د. سلطان
10-08-2003, 01:21 AM
هذا هو الرجل
الإمام أحمد بن حنبل من أئمة اللغة
الباحثون في سير الرجال تعودوا تزيين صدر مؤلفاتهم بما قيل في القديم والحديث عن سيرة الرجل الذي يكتبون عنه، رمزا لمقامه في التاريخ، وتبيانا لوزنه بين العظماء..
وأما أنا، فلا أجدني بحاجة إلى ذلك، لأن اسم أحمد بن حنبل - رحمه الله - مجرد عن كل لقب، فوق كل ما قيل أو يقال..
حسبه أنه إذا ذكرته الألسنة يتمثل بين أيدي أصحابها:
- الجد، والحزم، والزهد.
- الثبات على المبدأ، والحق.
- الصبر على جور الحكام.
- السنة المطهرة علما، وعملا..
- الفقه الملتزم الحي.
ولذلك في الفقه وعلوم الشريعة لا يزيده الوصف تعريفا، ولا الثناء رفعة، بل هو كالجمال لا يزدان بالعقد بل يحلو به العقد..
لا يتنازع اثنان على إمامته في الفقه، وعلوم الشريعة، ولكن القليل من يعرف أنه إمام في اللغة أيضا، وهذا هو مدار حديثي هنا.
شهد الشافعي لأحمد بن حنبل- رحمهما الله - بأنه في اللغة المقدسة إمام..
والشافعي ليس الفقيه الكبير، والمحدث، والأصولي الرائد فحسب، وإنما هو من كبار أهل اللغة، وكتبه شاهد صدق على ذلك.
وليس قول الشافعي عن ابن حنبل بغريب، فقد علم القاصي والداني عروبته الأصيلة، وأنه حفظ القرآن صغيرا، وتلقى الحديث الشريف يافعا، وبقي عمره لا شغل له إلا: قال الله... وقال الرسول...وأقوال السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وهم من نعرف فصاحتهم، وبلاغتهم.. فأي نبع ثر لإتقان اللغة، والتقدم بعلومها يعدل ذلك، أو يدنو منه ؟
فإذا علمنا أن ثقافة المرء أكبر مصدر للغته، فإن دراسته لإعجاز القرآن، وسحر بيان المصطفى - عليه الصلاة والسلام - واتجاهه لدراسة العلوم خير دليل على سعة علمه في اللغة.
اتجه الإمام أحمد لدراسة اللغة، فجلس بين يدي إسحق بن مرار الشيباني، أحد أئمة اللغة والشعر، تلميذ المفضل الضبي، وبقي ملازما له مدة من الزمن.. حتى قال: "كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمر و الشيباني".
لقد ترك هذا الزاد عند أحمد بن حنبل قدرة على الأداء بلغة صحيحة، حتى كان لا يلحن إن تكلم، بل إنه كان وقت المحنة، وكل صور الرعب تحيط به، لم يلحن في الأيام الثلاثة التي كانت تعقد بها مجالس استجوابه..
وكان قد بلغ من حرصه على هذه اللغة أنه كان يشتد على أولاده، وبناته، حتى لا يلحن أحدهم، وربما ضرب على اللحن..
وقد أعانه ذلك على سهولة الإجابة عما يرده من أسئلة تتعلق بمفردات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، يفسرها بأوضح تفسير وأدقه..
وما بالك برجل كان أئمة اللغة في عصره: ثعلب، وقطرب، وأبو عبيد القاسم بن سلام، من جلسائه، وأصدقائه، وأهل محاورته..
وقد بلغ الأمر أن ثعلبا وفد عليه، فقال له: فيم تنظر ؟ فقال: في النحو، والعربية. فأنشده ابن حنبل:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعـــة ولا أن ما يخفـى عليه يغيب
لهونا عـن الأيام حتى تتابعـت ذنوب على آثارهن ذنـوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضــى ويأذن في توباتــنا فنتوب
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيه وخلفت في قرن فأنت غريب
وكثيرا ما كان يردد :
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
وقال في حق الإمام الشافعي:
إن نختلف نسبا يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد
أو افترق ماء الوصال فوردنا عذب تحدر من إناء واحد
ولم أقف له على أشعار غيرها، ويظهر أنه كان قليل النظم، إذ لم يعرف بذلك، كما عرف الإمام الشافعي.
وإنك لتلمح في هذا الشعر على قلته جزالة اللفظ، وقوة السبك، وشاعرية غلب عليها الالتزام، والحكمة، والوعظ.. وهل نترقب منه إلا ذلك ؟
ولئن فاتنا شعره، فإن طلابه نقلوا بعد وفاته عنه جملا فيها قوة بيان، وفصاحة عبارة، تصلح أن تكون من مأثور القول، والحكم..منها:
سُئل عن الزهد في الدنيا.فقال: "قصر الأمل، والإياس مما في أيدي الناس".
"إذا نزع الحياء من الإنسان، نزع منه الخير".
"سُئل لم لا تصحب الناس؟.قال:لوحشة الفراق".
" يؤكل الطعام لثلاث:مع الإخوان بالسرور، ومع الفقراء بالإيثار، ومع أبناء الدنيا بالمروءة".
" جاء إليه رجل، فكلمه بشيء، أو سأله عن شيء، فقال لأحمد:جزاك الله عن الإسلام خيرا..
فغضب أبو عبد الله،وقال له:من أنا حتى يجزني الله عن الإسلام خيرا؟ بل جزى الله الإسلام عني خيرا".
" رأس العلم خشية الله".
" حسن الخلق: أن لا تغضب، ولا تحقد، وأن تحتمل ما يكون من الناس".
" قيل لأبي عبد الله:أي شيء صدق التوكل على الله.؟.
قال:أن يتوكل على الله، ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإذا كان كذلك، كان الله يرزقه، وكان متوكلا.. "
ومن دعائه:
"اللهم من كان على هوى، أو على رأي، وهو يظن أنه على حق، فرده إلى الحق، حتى لا يضل من هذه الأمة أحد.
اللهم لاتشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولا لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا حيث أمرتنا، أعزنا، ولا تذلنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعصية".
"الفائز من فاز غدا، ولم يكن لأحد عنده تبعة "
" ليس يحرز المؤمن إلا حضرته. الأعمال بخواتيمها"
" الإيمان منوط بالإحسان، والتوبة رأس مال المتيقن."
" إن الفقر أشرف من الغنى، وإن الصبر أعظم مرارة، وانزعاجه أعظم حالا من الشكر".
" الخير فيمن لا يرى في نفسه خيرا."
" الزم التقوى قلبك،وانصب الآخرة أمامك."
" سُئل أحمد:بم تلين القلوب ؟.قال بأكل الحلال."
" الرزق مقسوم، لا زيادة فيه ولا نقصان. وإن الزيادة فيه أن يلهمه الله تعالى إنفاقه في طاعة، فيكون ذلك زيادة ونماء.وكذلك الأجل لايُزاد ولا يُنقص فيه. ووجه الزيادة في الأجل، أن يلهمه الله الطاعة، فيكون مطيعا في عمره، فبالطاعة يزيد، وبالمعاصي ينقص، وأما المدة عنده، فلا تزيد، ولاتنقص.وقرأ <لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".
مرض تلميذه بقيّ بن مخلد، فعاده، فقال:يا أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله، أيام الصحة لاسقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها. أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية.
رحم الله الإمام أحمد، وجزاه الله عنا خير الجزاء، فقد كان من بين الرجال العظماء الذين جمعوا العلوم من أعظم مناهلها وأشرفها.
وأخيرا أيها الأخوة الأعزاء رواد المنتدى هذه واحدة من سلسلة مقالات عن جانب من الجوانب غير المعروفة من شخصياتنا العربية التي ساهمت في صنع التاريخ ، وإلى اللقاء مع شخصية ثانية إن شاء الله .
الإمام أحمد بن حنبل من أئمة اللغة
الباحثون في سير الرجال تعودوا تزيين صدر مؤلفاتهم بما قيل في القديم والحديث عن سيرة الرجل الذي يكتبون عنه، رمزا لمقامه في التاريخ، وتبيانا لوزنه بين العظماء..
وأما أنا، فلا أجدني بحاجة إلى ذلك، لأن اسم أحمد بن حنبل - رحمه الله - مجرد عن كل لقب، فوق كل ما قيل أو يقال..
حسبه أنه إذا ذكرته الألسنة يتمثل بين أيدي أصحابها:
- الجد، والحزم، والزهد.
- الثبات على المبدأ، والحق.
- الصبر على جور الحكام.
- السنة المطهرة علما، وعملا..
- الفقه الملتزم الحي.
ولذلك في الفقه وعلوم الشريعة لا يزيده الوصف تعريفا، ولا الثناء رفعة، بل هو كالجمال لا يزدان بالعقد بل يحلو به العقد..
لا يتنازع اثنان على إمامته في الفقه، وعلوم الشريعة، ولكن القليل من يعرف أنه إمام في اللغة أيضا، وهذا هو مدار حديثي هنا.
شهد الشافعي لأحمد بن حنبل- رحمهما الله - بأنه في اللغة المقدسة إمام..
والشافعي ليس الفقيه الكبير، والمحدث، والأصولي الرائد فحسب، وإنما هو من كبار أهل اللغة، وكتبه شاهد صدق على ذلك.
وليس قول الشافعي عن ابن حنبل بغريب، فقد علم القاصي والداني عروبته الأصيلة، وأنه حفظ القرآن صغيرا، وتلقى الحديث الشريف يافعا، وبقي عمره لا شغل له إلا: قال الله... وقال الرسول...وأقوال السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وهم من نعرف فصاحتهم، وبلاغتهم.. فأي نبع ثر لإتقان اللغة، والتقدم بعلومها يعدل ذلك، أو يدنو منه ؟
فإذا علمنا أن ثقافة المرء أكبر مصدر للغته، فإن دراسته لإعجاز القرآن، وسحر بيان المصطفى - عليه الصلاة والسلام - واتجاهه لدراسة العلوم خير دليل على سعة علمه في اللغة.
اتجه الإمام أحمد لدراسة اللغة، فجلس بين يدي إسحق بن مرار الشيباني، أحد أئمة اللغة والشعر، تلميذ المفضل الضبي، وبقي ملازما له مدة من الزمن.. حتى قال: "كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمر و الشيباني".
لقد ترك هذا الزاد عند أحمد بن حنبل قدرة على الأداء بلغة صحيحة، حتى كان لا يلحن إن تكلم، بل إنه كان وقت المحنة، وكل صور الرعب تحيط به، لم يلحن في الأيام الثلاثة التي كانت تعقد بها مجالس استجوابه..
وكان قد بلغ من حرصه على هذه اللغة أنه كان يشتد على أولاده، وبناته، حتى لا يلحن أحدهم، وربما ضرب على اللحن..
وقد أعانه ذلك على سهولة الإجابة عما يرده من أسئلة تتعلق بمفردات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، يفسرها بأوضح تفسير وأدقه..
وما بالك برجل كان أئمة اللغة في عصره: ثعلب، وقطرب، وأبو عبيد القاسم بن سلام، من جلسائه، وأصدقائه، وأهل محاورته..
وقد بلغ الأمر أن ثعلبا وفد عليه، فقال له: فيم تنظر ؟ فقال: في النحو، والعربية. فأنشده ابن حنبل:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعـــة ولا أن ما يخفـى عليه يغيب
لهونا عـن الأيام حتى تتابعـت ذنوب على آثارهن ذنـوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضــى ويأذن في توباتــنا فنتوب
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيه وخلفت في قرن فأنت غريب
وكثيرا ما كان يردد :
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
وقال في حق الإمام الشافعي:
إن نختلف نسبا يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد
أو افترق ماء الوصال فوردنا عذب تحدر من إناء واحد
ولم أقف له على أشعار غيرها، ويظهر أنه كان قليل النظم، إذ لم يعرف بذلك، كما عرف الإمام الشافعي.
وإنك لتلمح في هذا الشعر على قلته جزالة اللفظ، وقوة السبك، وشاعرية غلب عليها الالتزام، والحكمة، والوعظ.. وهل نترقب منه إلا ذلك ؟
ولئن فاتنا شعره، فإن طلابه نقلوا بعد وفاته عنه جملا فيها قوة بيان، وفصاحة عبارة، تصلح أن تكون من مأثور القول، والحكم..منها:
سُئل عن الزهد في الدنيا.فقال: "قصر الأمل، والإياس مما في أيدي الناس".
"إذا نزع الحياء من الإنسان، نزع منه الخير".
"سُئل لم لا تصحب الناس؟.قال:لوحشة الفراق".
" يؤكل الطعام لثلاث:مع الإخوان بالسرور، ومع الفقراء بالإيثار، ومع أبناء الدنيا بالمروءة".
" جاء إليه رجل، فكلمه بشيء، أو سأله عن شيء، فقال لأحمد:جزاك الله عن الإسلام خيرا..
فغضب أبو عبد الله،وقال له:من أنا حتى يجزني الله عن الإسلام خيرا؟ بل جزى الله الإسلام عني خيرا".
" رأس العلم خشية الله".
" حسن الخلق: أن لا تغضب، ولا تحقد، وأن تحتمل ما يكون من الناس".
" قيل لأبي عبد الله:أي شيء صدق التوكل على الله.؟.
قال:أن يتوكل على الله، ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإذا كان كذلك، كان الله يرزقه، وكان متوكلا.. "
ومن دعائه:
"اللهم من كان على هوى، أو على رأي، وهو يظن أنه على حق، فرده إلى الحق، حتى لا يضل من هذه الأمة أحد.
اللهم لاتشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولا لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا حيث أمرتنا، أعزنا، ولا تذلنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعصية".
"الفائز من فاز غدا، ولم يكن لأحد عنده تبعة "
" ليس يحرز المؤمن إلا حضرته. الأعمال بخواتيمها"
" الإيمان منوط بالإحسان، والتوبة رأس مال المتيقن."
" إن الفقر أشرف من الغنى، وإن الصبر أعظم مرارة، وانزعاجه أعظم حالا من الشكر".
" الخير فيمن لا يرى في نفسه خيرا."
" الزم التقوى قلبك،وانصب الآخرة أمامك."
" سُئل أحمد:بم تلين القلوب ؟.قال بأكل الحلال."
" الرزق مقسوم، لا زيادة فيه ولا نقصان. وإن الزيادة فيه أن يلهمه الله تعالى إنفاقه في طاعة، فيكون ذلك زيادة ونماء.وكذلك الأجل لايُزاد ولا يُنقص فيه. ووجه الزيادة في الأجل، أن يلهمه الله الطاعة، فيكون مطيعا في عمره، فبالطاعة يزيد، وبالمعاصي ينقص، وأما المدة عنده، فلا تزيد، ولاتنقص.وقرأ <لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".
مرض تلميذه بقيّ بن مخلد، فعاده، فقال:يا أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله، أيام الصحة لاسقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها. أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية.
رحم الله الإمام أحمد، وجزاه الله عنا خير الجزاء، فقد كان من بين الرجال العظماء الذين جمعوا العلوم من أعظم مناهلها وأشرفها.
وأخيرا أيها الأخوة الأعزاء رواد المنتدى هذه واحدة من سلسلة مقالات عن جانب من الجوانب غير المعروفة من شخصياتنا العربية التي ساهمت في صنع التاريخ ، وإلى اللقاء مع شخصية ثانية إن شاء الله .