د. سلطان
14-08-2003, 02:01 PM
ما الأدب ؟؟؟
وما الفرق بين الأدب والعلم ؟؟
الأدب متشعب المطلب، متشعب الغرض ، فهو للغة ، وهو للقواعد ، وهو لدراسة رجال الأدب ، ودراسة البلاغة وغيرها ، وهو أيضا للعمل إلى الفن الجميل .. أو إن موضوعاته ودراساته وسيلة . أما الغاية فلا تعدو هذا الإنشاء الفني في المنظوم والمنثور …
لذلك آثرت أن أبحث في الفرق بين الأدب والعلم ، فأفهم معك الأدب فهما أنيسا يستقر في الروع ويسكن في الخلد .
هذه الفروق متداخلة متقاربة ، قد لا تريد أن تخلص من التشابك ، ولكنها في النهاية فروق ، معينة على التعريف بالأدب ، وموصلة إلى اتصال به صادق وصحيح ..
وأهم هذه الفروق :
أن العلم قد يبقى مجهولا لدينا إلى أن نتعلمه من أناس غيرنا ، والأدب قد نعرفه من دون الاستعانة بأحد أو من دون أن نتلقنه من أحد ، وأصح من ذلك أن نقول : إن العلم مفصول عنا مـأخوذ من غيرنا ، أو من حولنا على الأقل ، أما الأدب فليس مفصولا عنا مطلقا ، بل هو متصل بنا ، كامن بين جوانحنا ، وبين طيات نفوسنا .. فجدول الضرب لم نكن لنعرفه قبل أن نسمعه من أفواه الآخرين ، أو من قبل أن نقرأه في الكتب ، أما قصة الغرام والحقد ، والبخل والطمع ، وقول الشاعر :
أماني من ليلى عذاب كأنما
سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
منى إن تكن حقا تكن غاية المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أما هذه الأبيات وما فيها من معاني ونغمات؛ فشأن قد سكن في نفوسنا من قبل أن نسمع هذا الشعر، بل لم يزد هذا الشعر على أن ذكرنا بما عرفناه من صور وعواطف وبسط ما يكمن بين طيات نفوسنا منها..
انظروا إلى هذا الحوار الذي جرى بين ( لنكولن ) وبين ( إدوارد ورث ) على أثر حفلة كونيغسبرغ التي ألقى فيها لنكولن خطبته المشهورة في تحرير العبيد ..
عندما انتهت تلك الحفلة تقدم لنكولن من رفيقه، وقال له: إنك يا صاحبي، علمتني ما لم أكن أعلم.. فأجابه ورث، وهو كبير المحامين في عصره: "لو كان لي أن أقول في ساعتين بعض الذي قلت في دقائق معدودة لكنت من أسعد الناس “. ولو أنك ذكرت الآن جميع ما تعرف من القطع الأدبية التي تقصد إلى الجمال الفني، لأيقنت أنها كلها أو معظمها قطعة من نفسك، ولو أنك ذكرت الآن جميع ما تعرف من العلوم لعلمت أنها قطعة مضمومة إلى نفسك ، وحينئذ تقول : إن كل ما يتصل بالأدب الذي يقصد إلى الجمال الفني موجود في نفوسنا ، وكل ما يتصل بالعلم واصل إلينا عن غيرنا أو من حولنا ..
وإذا تبين لك الفرق بوضوح سرت بيسر كلمة ابن المقفع في نفسك: " البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها "…
وهناك فرق آخر بين العلم وبين الأدب، وهو أن الأدب يأخذ من الفكر بنصيب ومن الخيال والعاطفة بنصيب كبير.. وإن العلم يأخذ أكبر النصيب من الفكر، ثم يأخذ من الخيال والعاطفة بأيسر النصيب؛ فمن قيل له: إن سطح الكرة الأرضية يساوي ( 4بي ر 2 ) ثم أثبت له هذا الدستور فقد عمل فكره في أدق التفكير، وتركز على أجزاء دقيقة متصل بعضها ببعض، ولكن لا يشغل خياله إلا بتصور الكرة وسطحها، ولا تتحرك عاطفته إلا بمدى ضعيف لا يعدو رغبة الاستزادة من العلم.. أما من أنشد أبيات لبيد في الشيخوخة والهرم:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
لزوم العصا تحنو عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون التي مضت
أدبّ كأني كلما قمت راكع
فقد فكر بالشيخوخة في لمحة واحدة سريعة، ثم تخيل الموت وتراخيه، وعصا الهرم، وإصبع الشيخ وحديثه، ودبيبه على الأرض، وقيامه الذي يشبه الركوع، ورأي الخيال يجري في هدوء بين آفاق واسعة، مبسوطة تارة، ومتحركة أخرى، وأحس بالحزن يأخذه من أول الكلام إلى آخره .
ومن أمعن في عمل الذهن وهو مشغول ببحث الكرة ، أو ما يشبهها من البحوث ، ومن أمعن في عمل النفس وهي مشغولة بشعر لبيد ، أو بما يشبه هذا الشعر ، تبين له أن العلم يشغل الفكر ويعمل معه ، في أسرع نصيب ، فإذا شرك الخيال والعاطفة فيشركهما بأيسر نصيب ، وتبين له أن الأدب يشغل الخيال والعاطفة في أوسع نصيب ، ويشرك الفكر بنصيب دون ذلك ..
وقد قال طاغور: وصلت إلى ناغازاكي في الليل وكان معي نفر من اليابانيين من أهل تلك المدينة قلما أصبح الصباح قمت إلى المدينة أبحث متاحفها وآثارها ومعالمها وقصورها، فلم تمض أيام حتى صرت أعرف عن المدينة ما لا يعرفه أهلها الذين كانوا معي ونزلوا إليها ليلة وصلت.. وقد أعجبوا أيما إعجاب عندما عددت لهم ما علمت عنها في أيام قليلة، وقالوا إنك صرت أعرف منا بمدينتنا في بضعة أيام.. نعم.. صرت أعرف منهم بمدينتهم في بضعة أيام، ولكنني جهلت منها شأنا لا يمكن أن أعرفه، وهم يعرفونه، جهلت روح المدينة وامتزجوا بهذا الروح في جميع نفحاته.. كنت أحمل روح العالم، وكانوا يحملون أداة الأديب.. كنت مع أجزاء المدينة وكانوا معها كلها..
على ذلك وضح طاغور فرقا جديدا بين العالم وبين الأديب.. لقد وضح أن العلم يأخذ الأجزاء، والأديب قد لا يقف عند الأجزاء ولكنه يغب الكل وما في ذلك الكل من روح..
وبعد فالتفاح في المخازن يأخذه العلم، والتفاح في البستان يأخذه الأدب.. فمن دخل محلا تجاريا للتفاح وأخذ تفاحة، وبحث تركيبها وفيتاميناتها وأثرها في المعدة، أو بحث مع التاجر مواضع إصدارها ومواضع إنتاجها وفائدتها في رأس المال العام.., إلخ ..فقد بحث التفاح بحثا علميا.. أما من دخل البستان وصار إلى شجرة التفاح ورأى التفاحة ترف عليها الأوراق، ويمتزج الفيء والضوء عليها، وتجري الساقية من تحتها، وتمد ابنة البستاني ساعدها الملوح بالشمس لتقطفها، من وقف على التفاحة هذه الوقفة، فقد عمل عمل الأديب.. ومعنى ذلك هو أن العلم معين الحياة ومساعدها ومقويها، والأدب راصد الحياة أو هو الحياة نفسها..
بقي شيء واحد ينبغي لي أن أقوله: وهو أني ما أردت أن أرفع العلم على حساب الأدب، ولا أرفع الأدب على حساب العلم، وإنما أردت أن أبين الطريق إليهما، فيتعرف عليها القراء كما ظننت أنني عرفتهما؛ فجدول الضرب وإن كان يأتينا من حولنا، وإن كنا نستصغر شأنه بعدما حفظناه، فقد وصلنا بحفظه إلى كنوز لا تقدر بثمن، وقل مثل هذا في ضروب العلم كلها.
وكذلك ديوان المتنبي جزء من عبقرية العرب، وشكسبير والامبراطورية البريطانية سواء، وخطب الحجاج الفنية تعدل قوة الدولة الأموية..
وبعد؛ فإذا كان البشر مدينا للعلم بما وصل إليه من نعيم أو جحيم أو قوة؛ فالبشر مدين للأدب في إثارة القوة العلمية والخلقية، وفي المشي إلى الأمام، وفي فهم الحياة الناتجة عنها..
وقد قال ( جناب شهاب الدين ) الأديب التركي، لمصطفى كمال يوم قبض عليه وزج في السجن، قال له هذا الكاتب: أحسبت أنك وحدك الذي قمت بهذا الانقلاب ؟ فأجاب مصطفى كمال: أعلم أنك ونفرا مثلك مهدوا له ببيانهم الفذ في عشرات السنين.. وأطلق سراحه..
فأطلقوا سراح أقلامكم أيها المبدعون فإن الأدب يصوغ الحياة بكل جوانبها. [/SIZE][/FONT]
وما الفرق بين الأدب والعلم ؟؟
الأدب متشعب المطلب، متشعب الغرض ، فهو للغة ، وهو للقواعد ، وهو لدراسة رجال الأدب ، ودراسة البلاغة وغيرها ، وهو أيضا للعمل إلى الفن الجميل .. أو إن موضوعاته ودراساته وسيلة . أما الغاية فلا تعدو هذا الإنشاء الفني في المنظوم والمنثور …
لذلك آثرت أن أبحث في الفرق بين الأدب والعلم ، فأفهم معك الأدب فهما أنيسا يستقر في الروع ويسكن في الخلد .
هذه الفروق متداخلة متقاربة ، قد لا تريد أن تخلص من التشابك ، ولكنها في النهاية فروق ، معينة على التعريف بالأدب ، وموصلة إلى اتصال به صادق وصحيح ..
وأهم هذه الفروق :
أن العلم قد يبقى مجهولا لدينا إلى أن نتعلمه من أناس غيرنا ، والأدب قد نعرفه من دون الاستعانة بأحد أو من دون أن نتلقنه من أحد ، وأصح من ذلك أن نقول : إن العلم مفصول عنا مـأخوذ من غيرنا ، أو من حولنا على الأقل ، أما الأدب فليس مفصولا عنا مطلقا ، بل هو متصل بنا ، كامن بين جوانحنا ، وبين طيات نفوسنا .. فجدول الضرب لم نكن لنعرفه قبل أن نسمعه من أفواه الآخرين ، أو من قبل أن نقرأه في الكتب ، أما قصة الغرام والحقد ، والبخل والطمع ، وقول الشاعر :
أماني من ليلى عذاب كأنما
سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
منى إن تكن حقا تكن غاية المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أما هذه الأبيات وما فيها من معاني ونغمات؛ فشأن قد سكن في نفوسنا من قبل أن نسمع هذا الشعر، بل لم يزد هذا الشعر على أن ذكرنا بما عرفناه من صور وعواطف وبسط ما يكمن بين طيات نفوسنا منها..
انظروا إلى هذا الحوار الذي جرى بين ( لنكولن ) وبين ( إدوارد ورث ) على أثر حفلة كونيغسبرغ التي ألقى فيها لنكولن خطبته المشهورة في تحرير العبيد ..
عندما انتهت تلك الحفلة تقدم لنكولن من رفيقه، وقال له: إنك يا صاحبي، علمتني ما لم أكن أعلم.. فأجابه ورث، وهو كبير المحامين في عصره: "لو كان لي أن أقول في ساعتين بعض الذي قلت في دقائق معدودة لكنت من أسعد الناس “. ولو أنك ذكرت الآن جميع ما تعرف من القطع الأدبية التي تقصد إلى الجمال الفني، لأيقنت أنها كلها أو معظمها قطعة من نفسك، ولو أنك ذكرت الآن جميع ما تعرف من العلوم لعلمت أنها قطعة مضمومة إلى نفسك ، وحينئذ تقول : إن كل ما يتصل بالأدب الذي يقصد إلى الجمال الفني موجود في نفوسنا ، وكل ما يتصل بالعلم واصل إلينا عن غيرنا أو من حولنا ..
وإذا تبين لك الفرق بوضوح سرت بيسر كلمة ابن المقفع في نفسك: " البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها "…
وهناك فرق آخر بين العلم وبين الأدب، وهو أن الأدب يأخذ من الفكر بنصيب ومن الخيال والعاطفة بنصيب كبير.. وإن العلم يأخذ أكبر النصيب من الفكر، ثم يأخذ من الخيال والعاطفة بأيسر النصيب؛ فمن قيل له: إن سطح الكرة الأرضية يساوي ( 4بي ر 2 ) ثم أثبت له هذا الدستور فقد عمل فكره في أدق التفكير، وتركز على أجزاء دقيقة متصل بعضها ببعض، ولكن لا يشغل خياله إلا بتصور الكرة وسطحها، ولا تتحرك عاطفته إلا بمدى ضعيف لا يعدو رغبة الاستزادة من العلم.. أما من أنشد أبيات لبيد في الشيخوخة والهرم:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
لزوم العصا تحنو عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون التي مضت
أدبّ كأني كلما قمت راكع
فقد فكر بالشيخوخة في لمحة واحدة سريعة، ثم تخيل الموت وتراخيه، وعصا الهرم، وإصبع الشيخ وحديثه، ودبيبه على الأرض، وقيامه الذي يشبه الركوع، ورأي الخيال يجري في هدوء بين آفاق واسعة، مبسوطة تارة، ومتحركة أخرى، وأحس بالحزن يأخذه من أول الكلام إلى آخره .
ومن أمعن في عمل الذهن وهو مشغول ببحث الكرة ، أو ما يشبهها من البحوث ، ومن أمعن في عمل النفس وهي مشغولة بشعر لبيد ، أو بما يشبه هذا الشعر ، تبين له أن العلم يشغل الفكر ويعمل معه ، في أسرع نصيب ، فإذا شرك الخيال والعاطفة فيشركهما بأيسر نصيب ، وتبين له أن الأدب يشغل الخيال والعاطفة في أوسع نصيب ، ويشرك الفكر بنصيب دون ذلك ..
وقد قال طاغور: وصلت إلى ناغازاكي في الليل وكان معي نفر من اليابانيين من أهل تلك المدينة قلما أصبح الصباح قمت إلى المدينة أبحث متاحفها وآثارها ومعالمها وقصورها، فلم تمض أيام حتى صرت أعرف عن المدينة ما لا يعرفه أهلها الذين كانوا معي ونزلوا إليها ليلة وصلت.. وقد أعجبوا أيما إعجاب عندما عددت لهم ما علمت عنها في أيام قليلة، وقالوا إنك صرت أعرف منا بمدينتنا في بضعة أيام.. نعم.. صرت أعرف منهم بمدينتهم في بضعة أيام، ولكنني جهلت منها شأنا لا يمكن أن أعرفه، وهم يعرفونه، جهلت روح المدينة وامتزجوا بهذا الروح في جميع نفحاته.. كنت أحمل روح العالم، وكانوا يحملون أداة الأديب.. كنت مع أجزاء المدينة وكانوا معها كلها..
على ذلك وضح طاغور فرقا جديدا بين العالم وبين الأديب.. لقد وضح أن العلم يأخذ الأجزاء، والأديب قد لا يقف عند الأجزاء ولكنه يغب الكل وما في ذلك الكل من روح..
وبعد فالتفاح في المخازن يأخذه العلم، والتفاح في البستان يأخذه الأدب.. فمن دخل محلا تجاريا للتفاح وأخذ تفاحة، وبحث تركيبها وفيتاميناتها وأثرها في المعدة، أو بحث مع التاجر مواضع إصدارها ومواضع إنتاجها وفائدتها في رأس المال العام.., إلخ ..فقد بحث التفاح بحثا علميا.. أما من دخل البستان وصار إلى شجرة التفاح ورأى التفاحة ترف عليها الأوراق، ويمتزج الفيء والضوء عليها، وتجري الساقية من تحتها، وتمد ابنة البستاني ساعدها الملوح بالشمس لتقطفها، من وقف على التفاحة هذه الوقفة، فقد عمل عمل الأديب.. ومعنى ذلك هو أن العلم معين الحياة ومساعدها ومقويها، والأدب راصد الحياة أو هو الحياة نفسها..
بقي شيء واحد ينبغي لي أن أقوله: وهو أني ما أردت أن أرفع العلم على حساب الأدب، ولا أرفع الأدب على حساب العلم، وإنما أردت أن أبين الطريق إليهما، فيتعرف عليها القراء كما ظننت أنني عرفتهما؛ فجدول الضرب وإن كان يأتينا من حولنا، وإن كنا نستصغر شأنه بعدما حفظناه، فقد وصلنا بحفظه إلى كنوز لا تقدر بثمن، وقل مثل هذا في ضروب العلم كلها.
وكذلك ديوان المتنبي جزء من عبقرية العرب، وشكسبير والامبراطورية البريطانية سواء، وخطب الحجاج الفنية تعدل قوة الدولة الأموية..
وبعد؛ فإذا كان البشر مدينا للعلم بما وصل إليه من نعيم أو جحيم أو قوة؛ فالبشر مدين للأدب في إثارة القوة العلمية والخلقية، وفي المشي إلى الأمام، وفي فهم الحياة الناتجة عنها..
وقد قال ( جناب شهاب الدين ) الأديب التركي، لمصطفى كمال يوم قبض عليه وزج في السجن، قال له هذا الكاتب: أحسبت أنك وحدك الذي قمت بهذا الانقلاب ؟ فأجاب مصطفى كمال: أعلم أنك ونفرا مثلك مهدوا له ببيانهم الفذ في عشرات السنين.. وأطلق سراحه..
فأطلقوا سراح أقلامكم أيها المبدعون فإن الأدب يصوغ الحياة بكل جوانبها. [/SIZE][/FONT]