د.عمر
14-09-2007, 01:34 AM
هل التهنئة بدخول شهر رمضان مشروعة أم ممنوعة ؟
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد :
فقد كثر الحديث هذه الأيام عن التهنئة بدخول شهر رمضان ، هل هي جائزة شرعا أم أنها ممنوعة ؟ وهل هي من باب العادات أم أنها من باب العبادات ؟ ولذلك سأورد بحثا مختصرا عن المسألة .
يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله مبيناً حكم التهاني في المناسبات : ( هذه المسائل وما أشبهها مبنية على أصل عظيم نافع ، وهو أن الأصل في جميع العادات القولية والفعلية الإباحة والجواز ، فلا يحرم منها ولا يكره إلا ما نهى عنه الشارع ، أو تضمن مفسدة شرعية ، وهذا الأصل الكبير قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع ، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره . فهذه الصور المسؤول عنها وما أشبهها من هذا القبيل ، فإن الناس لم يقصدوا التعبد بها ، وإنما هي عوائد وخطابات وجوابات جرت بينهم في مناسبات لا محذور فيها ، بل فيها مصلحة دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بدعاء مناسب، وتآلف القلوب كما هو مشاهد .
أما الإجابة في هذه الأمور لمن ابتدئ بشيء من ذلك ، فالذي نرى أنه يجب عليه أن يجيبه بالجواب المناسب مثل الأجوبة بينهم ؛ لأنها من العدل ، ولأن ترك الإجابة يوغر الصدور ويشوش الخواطر .
ثم اعلم أن هاهنا قاعدة حسنة ، وهي : أن العادات والمباحات قد يقترن بها من المصالح والمنافع ما يلحقها بالأمور المحبوبة لله ، بحسب ما ينتج عنها وما تثمره ، كما أنه قد يقترن ببعض العادات من المفاسد والمضار ما يلحقها بالأمور الممنوعة ، وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً ) . انتهى ، انظر مجلد 7 ( الفتاوى ) في المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي 348 .
وقد وردت أحاديث تدل على التهنئة منها :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاكم رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم " . أخرجه النسائي ( 4/129) ح (2106) ، وأحمد (2/230 ، 385، 425) ، والحديث حسنه الألباني لشواهده كما في صحيح الترغيب ص 418 ، وفي مشكلة المصابيح 1 / 612 ، ومنهم من ضعفه بسبب رواية أبي قلابة عن أبي هريرة مرسلة ، أي أن في الإسناد انقطاعاً .
وحديث : أنس رضي الله عنه قال : دخل رمضان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم الخير كله ، ولا يحرم خيرها إلا محروم " . أخرجه ابن ماجة ح 1644 ، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب 1 / 418 ، وصحيح الجامع الصغير 1143 .
وحديث : حديث سلمان رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يومٍ من شعبان ، فقال " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء " . أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3 / 191 ، ح 1887 وقال إن صح الخبر ، وأخرجه الحاكم في صحيحه 3 / 191 .
والحديث ضعفه جماعة من أهل العلم منهم أبو حاتم عنه كما في العلل 1 / 249 قال : هذا حديث منكر ، وقال ابن حجر في إتحاف المهرة 5 / 561 : ومداره على علي بن زيد ، وهو ضعيف .
قال ابن رجب في اللطائف 279 بعد أن ذكر هذا الحديث : هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضاً في شهر رمضان .
قال ابن القيم : ضمن سياقه لفوائد قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه الثابتة في الصحيحين من البشارة لهم بالتوبة : ( وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية ، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته ، فهذه سنة مستحبة ، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية ، وأن الأوْلى أن يقال : يهنك بما أعطاك الله ، وما منّ الله به عليك ، ونحو هذا الكلام ، فإن فيه تولية النعمة ربهّا ، والدعاء لمن نالها بالتهني بها " ) . انظر زاد المعاد 3/ 585 .
ولا ريب أن بلوغ شهر رمضان وإدراكه نعمة دينية ، فهي أوْلى وأحرى بأن يُهنأ المسلم على بلوغها ، كيف وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يسألون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، وفي الستة الأخرى يسألونه القبول .
وقد ذكر الحافظ المنذري أن الحافظ أبي الحسن المقدسي سُئِل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين : أهو بدعة أم لا ؟، فأجاب : بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك، قال : والذي أراه أنه مباح، ليس بسنة ولا بدعة . انظر وصول الأماني 1/83 ، ضمن الحاوي للفتاوي .
هل للتهنئة صفة مخصوصة ؟
ليس للتهنئة صفة مخصوصة ويمكن أن يقال : لو اتصل الإنسان على أخيه ، أو زاره ، وقال له : نسأل الله أن يجعل هذا الشهر عوناً لك على طاعته ، أو يعيننا وإياكم على صيامه وقيامه ، فلا حرج ، لأن الدعاء كله خير وبركة لكن لا يلتزم بذلك لفظاً مخصوصاً ، ولا تهنئة مخصوصة .
خلاصة المسألة :
وبعد هذا العرض الموجز يظهر أن الأمر واسع في التـهـنـئة بدخول الشهر، وأنها جائزة ، لا يُـمنع منها، ولا ينكر على من تركها ، ولا يجوز إنكارها ولا يبدع المهنئ . والله أعلم .
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد :
فقد كثر الحديث هذه الأيام عن التهنئة بدخول شهر رمضان ، هل هي جائزة شرعا أم أنها ممنوعة ؟ وهل هي من باب العادات أم أنها من باب العبادات ؟ ولذلك سأورد بحثا مختصرا عن المسألة .
يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله مبيناً حكم التهاني في المناسبات : ( هذه المسائل وما أشبهها مبنية على أصل عظيم نافع ، وهو أن الأصل في جميع العادات القولية والفعلية الإباحة والجواز ، فلا يحرم منها ولا يكره إلا ما نهى عنه الشارع ، أو تضمن مفسدة شرعية ، وهذا الأصل الكبير قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع ، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره . فهذه الصور المسؤول عنها وما أشبهها من هذا القبيل ، فإن الناس لم يقصدوا التعبد بها ، وإنما هي عوائد وخطابات وجوابات جرت بينهم في مناسبات لا محذور فيها ، بل فيها مصلحة دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بدعاء مناسب، وتآلف القلوب كما هو مشاهد .
أما الإجابة في هذه الأمور لمن ابتدئ بشيء من ذلك ، فالذي نرى أنه يجب عليه أن يجيبه بالجواب المناسب مثل الأجوبة بينهم ؛ لأنها من العدل ، ولأن ترك الإجابة يوغر الصدور ويشوش الخواطر .
ثم اعلم أن هاهنا قاعدة حسنة ، وهي : أن العادات والمباحات قد يقترن بها من المصالح والمنافع ما يلحقها بالأمور المحبوبة لله ، بحسب ما ينتج عنها وما تثمره ، كما أنه قد يقترن ببعض العادات من المفاسد والمضار ما يلحقها بالأمور الممنوعة ، وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً ) . انتهى ، انظر مجلد 7 ( الفتاوى ) في المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي 348 .
وقد وردت أحاديث تدل على التهنئة منها :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاكم رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم " . أخرجه النسائي ( 4/129) ح (2106) ، وأحمد (2/230 ، 385، 425) ، والحديث حسنه الألباني لشواهده كما في صحيح الترغيب ص 418 ، وفي مشكلة المصابيح 1 / 612 ، ومنهم من ضعفه بسبب رواية أبي قلابة عن أبي هريرة مرسلة ، أي أن في الإسناد انقطاعاً .
وحديث : أنس رضي الله عنه قال : دخل رمضان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم الخير كله ، ولا يحرم خيرها إلا محروم " . أخرجه ابن ماجة ح 1644 ، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب 1 / 418 ، وصحيح الجامع الصغير 1143 .
وحديث : حديث سلمان رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يومٍ من شعبان ، فقال " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء " . أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3 / 191 ، ح 1887 وقال إن صح الخبر ، وأخرجه الحاكم في صحيحه 3 / 191 .
والحديث ضعفه جماعة من أهل العلم منهم أبو حاتم عنه كما في العلل 1 / 249 قال : هذا حديث منكر ، وقال ابن حجر في إتحاف المهرة 5 / 561 : ومداره على علي بن زيد ، وهو ضعيف .
قال ابن رجب في اللطائف 279 بعد أن ذكر هذا الحديث : هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضاً في شهر رمضان .
قال ابن القيم : ضمن سياقه لفوائد قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه الثابتة في الصحيحين من البشارة لهم بالتوبة : ( وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية ، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته ، فهذه سنة مستحبة ، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية ، وأن الأوْلى أن يقال : يهنك بما أعطاك الله ، وما منّ الله به عليك ، ونحو هذا الكلام ، فإن فيه تولية النعمة ربهّا ، والدعاء لمن نالها بالتهني بها " ) . انظر زاد المعاد 3/ 585 .
ولا ريب أن بلوغ شهر رمضان وإدراكه نعمة دينية ، فهي أوْلى وأحرى بأن يُهنأ المسلم على بلوغها ، كيف وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يسألون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، وفي الستة الأخرى يسألونه القبول .
وقد ذكر الحافظ المنذري أن الحافظ أبي الحسن المقدسي سُئِل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين : أهو بدعة أم لا ؟، فأجاب : بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك، قال : والذي أراه أنه مباح، ليس بسنة ولا بدعة . انظر وصول الأماني 1/83 ، ضمن الحاوي للفتاوي .
هل للتهنئة صفة مخصوصة ؟
ليس للتهنئة صفة مخصوصة ويمكن أن يقال : لو اتصل الإنسان على أخيه ، أو زاره ، وقال له : نسأل الله أن يجعل هذا الشهر عوناً لك على طاعته ، أو يعيننا وإياكم على صيامه وقيامه ، فلا حرج ، لأن الدعاء كله خير وبركة لكن لا يلتزم بذلك لفظاً مخصوصاً ، ولا تهنئة مخصوصة .
خلاصة المسألة :
وبعد هذا العرض الموجز يظهر أن الأمر واسع في التـهـنـئة بدخول الشهر، وأنها جائزة ، لا يُـمنع منها، ولا ينكر على من تركها ، ولا يجوز إنكارها ولا يبدع المهنئ . والله أعلم .