2-السيرة الوقائعية:









يعتبر كتاب الأيام للدكتور طه حسين نصاً محورياً يتمتع بموقع ريادي من الوجهتين الفنية والتاريخية ليس في السير الذاتية الوقائعية التي ينتمي لها فقط وإنما بين فن الترجمة الذاتية في أدبنا العربي على الإجمال.
وقبل أن نتكلم عن كتاب الأيام يجب علينا أعطاء نبذه عن السير الوقائعية التي ينتمي إليها النص.


السير الوقائعية هي الشكل الأكثر شيوعاً بين أشكال السير الذاتية، وتعتمد على وصف الأحداث والبيئة والتجربة الخارجية فهي تقلل الاهتمام بالصراعات النفسية، فيستغرق الكاتب في وصف البشر أو الأشخاص والأماكن والوقائع والأحداث، ولذلك وضعناها في الجانب الآخر للسير الروحية في نظرية الطيف، لكن هذا لا يعني أن السير الوقائعية تغفل تجربة صاحب الترجمة النفسية، لكن محورها واهتمامها الأول يتجه دائماً للعالم الخارجي بما يحدث فيه من خبرات وصلات إنسانية، وقد سماها النقاد العرب الصنف الإخباري المحض لأنها تهتم بالعنصر الإخباري وأن كانت التسمية تغفل الجانب الأدبي والفني الذي يوجد في أي نص أدبي والذي بدن الجانب الفني لا يكون نصاً أدبياً.
وتأتي ريادة الأيام (1926) والذي اعتبرناه أول سيرة ذاتية عربية في عصرنا الحديث لعدة أسباب:







1-
استيفائه شروط أدب السيرة الذاتية والتي لم توجد في السير التي سبقتها.







2-
اتصال الكاتب الدكتور طه حسين بالأدب الغربي الحديث وبخاصة الدب الفرنسي.







3-
امتلاك الكاتب الملكة الروائية والحبكة الفنية.







4-
تجربة الأيام تجربة مشوقة ومثيرة للفضول لأنه شخصاً كفيفا تغلب على إعاقته وتفوق على المبصرين.








(أ?)
أيام طه حسين- الأبوة الأولى وجهد التشكيل الفني.







أجمع النقاد على أن نص الأيام بما جاء فيه من نواحي فنية هو النص المؤسس لفن السيرة الذاتية في فننا العربي الحديث، فتاريخ بداية إملاء طه حسين للأيام 1926 هو بداية هذا الفن في أدبنا الحديث، وقد نشر طه حسين الأيام في أول المر في مجلة الهلال كحلقات ثم بدأ بعد ذلك بتجميعها في ثلاث أجزاء، وقد أرسى طه حسين بهذا النص في عقول الأدباء والنقاد أن البنية الفنية للسيرة الذاتية مهمة بقدر أحداث السيرة نفسها.
وقد تعامل النقاد مع الأيام بنمطين من القراءة أشار لهما الناقد البريطاني (فرانك كيرمورد) وهما نمط القراءة المبذولة أو الرائجة وهو القراءة التي تأخذ بظاهر الكتاب، والأخرى هي القراءة الفائقة وهي القراءة التي تتعامل مع النص بالنظرات التأويلية المركبة وكما يقول فرانك هي( قراءة طبقة أكاديمية لديهم الوقت الكافي للتحديق في الأسرار).


وبرغم كثرة الدراسات التحليلية لكتاب الأيام إلا أن كل باحث يجد الجديد الذي يستطيع إضافته، وأرى أن طه حسين كان يمكنه التركيز على محنته الخاصة وهي كف البصر ولكنه كان لديه الكثير ليتحدث عنه غير ذلك كمنجزاته في الجامعة المصرية والسربون ومعاركه الأدبية والسياسية، غير أن الأيام قد حاز الريادة الفنية من خلال ثلاثة جوانب محورية هي:








1-
إقرار المسافة الفعلية بين الراوي والمؤلف الفعلي:







أي الفصل بين المؤلف الفعلي والراوي، وأول من نادى بهذا الناقد (واين بوث) في كتابه (بلاغة القص) 1961 وميز فيه بين الراوي والمؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني الذي أطلق عليه النقاد لقب السلطة، ونرى ذلك في كتاب الأيام عندما يتكلم المؤلف عن نفسه بضمير الغائب، فاستخدام ضمير الغائب يفصل بين الراوي والمؤلف الفعلي مما يعطي السيرة جمالاً، ويسمى السرد هنا سرد بالضمير الثالث (أي الغائب) الذاتي أو القيصري، وسمي بالقيصري لأن أول من استخدم ذلك الأسلوب في كتابة السيرة الذاتية هو يوليوس قيصر ويكون الراوي هنا ذاتي أي يتخلى عن سلطة المؤلف الفعلي لتصبح سلطته ذاتية ليكون حيادياً، لكنه يمكن أن يتعاطف مع البطل ويتبنى آراءه، ونري بعض النقاط في ذاتية الراوي من خلال عده مظاهر منها.






·
هوية الضمير: أي هل الضمير مخاطب أم للغائب، ولكي نرى هذا الراوي لنقرأ أول سطور الأيام التي يقول فيها (لا يذكر لهذا اليوم اسماً، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهور) فهو يتكلم هنا عن نفسه ولكن بضمير الغائب.







·
الوسيط البصري: لكن إبعاد الراوي عن المؤلف الفعلي ليست فقط بهوية الضمير (غائب أو متكلم) لكن أيضا نراه في الأيام من خلال مظهر لم يوجد في المؤلف التاريخي (أي طه حسين نفسه) ولكنه وجد في الراوي وهو الوسيط البصري فالمؤلف التاريخي للأيام كان كفيفاً لكن الراوي استخدم حاسة البصر في كثير من المشاهد مثل وصف معلم اللغة الفرنسية الألباني والذي وصفه بقبح الشكل وعدم الإهتمام بالمظهر مع وصفه للمظنر وصفًا تفصيليًا ووصف صديقه الأزهري الذي ساعده في إعداد نسخ رسالة الدكتوراه.







·
العبارات الانطباعية المقتضبة: غير أن هذه الاستقلالية لم تمنع الراوي من أن يكون متعاطفاً مع المؤلف الفعلي، ولعل من أبرز مظاهر الذاتية هو لجوء الراوي في كثير من الأحيان للعبارات الانطباعية المقتضبة ذات المنحني العاطفي، مثلما ورد في وصفه لمشهد رفع جثة أخته الصغيرة عندما قال: (فيا له من يوم ويا لها من ضحايا ويا نكرها الساعة.) فهذا الموقف رفض فيه الراوي أن يقف في موضع محايد وشارك في المشهد بعبارات الحزن والأسى.







·
مخاطبة القارئ: ويخاطب القارئ لكي يحثه على التعاطف مثلاً كالمشهد الذي وصف فيه حذاء الشيخ المليء بالمسامير والذي يقول فيه (ففكر في الطالب الذي كانت تصيبه مسامير هذا الحذاء في وجهه أو فيما يبدو من جسمه)، غير أن تعاطف الراوي مع التحفيز الزائد قد تحول بالراوي تماماً من الحيادية للانحياز، مثل المواقف التي جمعت البطل وأستاذه في حلقة الأزهر محمد المهدي كقوله (ولأن الفتى كان يرده إلى الصواب فيظهر عليه الاضطراب).







2-
تعميق ما يسمى بالعنصر الإفضائي في السيرة الذاتية:







ويقصد به مجموعة الاعترافات التي يقوم بها كاتب السيرة، فيقوم بذكر أخطائه حتى ولو كانت مهينة وتأخذ أحياناً شكلاً مؤلماً، والعنصر الإفضائي يشيع مناخ حميمي بين الكاتب والقارئ ويعزز مصداقية العمل، فليس هناك بشراً منا لم يخطئ فليس من الطبيعي أن نرى سيرة مليئة بالبطولات والنجاحات بدون هفوة أو فشل أو خطأ، وكانت الأيام أول سيرة تستخدم العنصر الإفضائي في أدبنا العربي، وقد وفرت له بعض وسائل الإعداد الفني المحكم مثل:






·
نزوع الراوي للتبسط وإذابة الحاجز بينه وبين القارئ: مما عاد بثقة القاري في هذا العمل، ومن مظاهره لجوء الراوي لبعض العبارات الاستطرادية المقتضبة والتي تذكرنا بأدب السمر العربي مثل تعليقه على بعض سنين الدراسة في الأزهر والتي يقول فيها (ولكن لحديث هذا الدرس ساعة"من الدهر ما حانت ولا حان حينها" كما تقول بثينة في سلوها لجميل) فهو اقتباس شعري أراد به الراوي كسر رتابة السرد ليشيع جو الود الحميمي، أيضاً يؤكد هذا الملمح خفة ظل الراوي في الشاهد مثل ما ورد عند وصف القاضي الشرعي عند تركيزه على نطق الكلمة وما فيها من (قاف ضخمة وراء مفخمة) مما يحمل في طياته السخرية، أيضا ًتكراره لكلمة صاحبنا لوصف البطل أو الشخصية المركزية في العمل.







·
الاعتراف بأنه أثناء طفولته عندما كان يدرس في الكٌتاب كان يرشو ويرتشي وأنه كان يعود للبيت حافياً، وإن تحولت في بعض الأحيان لمشاهد مفعمة بالإيحاءات التأثيرية كمشهد الصبي وهو يمد يداه الاثنان في الطبق فيضحك الأخوة، ويتكرر نفس المشهد بعدما شب عن الطوق ليقع المرق فوق ثوبه، وكإقراره بخطأ كتابة أبيات والزعم أنها من تأليف أحد القراء، وكخوفه أثناء مناقشته في السربون، كل هذه الأحداث تبدو محرجه لصاحبها إلا أنه كتبها للأمانة.











3-
العناية برسم الشخوص وإضاءة العمق النفسي لكل من الشخصية والتجربة:







يأخذ بناء الشخصية في التحليل السردي ثلاث زوايا هم:






·
مدى توفيق المبدع من قدرة فنية على تأسيس الشخصيات سواء فكرها أو عواطفها أو حالاتها النفسية لكي يستوعبها القارئ.







·
دراسة التقنيات والوسائل التي وظفت فنياً لتقديم الشخوص في مظهريهما الفيزيقي (الجسدي) والنفسي.







·
دراسة نتائج تفاعل الشخوص وصراعاتها وهل كانت هذه الشخوص مركزية وثانوية قابلة للتصديق ومقنعة من حيث التماسك الفني داخل نسق السيرةويتضح من هذه السمة أن حبكة الصنعة الفنية تظهر في القدرة على صهر الشخوص من الواقع الخارجي لداخل التجربة السردية، ويكون هذا التجسيد بدأ من التجسيد الخارجي للشخصية مثل مظهرها أو صوتها أو لزماتها من العبارات، ويستلزم ذلك وصف الشخصية من الخارج ثم يتدرج بنا الراوي لداخل هذه الشخصية، ولعلنا نرى ذلك في رسم الراوي لشخصية البطل (الشخصية المركزية) وهو المؤلف الفعلي، فهو في هذا المشهد يبدأ بالوصف الخارجي: (وكان شيخنا الصبي قصيراً، نحيفاً شاحباً رزي الهيئة على نحو ما) ثم ينتقل في نفس القفرة لوصف الشخصية من الداخل: (ليس له من وقار الشيوخ ولا من حسن طلعتهم حظ قليل أو كثير)، غير أن الشخصية المركزية سيقتصر وصفها على عوالم الداخل لكي يبرز لنا الراوي تطورها مع تطور الأحداث ومرور السنين، وتتجلى هذه الدلالات النفسية في المشهد الذي نست فيه العائلة الصبي في القطار وطلب منه الحضور في مكتب التلغراف قراءة القرآن ووصفه لماه أحس به من الحزن لأن أسرته نسيته وما أحس به من مهانة.وغالباً ما كان التعرف على الشخصية من قبل الراوي يعتمد على عنصر الصوت كما كان سيدنا في الكتاب مشهور بلزمته (يا ساتر)، لكنه لم يقف عنده واستخدم عنصر اللون الذي اعتبرناه نوعاً من ذاتية الراوي عن المؤلف التاريخي.

وقد شهد الجزآن الثاني والثالث حشد عدد كبير من الشخصيات المختلفة في الثقافات والمجتمعات كشخصيات الرَبع الذي عاش فيه البطل عندما كان يدرس بالأزهر، ونرى في الجزء الثالث تجسيد الشخصيات المتدينة كبيئة الأزهر والجامعة المصرية والسربون، هذا بجانب الشخصيات النسائية، وكثرة هذه الشخصيات والتركيز على وصفها وصفاً عميقاً يوضح أن سيطرة المؤلف التاريخي على الراوي كانت قد أزيحت.
وقد تآزر عنصرا الزمان والمكان في تأكيد شمولية التجربة، وقد لوحظ أن الراوي قد استخدم حاسة الصوت كثيراً في وصف الأماكن وقد جاء الأيام بأوصافاً غير مسبوقة للمكان كتقسيم البيت لمرافق مادية ومرافق عقلية، فقد تحسس الراوي المكان بحاسة السمع، فبعد أن كان يحاول الفصل بينه وبين المؤلف التاريخي رأى أنه يمتلك ميزة القدرة على وصف المكان عن طريق الوسيط الصوتي والتي أعطت المكان بعداً جديداً علينا، فقد تخـلص من أي زوائد بـصرية لأن حاسة الصوت عنده نتعش الخيـال وتجعل المكان في حدود الممكن لا حدود اليقين (أي أننا يمكن أن نتخيله كما يحلوا لنا) وهو ما يجعل الخيال يتجاوز محدداتنا البصرية ليجعل المكان قوة فاعلة في العمل الأدبي، فمثلاً يقول عن الأزهر: (ولم يكن يعرف مما يحتويه الأزهر شيئاً، وإنما كان يكفيه أن تمس قدميه الحافيتين أرض هذا الصحن وأن يمس وجهه نسيم هذا الصحن)، ويلاحظ أن الأرض وقعت فاعلاً وهو أو قدميه وقعت مفعولا، فالأرض هي التي تلمسه.
أيضاً البعد الزماني الذي أكمل ما جاء في العنصر المكاني فلم يقيد نفسه بالمرجعيات الزمنية المباشرة، فمثلاً نرى ذلك في مشهد الافتتاح (لا يذكر لهذا اليوم اسماً) فهو لم يرد هذا الزمن ذي البعد الفلكي الذي تحركه عقارب الساعة لكنه أراد الإحساس بالزمن الداخلي النفسي للشخصية، وقد انفتح نص الأيام على الفنون النثرية الأخرى كالرسالة التي تخلل نص الأيام منها تسعة رسائل مثل رسالتيه لأبنه وابنته وهناك منها ما اخذ شكل المكاتبات الرسمية كرسالته للأمير فؤاد رئيس جامعة القاهرة، وقد ختم النص برسالة لأبنه وقد أصبح ذلك تقليداً للسير بعد ذلك كما جاء في (ها أنت أيها الوقت) للشاعر السوري أدونيس.









عيوب النص:






1.
الارتباك في استخدام المفردات المعجمية: فتارة يستخدم الراوي مستوى مفردات مثل (الدبس- الثمامة- ممعوداً- الوضر) وأحياناً أخرى يستخدم مفردات مثل: (فلوس- الشيشة-الدندرمة) مما أفقد النص في بعض الأحيان الانسجام.







2.
وجود الفاصل الزمني الطويل بين الجزء الأول الجزآن الثاني والثالث (عشر سنين) مما يشعر القارئ بوجود تفاوت فني كبير بين جماليات القسمين.





أرجو أن أكون قد عرضت النص بشكل جديد ومفيد وأرجو أن ينال إعجاب إخوتي
مع تحياتي