأمير، بل ندعوك بأمير المؤمنين.
فقال لهم: حاشا للـه أن نتسمى بهذا الاسم، إنما يتسمى به خلفاء بني العباس
لكونهم من تلك السلالة الكريمة، ولأنهم ملوك الحرمين مكة والمدينة، وأنا
راجلهم والقائم بدعوتهم، فقالوا له: لا بد من اسم تمتاز به، فأجاب إلى
«أمير المسلمين وناصر الدين» وخطب لهم بذلك في المنابر وخوطب به من
العُدْوَتَيْن - أي المغرب والأندلس -).



يقول السلامي الناصري في الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى: «إنما احتاج
أمير المسلمين إلى التقليد من الخليفة العباسي مع أنه كان بعيداً عنه،
وأقوى شوكة منه، لتكون ولايته مستندة إلى الشرع... وإنما تسمى بأمير
المسلمين دون أمير المؤمنين أدباً مع الخليفة حتى لا يشاركه في لقبه، لأن
لقب أمير المؤمنين خاص بالخليفة، والخليفة من قريش».


ومن علامات التقوى والتمسك بأهداب الدين تمسك الأمراء والحكام بالنقد
الشرعي، وفي ذلك يقول ابن الخطيب في كتابه الإحاطة: (كان درهمه فضة،
وديناره تبراً محضاً، في إحدى صفحتيه «لا إله إلا اللـه محمد رسول اللـه»،
وتحت ذلك «أمير المسلمين يوسف بن تاشفين»، وفي الدائر ومن يبتغ غير
الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وفي الصفحة
الأخرى «الإمام عبد اللـه أمير المؤمنين» وفي الدائرة «تاريخ ضربه وموضع
سكه»). وعبد اللـه اصطلاحاً هو كنية يصلح لاسم كل خليفة عباسي. واتخذ يوسف
السواد شعاراً للمرابطين، وهو نفس شعار الدولة العباسية، ورفع شعار السواد
يدل على التمسك بالسنة والتمسك بالوحدة وعدم شق جماعة المسلمين، إضافة إلى
أن راية رسول اللـه صلى الله عليه وسلم كانت سوداء.



لقد ذاع صيت ابن تاشفين بين العلماء والقضاة بشكل خاص وبين الناس بشكل عام
فتناقلوا أخباره وصفاته، وتواتر عنهم نقل صفات الجهاد والعدل والزهد
والإخلاص والتمسك بالإسلام وبدولة المسلمين الشرعية، حتى أثنى عليه معظم
العلماء والفقهاء.


جاء في الخطاب المطول الذي رفعه الفقيه المعروف بابن العربي واسمه عبد
اللـه بن عمر: «... الأمير أبو يعقوب يوسف بن تاشفين المتحرك بالجهاد،
المتجهز إلى المسلمين باستئصال فئة العناد، ولمة الفساد، قام بدعوة
الإمامة العباسية والناس أشياع، وقد غلب عليهم قوم دعوا إلى أنفسهم ليسوا
من الرهط الكريم ولا من شعبه الطاهر الصميم، فنبّه جميع من كان في أفق
قيامه بالدعوة الإمامية العباسية، وقاتل من توقف عنها منذ أربعين عاماً
إلى أن صار جميع من في جهة المغارب على سعتها وامتدادها له طاعة،



واجتمعت بحمد اللـه على دعوته الموفقة الجماعة، فيخطب الآن للخلافة، بسط اللـه
أنوارها، وأعلى منارها على أكثر من ألفي منبر وخمسمائة منبر، فإن طاعته
ضاعفها اللـه من أول بلاد اللـه الإفرنج، استأصل اللـه شأفتهم، ودمّر
جملتهم إلى آخر بلاد السوس مما يلي غانة، وهي بلاد معادن الذهب، والحافة
بين الحدين المذكورين مسيرة خمسة أشهر، وله وقائع في جميع أصناف الشرك من
الإفرنج وغيرهم،



قد فللت غربهم، وقللت حزبهم، وألفت مجموعة حربهم، وهو مستمر على مجاهدتهم
ومضايقتهم في كل أفق، وعلى كل الطرق، ولقد وصل إلى ديار المشرق في هذا
العام قاضٍ من قضاة المغرب يعرف بابن القاسم، ذكر من حال هذا الأمير ما
يؤكد ما ذكرته، ويؤيد ما شرحته، وقد خصّه اللـه بفضائل، منها الدين
المتين، والعدل المستبين، وطاعة الإمام، وابتداء جهاده بالمحاربة على
إظهار دعوته، وجمع المسلمين على طاعته، والارتباط بحماية الثغور، وهو ممن
يقسم بالسوية، ويعدل في الرعية، وواللـه ما في طاعته مع سعتها دانٍ منه،
ولا ناءٍ عنه من البلاد ما يجري فيه على أحد من المسلمين رسم مَكْسٍ، وسبل
المسلمين آمنة، ونقوده من الذهب والفضة سليمة من الشرب، مطرزة باسم
الخلافة ضاعف اللـه تعظيمها وجلالها. هذه حقيقة حاله واللـه يعلم أني ما
أسهبت ولا لغوت بل لعلي أغفلت أو قصرت».



وجاء رد الخليفة بخط يده وبمداد ممسك: «... إن ذلك الولي الذي أضحى بحبل
الإخلاص معتصماً، ولشرطه ملتزماً، وإلى أداء فروضه مسابقاً، وكل فعله فيما
هو بصدده للتوفيق مساوقاً، لا ريبة في اعتقاده، ولا شك في تقلده من
الولاء، طويل نجاده، إذا كان من غدا بالدين تمسكه، وفي الزيادة عنه مسلكه،
حقيقاً بأن يستتب صلاح النظام على يده، ويستشف من يومه حسن العقبى في غده،
وأفضل من نحاه، وعليه من الاجتهاد دار رحاه، جهاد من يليه من الكفار،
وإتيان ما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿قاتلوا
الذين يلونكم من الكفار﴾ فهذا هو الواجب اعتماده، الذي يقوم به الشرع
عماده».


وللغزالي قول فيه رد على طلب ابن العربي منه لفتوى بحقه نقتبس منه: «لقد
سمعت من لسانه -ابن العربي- وهو الموثوق به، الذي يستغنى مع شهادته عن
غيره، وعن طبقة من ثقاة المغرب الفقهاء وغيرهم من سيرة هذا الأمير أكثر
اللـه في الأمراء أمثاله، ما أوجب الدعاء لأمثاله، فلقد أصاب الحق في
إظهار الشعار الإمام المستظهري، وإذا نادى الملك المستولي بشعار الخلافة
العباسية وجب على كل الرعايا والرؤساء الإذعان والانقياد، ولزمهم السمع
والطاعة، وعليهم أن يعتقدوا أن طاعته هي طاعة الإمام، ومخالفته مخالفة
الإمام، وكل من تمرد واستعصى وسل يده عن الطاعة فحكمه حكم الباغي،



وقد قال اللـه تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت
إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تـفـيء إلى أمر اللـه﴾ والفيئـة
إلى أمـر اللـه الرجوع إلى السلطان العادل المتمسك بولاء الإمام الحق
المنتسب إلى الخلافة العباسية، فكل متمرد على الحق فإنه مردود بالسيف إلى
الحق، فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة عن طاعته لا سيما وقد
استنجدوا بالنصارى المشركين أوليائهم،



وهم أعداء اللـه في مقابلة المسلمين الذين هم أولياء اللـه، فمن أعظم
القربات قتالهم إلى أن يعودوا إلى طاعة الأمير العادل المتمسك بطاعة
الخلافة العباسية، ومهما تركوا المخالفة وجب الكف عنهم، وإذا قاتلوا لم
يجز أن يتبع مدبرهم، ولا أن (ينزف) على جريحهم.... وأما من يظفر به من
أموالهم فمردود عليهم أو على ورثتهم، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم في
القتال مهدرة لا ضمان فيها... ويجب على حضرة الخليفة التقليد فإن الإمام
الحق عاقلة أهل الإسلام، ولا يحل له أن يترك في أقطار الأرض فتنة ثائرة
إلا ويسعى في إطفائها بكل ممكن. قال عمر رضي اللـه عنه: «لو تركت جرباء
على ضفة الفرات لم تُطل بالهناء -القِطر- فأنا المسؤول عنها يوم القيامة».
فقال عمر بن عبد العزيز: «خصماؤك يا أمير المؤمنين»، يعني أنك مسؤول عن كل
واحد منهم إن ضيعت حق اللـه فيهم أو أقمته فلا رخصة في التوقف عن إطفاء
الفتنة في قرية تحوي عشرة فكيف في أقاليم». انتهى كلام الغزالي.

محمد الثالث
09-09-2008, 12:09 PM
معركة أليس 'نهر الدم'

هذه المعركة رسالة شديدة الوضوح، ظاهرة الدلالة لهؤلاء الحمقى والمغفلين الذين يتحدثون عن الوثن الكبير المسمى 'بالقومية العربية' إلى هؤلاء الأشقياء الذين يقولون :'إن الدين يفرقنا، والعروبة تجمعنا'
والذين جعلوا القومية العربية بديلاً عن عقيدة الولاء والبراء الناصعة،
التي تجمع تحت لوائها كل مسلم في شتى بقاع الأرض، وإن نأت دياره، واستعجم
لسانه، وتطرد عنها غير المسلم وإن كان من ذوى الأرحام، أو من أقرب
الجيران، هذه المعركة تظهر المشاعر الحقيقية لغير المسلمين تجاه المسلمين،
وإن كانوا من بنى جلدتهم، ويتحدثون بلسانهم، ولا عزاء للقوميين العرب في
كل مكان وزمان ‍‍‍‍.

التحالف المجوسي الصليبي :

بعد
الانتصار الباهر الذي حققه المسلمون على 'الفرس' في معركة 'ذات السلاسل'
و'المذار'، وسقوط مدينة 'الأبلة' منفذ 'الفرس' الوحيد على الخليج العربي
أمرت القيادة العليا لفارس بإعداد جيشين من أقوى الجيوش الفارسية يقودهما
أمهر القادة 'الفرس' وهما [1] 'الأندر زغر' [2] 'بهمن جاذوية'،
وأمرهما كسرى بالتوجه سريعاً إلى منطقة 'الولجة' للوقوف في طريق 'خالد بن
الوليد'، حتى لا يستولي على 'الحيرة' عاصمة العراق العربية، وانضمت قبائل
'بكر بن وائل' العربية وأغلبها نصارى إلى الجيش الفارسي، وانضم نصارى
'الحيرة' ونصارى 'تغلب' للجيش الفارسي .


استطاعت
الاستخبارات العسكرية أن تنقل الأخبار للقائد 'خالد بن الوليد' عن حقيقة
المخطط الفارسي الذي يقوم على فكرة الكماشة، وتلك المعلومات جعلت 'خالد'
يعيد ترتيب أوراقه ، ويغير خطط السير، حيث سلك طرقاً مختلفة، ويعكس اتجاه
السير عدة مرات، حتى لا يتضح اتجاه سيره، ثم اتجه إلى الجنوب، ووضع
الحاميات القوية في المناطق المفتوحة، وأمرهم أن يقوموا بحماية ظهره من
العدوان .


الغلطة العسكرية :


كانت
الخطة التي رسمها كسرى لجيوشه تقتضي أن يتبع 'بهمن' الطريق الذي يسير فيه
'الأندر زغر'، والاتحاد عند الاصطدام مع المسلمين، وبقدر الله عز وجل
يرتكب القائد 'بهمن' غلطة عسكرية شنيعة، حيث يخالف الأوامر، ويسلك طريقاً
مخالفاً للخطة، على أمل أن يوقع المسلمين في الكماشة، ولكن 'خالداً'
بذكائه العسكري الفذ استطاع أن يفلت من هذه المصيدة، ويسلك طريقاً طويلاً،
ولكنه خال من الكمائن الفارسية، في حين أن 'بهمن جاذوية' بمحاولته هذه قد
سار في طريق بعيد عن 'الولجة'، مما سهل 'لخالد' مهمته في الانفراد بجيش
'الأندر زغر' .


كان
جيش 'الأندر زغر' عظيم التسليح، ضخم الحجم، يوجد به معظم نصارى العراق،
وقد دفعه غروره وضخامة جيشه إلى التفكير في محاولة استرجاع المناطق
المفتوحة من قبل المسلمين، ووصلت هذه الأخبار للقائد الفطن 'خالد بن
الوليد' عبر سلاح الاستخبارات الإسلامية .


**[وهذا
يوضح أهمية الحذر، والأخذ بالأسباب، والفطنة الدائمة لقادة المسلمين في
تعاملهم مع عدوهم، ليس حال الحرب فقط ولكن حال السلم أيضاً، عملاً بقوله
عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا} [71] سورة النساء.]


قام
'خالد' بتعبئة جيوشه، ونصب كمينين خلفه من ناحية اليمين واليسار وطلب
منهما ألا يدخلا في القتال إلا قبل النهاية بقليل، وعندما تظهر بوادر
الضعف على 'الفرس'، واستطاع 'خالد' بخطته العسكرية العبقرية أن ينفرد بجيش
'الأندر زغر'، ويصطدم معه في 22 صفر سنة 12 هجرية، وثبت 'الفرس' ثباتاً
هائلاً أمام الصدمة الإسلامية، حتى خشي المسلمون من الهزيمة، وفى اللحظة
الحاسمة ينقض الكمين الإسلامي من ناحية اليمين ثم الشمال، ويقع 'الفرس'
بين فكي الأسد، ويفر الكثيرون من أرض المعركة هائمين على وجوههم في
الصحراء، وعلى رأسهم القائد 'الأندر زغر' الذي مات عطشاً في الصحراء، وقتل
كثير من النصارى في هذا الصدام: منهم ابني أكبر زعماء النصارى العرب 'جابر
بن بجير' و'عبد الأسود' .


الحقد الصليبي :


كانت
الصدمة والصفعة الشديدة التي نالها النصارى من المسلمين في القتال السابق
قاسية، لدرجة أن صوابهم قد طاش، من كثرة ما فقدوه من القتلى، من خيرة
شبابهم، فاشتعلت قلوبهم حقداً وغلاً على المسلمين رغم رابطة العروبة
والجوار، إلا أنهم فضلوا الانضواء تحت لواء 'الفرس' الذين كانوا يحتقرون
العرب جداً، ورغم ذلك فضلوا الانضمام إليهم لا لشيء إلا لعداوتهم للإسلام،
وقرر زعماء نصارى العراق التجمع بأعداد كبيرة واستغاثوا بكسرى، وطلبوا منه
الإمدادات، فانتعشت آمال كسرى وفرح بكتاب نصارى 'أليس' له، وكتب لقائده
'بهمن جاذوية'،[ وقد بقى بالمنطقة مرابطاً بجيشه بعد غلطته الفظيعة، والتي
أتت على جيش 'الأندر زغر'] للانضمام إلى نصارى العراق في حربهم ضد
المسلمين، ثم عاد كسرى وطلب من 'بهمن جاذوية' أن يعود سريعاً إلى
'المدائن'، لوجود اضطرابات داخلية بها، وعين مكانه في قيادة الجيش القائد
'جابان'، وكان رجلاً محنكاً، ولكنه ضعيف الشخصية .


عاقبة الغرور :


كانت
الإمدادات الفارسية أقرب إلى منطقة تجمع الجيش الصليبي 'بأليس' من جيوش
المسلمين، فوصلت قبلها، ورتب 'جابان' جيوشه ترتيباً جيداً، واستعد للقتال،
وكان الجيش 'المجو صليبي' كبير العدد جداً، حيث بلغ عدد مقاتليه مائة
وخمسين ألفاً، مما جعل الغرور يملأ القلوب والنفوس، وكذا جعل الثقة بحتمية
النصر أكيدة، ووصل المسلمون بجيشهم الذي لا يتجاوز الثمانية عشر ألفاً،
وصادف قدوم المسلمين وجود الجيوش 'المجوصليبية' على موائد الطعام في وقت
الغداء، وفى الحال أمرهم القائد العام 'جابان' بترك الطعام والتهيؤ للقتال
ضد المسلمين، ولكن الغرور والكبر منعهم من الاستماع لصوت العقل وظنوا أنهم
لا يغلبون، فخالفوا أمر قائدهم العام، واستمروا في تناول الطعام، ثم عاد
'جابان' وأمرهم بوضع السم في الطعام، فإن دارت الدائرة عليهم، وغنم
المسلمون الطعام وأكلوه ماتوا من السم، وهو رأى لا يصدر إلا من رجل داهية
حقاً، ولكنهم أيضاً خالفوه وتكبروا، وسول لهم الشيطان سوء أعمالهم، وبخلوا
حتى بطعامهم !


نهر الدم


أدرك
'خالد' وجنوده أن عدوهم مغرور متكبر، فأصدر 'خالد' أوامره المباشرة
بالهجوم فوراً وبكل القوة والثقل على هؤلاء المغترين، وبالفعل هجم
المسلمون عليهم، وهم مازالوا على موائدهم الأخيرة، وبدأ القتال الذي ينتقل
من طور إلى آخر أشد منه، لقوة وشراسة الحقد الصليبي على المسلمين، وأيضاً
صبر 'الفرس' في القتال، وعلى أمل أن يصل القائد 'بهمن جاذوية' بالإمدادات
من المدائن، ولقي المسلمون مقاومة عنيفة جداً من التحالف 'المجوصليبي'
وعندها دعا القائد 'خالد بن الوليد' ربه، ونذر فقال : 'اللهم إن لك على إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقى منهم أحداً قدرنا عليه، حتى أجرى نهرهم بدمائهم' .
حمى المسلمون بعد ذلك النذر في القتال، وازدادت قوتهم – خاصة مسلمي قبيلة 'بكر بن وائل' – حيث كانوا أشد الناس على نصارى قبيلتهم .


**[مما
يبين حقيقة فهم المسلمين الأوائل لعقيدة الولاء والبراء، حيث تنقطع كل
الروابط من رحم، وقرابة، ومصاهرة، وجوار أمام رابطة الإسلام وحبل العقيدة،
كما قال الحق في محكم التنزيل:{ {لَا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ
أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [22] سورة المجادلة


لم
يطل الأمر كثيراً حتى انتصر المسلمون انتصاراً باهراً، وأمر 'خالد' بإمساك
الأسرى، وأخذهم جميعاً عند نهر 'أليس'، وسد عنه الماء، ومكث يوماً وليلة
يضرب أعناقهم، حتى يجرى النهر بدمائهم وفاءً بنذره لله عز وجل، ومع ذلك لم
يجر النهر بدمائهم، فقال له 'القعقاع بن عمرو': 'لو أنك قتلت أهل الأرض
جميعاً لم تجر دماؤهم- ذلك لأن الدم سريع التجلط كما هو معروف طبياً-
فأرسل الماء على الدماء، يجرى النهر بدمائهم' ففعل 'خالد' ذلك فسمى النهر
من يومها 'نهر الدم' وقتل يومها أكثر من سبعين ألفاً من جنود التحالف
'المجوصليبي' .


**[وليس
في ذلك قسوة ولا دموية كما قد يظن البعض، لأن هؤلاء كانوا من مجرمي الحرب،
وليس لهم أن يدخلوا الحرب أصلاً ضد المسلمين، فهي ليست حربهم، ولا هم طرف
فيها، وهم الذين بدأوا المسلمين بالعداوة، واتحدوا مع عباد النار من أجل
إفناء المسلمين، ومن يقع من المسلمين بأيديهم كانوا يمثلون بجثته،
ويقتلونه شر قتلة، فهؤلاء وأمثالهم ممن تمتلئ قلوبهم بكره وبغض المسلمين
ينطبق عليهم قول الله عز وجل : {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [4] سورة محمد ، وقوله عز وجل : {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ
الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ} [123] سورة التوبة
عندما وصلت الأخبار بالنصر للخليفة 'أبى بكر الصديق' قال كلمته الشهيرة :[يا معشر 'قريش' عدا أسدكم- يعنى 'خالداً'- على الأسد- يعنى كسرى- فغلبه على خراذيله- أى على فريسته- عجزت النساء أن ينشئن مثل 'خالد' ] .

ابن طيبة
09-09-2008, 12:46 PM
اخي محمد الثالث
مرحبا بك معنا في منتدي ابناء مصر
و بداية رائعة لموضوع رائع
بارك الله لنا فيك
رحم الله بن تاشفين و ما قدمه للاندلس و بلاد الشمال الافريقي
ننتظر مزيدك
مودتي

محمد الثالث
09-09-2008, 07:34 PM
اخي محمد الثالث
مرحبا بك معنا في منتدي ابناء مصر
و بداية رائعة لموضوع رائع
بارك الله لنا فيك
رحم الله بن تاشفين و ما قدمه للاندلس و بلاد الشمال الافريقي
ننتظر مزيدك
مودتي

حياك الله اخي ابن طيبة
جزاك الله كل خير علي هذا الرد المشجع
و ان شاء الله سأكمل هذه السلسله

محمد الثالث
10-09-2008, 07:16 PM
سطعت شخصية "صلاح الدين الأيوبي" في سماء القرن السادس الهجري فخطفت
الأبصار، وجذبت إليها القلوب، واتجهت نحوها النفوس، واختفى بجوارها كثير
من أعلام عصرها من الحكام والسلاطين والأمراء والملوك؛ فعلى يديه ذاق
الصليبيون مرارة الهزيمة في "حطين"، وأجبرهم سيفه وشجاعته على تسليم بيت
المقدس بعد أن ظل يئن في أيديهم طويلاً، وبحكمته وفطنته تجمعت القوى
الإسلامية تحت لوائه ورايته.

ولم يكن بمقدور صلاح الدين أن يحقق كل هذا النجاح أو ينال كل ذلك التوفيق
بكفاءته ومهارته وحدهما، أو بعبقريته في السياسة والحرب معًا، وإنما حالفه
النجاح؛ لأنه استعان بالأكفاء وذوي الخبرة من الرجال، ولم ينفرد برأي
دونهم أو يسمع صوت عقله دون عقلهم، فأضاف إلى قوته قوتهم، وإلى ذكائه
مهاراتهم وفطنتهم، وكان "مظفر الدين كُوكُبُوري" من هؤلاء الرجال الأكفاء
الذين اتصلوا بصلاح الدين الأيوبي الذي اعتمد عليهم في حركته المظفرة حتى
حقق ما حقق من نجاح باهر.

وإذا كان "صلاح الدين" قد استأثر بالمجد والشهرة واهتمام المؤرخين، فإن من
حق رجاله الأبطال الذين التفوا حوله أن يلتفت إليهم التاريخ، ويسجل
بطولاتهم، ويشيد بإنجازاتهم، ويعطي صورة واضحة المعالم، مكتملة القسمات
والملامح.

في مدينة "إربل" كان مولد مظفر الدين كُوكُبُوري في (27 من المحرم 549هـ)،
وكلمة "كُوكُبُوري" تركية معناها "الذئب الأزرق"، وقد اشتهر بهذا اللقب
تقديرًا لشجاعته وإقدامه. و"إربل" مدينة كبيرة، تقع إلى الجنوب الشرقي من
مدينة "الموصل" العراقية، على بعد (80) كم منها.

نشأ "مظفر الدين" في كنف والده "زين الدين علي بن بكتكين" حاكم إربل، وعهد
به إلى من يقوم على تثقيفه وتربيته، وتعليمه الفروسية وفنون القتال، ثم
توفي أبوه سنة (563هـ= 1167م)، وكان "مظفر الدين" في الرابعة عشرة من
عمره، فخلف أباه في حكم إربل، ولكنه كان قاصرًا عن مباشرة شئون الحكم
والإدارة بنفسه لصغر سنه، فقام نائب الإمارة "مجاهد الدين قايماز" بتدبير
شئون الدولة وإدارة أمور الحكم، ولم يبق لمظفر الدين من الملك سوى مظاهره.


ولما اشتد عود "مظفر الدين" نشب خلاف بينه وبين الوصي على الحكم "مجاهد
الدين قايماز"، انتهى بخلع "مظفر الدين" من إمارة "إربل" سنة (569هـ=
1173م)، وإقامة أخيه "زين الدين يوسف" خلفًا لمظفر الدين على إربل.

اتصال بصلاح الدين

اتجه مظفر الدين نحو "الموصل"؛ لعله يجد من حاكمها "سيف الدين غازي
الثاني" معاونة صادقة تمكّنه من استرداد إمارته، لكن "سيف الدين" لم يحقق
له رغبته، وعوضه عن "إربل" بأن أدخله في حاشيته، وأقطعه مدينة "حران"،
فانتقل إليها المظفر وأقام بها تابعًا لسلطان الموصل، وظل يحكم حران منذ
سنة 569هـ حتى سنة 578هـ.

في أثناء ذلك ظهر "صلاح الدين الأيوبي" واستقل بمصر، وتطلع إلى قيام دولة
واحدة تضم مصر والشام للوقوف أمام الصليبيين وإخراجهم من الإمارات التي
أقاموها بالشام وبدأ يعد العدة لهذا الأمر، فانتهز الخلافات التي وقعت في
الشام واستولى على "دمشق"، وتطلع إلى غيرها من المدن؛ لتوحيد الصف
الإسلامي، غير أن بعض الأمراء كان يدخل في طاعة "صلاح الدين" دون حرب، ومن
هؤلاء كان "زين الدين يوسف" أمير إربل، وأخوه "مظفر الدين كُوكُبُوري"
أمير حران.

جهاد ضد الصليبيين

بعد أن انفصل "مظفر الدين" عن "الموصل" ودخل في طاعة صلاح الدين وحكمه
انفتح له مجال الجهاد ضد الصليبين، وأصبح من العاملين مع صلاح الدين الذي
أعجب به وبشجاعته، وثباته معه في ميادين الجهاد، وتحول الإعجاب إلى توثيق
للصلة بين الرجلين، فأقدم صلاح الدين على تزويج أخته "ربيعة خاتون" لمظفر
الدين.

وقد شارك "مظفر الدين" في معظم الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد الصليبيين
بدءًا من فتح "حصن الكرك" سنة (580هـ = 1184م) وكان صاحب هذا الحصن
"أرناط" الصليبي كثيرًا ما يتعرض للقوافل التجارية بالسلب والنهب.

وفي معركة "حطين" (583هـ = 1187م) التي حشد لها صلاح الدين ثمانين ألفًا
من المجاهدين كان لمظفر الدين مهمة بارزة في تلك المعركة الخالدة؛ فقد
تولى قيادة جيوش الموصل والجزيرة، وأبلى في المعركة بلاءً حسنًا.

ويذكر له التاريخ أنه هو الذي أوحى بفكرة إحراق الحشائش التي كانت تحيط
بأرض المعركة حين وجد الريح في مواجهة الصليبيين تلفح وجوههم، فلما نفذت
الفكرة وأضرمت النار في الحشائش حملت الريح الدخان واللهب والحرارة إلى
وجوه الصليبيين فشلَّتْ حركتهم عن القتال، وحلت بهم الهزيمة المنكرة.

وكان انتصار المسلمين في هذه المعركة انتصارًا رائعًا فتح الطريق للمسلمين
إلى استرداد البلاد الساحلية، ففتحوا طبرية وعكا وقيسارية والناصرة وحيفا،
وهيأ لصلاح الدين فرصة تتويج جهاده المتصل باسترداد "بيت المقدس".

وظل مظفر يشارك صلاح الدين في جهاده حتى تم الصلح بينه وبين "ريتشارد" ملك إنجلترا في (شعبان 588 هـ = 1192م) فعاد إلى بلاده.

ولاية من جديد

تولى مظفر الدين ولاية "إربل" بعد وفاة أخيه "زين الدين يوسف" سنة (586هـ=
1190م)، وهنا يبرز دور آخر له لا يقل روعة وبهاء عن دوره في ميادين القتال
والجهاد؛ فهو رجل دولة وإدارة يُعنى بشئون إمارته؛ فيقيم لها المدارس
والمستشفيات، ويقوم على نشر العلم وتشجيع العلماء، وينهض بالزراعة
والتجارة، ويشارك أهل إمارته أفراحهم، ويحيا حياة بسيطة هي أقرب إلى الزهد
والتقشف من حياة التوسط والاكتفاء.

غير أن الذي يثير الإعجاب في نفوسنا هو إقدامه على إقامة مؤسسات اجتماعية
لفئات خاصة تحتاج إلى رعاية الدولة وعنايتها قبل أن يجود عليهم أفراد
المجتمع بعطفهم ومودتهم، وكان البعض يظن أن هذا من نتاج المدنية الحديثة،
فإذا الحقيقة تثبت سبق الدولة الإسلامية إلى هذا النوع من العمل الإنساني
منذ عهد "الوليد بن عبد الملك" الخليفة الأموي.

مؤسسات خدمية

أقام مظفر الدين لذوي العاهات دورًا خاصة بهم؛ خصصت فيها مساكن لهم، وقرر
لهم ما يحتاجون إليه كل يوم، وكان يأتي لزيارتهم بنفسه مرتين في الأسبوع؛
يتفقدهم واحدًا واحدًا، ويباسطهم ويمزح معهم، كما أقام دورًا لمن فقدوا
آباءهم وليس لهم عائل؛ حيث يجدون فيها كل ما يحتاجون، حتى اللقطاء بنى لهم
دارًا، وجعل فيها مرضعات يقمن برعايتهم، ومشرفات ينهضن بتربيتهم، وأنشأ
للزمنى وهم المرضى بالجذام دارًا يقيمون فيها، وزودها بكافة الوسائل التي
تعينهم على الحياة الكريمة من طعام وشراب وكساء وعلاج، وجعل لكل مريض
خادمًا خاصًا به يقوم على رعايته وخدمته.

وتعدى نشاط مظفر الدين إلى خدمة غير أهل بلاده؛ فبنى دارًا للضيافة في
إربل لمن يفِد إليها للتجارة أو لقضاء مصلحة، أو للمسافرين الذين يمرون بـ
"إربل"؛ حيث يقدم للضيف كل ما يحتاج إليه من طعام وشراب، كما زودت بغرف
للنوم، ولم يكتف مظفر الدين بذلك، وإنما كان يقدم للضيف الفقير نفقة تعينه
على تمام سفره.

وامتد بره إلى فقراء المسلمين في الحرمين الشريفين: مكة والمدينة؛ فكان
يرسل إلى فقرائهما كل سنة غذاء وكساءً ما قيمته ثلاثون ألف دينار توزع
عليهم، كما بنى بالمدينتين المقدستين خزانات لخزن ماء المطر، حتى يجد
سكانهما الماء طوال العام، وذلك بعد أن رأى احتياجهما إلى الماء وما
يجدونه من مشقة في الحصول عليه، خاصة في مواسم الحج.

ورأى المظفر أنه مسئول عن الأسرى الذين يقعون في أيدي الصليبيين؛ فلم
يتوان في شراء حريتهم، فكان يرسل نوابه إلى الصليبيين لفداء الأسرى. وقد
أُحصي الأسرى الذين خلصهم من الأسر مدة حكمه فبلغوا ستين ألفًا ما بين رجل
وامرأة.

ظل مظفر الدين يحكم مدينة إربل نصف قرن من الزمان حتى جاوز عمره الثمانين
عامًا، ثم وافاه الأجل في يوم الأربعاء (8 من رمضان 630هـ- 1232م) في
إربل، وكانت له وصية أن يدفن بمكة، فلما توجه الركب إليها بجثمان مظفر
الدين ليدفن بها حالت أمور دون وصولهم، فرجعوا من الطريق ودفنوه بالكوفة
بالقرب من مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.‏
_________________

hazem3
10-09-2008, 09:40 PM
تقديم رائع محمد وبحق انا استمتعت جدا بتقديمك لهؤلاء الاعلام



اهو اتكلمت فصحي عشان محدش يزعل:y1:

محمد الثالث
10-09-2008, 10:11 PM
تقديم رائع محمد وبحق انا استمتعت جدا بتقديمك لهؤلاء الاعلام



اهو اتكلمت فصحي عشان محدش يزعل:y1:

شكرا يا باشا بس مش انا اللي كاتبهم
انا مجمعهم من المواقع
و جزاك الله خيرا علي ردك

محمد الثالث
11-09-2008, 07:27 PM
ما كاد أمير المؤمنين ، عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب سلفه سليمان
بن عبد الملك ، حتى بـادر يعيد النظر في أمراء الأمصار ، ويعزِل ويولِّي .
وكان في طليعة من استعمله " السمح بن مالك الخولاني " ..
فلقد أسند إليه ولاية الأندلس وما جاورها من المدن المفتوحة من بلاد فرنسا .


* * *


ألقى الأمير الجديد رحاله في بلاد الأندلس ، وانطلق يبحث عن أعوان الصدق والخير ؛ فقال لمن حوله :
أَبَقِيَ في هذه الديار أحد من التابعين ؟
فقالوا : نعم أيها الأمير .
إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي . .
ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله ، وفَهمِِهِ لحديث رسول الله ، وبلائه في
ميادين الجهاد ، وتشوقه إلى الاستشهاد ، وزهده بعَرَضِ الدنيا الشيء
الكثير ..
ثم قالوا له :
إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه ، وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ ..
وتأسّى به أعظم التأسي .


* * *


دعا السمح بن مالك الخولاني عبد الرحمن الغافقي إلى لقائه ، فلما جاءه رحب
به أكرم الترحيب وأدنى مجلسه منه ، ثم قعد ساعة من نهار يسأله عن كل ما
عنَّ له ...
ويستشيره في كثير مما أشكل عليه ...
فإذا هو فوق ما اُخبِرَ عنه ، وأعظم مما ذُكر له ، فعرض عليه أن يوليه عملاً من كبير أعماله في الأندلس .
فقال له : أيها الأمير ، إنما أنا رجل من عامة الناس ...
ولقد وفدت إلى هذه الديار لأقف على ثغر من ثُغُور المسلمين ...
ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل ...
وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض ...
وستجدني – إن شاء الله تعالى – ألزم لك من ظِلِّكَ ما لزمت الحق ...
وأطوع لك من بَنَانِكَ ما أطعت الله ورسوله ...
من غير ولاية ولا إمارة .


* * *


لم يمض غير قليل حتى عزم السمح بن مالك الخولاني على غزو فرنسا كُلها ، وضمها إلى عِقدِ دولة الإسلام العظمى .
وأن يتخذ من ديارها الرحبة طريقاً إلى دول البلقان ...
وأن يُفضي من دول البلقان إلى القسطنطينية ، تحقيقاً لبشارة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .
وكانت الخطـوة الأولى لتحقيق هذا الهدف الكبيـر ، إنما تتوقف علـى احتلال مدينـة ( أربُونَةَ ) .
ذلك أن ( أربونة ) كانت من أكبر المدن الفرنسية التي تُجاور بلاد الأندلس .
وكان المسلمون كلما انحدروا من جبال ( البِرِنيهِ ) ، وجدوها تنتصب أمامهم كما ينتصب المارد الجبار .
وهي فوق ذلك مِفتاح فرنسا الكبرى ...
ومطمح الطامحين إليها ...


* * *


حاصر السمح بن مالك الخولاني مدينة ( أربونة ) ، ثم عرض على أهلها الإسلام أو الجزية ... فعز عليهم ذلك وأبوه .
فهبَّ يهاجمهم الهجمة تلو الأخرى ، ويقذفهم بالمنجنيقات حتى سقطت المدينة
العريقة الحصينة في أيدي المسلمين بعد أربعة أسابيع من الجهاد البطولي
الذي لم تشهد أوروبا نظيراً له من قبل .
ثم بادر القائد المظفر المنتصر ، فتوجه بجيشه الجرَّار إلى مدينة ( تُولُوز ) عاصمة مقاطعة ( أوكتانيَةَ ) .
فنصب حولها المنجنيقات من كل جهة .
وقذفها بآلة الحرب التي لم تعرف لها أوروبا نظيراً من قبل .
حتى أوشكت المدينة المنيعة الحصينة أن تخر بين يديه .
عند ذلك وقع ما لم يكن في حُسبَان أحد .
فلنترك الحديث للمستشرق الفرنسي ( رينو ) ليسوق لنا خبر تلك المعركة .
قال ( رينو ) :-
"لما أصبح النصر قاب قوسين من المسلمين أو أدنى ، هبَّ ( دوق أوكتانية ) يستنفر لحربهم البلاد والعباد .
وأرسل رسله فطافوا أوروبا من أقصاها إلى أقصاها .
وأنذروا مُلُوكها وأمراءها باحتلال ديارهم ، وسَبيْ نسائهم وَوِلدانهم .
فلم يبق شعب في أوروبا إلا أسهم معه بأشد مقاتليه بأساً ، وأكثرهم عدداً ...
وقد بلغ من وفرة الجيش ، وعنف حركته ، وثقل وطأته ، ما لم تعرف له الدنيا
نظيراً له من قبل . . . حتى أن الغبار المتطاير تحت أقدامه قد حجب عن
منطقة ( الرُّون [rhone:نهر في سويسرا وفرنسا 812 كم من أغزر أنهار فرنسا
، يروي جينيف ، وليون Lyon ، وفالنس ، وفاينيون ، وآرل Arles ويصب في
المتوسط غرب مرسيليا]) عين الشمس .
ولما تدانى الجمعان خُيل للناس أن الجبال تلاقي الجبال ، ثم دارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم يعرف التاريخ لها مثيلاً من قبل .
وكان السمح أو ( ذاما ) كما كنا نسميه ، يَظهر أمام جنودنا في كل مكان .
ويتواثب أمام عسكره في كل اتجاه .
وفيما هو كذلك أصابته رميةٌ من سهم ، فخر صريعاً عن جواده .
فلما رآه المسلمون مجندلاً فوق الثرى ، فتَّ الموقف في عضدهم ...
وبدأت صفوفهم تتداعى ...
وأصبح في وسع جيشنا الجرار أن يبيدهم عن بكرة أبيهم ...
لولا أن تتدراكتهم العناية الربانية بقائد عبقري عرفته أوروبا فيما بعد ، هو عبد الرحمن الغافقي .
فتولَّى أمر انسحابهم بأقل قدر من الخسائر ، وعاد بهم إلى أسبانيا .
لكنه عقد العزم على أن يعيد الكرَّة علينا من جديد ..."


* * *


وبعدُ ...
فهل رأيت الغيوم كيف تنقشع عن البدر في الليلة الظلماء .
فيستضيء بنوره التائهون ...
ويهتدي بسناه الحيارى ؟ .
هكـذا انقشعت معركة ( تُولُوزَ ) عن بطل الإسلام الفـذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ...
وهل أبصرت العِطَاش المُوفِين على الهلاك في جوف الصحراء كيف يلوح لهم الماء .
فَيَمُدُون أيبديهم إليه .. ليغترفوا منه غرفة تَرُدُ إليهم الحياة ؟ .
هكذا مد جند المسلمين أيديهم إلى القائد العظيم ينشدون عنده النجاة ... ويبايعونه على السمع والطاعة ...
ولا غرو فقد كانت معركة ( تولوز ) أول جرح غائر أُصيب به المسلمون منذ وطئت أقدامهم أوروبا .
وكان عبد الرحمن الغافقي بَلْسَم هذا الجرح ...
واليد الحانية التي أحاطته بالعناية والرعاية ...
والقلب الكبير الذي أفاض عليه الحنان ...


* * *

أَرْمَضَت أنباء النكسة الكبرى التي مُنِيَ بها المسلمون في فرنسا فؤاد الخليفة في دمشق .
وأجَّج مصـرع البطل الكميِّ السمح بن مالك الخولاني في صدرها نارَ الحمية للأخذ بالثأر .
فأصدرَت أوامرها بإقرار الجند على مبايعتهم لعبد الرحمن الغافقي ..
وعهدَت إليه بإمارة الأندلس من أقصاها إلى أقصاها ..
وضمَّت إليه ما جاورها من الأراضي الفرنسية المفتوحة .
وأطلقت يده في العمل كيفما يشاء .
لا غرو فقد كان الغافقي حازماً صارماً ، تقياً نقياً .. حكيماً مقداماً ...


***


بادر عبد الرحمن الغافقي منذ أسندت إليه إمارة الأندلس ، يعمل على استعادة ثقة الجند بأنفسهم ...
واسترداد شعورهم بالعزة ، والقوة والغَلَبِ .
وتحقيق الهدف الكبير الذي طمح إليه قادة المسلمين في الأندلس .
ابتداء من موسى بن نصير [فاتح المغرب الأقصى والأندلس] ..
وانتهاءً بالسمح بن مالك الخولاني .
فلقد انعقدت همم هؤلاء الأبطال على الانطلاق من فرنسا إلى إيطاليا و ألمانيا .
والإفضاء منهما إلى القسطنطينية .
وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية ، وتسميته ببحر الشام ..
بدلاً من بحر الروم ...


* * *


لكنَّ عبد الرحمن الغافقي كان يوقن بأنَّ الإعداد للمعارك الكبرى إنما يبدأ بإصلاح النفوس .. وتزكيتها ....
ويعتقد أنه ما من أمةٍ تستطيع أن تحقق غاياتِها في النصر إذا كانت حُصُونُها مصدَّعة .. مهددة من الداخل ...
لذلك هبَّ يطوف بلاد الأندلس بلداً إثر بلد ، ويأمر المنادين أن ينادوا في الناس :-
من كانت له مظلمةٌ عند والٍ من الولاة .. أو قاضٍ من القضاة .. أو أحد من الناس فليرفعها إلى الأمير .
وأنَّه لا فرق في ذلك بين المسلمين وغيرِهم من المعاهدين .
ثمَّ طفق ينظر في المظالم مظلمةً مظلمةًَ .
فيقتص للضعيف من القويّ .... ويأخذ للمظلوم من الظالم .
ثم يجعل يحقق في أمر الكنائس المُغتَصَبَة ، والمستحدثة .
فَيَرُدُ ما قضت به العهود إلى أصحابه ...
ويَهدم ما بُنِيَ منها بالرِّشوة ...
ثم نظر في أمر عماله واحداً واحداً ....
فعَزَلَ من ثبتت لديه خيانتُهُ وانحرافُُهُ ...
وولّى مكانه من استوثق من حِكْمَتِهِ ، وحنكته وصلاحه .
وكان كلما أمَّ بلداً من البلدان دعا الناس إلى صلاة جامعة ، ثُم وقف فيهم خطيباً ، وانطلق يَحُضُّهم على الجهاد ...
ويُرَغِبهم في الاستشهاد ...
ويُمنيهم برضوان الله ، والفوز بثوابه .
وقد قرن عبد الرحمن القول بالفعل ، ودعَّم الآمال بالأعمال .
فطفق منذ اللحظة الأولى لولايته ، يعد العتاد ، ويستكمل السلاح .
ويُرمِّم المعاقل ، ويبني الحصون .
ويشيد الجسور ، ويُقيم القناطر ...
وكان من أعظم ما بناه قنطره ( قرطبة ) عاصمة الأندلس .
وقد شادها على نهر ( قرطبة ) العظيم ، ليعبر عليها الناس والجند ...
وتَقي البلاد ، وتصون العباد من شر الفيضان .
وتُعَدُّ هذه القنطرة من أعاجيب الدنيا .
فقد بلغ طولها ثمانِمِائة باع ...
وارتفاعها ستين باعاً ....
وعرضها عشرين ...
وبلغ عدد حناياها [أقواسها]ثماني عشرة حنيَّة ...
وعدد أبراجها تسعة عشر بُرجاً ...
وهي ما تزال قائمة تنعم بها إسبانيا حتى يومنا هذا ...


* * *

وقد دأب عبد الرحمن الغافقي على الاجتماع بقادة الجند ووجوه القوم في كل بلد يَحُلُّه .
وكان يُنصت بجوارحه إلى كل ما يقولون ...
ويُدون جميع ما يقترحون ...
ويتملَّى من سائر ما ينصحون .
وقد أخذ نفسه في هذه المجالس بأن يسمع كثيراً ، وأن يتكلم قليلاً .
وكما كان يلتقي الغافقي بأعيان المسلمين ...
فقد كان يجتمع مع كبار أهل الذمة من المعاهدين .
وكثيراً ما كان يُسائلهم عما خفِيَ عليه من أمور بلادهم ، وما يشغل باله من أحوال ملوكهم وقَوَّادِهِم ..


* * *


وفي ذات مرة استدعى أحد كبار المعاهدين من أبناء فرنسا ، وأدار معه حديثاً متشعباً ثم قال له :-
ما بال ملككم الأكبر "شارل" لا يتصدى لِحربنا ...
ولا ينصر ملوك المقاطعات علينا ؟!.
فقال : أيها الأمير ...
إنكم وفيتم لنا بما عاهدتمونا عليه ، فمن حقكم علينا أن نصدقُكُم القول فيما تسألوننا عنه ...
إن قائدكم الكبير موسى بن نصير قد أحكم قبضته على إسبانيا كلها ، ثم
طَمَحَت همّته لأن يجتاز جبال ( البِرنِيه ) التي تفصل بين ديار الأندلس
وبلادنا الجميلة .
فَجَفَلَ ملوك المقاطعات وقسسها إلى ملكنا الأعظم ، وقالوا له :
ما هذا الخزي الذي لصق بنا وبحفدتنا أبد الدهر أيُّها الملك ؟!.
فلقد كنا نسمع بالمسلمين سماعاً ...
ونخاف وثبتهم علينا من جهة مشرق الشمس ، وها هم أُولاء قد جاءُونا الآن من مغربها ...
فاستولوا على إسبانيا كلِّها ، وامتلكوا ما فيها من العُدَّة والعتاد ، واعتلوا قمم الجبال التي تفصل بيننا وبينهم .
مع أن عددهم قليل ...
وسلاحهم هزيل ...
وأكثرهم لا يمتلك دِرعاً تقيه ضربات السيوف ، أو جواداً يمتطيه إلى ساحات القتال .
فقال لهم الملك :
لقد فكرت فيما عنَّ على بالكم كثيراً ...
وأمعنت النظر فيه طويلاً .
فرأيت ألا نتعرض لهؤلاء القوم في وثبتهم هذه ، فإنهم الآن كالسيل الجارف
يقتلع كل ما يعترض طريقه ، ويحتمله معه ، ويُلقى به حيث يشاء .
ووجدت أنهم قوم لهم عقيدة ونية ، تُغنيان عن كثرة العدد ، ووفرة العُدَدِ ...
ولهم إيمان ، وصدق ، يقومان مقام الدروع ، والخيول ...
ولكن أمهلوهم حتى تمتلي أيديهم من الغنائم ..
ويتخذوا لأنفسهم الدُّور والقصور ...
ويستكثروا من الإماء والخدم ...
ويتنافسوا فيما بينهم على الرئاسة ...
فعند ذلك تتمكنون منهم بأيسر السبل ، وأقل الجهد .

فأطرق عبد الرحمن إطراقة حزينة ، وتنهَّد تنهَّداً عميقاً ، وفضَّ المجلس وقال :
حي على الصلاة ، فقد اقترب وقتها .


* * *


لبث عبد الرحمن الغافقي عامين كاملين يُعِدُ العُدةَ للغزو الكبير ...
فكتَّبَ الكتائب ، وعبَّأ الجنود ...
وشَحَذَ الهمم ، وعَمَّرَ القلوب ...
واستنجد بأمير إفريقية فأمدَّهُ بنخبة من الجند ، يتلظَّون شوقاً إلى الجهاد ...
ويتحرَّقون لهفةً على الاستشهاد ...
ثم أرسل إلى عثمان بن أبي نُسْعَةَ أمير الثغور بأن يُشاغِل الثغور بغاراته إلى أنْ يقْدَم عليه هو بجمهرة الجيش .
لكنَّ عثمان هذا كان ينضوي على ضغينة لكل أمير بعيد الهمَّة عظيم الطموح ،
يُقْدِمُ على عمل كبير يَرْفَع ذكره في الأنام ، ويُخمل غيره من الولاة
والعمَّال .
أضف إلى ذلك أنَّه قد ظفر في أحدى غاراته السابقة على فرنسا بابْنَة ( دوق أوكتانية ) وتدعى ( مينينَ ) .
وكانت ( مينينُ ) هذه فتاةً ريَّانة الشباب ، بارعة الجمال .
قد جمعت إلى فتنة الحُسْن عِزَّة الملك ...
ومَزجت بين رونق الصِّبا ودلال بنات القصور .
فشغفت فؤاده حُبْاً ، وهام بها وجداً ، وحَظيَتْ عنده كما لم تحظ زوجة .
وقد زينت له أن يُهادن أباها ، فعقد معه معاهدة .. أمَّنهُ فيها من غارات
المسلمين على مقاطعته التي كانت تُتَاخم الثغور الأندلسية .
فلما جاءه أمر عبد الرحمن الغافقي بالزحف على بلاد حَمِيهِ ( دوق أوكتانية ) سُقِطَ في يده ...
وبات حَيْران لا يدري ماذا يفعل ؟.
لكنَّه ما لبث فكتب إلى الأمير الغافقي يُراجعه فيما أمره به ، ويقول له :-
إنه لا يستطيع أن يَخْفِرَ عهد ( دوق أوكتانية ) قبل انقضاء أجله ...
فاستشاط عبد الرحمن الغافقي منه غضباً ...
وبعث إليه يقول :
إنَّ العهد الذي قطعته للفرنجة دون عهد أميرك لا يُلْزِمُهُ ، ولا يُلزم جيوش المسلمين بشيء .
وإن عليك أن تبادر إلى إنفاذ ما أمرتك به دون تردد أو تلكؤ .....
فلما يئس ابن أبي نُسْعَة من حمل الأمير على الإقلاع عن عزمه ، بعث إلى حميه رسولاً يُخْبِرَهُ بما جرى .
ويدعوه لأن يأخذ حِذره ....


* * *

لكنَّ عيون عبد الرحمن الغافقي كانت ترصد حركات ابن أبي نُسْعَة وسكناته .... فنقلت إلى الأمير أخبار اتصاله مع العدو .
فبادر الغافقي وجهّز كتيبة اختار رجالها من ذَوِي الشِّدَة والبأس ....
وعقد لوائها لمُجاهد من الكُمَاة المجرَّبين ..
وأمره بأن يأتي بعثمان بن أبي نُسْعَة حياً أو ميتاً .
باغتت الكتيبة ابن أبي نُسْعَة وأوشكت أن تظفر به لولا أنَّه نَذِرَ بها[وقف على أمرها وعلِمه] في آخر لحظة ..
ففرَّ إلى الجبال يصحبه عدَدٌ من رجاله ...
ومعه زوجته الحسناء ( مينين ) التي كان لا يفارقها أبداً ولا يرى الدنيا إلى بها .
فَمَضَت الكتيبة في إثره ، وأحاطت به وبمن معه .
فدافع عن نفسه وعن زوجته دِفاع الأسد عن شِبلهِ ...
وظلَّ يناضل دُونها حتَّى سَقَطَ قتيلاً ...
وفي جسمه ما لا يحصى من ضربات السيوف ، وطعنات الرِّماح .....
فاحتَزَّ الجنود رأسه ، وحملوه مع الأميرة الحسناء إلى عبد الرحمن الغافقي .
فلمَّا صارت بين يديه ورأى جمالها الباهر ، غَضَّ من طرْفِهِ ....
وأشاح عنها بوجهِهِ ...
ثم أرسلها هدية إلى دار الخلافة ...
فانتهت حياة الأميرة الفرنسية الحسناء في حرم الخليفة الأمويِّ في دمشق .

hazem3
11-09-2008, 08:07 PM
سلمت يداك ياباشا معلومات والوان احمدك يا رب بس انت ظبط الالوان المرة دي

مش المي الي كان قبل كده

تقبل تحياتي:f2:

محمد الثالث
12-09-2008, 01:21 AM
سلمت يداك ياباشا معلومات والوان احمدك يا رب بس انت ظبط الالوان المرة دي

مش المي الي كان قبل كده

تقبل تحياتي:f2:

اي خدمه يا باشا
هي الالوان بتاعه
قبل كده كانت وحشه؟؟
هي تعمي اينعم و كمان
الوان الطيف بس مش
وحشه و لا انتا ايه رأيك؟؟
ثانيا مين المي الي قل كده دي؟؟

محمد الثالث
12-09-2008, 06:21 PM
:f2:
الإسلام أمة جهادية، جعل الله عز وجل رزقها تحت ظل رمحها، وجعل الصغار على
من خالفها، وهى أيضاً أمة خاتم الرسل، وهى مكلفة بنشر الإسلام في ربوع
المعمورة، وإزالة كل قوى الكفر والشر التي تحول دون سماع دعوة الحق، تلك
القوى التي تحارب الدعاة لدين الله عز وجل، وتضع العوائق والحواجز ليبقى
الناس في ظلمات الشرك والجهل، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم ذلك
الأمر تماماً، فانطلقوا في ربوع ما علموه من المعمورة يدعون لدين الله،
ويحاربون كل قوى الكفر والشر، ليرفعوا راية 'لا إله إلا الله' لا
يعبد على الأرض سواه، وهذه واحدة من سلسلة طويلة من الفتوحات الإسلامية
التي تجلت فيها عظمة المنهج الإسلامي، ومنزلة الصحابة رضوان الله عليهم
ودورهم في نشر الدين .
:f2:


الخليفة أبو بكر وأرض العراق




بعد
أن انتهى القائد الكبير 'خالد بن الوليد' والمسلمين معه من حربه على
المرتدين من 'بني حنيفة' أتباع 'مسيلمة الكذاب' جاءته الأوامر من الخليفة
أبى بكر بالتوجه إلى الأراضي العراقية، مع عدم إكراه أحد من المسلمين على
مواصلة السير معه إلى العراق، ومن أحب الرجوع بعد قتال المرتدين
فليرجع،فانفض كثير من الجند، وعادوا إلى ديارهم، ليس خوفاً ولا فراراً من
لقاء 'الفرس' ولكن تعباً وإرهاقاً من حرب الردة، فلم يبقى مع 'خالد' سوى
ألفين من المسلمين .

***[وما
قام به 'أبو بكر' هو عين الصواب والبصيرة الثاقبة فإنه لن ينصر دين الله
إلا من كان عنده الدافع الذاتي، والرغبة التامة في ذلك، مع الاستعداد
البدني والنفسي لذلك، فمن تعلق بشواغل الدنيا، أو كان خاطره وقلبه مع بيته
وأهله لا يصمد أبداً في القتال، كما أن هذا الجهاد جهاد طلب، وهو فرض
كفاية كما قال أهل العلم ] .

العبقرية العسكرية

وضع
الخليفة 'أبو بكر' خطة عسكرية هجومية، تجلت فيها عبقرية 'الصديق' الفذة،
حيث أمر قائده 'خالد بن الوليد' أن يهجم على العراق من ناحية الجنوب، وفي
نفس الوقت أمر قائداً آخر لا يقل خبرة عن 'خالد بن الوليد' وهو 'عياض بن
غنم الفهرى' أن يهجم من ناحية الشمال، في شبه كماشة على العدو، ثم قال
لهما :{من وصل منكما أولاً إلى 'الحيرة' واحتلها فهو
الأمير على كل الجيوش بالعراق، فأوجد بذلك نوعاً من التنافس الشريف
والمشروع بين القائدين، يكون الرابح فيه هو الإسلام } .



كانت
أول مدينة قصدها 'خالد بن الوليد' هي مدينة 'الأبلة'، وكانت ذات أهمية
استراتيجية كبيرة، حيث أنها ميناء 'الفرس' الوحيد على الخليج العربي،
ومنها تأتى كل الإمدادات للحاميات الفارسية المنتشرة بالعراق، وكانت هذه
المدينة تحت قيادة أمير فارسي كبير الرتبة اسمه 'هرمز'، وقد اشتق من اسمه
اسم المضيق القائم حالياً عند الخليج العربي، وكان رجلاً شريراً متكبراً،
شديد البغض للإسلام والمسلمين، وللجنس العربي بأسره، وكان العرب بالعراق
يكرهونه بشدة، ويضربون به الأمثال فيقولون : {أكفر من هرمز ، اخبث من هرمز}،
فلما وصل 'خالد' بالجيوش الإسلامية هناك، وكان تعداد هذه الجيوش قد بلغ
ثمانية عشر ألفاً بعد أن طلب الإمدادات من الخليفة، أرسل برسالة للقائد
'هرمز' تبين حقيقة الجهاد الإسلامي، وفيها أصدق وصف لجند الإسلام، حيث جاء
في الرسالة :-

**{أما
بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا
تلومن إلا نفسك، فلقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة}.

[وهذا
أصدق وصف لجند الإسلام، وهو الوصف الذي جعل أعداء الإسلام يهابون
المسلمين، وهو النفحة الغالية التي خرجت من قلوب المسلمين، وحل محلها
'الوهن' الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبب تكالب الأمم
علينا، وهو كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم {حب الدنيا وكراهية الموت} ] .


حرب الاستنزاف

'هرمز'
يرفض الرسالة الإسلامية التي تدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ويختار بيده
مصيره المحتوم، ويرسل إلى كسرى يطلب الإمدادات، وبالفعل يرسل كسرى إمدادات
كبيرة جداً، ويجتمع عند 'هرمز' جيش جرار عظيم التسليح، ويبنى 'هرمز' خطته
على الهجوم على مدينة 'كاظمة' ظناً منه أن المسلمين سوف يعسكرون هناك،
ولكنه يصطدم أمام العقلية العسكرية الفذة للقائد 'خالد بن الوليد' .



قام
'خالد بن الوليد' بما يعرف في العلوم العسكرية الحديثة بحرب استنزاف،
ومناورات مرهقة للجيش الفارسي، فقام 'خالد' وجيشه بالتوجه إلى منطقة
'الحفير'، وأقبل 'هرمز' إلى 'كاظمة' فوجدها خالية وأخبره الجواسيس أن
المسلمين قد توجهوا إلى 'الحفير'، فتوجه 'هرمز' بسرعة كبيرة جداً إلى
'الحفير' حتى يسبق المسلمين، وبالفعل وصل هناك قبل المسلمين، وقام
بالاستعداد للقتال، وحفر خنادق، وعبأ جيشه، ولكن البطل 'خالد' يقرر تغير
مسار جيشه ويكر راجعاً إلى مدينة 'الكاظمة'، ويعسكر هناك ويستريح الجند
قبل القتال .



تصل
الأخبار إلى 'هرمز' فيستشيط غضباً، وتتوتر أعصابه جداً، ويتحرك بجيوشه
المرهقة المتعبة إلى مدينة 'الكاظمة' ليستعد للصدام مع المسلمين، وكان
'الفرس'أدرى بطبيعة الأرض وجغرافية المكان من المسلمين، فاستطاع 'هرمز' أن
يسيطر على منابع الماء بأن جعل نهر الفرات وراء ظهره، حتى يمنع المسلمين
منه، وصدق الحق عندما قال { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
} [216] سورة البقرة فقد كان سبباً لاشتعال حمية المسلمين وحماستهم ضد
الكفار، وقال 'خالد بن الوليد' كلمته الشهيرة تحفيزاً بها الجند : 'ألا انزلوا وحطوا رحالكم، فلعمر الله ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين' .



وقبل
أن يصطدم 'هرمز' قائد الجيوش الفارسية مع جيوش المسلمين أرسل بصورة الوضع
إلى كسرى، الذي قام بدوره بإرسال إمدادات كبيرة يقودها 'قارن بن قرباس'
يكون دورها الحفاظ على مدينة 'الأبلة' في حالة هزيمة 'هرمز' أمام
المسلمين، لأهمية هذه المدينة كما أسلفنا .

سلاسل الموت


كان
'هرمز' رجلاً متكبراً أهوجاً، لا يستمع إلا لصوت نفسه فقط، حيث رفض
الاستماع لنصائح قواده، وأصر على أن يربط الجنود 'الفرس' أنفسهم بالسلاسل،
حتى لا يفروا من أرض المعركة، كناية عن القتال حتى الموت، لذلك فقد سميت
المعركة بذات السلاسل .



**[والمسلمون أولى بهذا الصبر والثبات لأنهم على الحق والدين، وعدوهم على الباطل والكفر، وشتان بين الفريقين] .



كان
أول وقود المعركة وكما هو معتاد وقتها أيام الحروب أن يخرج القواد
للمبارزة، كان أول الوقود عندما خرج القائد الفارسي 'هرمز' لمبارزة القائد
المسلم 'خالد بن الوليد'، وكان 'هرمز' كما أسلفنا شديد الكفر والخيانة،
فاتفق مع مجموعة من فرسانه على أن يهجموا على 'خالد' ويفتكوا به أثناء
المبارزة ، وبالفعل خرج المسلم للقاء الكافر، وبدأت المبارزة، ولم يعهد أو
يعلم عن 'خالد بن الوليد' أنه هزم قط في مبارزة طوال حياته قبل الإسلام
وبعده ، وقبل أن تقوم مجموعة الغدر بجريمتهم الشريرة فطن أحد أبطال
المسلمين الكبار لذلك، وهو البطل المغوار 'القعقاع بن عمرو'، صنو 'خالد'
في البطولة والشجاعة، فخرج من بين الصفوف مسرعاً، وانقض كالأسد الضاري على
مجموعة الغدر فقتلهم جميعاً، وفي نفس الوقت أجهز 'خالد بن الوليد' على
الخائن 'هرمز' وذبحه كالنعاج، وكان لذلك الأمر وقعاً شديداً في نفوس
'الفرس'، حيث انفرط عقدهم، وانحل نظامهم لمقتل قائدهم، وولوا الأدبار،
وركب المسلمون أكتافهم، وأخذوا بأقفيتهم، وقتلوا منهم أكثر من ثلاثين
ألفاً، وغرق الكثير في نهر الفرات، وقتل المربطون بالسلاسل عن بكرة أبيهم،
وكانت هزيمة مدوية على قوى الكفر وعباد النار، وفر باقي الجيش لا يلوى على
شيء .


الفزع الكبير

لم
تنته فصول المعركة عند هذا الحد، فمدينة 'الأبلة' لم تفتح بعد، وهناك جيوش
قوية ترابط بها للدفاع عنها حال هزيمة جيوش 'هرمز' وقد كانت، ووصلت فلول
المنهزمين من جيش 'هرمز' وهى في حالة يرثى لها من هول الهزيمة، والقلوب
فزعة ووجلة، وانضمت هذه الفلول إلى جيش 'قارن بن قرباس' المكلف بحماية
مدينة 'الأبلة'، وأخبروه بصورة الأمر فامتلأ قلبه هو الآخر فزعاً ورعباً
من لقاء المسلمين، وأصر على الخروج من المدينة للقاء المسلمين خارجها،
وذلك عند منطقة 'المذار'، وإنما اختار تلك المنطقة تحديداً لأنها كانت على
ضفاف نهر الفرات، وكان قد أعد أسطولاً من السفن استعداداً للهرب لو كانت
الدائرة عليه، وكانت فلول المنهزمين من جيش 'هرمز' ترى أفضلية البقاء داخل
المدينة والتحصن بها، وذلك من شدة فزعهم من لقاء المسلمين في الميدان
المفتوح .



كان
القائد المحنك 'خالد بن الوليد' يعتمد في حروبه دائماً على سلاح الاستطلاع
الذي ينقل أخبار العدو أولاً بأول، وقد نقلت له استخباراته أن 'الفرس'
معسكرون 'بالمذار'، فأرسل 'خالد' للخليفة 'أبو بكر' يعلمه بأنه سوف يتحرك
للمذار لضرب المعسكرات الفارسية هناك ليفتح الطريق إلى الأبلة، ثم انطلق
'خالد' بأقصى سرعة للصدام مع 'الفرس'، وأرسل بين يديه طليعة من خيرة
'الفرسان'، يقودهم أسد العراق 'المثنى بن حارثة'، وبالفعل وصل المسلمون
بسرعة لا يتوقعها أحد من أعدائهم .

الفطنة العسكرية

عندما
وصل المسلمون إلى منطقة المذار أخذ القائد 'خالد بن الوليد' يتفحص
المعسكر، وأدرك بخبرته العسكرية، وفطنته الفذة أن الفزع يملأ قلوب
'الفرس'، وذلك عندما رأى السفن راسية على ضفاف النهر، وعندها أمر 'خالد'
المسلمين بالصبر والثبات في القتال، والإقدام بلا رجوع، وكان جيش 'الفرس'
يقدر بثمانين ألفاً، وجيش المسلمين بثمانية عشر ألفاً، وميزان القوى
المادي لصالح 'الفرس' .

خرج
قائد 'الفرس' 'قارن' وكان شجاعاً بطلاً، وطلب المبارزة من المسلمين فخرج
له رجلان 'خالد بن الوليد' وأعرابي من البادية، لا يعلمه أحد، اسمه 'معقل
بن الأعشى' الملقب 'بأبيض الركبان' لمبارزته، وسبق الأعرابي 'خالداً'،
وانقض كالصاعقة على 'قارن' وقتله في الحال، وخرج بعده العديد من أبطال
'الفرس' وقادته فبارز 'عاصم بن عمرو' القائد 'الأنوشجان' فقتله، وبارز
الصحابي الجليل 'عدى بن حاتم' القائد 'قباذ' فقتله في الحال، وأصبح الجيش
الفارسي بلا قيادة .



كان
من الطبيعي أن ينفرط عقد الجيش الفارسي بعد مصرع قادته، ولكن قلوبهم كانت
مشحونة بالحقد والغيظ من المسلمين، فاستماتوا في القتال على حنق وحفيظة،
وحاولوا بكل قوتهم صد الهجوم الإسلامي ولكنهم فشلوا في النهاية تحت وطأة
الهجوم الكاسح، وانتصر المسلمون انتصاراً مبيناً، وفتحوا مدينة 'الأبلة'،
وبذلك استقر الجنوب العراقي بأيدي المسلمين، وسيطروا على أهم مواني
'الفرس' على الخليج، وكان هذا الانتصار فاتحة سلسلة طويلة من المعارك
الطاحنة بين 'الفرس' والمسلمين على أرض العراق كان النصر فيها حليفاً
للمسلمين في جملتها، وانتهت بسقوط مملكة عباد النار .


المصادر


تاريخ الرسل والملوك .

الكامل في التاريخ .

الخلفاء الراشدين .

التاريخ الإسلامي .

البداية والنهاية .

تاريخ الخلفاء .

محاضرات في الأمم الإسلامية.

موسوعة التاريخ الإسلامي .

فتوح البلدان .

المنتظم .

محمد الثالث
13-09-2008, 05:02 PM
بعد
أن فتح الله عز وجل معظم بلاد 'العراق' للمسلمين، وذلك في أربعين يوماً
فقط، وبعد أن فتحت 'الحيرة' عاصمة الفرس العربية، وأهم مدينة بالعراق بعد
'المدائن'، جاء الأمر من الخليفة 'أبو بكر الصديق' 'لخالد بن الوليد' أن
يتوجه سريعاً لإنقاذ المسلمين المحاصرين في منطقة 'دومة الجندل'، وكنا قد
عرضنا من قبل في أثناء سردنا لبداية الحملة الجهادية لفتح العراق أن
الخليفة 'أبا بكر' قد كلف كلاً من 'خالد بن الوليد' من ناحية الجنوب،
و'عياض بن غنم' من ناحية الشمال ، ليوجد بذلك حالة من التنافس بينهما، حيث
جعل من يصل أولاً هو القائد العام ، فتقدم 'خالد'، وتعثر 'عياض' ومن معه،
وحوصروا في منطقة 'دومة الجندل'، حاصرتهم أعداد ضخمة من القبائل العربية
الموالية للفرس، وكان القائد 'خالد بن الوليد' تواقاً لأن يهجم على
المدائن عاصمة الفرس، لينهي الوجود الفارسي تماماً في العراق، ولكنه امتثل
لأوامر قائده العام الخليفة 'أبى بكر' .



**[النظام
والانضباط والجدية، وطاعة أولى الأمر في غير معصية الله عز وجل من أهم
عوامل النجاح، والله عز وجل علم أمة الإسلام درساً عظيماً في عاقبة مخالفة
الأوامر، وذلك يوم أحد، وبين ذلك بقوله عز وجل : {أَوَلَمَّا
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ} [165] سورة آل عمران 165


خطر الحاميات الفارسية

كان
القائد الحربي 'خالد بن الوليد' من الطراز النادر في إدارة العمليات
الحربية، بل ربما هو نسيج وحده، فقد رأى قبل التوجه لإنقاذ المسلمين
المحاصرين 'بدومة الجندل' ضرورة تأمين وضع المسلمين في المدن المفتوحة،
خاصة في ظل وجود حاميات فارسية قوية في المناطق المحيطة بمدينة 'الحيرة'
أهم مدن العراق، وعاصمة الفرس العربية، والتي كان لسقوطها في أيدي
المسلمين دوى كبير في أركان البيت الفارسي، وكانت هذه الحاميات تتركز فى
منطقتين هما : منطقتا 'الأنبار' و'عين التمر'، وبالفعل قرر 'خالد' الهجوم
على تلك الحاميات، وإزالة التهديد الفارسي للوجود الإسلامي بالحيرة .



لم
يكن 'خالد' من القواد الذين ينتظرون المفاجآت، بل كان يعمل دائماً على بث
عيونه واستخباراته قبل خوض أية معركة، وقد نقل له سلاح الاستطلاع أوضاع
المدينة من حيث موقعها، وموقفها التحصيني، وكانت هذه المدينة شديدة
التحصين مما يجعل مسألة السيطرة عليها أمراً صعباً، وذلك لعدة أسباب منها
: موقع هذه المدينة على الشاطئ الشرقي لنهر 'الفرات'، مما يجعل بين
المسلمين والفرس حاجزاً مائياً يهابه المسلمون، ومنها وجود أسوار منيعة
حول المدينة، هذا غير وجود خندق عميق متسع يحيط بالمدينة من كل ناحية،
ولكن كل ذلك لم يفت في عضد المسلمين وخطتهم الجهادية، وكان معظم أهل
المدينة من النصارى، وعليهم قائد فارسي اسمه 'شيرازاد'، وقد جعل 'خالد بن
الوليد' قائداً على هذه المعركة، وهو الصحابي 'الأقرع بن حابس'، رغم أنه
ليس من السابقين في الإسلام، ولكنه صاحب كفاءة حربية ممتازة .



**[الحكمة
تقتضي أن يتولى قيادة العمل من عنده الخبرة والكفاءة اللازمة لذلك العمل،
فالأصلح قد يكون ليس هو الأفضل دينياً، ولقد علمهم ذلك الرسول صلى الله
عليه وسلم عندما ولى 'عمرو بن العاص' قيادة جيش فيه 'أبو بكر' و'عمر'
و'أبو عبيدة' ولم يكن مر على إسلام 'عمرو' أربعة أشهر]

ذات العيون

بدأ
المسلمون زحفهم على المدينة الحصينة، فبدأوا أولاً باجتياز نهر 'الفرات'
على الرغم من فيضان مائه في ذلك الوقت، وعلى الضفة الأخرى كان الرعب
مستولياً على أهل المدينة، فلم يجرؤ أحد على الخروج من المدينة لصد العبور
الإسلامى، وذلك للسمعة الكبيرة للمسلمين وفتوحاتهم السريعة والهائلة في
أيام معدودات، والتي جعلت الجميع مكتوفي الأيدي، وبعد أن عبر المسلمون
ظهرت أولى محاولات المقاومة عندما قامت مجموعة من أهل المدينة بارتقاء
أسوارها، ورشق المسلمين بالسهام، وكان هذا الرمي وبالاً عليهم، إذ اكتشف
القائد الفذ 'خالد بن الوليد' أن هؤلاء المقاتلين سذج لا يعرفون شيئاً من
فنون القتال والرمي، ولا خبرة لهم بالحرب .



أمر
'خالد بن الوليد' كتيبة خاصة في الجيش الإسلامي مكونة من أمهر رماة العرب
برمي المحاربين رمياً واحداً كثيفاً، ويركزون على عيون المحاربين، وبالفعل
انطلقت تلك السهام كالطير الأبابيل، وأصابت هدفها بدقة بالغة، وفقأت قرابة
الألف عين، فصاح أهل المدينة جميعاً:'ذهبت عيون أهل الأنبار' وسمى هذا
اليوم بذات العيون، وصاحوا وماجوا، وعمتهم الفوضى وخرج 'شيرازاد' يسأل عن
الخبر، فلما علم أسرع لعقد صلح مع المسلمين، ولكنه اشترط شروطاً لا يقرها
الإسلام في الحرب، فلم يوافق 'خالد' عليها .



**[ ليس
كل صلح يوافق عليه، وليست كل معاهدة يصدق عليها، دون النظر لأوامر
الإسلام، وكم من معاهدة واتفاقية أخذت مطية لسلب الحقوق، واغتصاب الأرض
المسلمة، وما اتفاقية 'كامب ديفيد' و'أوسلوا' منكم ببعيد]


جسر الجمال

كان
الخندق المائي يمثل مشكلة حقيقية للمسلمين، لأنه عميق ومتسع، ويحيط
بالمدينة من كل مكان، ولكن ذلك لم يكن ليمنع الأسد الضاري 'خالد' صاحب
العقلية العسكرية الفذة، حيث قام بالدوران حول سور المدينة لدراسة هذا
الخندق جيداً، حتى وقف عند نقطة معينة من الخندق وتأملها طويلاُ، ثم تفتق
ذهنه عن فكرة عبقرية،حيث وقف على أضيق نقطة في الخندق، وأمر بذبح كل
الجمال الهزيلة والمريضة، وإلقائها عند هذه النقطة، فردم تلك النقطة بصنع
جسر من الجمال، واستطاع المسلمون أن يعبروا بسهولة، وأصبح الجيش المسلم
محيطاً بأسوار المدينة من كل مكان استعداداً لاقتحامها، فأسرع 'شيرازاد'
وطلب الصلح من 'خالد' بشروط الإسلام، على أن يخرج 'شيرازاد' سالماً بأهله
وماله إلى مكان آمن، فوفى له 'خالد' ذلك الشرط، وأبلغه مأمنة، ودخل
المسلمون المدينة وأمن الناس على معايشهم .



**[الوفاء بالعهد أصل قرآني حافظ عليه المسلمون في كل موطن، وكان سبب إسلام كثير من الناس] .



عندما
عاد 'شيرازاد' إلى قائد الفرس العام على العراق 'بهمن جاذوية' مهزوماً من
الأنبار لامه 'بهمن' بشدة على مصالحة المسلمين، والتفريط في هذه المدينة
الحصينة رغم ضخامة قواته، وكان 'شيرازاد' رجلاً عاقلاً فقال: 'إن هؤلاء
القوم ـ يعنى أهل الأنبار ـ قد قضوا على أنفسهم بالهزيمة عندما رأوا جيش
المسلمين، وإذا قضى قوم لأنفسهم بالهزيمة كاد هذا القضاء أن يلزمهم' ففهم
'بهمن' كلامه واقتنع به .



**[وصدق
شيرازاد فيما قاله، فإن الهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، هي الهزيمة
التي تحطم القلوب، وتفل العزائم، وتخور معها الهمم، فلا يستطيع صاحبها
معها أن يتقدم ولو خطوة واحدة للأمام، بل يظل عمره أسير ضعفه، ورهين وهمه،
فهلا تدبر ذلك المسلمون ؟ ! ] .


الغرور الصليبي

كانت
الحامية الأخرى متمركزة في مدينة عين التمر، وكانت على طريق 'دومة الجندل'
تراقب الأوضاع عن كثب، وكانت الحامية الموجودة 'بعين التمر' مكونة من
قوتين كبيرتين : قوة فارسية بقيادة 'مهران بن بهرام'، وقوة عربية نصرانية
مكونة من خليط من قبائل 'تغلب' و'إياد' بقيادة 'عقة بن أبى عقة'، وكان
أحمقاً مغروراً، دفع ثمن هذا الحمق والغرور غالياً، حيث طلب هذا الصليبي
الحاقد المغرور 'عقة' من القائد الفارسي 'مهران' أن يخلي الساحة ليقاتل هو
المسلمين وحده دون مساعدة من الفرس، وقال له : 'إن العرب أعلم بقتال
العرب، فدعنا وخالداً'، ولنا أن نفهم النفسية المريضة التي دفعت 'عقة'
لهذا الطلب الغريب، فالغرور والحقد والرغبة في الفخر والزهو، وتحقيق
الأمجاد بالانتصار على المسلمين، وقائدهم 'خالد بن الوليد' صاحب الراية
الميمونة، والانتصارات الباهرة كل ذلك دفع 'عقة' لهذا الطلب، بل تمادى في
غيه وغروره، وقرر الخروج لقتال المسلمين خارج المدينة : في الصحراء
المفتوحة، كأنه بذلك يسعى لحتفه بقدميه كما يقولون، لأن الصحراء المفتوحة
هي أصلاً ميدان المسلمين المفضل في القتال، وعندما سمع 'مهران' هذا الكلام
من 'عقة' قال له :'صدقت لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم مثلنا في
قتال العجم، دونكموهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم' ، وكان 'مهران' قد بيت في
نفسه أمراً، وهو الانسحاب من أمام المسلمين لعلمه أنهم لا يقهرون، وقد
انتقد قادة الفرس ذلك الأمر من 'مهران' وقالوا له : 'ما حملك على أن تقول
هذا القول لهذا الكلب' يعنون عقة، فقال لهم 'مهران' : 'دعونى، فإنى لم أرد
إلا ما هو خير لكم وشر لهم، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم،
فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على 'خالد' فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا
منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء ' .

**[ إن
أعداء الدين مهما حاول أحد خدمتهم ـ ولو بروحه ـ فلن يعدوا قدره عندهم إلا
قدر الكلب، كما قالت الفرس عن أعوانهم من العرب، وهكذا وصل أعداء الإسلام
لمآربهم الخبيثة قديما وحديثاً على أكتاف طابور طويل من الكلاب، وما أكثرهم ‍‍‍‍‍!! ] .

أسرع هزيمة في التاريخ

خرج
'عقة' المغرور ومن معه من العرب المتنصرة من المدينة للصدام مع المسلمين،
وأوغل في الصحراء غروراً منه لمبادرة المسلمين بالهجوم، ووصل إلى منطقة
'الكرخ' وعبأ قواته النصرانية، ووصل المسلمون إلى أرض المعركة وعبأ 'خالد'
الجيش بسرعة، وأستعد للقتال، ولم يكن 'خالد' قد رأى 'عقة' من قبل، ونظر
إليه نظرة الفاحص الخبير بنفوس المحاربين، فعلم أن هذا الرجل شديد الغرور،
فقرر القيام بحيلة بارعة شجاعة، جريئة في نفس الوقت، وهى خطف القائد 'عقة'
نفسه في عملية فدائية أشبه ما تكون بعمليات الصاعقة، فانتخب مجموعة خاصة
من أبطال المسلمين، وأطلعهم على الفكرة الجريئة، فوافق عليها الجميع،
فالكل أبطال، والجميع 'خالد'، وبالفعل انقض 'خالد' ومجموعته الفدائية على
صفوف العدو ـ وهم يقدرون بعشرات الآلاف ـ كما ينقض الأسد عل فريسته، وكان
'عقة' مشغولاً بتسوية الصفوف، واندهش العدو من هذه المجموعة الصغيرة التي
تهجم على عشرات الآلاف، ولم يفيقوا من هول الصدمة وإلا و'خالد' قد أسر
'عقة' وحمله بين يديه كالطفل الصغير وعاد به إلى صفوف المسلمين، وعندها
تجمدت الدماء في عروق العرب المتنصرة، وركبهم الفزع الشديد، ففروا من أرض
المعركة دون أن يسلوا سيفاً واحداً في أسرع هزيمة في التاريخ .

واصل
المسلمون سيرهم بعد هذه الضربة الخاطفة حتى وصلوا إلى أسوار المدينة، وكان
'مهران' وحاميته الفارسية قد عرفوا بما حل للمغرور 'عقة' ومن معه، ففروا
هاربين تاركين أعوانهم النصارى لمصيرهم المحتوم وعندها أسقط في يد نصارى
المدينة ماذا يفعلون ؟ فأرسلوا إلى 'خالد' يطلبون منه الصلح، ولكن
'خالداً' علم أن هؤلاء الذين يطلبون الصلح هم المحاربون الذين انهزموا في
أرض المعركة وهم بالتالي لا يستحقون الأمان والصلح، وإنما أجبرهم على ذلك
قرب أجلهم، ودنوا هزيمتهم، فرفض 'خالد' الصلح معهم، إذ لا أمان مع هؤلاء
الخونة الكفرة، الذين باعوا أنفسهم للمشركين الأصليين عباد النار، وقاتلي
بنى جلدتهم وأهل كتاب مثلهم، لا لشيء إلا بدافع الحقد والحسد، أصر 'خالد'
على عدم الصلح حتى ينزلوا على حكمه، وهذا معناه في عرف الحروب أن يكون
'خالد' مخيراً في فعل أي شيء معهم : يقتلهم، يسبيهم، يعفو عنهم، المهم
أنهم تحت حكمه وأمره، فلما يئس المتنصرة من نجدة الفرس لهم نزلوا على حكم
'خالد بن الوليد' ، فألقى القبض على جميع من يقدر على حمل السلاح ثم حكم
في الحال بإعدام المحاربين ، وبدأ بزعيمهم الأحمق 'عقة' وسبى الذرية
والأموال .



**[ ليس
في ذلك قسوة ولا غدر كما يظن البعض ممن يتعاطفون مع المنهزم وينسون
إجرامه، فما حدث لهم جزاء وفاقا لهؤلاء المحاربين الذين خرجوا وفي نيتهم
استئصال المسلمين بدافع من الحقد الصليبي المحض، كما أن هذا الحكم هو حكم
الله عز وجل كما حدث يوم أن حكم الصحابي 'سعد بن معاذ' بنفس الحكم على
إخوانهم في الحقد والشقاء يهود بنى قريظة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :' لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات']



وقد
وجد المسلمون بمدينة 'عين التمر' كنيسة يتعلم فيها أربعون صبياً الأنجيل،
فلم يتعرض لهم 'خالد' بالقتل، بل اعتبرهم من جملة السبي، وذلك من عدل
الإسلام، فلم يأخذ هؤلاء بجريرة بنى جلدتهم المقاتلين، وكان من بينهم شاب
اسمه 'نصير' هو أبو الفاتح الكبير 'موسى بن نصير' فاتح الأندلس، وأيضا
'سيرين' أبو عالم زمانه، ومفتى الأمة في عصره 'محمد بن سيرين' .



***** وبتلك
المعركة استطاع المسلمون إخلاء المنطقة الواقعة بين الحيرة ودومة الجندل
من أية قوات معادية للمسلمين، وهى مساحة تقدر بخمسمائة كيلومتر مربع .

سوما
23-12-2008, 03:32 PM
تسلم أيدك يا محمد....:y1: موضوع أكثر من رائع...:y:
فى أنتظار المزيد من الصفحات المشرقة دوماااااا.. :f2: