ميمة اسلام
30-08-2007, 06:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين
اود ان اقدم اليكم هذا الكتاب القيم للامام النووي ليكون متاح لكم الكترونيا ومرجع لتاكد من نص الحديث الشريف
كما هو مسلسل في الكتاب
* الاستغفار باب ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة
* باب الصدق والمراقبة وباب في التقوي وباب في اليقين والتوكل والاستقامة
* باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه والمبادرة إلى الخيرات في المجاهدة وباب الحث على الازدياد من الخي باب في بيان كثرة طرق الخير
* باب الاقتصاد في العبادة باب المحافظة على السنة وآدابها باب وجوب الانقياد لحكم الله باب النهي عن البدع باب من سن سنة حسنة باب في الدلالة على الخير
* باب التعاون على البر والتقوى باب في النصيحة وباب في الأمر بالنعروف والنهي عن المنكر باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف باب الأمر بأداء الأمانة باب تحريم الظلم
* باب تعظيم حرمات المسلمين و ستر عوراتهم وقضاء حوائجهم باب الشفاعة والاصلاح بين الناس باب فضل ضعفة المسلمين باب ملاطفة اليتيم والبنات باب الوصية بالنساء
* باب حق الزوج على المرأة والنفقة على العيال والانفاق مما يجب باب وجوب أمره وأهله وأولاده باب حق الجار وبر الوالدين وصلة الأرحام
* باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم وفضل بر أصدقاء الأب والأم باب إكرام أهل بيت رسول الله باب توقير العلماء باب زيارة أهل الخير
* باب فضل الحب في اللَّه والحث عليه وعلامات حب الله تعالى باب التحذير من ايذاء الصالحين واجراء احكام الناس على الظاهر باب الخوف وباب الرجاء وفضل الرجاء والجمع بين الخوف والرجاء
* باب فضل البكاء وفضل الزهد في الدنيا وفضل الجوع وخشونة العيش
* باب في القناعة والعفاف والاقتصاد وجواز الأخذ من غير مسألة والحث على الأكل باب الكرم والجود والنهي عن البخل والشح
* باب الإيثار والمواساة والتنافس في أمور الآخرة وفضل الغني الشكر وباب ذكر الموت واستحباب زيارة القبور للرجال وكراهية تمني الموت وباب الورع وترك الشبهات واستحباب العزلة وفضل الاختلاط
* باب التواضع وتحريم الكبر وحسن الخلق والحلم والأناة والعفو وتحمل الأذي والغضب إذا انتهكت الحرمات
* باب أمر ولاة الأمور بالرفق باب الوالي العادل ووجوب طاعة ولي الأمر والنهي عن سؤال الإمارة وحث السلطان على اتخاذ وزير صالح النهي عن تولية الإمارة لمن يسألها باب حفظ السر والوفاء بالعهد
* باب المحافظة على ما اعتاده من الخير واستحباب طيب الكلام وإصغاء الجليس والوعظ والوقار والسكينة وإكرام الضيف واستحباب التبشير ووداع الصاحب والاستخارة
* باب استحباب الذهاب إلى العيد وتقديم اليمين وأدب الطعام والشراب واللباس والنوم والنهي عن لبس الحرير وافتراش جلود النمر وآداب المجالس
* الرؤيا وما يتعلق بها وفضل السلام وكيفيته وآدابه وسلام الرجل على زوجته وحرمة بداءة الكافر بالسلام وآداب الاستئذان وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء وعيادة المريض وتشييع الميت
* باب ما يدعى به المريض واستحباب السؤال عن حاله ووصيته وتلقين المحتضر وما يقال عند الميت وجواز البكاء على الميت والكف عنه واستكثار المصلين للصلاة عليه وما يقرأ في صلاة الجنازة والاسراع بالجنازة والموعظة عند القبر والصدقة عن الميت
* الثناء على الميت الخوف والبكاء عند المرور بالمقابر آداب السفر وإعانة الرقيق وتحريم سفر المرأة بدون محرم
* فضل قراءة القرآن وتحسين الصوت استحباب الاجتماع فضل الوضوء والآذان والصلوات وباب صلاة الصبح والعصر وفضل المشي إلى المساجد وانتظار الصلاة وصلاة الجماعة والأمر بالمحافظة على الصوات وفضل الصف الأول
* فضل السنن الراتبة تأكيد سنة الصبح استحباب الاضطجاع ( سنة الظهر والعصر و المغرب والعشاء ) سنة الجمعة واستحباب جعل النوافل في البيت وصلاة الوتر وفضل صلاة الضحي وبيان وقت جوازها وصلاة تحية المسجد وركعتي الوضوء
* فضل يوم الجمعة وسجود الشكر وقيام الليل وقيام رمضان وليلة القدر وفضل السواك
* تأكيد وجوب الزكاة والصوم وفضل الصيام باب الجود وفعل المعروف وما يقال عند رؤية الهلال وفضل السحور وتعجيل الفطور وحفظ الصائم لسانه وجوارحه ومسائل في الصوم والأيام التي يستحب فيها الصيام باب فضل من فطر صائما
* الاعتكاف ووجوب وفضله الحج والجهاد وثواب الشهيد فضل العتق والإحسان إلى الملوك وفضل العبادة في الهرج
* فضل السماحة في البيع والشراء وفضل العلم وجوب الشكر فضل الصلاة على الرسول صلي الله عليه وسلم وفضل الذكر وكيفيته وأوقاته وحلق الذكر
* فضل الدعاء ومسائله وكرامات الأولياء تحريم الغيبة وتحريم سماعها وما يباح منها وحفظ اللسان وتحريم النميمة وشهادة الزور والكذب وما يجوز منه وتحريم اللعن وسب المسلم بغير حق وتحريم سب الاموات
* باب النهي عن الإيذاء والتباغض وتحريم الحسد والتجسس وسوء الظن واحتقار المسلمين والغش واظهار الشماته والطعن في الأنساب والغدر والنهي عن المن والافنخار وتحريم الهجران بين المسلمين والتعذيب
* باب تحريم مطل الغني تأكيد تحريم مال اليتيم وتغليظ تحريم الربا وتحريم الرياء والنظر إلى المرأة والخلوة بها وتشبه الرجال بالنساء والعكس والتشبه بالشيطان والكفار والنهي عن خضاب الشعر بالسواد والقزع والوصل والوشم ونتف الشيب
* باب كراهة الاستنجاء باليمين والمشي في نعل واحدة وترك النار في البيت والتكلف وتحريم النياحة واتيان الكهان والتطير وتصوير الحيوان واتخاذ الكلب إلا للصيد والنهي عن البصاق في المسجد ودخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا والنهي عن الحلف بالمخلوقات
* تحريم اليمين الكاذبة وندب الحلف والعفو عن لغو اليمين وكراهة الحلف في البيع تحريم قول شاهنشاه النهي عن سب الحمي والريح وتحريم قوله لمسلم يا كافر والنهي عن الفحش ووصف محاسن المرأة وكراهة الحديث بعد العشاء الآخرة والنهي عن الصلاة إلى القبور
* تحريم المرور بين يدي المصلي كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام وتحريم الوصال في الصوم والشفاعة في الحدود كراهة تفضيل بعض الأولاد والنهي عن إضاعة المال التغليظ قي تحريم السحر وحرمة استعمال إناء الذهب باب المنثورات والملح
* الاستغفار باب ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة
باب الإخلاص والتوبة والصبر
رياض الصالحين، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي
*1*االباب الأول
*2* 1 - باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية
@بسم اللَّه الرحمن الرحيم
قَالَ اللَّه تعالى (البينة 5): {وما أمروا إلا ليعبدوا اللَّه مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.
وقَالَ تعالى (الحج 37): {لن ينال اللَّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى مِنْكم}.
وقَالَ تعالى (آل عمران 29): {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه اللَّه}.
1 - وعَنْ أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد
اللَّه بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رَضيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: <إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمَنْ كانت هجرته إِلَى اللَّه ورسوله فهجرته إِلَى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إِلَى ما هاجر إليه> متفق عَلَى صحته. رواه إماما المحدثين: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رَضيَ اللَّه عَنْهما في كتابيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
2 - وعَنْ أم المؤمنين أم عبد اللَّه عائشة رَضيَ اللَّه عَنْها قَالَت قَالَ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم: <يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء مِنْ الأرض يخسف بأولهم وآخرهم> قَالَت قلت: يا رَسُول اللّهِ كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس مِنْهم؟ قَالَ: <يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون عَلَى نياتهم> مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ البخاري.
3 - وعَنْ عائشة رَضيَ اللَّه عَنْها قَالَت قَالَ النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم: <لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا> مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: لا هجرة مِنْ مكة لأنها صارت دار إسلام
4 - وعَنْ أبي عبد اللَّه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رَضيَ اللَّه عَنْهُما قَالَ: كنا مع النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم في غزاة فقَالَ: <إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض.
وفي رواية: ألا شركوكم في الأجر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أنس قَالَ: <رجعنا مِنْ غزوة تبوك مع النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فقَالَ: <إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا ألا وهم معنا، حبسهم العذر>
5 - وعَنْ أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس رَضيَ اللَّه عَنْهُم، وهو وأبوه وجده صحابيون، قَالَ: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقَالَ: واللَّه ما إياك أردت! فخاصمته إِلَى رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فقَالَ: <لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
6 - وعَنْ أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري رَضيَ اللَّه عَنْهُ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رَضيَ اللَّه عَنْهُم قَالَ: جاءني رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم يعودني عام حجة الوداع مِنْ وجع اشتد بي فقلت: يا رَسُول اللّهِ إني قد بلغ بي مِنْ الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي؟ قَالَ <لا> قلت: فالشطر يا رَسُول اللّهِ؟ فقَالَ <لا> قَالَ: فالثلث يا رَسُول اللّهِ؟ قَالَ: <الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير مِنْ أن تذرهم عالة يتكففون الناس؛ وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك> قَالَ فقلت: يا رَسُول اللّهِ أخلف بعد أصحابي؟ قَالَ: <إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه اللَّه إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم عَلَى أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة!> يرثي له رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم أن مات بمكة. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
7 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عبد الرحمن بن صخر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى لا ينظر إِلَى أجسامكم ولا إِلَى صوركم، ولكن ينظر إِلَى قلوبكم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
8 - وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سئل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل اللَّه؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
9 - وعَنْ أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال:
<إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار> قلت: يا رَسُول اللَّهِ هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: <إنه كان حريصا عَلَى قتل صاحبه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
10 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : <صلاة الرجل في جماعة تزيد عَلَى صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة؛ وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة وخط عَنْه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون عَلَى أحد كم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهم ارحمه، اللَّهم اغفر له، اللَّهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ مسلم.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ينهزه> هو بفتح الياء والهاء وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.
11 - وعَنْ أبي العباس عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يروى عَنْ ربه تَبَارَك وَتَعَالَى قال: <إن اللَّه تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه تعالى عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه عشر حسنات إِلَى سبعمائة ضعف إِلَى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئة واحدة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
12 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إِلَى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة مِنْ الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم مِنْ هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم. قال رجل مِنْهم: اللَّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح عَلَى يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه مِنْ هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال الآخر: اللَّهم كان لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي. وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عَنْ نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة مِنْ السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار عَلَى أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها. وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها، قالت: تتق اللَّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عَنْها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج مِنْها. وقال الثالث: اللَّهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت مِنْه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد اللَّه أد إلي أجري. فقلت: كل ما ترى مِنْ أجرك مِنْ الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد اللَّه لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك مِنْه شيئا، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
*2* 2 - باب التوبة
@قال العلماء: التوبة واجبة مِنْ كل ذنب. فإن كانت المعصية بين العبد وبين اللَّه تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عَنْ المعصية، والثاني أن يندم عَلَى فعلها، والثالث أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا؛ فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ مِنْ حق صاحبها. فأن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه مِنْه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله مِنْها. ويجب أن يتوب مِنْ جميع الذنوب، فإن تاب مِنْ بعضها صحت توبته عند أهل الحق مِنْ ذلك الذنب وبقى عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة عَلَى وجوب التوبة.
@قال اللَّه تعالى (النور 31): {وتوبوا إِلَى اللَّه جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.
وقال تعالى (هود 3): {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}.
وقال تعالى (التحريم 8): {يا أيها الذين آمنوا توبوا إِلَى اللَّه توبة نصوحا}.
13 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر مِنْ سبعين مرة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
14 - وعَنْ الأغر بن يسار المزني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا أيها الناس توبوا إِلَى اللَّه واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
15 - وعَنْ أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لله أفرح بتوبة عبده مِنْ أحدكم سقط عَلَى بعيره وقد أضله في أرض فلاة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه مِنْ أحدكم كان عَلَى راحلته بأرض فلاة فانفلتت مِنْه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس مِنْ راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال مِنْ شدة الفرح: اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ مِنْ شدة الفرح> .
16 - وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس مِنْ مغربها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
17 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من تاب قبل أن تطلع الشمس مِنْ مغربها تاب اللَّه عليه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
18 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وقال حديث حسن.
19 - وعَنْ زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أسأله عَنْ المسح عَلَى الخفين فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فقلت: إنه قد حك في صدري المسح عَلَى الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ مِنْ أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين، أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا مِنْ جنابة، لكن مِنْ غائط وبول ونوم. فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئا؟ قال: نعم كنا مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في سفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد. فأجابه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم نحوا مِنْ صوته <هاؤم> فقلت له: ويحك! أغضض مِنْ صوتك فإنك عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وقد نهيت عَنْ هذا. فقال: واللَّه لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المرء مع من أحب يوم القيامة> فما زال يحدثنا حتى ذكر بابا مِنْ المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما (قال سفيان أحد الرواة: قبل الشام) خلقه اللَّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس مِنْه> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وغيره وقال وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
20 - وعَنْ أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عَنْ أعلم أهل الأرض فدل عَلَى راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له مِنْ توبة؟ فقال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عَنْ أعلم أهل الأرض فدل عَلَى رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له مِنْ توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إِلَى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون اللَّه تعالى فاعبد اللَّه معهم، ولا ترجع إِلَى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت؛ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إِلَى اللَّه تعالى، وقالت ملائمة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكماً - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإِلَى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إِلَى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيح <فكان إِلَى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل مِنْ أهلها>
وفي رواية في الصحيح: <فأوحى اللَّه تعالى إِلَى هذه أن تباعدي وإِلَى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إِلَى هذه أقرب بشبر فغفر له>
وفي رواية <فنأى بصدره نحوها> .
21 - وعَنْ عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بنيه حين عمي، قال سمعت كعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يحدث حديثه حين تخلف عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عَنْه، إنما خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللَّه تعالى بينهم وبين عدوهم عَلَى غير ميعاد، ولقد شهدت مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة العقبة حين تواثقنا عَلَى الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس مِنْها. وكان مِنْ خبري حين تخلفت عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عَنْه في تلك الغزوة؛ واللَّه ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي مِنْ اللَّه، وغزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي أنا قادر عَلَى ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم غاديا والمسلمون معه ولم أقض مِنْ جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت! ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر اللَّه تعالى مِنْ الضعفاء، ولم يذكرني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى بلغ تبوك؛ فقال وهو جالس في القوم بتبوك: <ما فعل كعب بن مالك؟> فقال رجل مِنْ بني سلمة: يا رَسُول اللَّهِ حبسه برداه والنظر في عطفيه! فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! واللَّه يا رَسُول اللَّهِ ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فبينا هو عَلَى ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كن أبا خيثمة> فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد توجه قافلا مِنْ تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بما أخرج مِنْ سخطه غدا؟ وأستعين عَلَى ذلك بكل ذي رأي مِنْ أهلي، فلما قيل إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج مِنْه بشيء أبدا فأجمعت صدقه، وأصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قادما، وكان إذا قدم مِنْ سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلا، فقبل مِنْهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إِلَى اللَّه تعالى حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال <تعال> فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: <ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟> قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ إني واللَّه لو جلست عند غيرك مِنْ أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج مِنْ سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكني واللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللَّه [أن] يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؛ واللَّه ما كان لي مِنْ عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي اللَّه فيك> وثار رجال مِنْ بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: واللَّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا! لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك استغفار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لك. قال: فواللَّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي مِنْ أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العمري وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ كلامنا أيها الثلاثة مِنْ بين مِنْ تخلف عَنْه، قال فاجتنبنا الناس، أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا عَلَى ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا مِنْه وأسارقه النظر فإذا أقبلت عَلَى صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي مِنْ جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فواللَّه ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك باللَّه هل تعلمني أحب اللَّه ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي مِنْ نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل عَلَى كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا مِنْ ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: و هذه أيضا من البلاء! فتيممت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون مِنْ الخمسين و استلبث الوحي إذا رسول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يأتيني فقال: إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إِلَى صاحبي بمثل ذلك.
فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت له: يا رَسُول اللَّهِ إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس
له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: <لا ولكن لا يقربنك> فقالت: إنه واللَّه ما به حركة إِلَى شيء، وواللَّه ما زال يبكي منذ كان مِنْ أمره ما كان إِلَى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت لا أستأذن فيها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وما يدريني ماذا يقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة مِنْ حين نهي عَنْ كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة عَلَى ظهر بيت مِنْ بيوتنا.
فبينا أنا جالس عَلَى الحال التي ذكر اللَّه منا، قد ضاقت عَلَى نفسي و ضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى عَلَى سلع يقول بأعَلَى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا و عرفت أنه قد جاء فرج، فآذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الناس بتوبة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ علينا حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، و ركض رجل إلي فرسا، و سعى ساع مِنْ أسلم قبلي وأوفى عَلَى الجبل فكان الصوت أسرع مِنْ الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، و اللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يهرول حتى صافحني وهنأني، واللَّه ما قام رجل مِنْ المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال وهو يبرق وجهه مِنْ السرور: <أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك!> فقلت: أمِنْ عندك يا رَسُول اللَّهِ أم مِنْ عند اللَّه؟ قال: <لا بل مِنْ عند اللَّه عَزَّ وَجَلَّ> و كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، و كنا نعرف ذلك مِنْه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رَسُول اللَّهِ إن مِنْ توبتي أن أنخلع مِنْ مالي صدقة إِلَى اللَّه وإِلَى رسوله. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك> فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن مِنْ توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فواللَّه ما علمت أحدا مِنْ المسلمين أبلاه اللَّه تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أحسن مما أبلاني اللَّه تعالى،
واللَّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِلَى يومي هذا و إني لأرجو أن يحفظني اللَّه تعالى فيما بقي، قال: فأنزل اللَّه تعالى (التوبة 117، 118، 119): {لقد تاب اللَّه عَلَى النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} حتى بلغ {إنه بهم رؤوف رحيم وعَلَى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} حتى بلغ: {اتقوا اللَّه و كونوا مع الصادقين} قال كعب: و اللَّه ما أنعم اللَّه علي مِنْ نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي مِنْ صدقي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إن اللَّه تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال اللَّه تعالى (التوبة 95، 96): {سيحلفون باللَّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عَنْهم فأعرضوا عَنْهم؛ إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عَنْهم، فإن ترضوا عَنْهم فإن اللَّه لا يرضى عَنْ القوم الفاسقين}
قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عَنْ أمر أولئك الذين قبل مِنْهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أمرنا حتى قضى اللَّه تعالى فيه بذلك، قال اللَّه تعالى: {وعَلَى الثلاثة الذين خلفوا} وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عَنْ الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه عمن حلف له واعتذر إليه فقبل مِنْه. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وفي رواية: كان لا يقدم مِنْ سفر إلا نهارا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه.
22 - وعَنْ أبي نجيد - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن امرأة مِنْ جهينة أتت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهي حبلى مِنْ الزنا فقالت: يا رَسُول اللَّهِ أصبت حدا فأقمه علي. فدعا نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وليها فقال: <أحسن إليها فإذا وضعت فائتني> ففعل، فأمر بها نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رَسُول اللَّهِ وقد زنت؟ قال: < لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين مِنْ أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل مِنْ أن جادت بنفسها لله عَزَّ وَجَلَّ؟> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
23 - وعَنْ ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لو أن لابن
آدم واديا مِنْ ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه عَلَى من تاب> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
24 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يضحك اللَّه سبحانه وتعالى إِلَى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيقتل، ثم يتوب اللَّه عَلَى القاتل فيسلم فيستشهد> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
*2* 3 - باب الصبر
@قال اللَّه تعالى (آل عمران 200): {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا}.
وقال تعالى (البقرة 155): {ولنبلونكم بشيء مِنْ الخوف والجوع ونقص مِنْ الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين}.
وقال تعالى (الزمر 10): {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.
وقال تعالى (الشورى 43): {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.
وقال تعالى (البقرة 153): {استعينوا بالصبر والصلاة إن اللَّه مع الصابرين}.
وقال تعالى (محمد 31): {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين مِنْكم والصابرين}.
والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.
25 - وعَنْ أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان اللَّه والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
26 - وعَنْ أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن ناسا مِنْ الأنصار سألوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: <ما يكن عندي مِنْ خير فلن أدخره عَنْكم، ومن يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه، ومن يتصبر يصبره اللَّه، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع مِنْ الصبر> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
27 - وعَنْ أبي يحيى صهيب بن سنان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمِنْ: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
28 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال لما ثقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جعل يتغشاه الكرب. فقالت فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: واكرب أبتاه! فقال: <ليس عَلَى أبيك كرب بعد اليوم> فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إِلَى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أطابت أنفسكم أن تحثوا عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم التراب؟! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
29 - وعَنْ أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وحبه وابن حبه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: أرسلت بنت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إن ابني قد احتضر فاشهدنا. فأرسل يقرئ السلام ويقول: <إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب> فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وزيد بن ثابت ورجال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، فرفع إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رَسُول اللَّهِ ما هذا؟ فقال: <هذه رحمة جعلها اللَّه تعالى في قلوب عباده. وفي رواية: في قلوب من شاء مِنْ عباده، وإنما يرحم اللَّه مِنْ عباده الرحماء> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
ومعنى <تقعقع> : تتحرك وتضطرب.
30 - وعَنْ صهيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إِلَى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر. فبينما هو عَلَى ذلك إذ أتى عَلَى دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب إليك مِنْ أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي نبي أنت اليوم أفضل مِني قد بلغ مِنْ أمرك ما أرى! وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس مِنْ سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها هنالك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي اللَّه تعالى فإن آمنت باللَّه دعوت اللَّه فشفاك. فآمن باللَّه فشفاه اللَّه تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك اللَّه. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل عَلَى الغلام.
فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ مِنْ سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي اللَّه تعالى. فأخذه فلم يعذبه حتى دل عَلَى الراهب. فجيء بالراهب فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى، فدعا بالمِنْشار فوضع المِنْشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى فوضع المِنْشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى، فدفعه إِلَى نفر مِنْ أصحابه فقال: اذهبوا به إِلَى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عَنْ دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إِلَى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللَّه تعالى. فدفعه إِلَى نفر مِنْ أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عَنْ دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إِلَى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللَّه تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني عَلَى جذع ثم خذ سهما مِنْ كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم اللَّه رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه عَلَى جذع ثم أخذ سهما مِنْ كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال بسم اللَّه رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام. فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد واللَّه نزل بك حذرك: قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عَنْ دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك عَلَى الحق> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<ذروة الجبل> : أعلاه، هي بكسر الذال المعجمة وضمها.
و <القرقور> بضم القافين: نوع مِنْ السفن.
و <الصعيد> هنا: الأرض البارزة.
و <الأخدود> : الشقوق في الأرض كالنهر الصغير.
و <أضرم> : أوقد.
و <انكفأت> : أي انقلبت.
و <تقاعست> : توقفت وجبنت.
31 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلَى امرأة تبكي عند قبر فقال: <اتقي اللَّه واصبري> فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فأتت باب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فلم تجد عنده بوابين فقال: لم أعرفك! فقال: <إنما الصبر عند الصدمة الأولى> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم: <تبكي عَلَى صبي لها> .
32 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمِنْ عندي جزاء إذا قبضت صفيه مِنْ أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
33 - وعَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها سألت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ الطاعون؟ فأخبرها أنه كان عذابا يبعثه اللَّه تعالى عَلَى من يشاء فجعله اللَّه تعالى رحمة للمؤمنين، فليس مِنْ عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب اللَّه له إلا كان له مثل أجر الشهيد> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
34 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته مِنْهما الجنة> يريد عينيه. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
35 - وعَنْ عطاء بن أبي رباح قال، قال لي ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألا أريك امرأة مِنْ أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع اللَّه تعالى لي. قال: <إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه تعالى أن يعافيك> فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف، فدعا لها. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
36 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كأني أنظر إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يحكي نبيا مِنْ الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عَنْ وجهه ويقول: <اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
37 - وعَنْ أبي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما يصيب المسلم مِنْ نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر اللَّه بها مِنْ خطاياه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الوصب> : المرض.
38 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال دخلت عَلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو يوعك فقلت: يا رَسُول اللَّهِ إنك توعك وعكا شديدا. قال: <أجل إني أوعك كما يوعك رجلان مِنْكم> قلت: ذلك أن لك أجرين. قال: <أجل ذلك كذلك، ما مِنْ مسلم يصيبه أذى: شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته، وحطت عَنْه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الوعك> : مغث الحمى. وقيل: الحمى.
39 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من يرد اللَّه به خيرا يصب مِنْه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وضبطوا <يصب> بفتح الصاد وكسرها.
40 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
41 - وعَنْ أبي عبد اللَّه خباب بن الأرت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: شكونا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو متوسد بردة له في طل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: <قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمِنْشار فيوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عَنْ دينه! واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون!> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وفي رواية: <وهو متوسد بردة وقد لقينا مِنْ المشركين شدة> .
42 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: لما كان يوم حنين آثر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ناسا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة مِنْ الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا مِنْ أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه اللَّه. فقلت: واللَّه لأخبرن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم! فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: <فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟! ثم قال: <يرحم اللَّه موسى قد أوذي بأكثر مِنْ هذا فصبر> فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وقوله <كالصرف> هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.
43 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا أراد اللَّه بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد اللَّه بعبده الشر أمسك عَنْه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة> وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
44 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان ابن لأبي طلحة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يشتكي فخرج أبو طلحة فقبض الصبي. فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقربت له العشاء فتعشى ثم أصاب مِنْها. فلما فرغ قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره فقال: <أعرستم الليلة؟> قال: نعم. قال: <اللَّهم بارك لهما> فولدت غلاما فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وبعث معه بتمرات. فقال: <أمعه شيء؟> قال: نعم تمرات. فأخذها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فمضغها ثم أخذها مِنْ فيه فجعلها في في الصبي ثم حنكه وسماه عبد اللَّه. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل مِنْ الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن (يعني مِنْ أولاد عبد اللَّه المولود) .
وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة مِنْ أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب مِنْها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك. قال فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره بما كان. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بارك اللَّه في ليلتكما> قال فحملت. قال وكان رَسُول اللَّهِ في سفر وهي معه، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا أتى المدينة مِنْ سفر لا يطرقها طروقا فدنوا مِنْ المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. قال يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. فاطلقنا [لعله: فانطلقنا] وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وذكر تمام الحديث.
45 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الصرعة> بضم الصاد وفتح الراء وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرا.
46 - وعَنْ سليمان بن صرد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنت جالسا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عَنْه ما يجد، لو قال أعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم ذهب عَنْه ما يجد> فقالوا له إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال تعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
47 - وعَنْ معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كظم غيظا وهو قادر عَلَى أن ينفذه دعاه اللَّه سبحانه عَلَى رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره مِنْ الحور العين ما شاء> رَوَاهُ أبو داود والْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
48 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أوصني. قال:
<لا تغضب> فردد مرارا، قال: <لا تغضب> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
49 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما يزال البلاء بالمؤمِن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللَّه تعالى وما عليه خطيئة> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
50 - وعَنْ ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ قال: قدم عيينة بن حصن فنزل عَلَى ابن أخيه الحر بن قيس، وكان مِنْ النفر الذين يدنيهم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينه لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. فاستأذن فأذن له عمر. فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب! فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن اللَّه تعالى قال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (الأعراف 198): {خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عَنْ الجاهلين} وإن هذا مِنْ الجاهلين. واللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب اللَّه تعالى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
51 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها!> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ فما تأمرنا؟ قال: <تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه الذي لكم> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الأثرة> : الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.
52 - وعَنْ أبي يحيى أسيد بن حضير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلا مِنْ الأنصار قال: يا رَسُول اللَّهِ ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال: <إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني عَلَى الحوض> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <أسيد> بضم الهمزة
و <حضير> بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، واللَّه أعلم.
53 - وعَنْ أبي إبراهيم عبد اللَّه بن أبي أوفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: <يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف> ثم قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ،
باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه والمبادرة إلى الخيرات في المجاهدة وباب الحث على الازدياد من الخي باب في بيان كثرة طرق الخير
*2* 9 – باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة
قال اللَّه تعالى (سبأ 46): {قل إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}.
وقال تعالى (آل عمران 190، 191): {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون اللَّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك}. الآيات.
وقال تعالى (الغاشية 17 - 21): {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر}.
وقال تعالى (محمد 10): {أفلم يسيروا في الأرض فينظرا} الآية.
والآيات في الباب كثيرة.
ومن الأحاديث الحديث السابق (رقم 66): <الكيس من دان نفسه> .
*2* 10 - باب المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد
قال اللَّه تعالى (البقرة 148): {فاستبقوا الخيرات}.
وقال تعالى (آل عمران 133): {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}.
87 - وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا!> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
88 - الثاني عن أبي سروعة <بكسر السين المهملة وفتحها> عقبة بن الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت وراء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته. قال: <ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وفي رواية له: <كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته> .
<التبر> : قطع ذهب أو فضة.
89 - الثالث عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رجل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: <في الجنة> فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
90 - الرابع عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: <أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<الحلقوم> : مجرى النفس. والمريء: مجرى الطعام والشراب.
91 - الخامس عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أخذ سيفا يوم أحد فقال: <من يأخذ مني هذا؟> فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا. فقال: <فمن يأخذه بحقه؟> فأحجم القوم. فقال أبو دجانة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة.
قوله <أحجم القوم> : أي توقفوا.
و <فلق به> : أي شق.
<هام المشركين> : أي رؤوسهم.
92 - السادس عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فشكونا الذي نلقى من الحجاج. فقال: <اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم> سمعته من نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
93 - السابع عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر> رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثُ حَسَنٌ.
94 - الثامن عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال يوم خيبر: <لأعطين هذه الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه> قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم علي ابن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فأعطاه إياها وقال: <امش ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك> فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رَسُول اللَّهِ على ماذا أقاتل الناس؟ قال: <قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله <فتساورت> هو بالسين المهملة: أي وثبت متطلعا.
*2* 11 - باب المجاهدة
قال اللَّه تعالى (العنكبوت 69): {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن اللَّه لمع المحسنين}.
وقال تعالى (الحجر 99): {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}.
وقال تعالى (المزمل 8): {واذكر اسم ربك، وتبتل إليه تبتيلا} أي انقطع إليه.
وقال تعالى (الزلزلة 7): {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}.
وقال تعالى (المزمل 20): {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللَّه هو خيرا وأعظم أجرا}.
وقال تعالى (البقرة 273): {وما تنفقوا من خير فإن اللَّه به عليم}.
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
95 - وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
<آذنته> : أعلمته بأني محارب له.
<استعاذني> روي بالنون وبالباء.
96 - الثاني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يرويه عن ربه عَزَّ وَجَلَّ قال: <إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
97 - الثالث عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
98 - الرابع عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلت له: لم تصنع هذا يا رَسُول اللَّهِ وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: <أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ البخاري. ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
99 - الخامس عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والمراد العشر الأواخر من شهر رمضان.
و <المئزر> : الإزار وهو: كناية عن اعتزال النساء. وقيل المراد: تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت وتفرغت له.
100 - السادس عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
101 - السابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم: <حفت> بدل <حجبت> وهو بمعناه: أي بينه وبينها هذا الحجاب فإذا فعله دخلها.
102 - الثامن عن أبي عبد اللَّه حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: <سبحان ربي العظيم> فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال <سمع اللَّه لمن حمده ربنا لك الحمد> ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: <سبحان ربي الأعلى> فكان سجوده قريبا من قيامه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
103 - التاسع عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
104 - العاشر عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله ويبقى عمله> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
105 - الحادي عشر عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
106 - الثاني عشر عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ومن أهل الصفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قال: كنت أبيت مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فآتيه بوضوئه وحاجته. فقال: <سلني> فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: <أو غير ذلك؟> قلت: هو ذاك. قال: <فأعني على نفسك بكثرة السجود> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
107 - الثالث عشر عن أبي عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الرحمن ثوبان مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
108 - الرابع عشر عن أبي صفوان عبد اللَّه بن بسر الأسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <خير الناس من طال عمره وحسن عمله> رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثُ حَسَنٌ.
109 - الخامس عشر عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال غاب عمي أنس بن النضر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن قتال بدر فقال: يا رَسُول اللَّهِ غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدني قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين) ثم تقدم فاستقبله سعد ابن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد! فقال سعد: فما استطعت يا رَسُول اللَّهِ ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه (الأحزاب 23): {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه} إلى آخرها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله <ليرين اللَّه> روي بضم الياء وكسر الراء: أي ليظهرن اللَّه ذلك للناس. وروي بفتحهما ومعناه ظاهر، والله أعلم.
110 - السادس عشر عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مراء، وجاء رجل آخر فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغني عن صاع هذا! فنزلت (التوبة 79): {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} الآية، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [هذا لفظ البخاري].
و <نحامل> بضم النون، وبالحاء المهملة : أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة ويتصدق بها.
111 - السابع عشر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر جندب بن جنادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يروي عن اللَّه تبارك وتعالى أنه قال: <يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللَّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه> قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
*2* 12 - باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر
قال اللَّه تعالى (فاطر 37): {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير}
قال ابن عباس والمحققون: معناه: أولم نعمركم ستين سنة، ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء اللَّه تعالى. وقيل معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة. قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونقل عن ابن عباس أيضاً، ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة. وقيل هو: البلوغ. وقوله تعالى: {وجاءكم النذير} قال ابن عباس والجمهور: هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وقيل: الشيب. قاله عكرمة وابن عيينة وغيرهما، والله أعلم.
112 - وأما الأحاديث فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قال العلماء: معناه: لم يترك له عذراً إذ أمهله هذه المدة. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ الغاية في العذر.
113 - الثاني عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول اللَّه تعالى: {إذا جاء يصر اللَّه والفتح}؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أعلمه له؛ قال: {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} وذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً} [الفتح: 3] فقال عمر رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُ: ما أعلم منها إلا ما تقول. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
114 - الثالث عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: ما صلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم صلاة بعد أن نزلت عليه {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} إلا يقول فيها <سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيحين عنها: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده <سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي> يتأول القرآن. معنى <يتأول القرآن> : أي يعمل ما أمر به في القرآن في قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره}
وفي رواية لمسلم: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر أن يقول قبل أن يموت <سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك> قالت عائشة قلت: يا رَسُول اللَّهِ ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: <جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} إلى آخر السورة.
وفي رواية له: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر من قول: <سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه> قالت قلت: يا رَسُول اللَّهِ أراك تكثر من قول <سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه> ؟ فقال: <أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه. فقد رأيتها {إذا جاء نصر اللَّه والفتح}: فتح مكة {ورأيت الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً، فسبح بحمد ربك، واستغفره إنه كان تواباً}.
115 - الرابع عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تابع الوحي على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قبل وفاته حتى توفي أكثر ما كان الوحي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
116 - الخامس عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: يبعث كل عبد على ما مات عليه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
*2* 13 - باب بيان كثرة طرق الخير
قال اللَّه تعالى (البقرة 215): {وما تفعلوا من خير فإن اللَّه به عليم}.
وقال تعالى (البقرة 197): {وما تفعلوا من خير يعلمه اللَّه}.
وقال تعالى (الزلزلة 7): {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره}.
وقال تعالى (الجاثية 15): {من عمل صالحاً فلنفسه}.
والآيات في الباب كثيرة.
117 - وأما الأحاديث فكثيرة جداً وهي غير منحصرة فنذكر طرفاً منها:
الأول عن أبي ذر جندب بن جنادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ أي الأعمال أفضل؟ قال: <الإيمان بالله والجهاد في سبيله> قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: <أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً> قلت: فإن لم أفعل؟ قال: <تعين صانعاً أو تصنع لأخرق> قلت: يا رَسُول اللَّهِ أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: <تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<الصانع> بالصاد المهملة هذا هو المشهور. وروي <ضائعاً> بالمعجمة: أي ذا ضياع من فقر أو عيال ونحو ذلك.
و <الأخرق> : الذي لا يتقن ما يحاول فعله.
118 - الثاني عن أبي ذر أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة؛ ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<السلامى> بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
119 - الثالث عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
120 - الرابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن ناساً قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ذهب أهل الدثور بالأجور:
يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: <أوليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: <أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<الدثور> بالثاء المثلثة: الأموال واحدها دثر.
121 - الخامس عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
122 - السادس عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضاً من رواية عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل. فمن كبر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار> .
123 - السابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<النزل> : القوت والرزق وما يهيأ للضيف.
124 - الثامن عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة. قال: وربما استعير في الشاة.
125 - التاسع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى الطريق. والحياء شعبة من الإيمان> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<البضع> : من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح.
و <الشعبة> : القطعة.
126 - العاشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر اللَّه له فغفر له> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: <في كل كبد رطبة أجر> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري: <فشكر اللَّه له فغفر له فأدخله الجنة>
وفي رواية لهما <بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها به> .
<الموق> : الخف.
و <يطيف> : يدور حول
<ركية> وهي: البئر.
127 - الحادي عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له: <مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة>
وفي رواية لهما <بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر اللَّه له فغفر له> .
128 - الثاني عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
129 - الثالث عشر عنه أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
130 - الرابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
131 - الخامس عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟> قالوا: بلى يا رَسُول اللَّهِ. قال: <إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
132 - السادس عشر عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من صلى البردين دخل الجنة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<البردان> : الصبح والعصر.
133 - السابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
134 - الثامن عشر عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل معروف صدقة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ من رواية حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
135 - التاسع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له: <فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة>
وفي رواية له: <لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة> وروياه جميعاً من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قوله <يرزؤه> : أي ينقصه.
136 - العشرون عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال لهم: <إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟> فقالوا: نعم يا رَسُول اللَّهِ قد أردنا ذلك. فقال: <بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية: <إن بكل خطوة درجة> ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أيضاً بمعناه من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
و <بنو سلمة> : قبيلة معروفة من الأنصار رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
و <آثارهم> : خطاهم.
137 - الحادي والعشرون عن أبي المنذر أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له أو فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه
في الظلماء وفي الرمضاء؟ فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <قد جمع اللَّه لك ذلك كله> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية: <إن لك ما احتسبت> .
<الرمضاء> : الأرض التي أصابها الحر الشديد.
138 - الثاني والعشرون عن أبي محمد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله اللَّه بها الجنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
<المنيحة> : أن يعطيه إياها ليأكل لبنها ثم يردها إليه.
139 - الثالث والعشرون عن عدي بن حاتم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <اتقوا النار ولو بشق تمرة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لهما عنه قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة> .
140 - الرابع والعشرون عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<الأكلة> بفتح الهمزة: هي الغدوة أو العشوة.
141 - الخامس والعشرون عن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <على كل مسلم صدقة> قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: <يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يعين ذا الحاجة الملهوف> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يأمر بالمعروف أو الخير> قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: <يمسك عن الشر فإنها صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الجزء الثالث
باب حق الزوج على المرأة والنفقة على العيال والانفاق مما يجب باب وجوب أمره وأهله وأولاده باب حق الجار وبر الوالدين وصلة الأرحام
*2* 35 - باب حق الزوج على المرأة
قال اللَّه تعالى (النساء 34): {الرجال قوامون على النساء بما فضل اللَّه بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ اللَّه}.
وأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق (انظر الحديث رقم 276) في الباب قبله. 281 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لهما <إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح>
وفي رواية قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها> .
282 - وعن أبي هريرة أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا لفظ البخاري.
283 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
284 - وعن أبي علي طلق بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
285 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
286 - وعن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
287 - وعن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك اللَّه! فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
288 - وعن أسامة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
*2* 36 - باب النفقة على العيال
قال اللَّه تعالى (البقرة 233): {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}.
وقال تعالى (الطلاق 7): {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه، لا يكلف اللَّه نفساً إلا ما آتاها}.
وقال تعالى (سبأ 39): {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}.
289 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <دينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
290 - وعن أبي عبد اللَّه ويقال له: أبي عبد الرحمن ثوبان بن بجدد مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
291 - وعن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قلت يا رَسُول اللَّهِ هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: <نعم لك أجر ما أنفقت عليهم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
292 - وعن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حديثه الطويل الذي قدمناه (انظر الحديث رقم 6) في أول الكتاب في باب النية أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال له: <وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
293 - وعن أبي مسعود البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
294 - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت> حديث صحيح رواه أبو داود وغيره. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه بمعناه قال: <كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته> .
295 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
296 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
*2* 37 - باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد
قال اللَّه تعالى (آل عمران 92): {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.
وقال تعالى (البقرة 267): {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.
297 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قام أبو طلحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تعالى أنزل عليك: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند اللَّه تعالى، فضعها يا رَسُول اللَّهِ حيث أراك اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين> فقال أبو طلحة: أفعل يا رَسُول اللَّهِ. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مال رابح> روي في الصحيحين <رابح> و <رايح> بالباء الموحدة وبالياء المثناة، أي: رايح عليك نفعه.
و <بيرحاء> : حديقة نخل، وروي بكسر الباء وفتحها.
*2* 38 - باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة اللَّه تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم عن ارتكاب منهي عنه
قال اللَّه تعالى (طه 132): {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.
وقال تعالى (التحريم 6): {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}.
298 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أخذ الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما من تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة!> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: <أنا لا تحل لنا الصدقة> .
وقوله <كخ كخ> يقال بإسكان الخاء، ويقال بكسرها مع التنوين، وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صبياً.
299 - وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد ربيب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنت غلاماً في حجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وكانت
يدي تطيش في الصحفة فقال لي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا غلام سم اللَّه تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك> فما زالت تلك طعمتي بعد> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
و <تطيش> : تدور في نواحي الصحفة.
300 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في ما سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسؤول عن رعيته> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
301 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا
بينهم في المضاجع> حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن.
302 - وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين> حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولفظ أبي داود: <مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين> .
*2* 39 - باب حق الجار والوصية به
قال اللَّه تعالى (النساء 36): {واعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً وبذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم}.
303 - وعن ابن عمر وعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
304 - وعن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أوصاني <إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف> .
305 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن!> قيل: من يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: <الذي لا يأمن جاره بوائقه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه> .
<البوائق> : الغوائل والشرور.
306 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
307 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره> ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. روي <خشبه> بالإضافة والجمع. وروي: <خشبة> بالتنوين على الإفراد.
وقوله: ما لي أراكم عنها معرضين: نعني عن هذه السنة.
308 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
309 - وعن أبي شريح الخزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت> رَوَاهُ مُسْلِمٌ بهذا اللفظ. وروى البخاري بعضه.
310 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قلت يا رَسُول اللَّهِ إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: <إلى أقربهما منك باباً> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
311 - وعن عبد اللَّه بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <خير الأصحاب عند اللَّه تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
*2* 40 - باب بر الوالدين وصلة الأرحام
قال اللَّه تعالى (النساء 36): {واعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم}.
وقال تعالى (النساء 1): {واتقوا اللَّه الذي تساءلون به، والأرحام}.
وقال تعالى (الرعد 21): {والذين يصلون ما أمر به أن يوصل} الآية.
وقال تعالى (العنكبوت 8): {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً}.
وقال تعالى (الإسراء 23، 24): {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً}.
وقال تعالى (لقمان 14): {ووصينا الإنسان بوالديه؛ حملته أمه وهناً على وهن، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك}.
312 - وعن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: <الصلاة على وقتها> قلت: ثم أي؟ قال: <بر الوالدين> قلت: ثم أي؟ قال: <الجهاد في سبيل اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
313 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
314 - وعنه أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
315 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك> ثم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <اقرءوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؛ أولئك الذين لعنهم اللَّه فأصمهم وأعمى أبصارهم} (محمد 22، 23) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري: فقال اللَّه تعالى: <من وصلك، وصلته ومن قطعك قطعته> .
316 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جاء رجل إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أبوك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: يا رَسُول اللَّهِ من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: <أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك> .
و <الصحابة> بمعنى: الصحبة.
وقوله: <ثم أباك> هكذا هو منصوب بفعل محذوف: أي ثم بر أباك. وفي رواية <ثم أبوك> وهذا واضح.
317 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
318 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً قال: يا رَسُول اللَّهِ إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: <لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<وتسفهم> بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء.
و <المل> بفتح الميم وتشديد اللام وهو الرماد الحار: أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه، والله أعلم.
319 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ومعنى <ينسأ له في أثره> : أي يؤخر له في أجله وعمره.
320 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران 92) قام أبو طلحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تبارك وتعالى يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند اللَّه فضعها يا رَسُول اللَّهِ حيث أراك اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين> فقال أبو طلحة: أفعل يا رَسُول اللَّهِ. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وسبق بيان ألفاظه (انظر الحديث رقم 297) في باب الإنفاق مما يحب.
321 - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال أقبل رجل إلى نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه تعالى. فقال: <فهل من والديك أحد حي؟> قال: نعم بل كلاهما. قال: <فتبتغي الأجر من اللَّه تعالى؟> قال: نعم. قال: <فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: <أحي والداك؟> قال: نعم. قال: <ففيهما فجاهد> .
322 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
و <قطعت> بفتح القاف والطاء و <رحمة> مرفوع.
323 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
324 - وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رَسُول اللَّهِ أني أعتقت وليدتي؟ قال: <أو فعلت؟> قالت: نعم. قال: <أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
325 - وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فاستفتيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقولها <راغبة> أي طامعة فيما عندي تسألني شيئاً. قيل: كانت أمها من النسب. وقيل: من الرضاعة. والصحيح الأول.
326 - وعن زينب الثقفية امرأة عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن> قالت: فرجعت إلى عبد اللَّه بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد اللَّه: بل ائتيه أنت. فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حاجتي حاجتها، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رَسُول
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. فدخل بلال على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فسأله فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من هما؟> قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أي الزيانب هي؟> قال: امرأة عبد اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
327 - وعن أبي سفيان صخر بن حرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حديثه الطويل في قصة هرقل أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ (يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) قال قلت: يقول <اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
328 - وعن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط. وفي رواية: ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً. وفي رواية: فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل منهم.
و <الصهر> : كون مارية أم إبراهيم بن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم.
329 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال لما نزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء 214) دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: <يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم <ببلالها> هو بفتح الباء الثانية وكسرها.
و <البلال> : الماء.
ومعنى الحديث: سأصلها. شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة.
330 - وعن أبي عبد اللَّه عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جهاراً غير سر يقول: <إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي اللَّه وصالح المؤمنين، ولكم لهم رحم أبلها ببلالها> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. واللفظ للبخاري.
331 - وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أن رجلاً قال: يا رَسُول اللَّهِ أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
332 - وعن سلمان بن عامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور> وقال: <الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثِنْتَان: صدقة وصلة> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
333 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت. فأتى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكر ذلك له. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <طلقها> رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
334 - وعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها. فقال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <الوالد أوسط أبواب الجنة> فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث صحيح.
335 - وعن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الخالة بمنزلة الأم> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث صحيح.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة. منها حديث أصحاب الغار (انظر الحديث رقم 12) وحديث جريج (انظر الحديث رقم 259) وقد سبقا، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصاراً. ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الطويل المشتمل على جمل كثيرة
من قواعد الإسلام وآدابه. وسأذكره بتمامه إن شاء اللَّه تعالى في باب الرجاء قال فيه: دخلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بمكة (يعني في أول النبوة) فقلت له: ما أنت؟ قال: <نبي> فقلت: وما نبي؟ قال: <أرسلني اللَّه تعالى> فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: <أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد اللَّه لا يشرك به شيء> وذكر تمام الحديث، والله أعلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
اقدم اليكم الجزء الثالث من موسوعة الاحاديث الشريفة للامام النووي في بابين
باب تعظيم حرمات المسلمين و ستر عوراتهم وقضاء حوائجهم باب الشفاعة والاصلاح بين الناس باب فضل ضعفة المسلمين باب ملاطفة اليتيم والبنات باب الوصية بالنساء
*2* 27 - باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قال اللَّه تعالى (الحج 30): {ومن يعظم حرمات اللَّه فهو خير له عند ربه}.
وقال تعالى (الحج 32): {ومن يعظم شعائر اللَّه فإنها من تقوى القلوب}.
وقال تعالى (الحجر 88): {واخفض جناحك للمؤمنين}.
وقال تعالى (المائدة 32): {من قتل نفساً تغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}.
222 - وعن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً> وشبك بين أصابعه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
223 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
224 - وعن النعمان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
225 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: <من لا يرحم لا يرحم!> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
226 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قدم ناس من الأعراب على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: <نعم> قالوا: لكنا والله ما نقبل. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أو أملك أن كان اللَّه نزع من قلوبكم الرحمة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
227 - وعن جرير بن عبد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
228 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: <وذا الحاجة> .
229 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: إن كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
230 - وعنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت نهاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟ قال: <إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
معناه: يجعل في قوة من أكل وشرب.
231 - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
232 - وعن جندب بن عبد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
233 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره اللَّه يوم القيامة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
234 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المسلم أخو المسلم: لا يخونه ولا يكذبه، ولا يخذله؛ كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه. التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
235 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض؛ وكونوا عباد اللَّه إخواناً. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم؛ كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<النجش> : أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه ولا رغبة في شرائها بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام.
و <التدابر> : أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
236 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
237 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً> فقال رجل: يا رَسُول اللَّهِ أنصره إذا كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: <تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
238 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه> .
239 - وعن أبي عمارة البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أمرنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، الإستبرق، والديباج> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية <وإنشاد الضالة> في السبع الأول.
<المياثر> بياء مثناة قبل الألف، وثاء مثلثة بعدها، وهي جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطناً أو غيره ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكب.
و <القسي> بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين.
و <إنشاد الضالة> : تعريفها.
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين
اود ان اقدم اليكم هذا الكتاب القيم للامام النووي ليكون متاح لكم الكترونيا ومرجع لتاكد من نص الحديث الشريف
كما هو مسلسل في الكتاب
* الاستغفار باب ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة
* باب الصدق والمراقبة وباب في التقوي وباب في اليقين والتوكل والاستقامة
* باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه والمبادرة إلى الخيرات في المجاهدة وباب الحث على الازدياد من الخي باب في بيان كثرة طرق الخير
* باب الاقتصاد في العبادة باب المحافظة على السنة وآدابها باب وجوب الانقياد لحكم الله باب النهي عن البدع باب من سن سنة حسنة باب في الدلالة على الخير
* باب التعاون على البر والتقوى باب في النصيحة وباب في الأمر بالنعروف والنهي عن المنكر باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف باب الأمر بأداء الأمانة باب تحريم الظلم
* باب تعظيم حرمات المسلمين و ستر عوراتهم وقضاء حوائجهم باب الشفاعة والاصلاح بين الناس باب فضل ضعفة المسلمين باب ملاطفة اليتيم والبنات باب الوصية بالنساء
* باب حق الزوج على المرأة والنفقة على العيال والانفاق مما يجب باب وجوب أمره وأهله وأولاده باب حق الجار وبر الوالدين وصلة الأرحام
* باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم وفضل بر أصدقاء الأب والأم باب إكرام أهل بيت رسول الله باب توقير العلماء باب زيارة أهل الخير
* باب فضل الحب في اللَّه والحث عليه وعلامات حب الله تعالى باب التحذير من ايذاء الصالحين واجراء احكام الناس على الظاهر باب الخوف وباب الرجاء وفضل الرجاء والجمع بين الخوف والرجاء
* باب فضل البكاء وفضل الزهد في الدنيا وفضل الجوع وخشونة العيش
* باب في القناعة والعفاف والاقتصاد وجواز الأخذ من غير مسألة والحث على الأكل باب الكرم والجود والنهي عن البخل والشح
* باب الإيثار والمواساة والتنافس في أمور الآخرة وفضل الغني الشكر وباب ذكر الموت واستحباب زيارة القبور للرجال وكراهية تمني الموت وباب الورع وترك الشبهات واستحباب العزلة وفضل الاختلاط
* باب التواضع وتحريم الكبر وحسن الخلق والحلم والأناة والعفو وتحمل الأذي والغضب إذا انتهكت الحرمات
* باب أمر ولاة الأمور بالرفق باب الوالي العادل ووجوب طاعة ولي الأمر والنهي عن سؤال الإمارة وحث السلطان على اتخاذ وزير صالح النهي عن تولية الإمارة لمن يسألها باب حفظ السر والوفاء بالعهد
* باب المحافظة على ما اعتاده من الخير واستحباب طيب الكلام وإصغاء الجليس والوعظ والوقار والسكينة وإكرام الضيف واستحباب التبشير ووداع الصاحب والاستخارة
* باب استحباب الذهاب إلى العيد وتقديم اليمين وأدب الطعام والشراب واللباس والنوم والنهي عن لبس الحرير وافتراش جلود النمر وآداب المجالس
* الرؤيا وما يتعلق بها وفضل السلام وكيفيته وآدابه وسلام الرجل على زوجته وحرمة بداءة الكافر بالسلام وآداب الاستئذان وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء وعيادة المريض وتشييع الميت
* باب ما يدعى به المريض واستحباب السؤال عن حاله ووصيته وتلقين المحتضر وما يقال عند الميت وجواز البكاء على الميت والكف عنه واستكثار المصلين للصلاة عليه وما يقرأ في صلاة الجنازة والاسراع بالجنازة والموعظة عند القبر والصدقة عن الميت
* الثناء على الميت الخوف والبكاء عند المرور بالمقابر آداب السفر وإعانة الرقيق وتحريم سفر المرأة بدون محرم
* فضل قراءة القرآن وتحسين الصوت استحباب الاجتماع فضل الوضوء والآذان والصلوات وباب صلاة الصبح والعصر وفضل المشي إلى المساجد وانتظار الصلاة وصلاة الجماعة والأمر بالمحافظة على الصوات وفضل الصف الأول
* فضل السنن الراتبة تأكيد سنة الصبح استحباب الاضطجاع ( سنة الظهر والعصر و المغرب والعشاء ) سنة الجمعة واستحباب جعل النوافل في البيت وصلاة الوتر وفضل صلاة الضحي وبيان وقت جوازها وصلاة تحية المسجد وركعتي الوضوء
* فضل يوم الجمعة وسجود الشكر وقيام الليل وقيام رمضان وليلة القدر وفضل السواك
* تأكيد وجوب الزكاة والصوم وفضل الصيام باب الجود وفعل المعروف وما يقال عند رؤية الهلال وفضل السحور وتعجيل الفطور وحفظ الصائم لسانه وجوارحه ومسائل في الصوم والأيام التي يستحب فيها الصيام باب فضل من فطر صائما
* الاعتكاف ووجوب وفضله الحج والجهاد وثواب الشهيد فضل العتق والإحسان إلى الملوك وفضل العبادة في الهرج
* فضل السماحة في البيع والشراء وفضل العلم وجوب الشكر فضل الصلاة على الرسول صلي الله عليه وسلم وفضل الذكر وكيفيته وأوقاته وحلق الذكر
* فضل الدعاء ومسائله وكرامات الأولياء تحريم الغيبة وتحريم سماعها وما يباح منها وحفظ اللسان وتحريم النميمة وشهادة الزور والكذب وما يجوز منه وتحريم اللعن وسب المسلم بغير حق وتحريم سب الاموات
* باب النهي عن الإيذاء والتباغض وتحريم الحسد والتجسس وسوء الظن واحتقار المسلمين والغش واظهار الشماته والطعن في الأنساب والغدر والنهي عن المن والافنخار وتحريم الهجران بين المسلمين والتعذيب
* باب تحريم مطل الغني تأكيد تحريم مال اليتيم وتغليظ تحريم الربا وتحريم الرياء والنظر إلى المرأة والخلوة بها وتشبه الرجال بالنساء والعكس والتشبه بالشيطان والكفار والنهي عن خضاب الشعر بالسواد والقزع والوصل والوشم ونتف الشيب
* باب كراهة الاستنجاء باليمين والمشي في نعل واحدة وترك النار في البيت والتكلف وتحريم النياحة واتيان الكهان والتطير وتصوير الحيوان واتخاذ الكلب إلا للصيد والنهي عن البصاق في المسجد ودخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا والنهي عن الحلف بالمخلوقات
* تحريم اليمين الكاذبة وندب الحلف والعفو عن لغو اليمين وكراهة الحلف في البيع تحريم قول شاهنشاه النهي عن سب الحمي والريح وتحريم قوله لمسلم يا كافر والنهي عن الفحش ووصف محاسن المرأة وكراهة الحديث بعد العشاء الآخرة والنهي عن الصلاة إلى القبور
* تحريم المرور بين يدي المصلي كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام وتحريم الوصال في الصوم والشفاعة في الحدود كراهة تفضيل بعض الأولاد والنهي عن إضاعة المال التغليظ قي تحريم السحر وحرمة استعمال إناء الذهب باب المنثورات والملح
* الاستغفار باب ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة
باب الإخلاص والتوبة والصبر
رياض الصالحين، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي
*1*االباب الأول
*2* 1 - باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية
@بسم اللَّه الرحمن الرحيم
قَالَ اللَّه تعالى (البينة 5): {وما أمروا إلا ليعبدوا اللَّه مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.
وقَالَ تعالى (الحج 37): {لن ينال اللَّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى مِنْكم}.
وقَالَ تعالى (آل عمران 29): {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه اللَّه}.
1 - وعَنْ أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد
اللَّه بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رَضيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: <إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمَنْ كانت هجرته إِلَى اللَّه ورسوله فهجرته إِلَى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إِلَى ما هاجر إليه> متفق عَلَى صحته. رواه إماما المحدثين: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رَضيَ اللَّه عَنْهما في كتابيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
2 - وعَنْ أم المؤمنين أم عبد اللَّه عائشة رَضيَ اللَّه عَنْها قَالَت قَالَ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم: <يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء مِنْ الأرض يخسف بأولهم وآخرهم> قَالَت قلت: يا رَسُول اللّهِ كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس مِنْهم؟ قَالَ: <يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون عَلَى نياتهم> مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ البخاري.
3 - وعَنْ عائشة رَضيَ اللَّه عَنْها قَالَت قَالَ النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم: <لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا> مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: لا هجرة مِنْ مكة لأنها صارت دار إسلام
4 - وعَنْ أبي عبد اللَّه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رَضيَ اللَّه عَنْهُما قَالَ: كنا مع النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم في غزاة فقَالَ: <إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض.
وفي رواية: ألا شركوكم في الأجر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أنس قَالَ: <رجعنا مِنْ غزوة تبوك مع النبي صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فقَالَ: <إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا ألا وهم معنا، حبسهم العذر>
5 - وعَنْ أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس رَضيَ اللَّه عَنْهُم، وهو وأبوه وجده صحابيون، قَالَ: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقَالَ: واللَّه ما إياك أردت! فخاصمته إِلَى رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فقَالَ: <لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
6 - وعَنْ أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري رَضيَ اللَّه عَنْهُ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رَضيَ اللَّه عَنْهُم قَالَ: جاءني رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم يعودني عام حجة الوداع مِنْ وجع اشتد بي فقلت: يا رَسُول اللّهِ إني قد بلغ بي مِنْ الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي؟ قَالَ <لا> قلت: فالشطر يا رَسُول اللّهِ؟ فقَالَ <لا> قَالَ: فالثلث يا رَسُول اللّهِ؟ قَالَ: <الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير مِنْ أن تذرهم عالة يتكففون الناس؛ وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك> قَالَ فقلت: يا رَسُول اللّهِ أخلف بعد أصحابي؟ قَالَ: <إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه اللَّه إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم عَلَى أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة!> يرثي له رَسُول اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم أن مات بمكة. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
7 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عبد الرحمن بن صخر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى لا ينظر إِلَى أجسامكم ولا إِلَى صوركم، ولكن ينظر إِلَى قلوبكم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
8 - وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سئل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل اللَّه؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
9 - وعَنْ أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال:
<إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار> قلت: يا رَسُول اللَّهِ هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: <إنه كان حريصا عَلَى قتل صاحبه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
10 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : <صلاة الرجل في جماعة تزيد عَلَى صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة؛ وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة وخط عَنْه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون عَلَى أحد كم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهم ارحمه، اللَّهم اغفر له، اللَّهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ مسلم.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ينهزه> هو بفتح الياء والهاء وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.
11 - وعَنْ أبي العباس عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يروى عَنْ ربه تَبَارَك وَتَعَالَى قال: <إن اللَّه تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه تعالى عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه عشر حسنات إِلَى سبعمائة ضعف إِلَى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئة واحدة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
12 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إِلَى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة مِنْ الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم مِنْ هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم. قال رجل مِنْهم: اللَّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح عَلَى يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه مِنْ هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال الآخر: اللَّهم كان لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي. وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عَنْ نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة مِنْ السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار عَلَى أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها. وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها، قالت: تتق اللَّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عَنْها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج مِنْها. وقال الثالث: اللَّهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت مِنْه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد اللَّه أد إلي أجري. فقلت: كل ما ترى مِنْ أجرك مِنْ الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد اللَّه لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك مِنْه شيئا، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
*2* 2 - باب التوبة
@قال العلماء: التوبة واجبة مِنْ كل ذنب. فإن كانت المعصية بين العبد وبين اللَّه تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عَنْ المعصية، والثاني أن يندم عَلَى فعلها، والثالث أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا؛ فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ مِنْ حق صاحبها. فأن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه مِنْه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله مِنْها. ويجب أن يتوب مِنْ جميع الذنوب، فإن تاب مِنْ بعضها صحت توبته عند أهل الحق مِنْ ذلك الذنب وبقى عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة عَلَى وجوب التوبة.
@قال اللَّه تعالى (النور 31): {وتوبوا إِلَى اللَّه جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.
وقال تعالى (هود 3): {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}.
وقال تعالى (التحريم 8): {يا أيها الذين آمنوا توبوا إِلَى اللَّه توبة نصوحا}.
13 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر مِنْ سبعين مرة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
14 - وعَنْ الأغر بن يسار المزني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا أيها الناس توبوا إِلَى اللَّه واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
15 - وعَنْ أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لله أفرح بتوبة عبده مِنْ أحدكم سقط عَلَى بعيره وقد أضله في أرض فلاة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه مِنْ أحدكم كان عَلَى راحلته بأرض فلاة فانفلتت مِنْه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس مِنْ راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال مِنْ شدة الفرح: اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ مِنْ شدة الفرح> .
16 - وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس مِنْ مغربها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
17 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من تاب قبل أن تطلع الشمس مِنْ مغربها تاب اللَّه عليه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
18 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وقال حديث حسن.
19 - وعَنْ زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أسأله عَنْ المسح عَلَى الخفين فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فقلت: إنه قد حك في صدري المسح عَلَى الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ مِنْ أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين، أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا مِنْ جنابة، لكن مِنْ غائط وبول ونوم. فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئا؟ قال: نعم كنا مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في سفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد. فأجابه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم نحوا مِنْ صوته <هاؤم> فقلت له: ويحك! أغضض مِنْ صوتك فإنك عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وقد نهيت عَنْ هذا. فقال: واللَّه لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المرء مع من أحب يوم القيامة> فما زال يحدثنا حتى ذكر بابا مِنْ المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما (قال سفيان أحد الرواة: قبل الشام) خلقه اللَّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس مِنْه> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وغيره وقال وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
20 - وعَنْ أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عَنْ أعلم أهل الأرض فدل عَلَى راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له مِنْ توبة؟ فقال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عَنْ أعلم أهل الأرض فدل عَلَى رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له مِنْ توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إِلَى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون اللَّه تعالى فاعبد اللَّه معهم، ولا ترجع إِلَى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت؛ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إِلَى اللَّه تعالى، وقالت ملائمة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكماً - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإِلَى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إِلَى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيح <فكان إِلَى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل مِنْ أهلها>
وفي رواية في الصحيح: <فأوحى اللَّه تعالى إِلَى هذه أن تباعدي وإِلَى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إِلَى هذه أقرب بشبر فغفر له>
وفي رواية <فنأى بصدره نحوها> .
21 - وعَنْ عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بنيه حين عمي، قال سمعت كعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يحدث حديثه حين تخلف عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عَنْه، إنما خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللَّه تعالى بينهم وبين عدوهم عَلَى غير ميعاد، ولقد شهدت مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة العقبة حين تواثقنا عَلَى الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس مِنْها. وكان مِنْ خبري حين تخلفت عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عَنْه في تلك الغزوة؛ واللَّه ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي مِنْ اللَّه، وغزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي أنا قادر عَلَى ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم غاديا والمسلمون معه ولم أقض مِنْ جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت! ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر اللَّه تعالى مِنْ الضعفاء، ولم يذكرني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى بلغ تبوك؛ فقال وهو جالس في القوم بتبوك: <ما فعل كعب بن مالك؟> فقال رجل مِنْ بني سلمة: يا رَسُول اللَّهِ حبسه برداه والنظر في عطفيه! فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! واللَّه يا رَسُول اللَّهِ ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فبينا هو عَلَى ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كن أبا خيثمة> فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد توجه قافلا مِنْ تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بما أخرج مِنْ سخطه غدا؟ وأستعين عَلَى ذلك بكل ذي رأي مِنْ أهلي، فلما قيل إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج مِنْه بشيء أبدا فأجمعت صدقه، وأصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قادما، وكان إذا قدم مِنْ سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلا، فقبل مِنْهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إِلَى اللَّه تعالى حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال <تعال> فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: <ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟> قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ إني واللَّه لو جلست عند غيرك مِنْ أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج مِنْ سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكني واللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللَّه [أن] يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؛ واللَّه ما كان لي مِنْ عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي اللَّه فيك> وثار رجال مِنْ بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: واللَّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا! لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك استغفار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لك. قال: فواللَّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي مِنْ أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العمري وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ كلامنا أيها الثلاثة مِنْ بين مِنْ تخلف عَنْه، قال فاجتنبنا الناس، أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا عَلَى ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا مِنْه وأسارقه النظر فإذا أقبلت عَلَى صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي مِنْ جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فواللَّه ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك باللَّه هل تعلمني أحب اللَّه ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي مِنْ نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل عَلَى كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا مِنْ ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: و هذه أيضا من البلاء! فتيممت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون مِنْ الخمسين و استلبث الوحي إذا رسول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يأتيني فقال: إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إِلَى صاحبي بمثل ذلك.
فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت له: يا رَسُول اللَّهِ إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس
له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: <لا ولكن لا يقربنك> فقالت: إنه واللَّه ما به حركة إِلَى شيء، وواللَّه ما زال يبكي منذ كان مِنْ أمره ما كان إِلَى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت لا أستأذن فيها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وما يدريني ماذا يقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة مِنْ حين نهي عَنْ كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة عَلَى ظهر بيت مِنْ بيوتنا.
فبينا أنا جالس عَلَى الحال التي ذكر اللَّه منا، قد ضاقت عَلَى نفسي و ضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى عَلَى سلع يقول بأعَلَى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا و عرفت أنه قد جاء فرج، فآذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الناس بتوبة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ علينا حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، و ركض رجل إلي فرسا، و سعى ساع مِنْ أسلم قبلي وأوفى عَلَى الجبل فكان الصوت أسرع مِنْ الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، و اللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يهرول حتى صافحني وهنأني، واللَّه ما قام رجل مِنْ المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال وهو يبرق وجهه مِنْ السرور: <أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك!> فقلت: أمِنْ عندك يا رَسُول اللَّهِ أم مِنْ عند اللَّه؟ قال: <لا بل مِنْ عند اللَّه عَزَّ وَجَلَّ> و كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، و كنا نعرف ذلك مِنْه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رَسُول اللَّهِ إن مِنْ توبتي أن أنخلع مِنْ مالي صدقة إِلَى اللَّه وإِلَى رسوله. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك> فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن مِنْ توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فواللَّه ما علمت أحدا مِنْ المسلمين أبلاه اللَّه تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أحسن مما أبلاني اللَّه تعالى،
واللَّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِلَى يومي هذا و إني لأرجو أن يحفظني اللَّه تعالى فيما بقي، قال: فأنزل اللَّه تعالى (التوبة 117، 118، 119): {لقد تاب اللَّه عَلَى النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} حتى بلغ {إنه بهم رؤوف رحيم وعَلَى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} حتى بلغ: {اتقوا اللَّه و كونوا مع الصادقين} قال كعب: و اللَّه ما أنعم اللَّه علي مِنْ نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي مِنْ صدقي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إن اللَّه تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال اللَّه تعالى (التوبة 95، 96): {سيحلفون باللَّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عَنْهم فأعرضوا عَنْهم؛ إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عَنْهم، فإن ترضوا عَنْهم فإن اللَّه لا يرضى عَنْ القوم الفاسقين}
قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عَنْ أمر أولئك الذين قبل مِنْهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أمرنا حتى قضى اللَّه تعالى فيه بذلك، قال اللَّه تعالى: {وعَلَى الثلاثة الذين خلفوا} وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عَنْ الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه عمن حلف له واعتذر إليه فقبل مِنْه. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وفي رواية: كان لا يقدم مِنْ سفر إلا نهارا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه.
22 - وعَنْ أبي نجيد - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن امرأة مِنْ جهينة أتت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهي حبلى مِنْ الزنا فقالت: يا رَسُول اللَّهِ أصبت حدا فأقمه علي. فدعا نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وليها فقال: <أحسن إليها فإذا وضعت فائتني> ففعل، فأمر بها نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رَسُول اللَّهِ وقد زنت؟ قال: < لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين مِنْ أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل مِنْ أن جادت بنفسها لله عَزَّ وَجَلَّ؟> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
23 - وعَنْ ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لو أن لابن
آدم واديا مِنْ ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه عَلَى من تاب> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
24 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يضحك اللَّه سبحانه وتعالى إِلَى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيقتل، ثم يتوب اللَّه عَلَى القاتل فيسلم فيستشهد> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
*2* 3 - باب الصبر
@قال اللَّه تعالى (آل عمران 200): {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا}.
وقال تعالى (البقرة 155): {ولنبلونكم بشيء مِنْ الخوف والجوع ونقص مِنْ الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين}.
وقال تعالى (الزمر 10): {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.
وقال تعالى (الشورى 43): {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.
وقال تعالى (البقرة 153): {استعينوا بالصبر والصلاة إن اللَّه مع الصابرين}.
وقال تعالى (محمد 31): {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين مِنْكم والصابرين}.
والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.
25 - وعَنْ أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان اللَّه والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
26 - وعَنْ أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن ناسا مِنْ الأنصار سألوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: <ما يكن عندي مِنْ خير فلن أدخره عَنْكم، ومن يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه، ومن يتصبر يصبره اللَّه، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع مِنْ الصبر> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
27 - وعَنْ أبي يحيى صهيب بن سنان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمِنْ: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
28 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال لما ثقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جعل يتغشاه الكرب. فقالت فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: واكرب أبتاه! فقال: <ليس عَلَى أبيك كرب بعد اليوم> فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إِلَى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أطابت أنفسكم أن تحثوا عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم التراب؟! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
29 - وعَنْ أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وحبه وابن حبه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: أرسلت بنت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إن ابني قد احتضر فاشهدنا. فأرسل يقرئ السلام ويقول: <إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب> فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وزيد بن ثابت ورجال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، فرفع إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رَسُول اللَّهِ ما هذا؟ فقال: <هذه رحمة جعلها اللَّه تعالى في قلوب عباده. وفي رواية: في قلوب من شاء مِنْ عباده، وإنما يرحم اللَّه مِنْ عباده الرحماء> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
ومعنى <تقعقع> : تتحرك وتضطرب.
30 - وعَنْ صهيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إِلَى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر. فبينما هو عَلَى ذلك إذ أتى عَلَى دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب إليك مِنْ أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي نبي أنت اليوم أفضل مِني قد بلغ مِنْ أمرك ما أرى! وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس مِنْ سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها هنالك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي اللَّه تعالى فإن آمنت باللَّه دعوت اللَّه فشفاك. فآمن باللَّه فشفاه اللَّه تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك اللَّه. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل عَلَى الغلام.
فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ مِنْ سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي اللَّه تعالى. فأخذه فلم يعذبه حتى دل عَلَى الراهب. فجيء بالراهب فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى، فدعا بالمِنْشار فوضع المِنْشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى فوضع المِنْشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عَنْ دينك فأبى، فدفعه إِلَى نفر مِنْ أصحابه فقال: اذهبوا به إِلَى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عَنْ دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إِلَى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللَّه تعالى. فدفعه إِلَى نفر مِنْ أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عَنْ دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إِلَى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللَّه تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني عَلَى جذع ثم خذ سهما مِنْ كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم اللَّه رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه عَلَى جذع ثم أخذ سهما مِنْ كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال بسم اللَّه رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام. فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد واللَّه نزل بك حذرك: قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عَنْ دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك عَلَى الحق> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<ذروة الجبل> : أعلاه، هي بكسر الذال المعجمة وضمها.
و <القرقور> بضم القافين: نوع مِنْ السفن.
و <الصعيد> هنا: الأرض البارزة.
و <الأخدود> : الشقوق في الأرض كالنهر الصغير.
و <أضرم> : أوقد.
و <انكفأت> : أي انقلبت.
و <تقاعست> : توقفت وجبنت.
31 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلَى امرأة تبكي عند قبر فقال: <اتقي اللَّه واصبري> فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فأتت باب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فلم تجد عنده بوابين فقال: لم أعرفك! فقال: <إنما الصبر عند الصدمة الأولى> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم: <تبكي عَلَى صبي لها> .
32 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمِنْ عندي جزاء إذا قبضت صفيه مِنْ أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
33 - وعَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها سألت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ الطاعون؟ فأخبرها أنه كان عذابا يبعثه اللَّه تعالى عَلَى من يشاء فجعله اللَّه تعالى رحمة للمؤمنين، فليس مِنْ عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب اللَّه له إلا كان له مثل أجر الشهيد> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
34 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته مِنْهما الجنة> يريد عينيه. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
35 - وعَنْ عطاء بن أبي رباح قال، قال لي ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألا أريك امرأة مِنْ أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع اللَّه تعالى لي. قال: <إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه تعالى أن يعافيك> فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف، فدعا لها. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
36 - وعَنْ أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كأني أنظر إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يحكي نبيا مِنْ الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عَنْ وجهه ويقول: <اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
37 - وعَنْ أبي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما يصيب المسلم مِنْ نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر اللَّه بها مِنْ خطاياه> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الوصب> : المرض.
38 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال دخلت عَلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو يوعك فقلت: يا رَسُول اللَّهِ إنك توعك وعكا شديدا. قال: <أجل إني أوعك كما يوعك رجلان مِنْكم> قلت: ذلك أن لك أجرين. قال: <أجل ذلك كذلك، ما مِنْ مسلم يصيبه أذى: شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته، وحطت عَنْه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الوعك> : مغث الحمى. وقيل: الحمى.
39 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من يرد اللَّه به خيرا يصب مِنْه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وضبطوا <يصب> بفتح الصاد وكسرها.
40 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
41 - وعَنْ أبي عبد اللَّه خباب بن الأرت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: شكونا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو متوسد بردة له في طل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: <قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمِنْشار فيوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عَنْ دينه! واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون!> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وفي رواية: <وهو متوسد بردة وقد لقينا مِنْ المشركين شدة> .
42 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: لما كان يوم حنين آثر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ناسا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة مِنْ الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا مِنْ أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه اللَّه. فقلت: واللَّه لأخبرن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم! فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: <فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟! ثم قال: <يرحم اللَّه موسى قد أوذي بأكثر مِنْ هذا فصبر> فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وقوله <كالصرف> هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغ أحمر.
43 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا أراد اللَّه بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد اللَّه بعبده الشر أمسك عَنْه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة> وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
44 - وعَنْ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان ابن لأبي طلحة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يشتكي فخرج أبو طلحة فقبض الصبي. فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقربت له العشاء فتعشى ثم أصاب مِنْها. فلما فرغ قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره فقال: <أعرستم الليلة؟> قال: نعم. قال: <اللَّهم بارك لهما> فولدت غلاما فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وبعث معه بتمرات. فقال: <أمعه شيء؟> قال: نعم تمرات. فأخذها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فمضغها ثم أخذها مِنْ فيه فجعلها في في الصبي ثم حنكه وسماه عبد اللَّه. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل مِنْ الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن (يعني مِنْ أولاد عبد اللَّه المولود) .
وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة مِنْ أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب مِنْها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك. قال فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره بما كان. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بارك اللَّه في ليلتكما> قال فحملت. قال وكان رَسُول اللَّهِ في سفر وهي معه، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا أتى المدينة مِنْ سفر لا يطرقها طروقا فدنوا مِنْ المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. قال يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. فاطلقنا [لعله: فانطلقنا] وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وذكر تمام الحديث.
45 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الصرعة> بضم الصاد وفتح الراء وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرا.
46 - وعَنْ سليمان بن صرد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنت جالسا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عَنْه ما يجد، لو قال أعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم ذهب عَنْه ما يجد> فقالوا له إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال تعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم. مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
47 - وعَنْ معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كظم غيظا وهو قادر عَلَى أن ينفذه دعاه اللَّه سبحانه عَلَى رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره مِنْ الحور العين ما شاء> رَوَاهُ أبو داود والْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
48 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أوصني. قال:
<لا تغضب> فردد مرارا، قال: <لا تغضب> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
49 - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما يزال البلاء بالمؤمِن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللَّه تعالى وما عليه خطيئة> رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
50 - وعَنْ ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ قال: قدم عيينة بن حصن فنزل عَلَى ابن أخيه الحر بن قيس، وكان مِنْ النفر الذين يدنيهم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينه لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. فاستأذن فأذن له عمر. فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب! فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن اللَّه تعالى قال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (الأعراف 198): {خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عَنْ الجاهلين} وإن هذا مِنْ الجاهلين. واللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب اللَّه تعالى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
51 - وعَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها!> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ فما تأمرنا؟ قال: <تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه الذي لكم> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <الأثرة> : الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.
52 - وعَنْ أبي يحيى أسيد بن حضير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلا مِنْ الأنصار قال: يا رَسُول اللَّهِ ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال: <إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني عَلَى الحوض> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.
و <أسيد> بضم الهمزة
و <حضير> بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، واللَّه أعلم.
53 - وعَنْ أبي إبراهيم عبد اللَّه بن أبي أوفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: <يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف> ثم قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ،
باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه والمبادرة إلى الخيرات في المجاهدة وباب الحث على الازدياد من الخي باب في بيان كثرة طرق الخير
*2* 9 – باب التفكر في عظيم مخلوقات اللَّه تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة
قال اللَّه تعالى (سبأ 46): {قل إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}.
وقال تعالى (آل عمران 190، 191): {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون اللَّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك}. الآيات.
وقال تعالى (الغاشية 17 - 21): {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر}.
وقال تعالى (محمد 10): {أفلم يسيروا في الأرض فينظرا} الآية.
والآيات في الباب كثيرة.
ومن الأحاديث الحديث السابق (رقم 66): <الكيس من دان نفسه> .
*2* 10 - باب المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد
قال اللَّه تعالى (البقرة 148): {فاستبقوا الخيرات}.
وقال تعالى (آل عمران 133): {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}.
87 - وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا!> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
88 - الثاني عن أبي سروعة <بكسر السين المهملة وفتحها> عقبة بن الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت وراء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته. قال: <ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وفي رواية له: <كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته> .
<التبر> : قطع ذهب أو فضة.
89 - الثالث عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رجل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: <في الجنة> فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
90 - الرابع عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: <أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<الحلقوم> : مجرى النفس. والمريء: مجرى الطعام والشراب.
91 - الخامس عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أخذ سيفا يوم أحد فقال: <من يأخذ مني هذا؟> فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا. فقال: <فمن يأخذه بحقه؟> فأحجم القوم. فقال أبو دجانة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة.
قوله <أحجم القوم> : أي توقفوا.
و <فلق به> : أي شق.
<هام المشركين> : أي رؤوسهم.
92 - السادس عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فشكونا الذي نلقى من الحجاج. فقال: <اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم> سمعته من نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
93 - السابع عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر> رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثُ حَسَنٌ.
94 - الثامن عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال يوم خيبر: <لأعطين هذه الراية رجلا يحب اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه> قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم علي ابن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فأعطاه إياها وقال: <امش ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك> فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رَسُول اللَّهِ على ماذا أقاتل الناس؟ قال: <قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله <فتساورت> هو بالسين المهملة: أي وثبت متطلعا.
*2* 11 - باب المجاهدة
قال اللَّه تعالى (العنكبوت 69): {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن اللَّه لمع المحسنين}.
وقال تعالى (الحجر 99): {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}.
وقال تعالى (المزمل 8): {واذكر اسم ربك، وتبتل إليه تبتيلا} أي انقطع إليه.
وقال تعالى (الزلزلة 7): {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}.
وقال تعالى (المزمل 20): {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللَّه هو خيرا وأعظم أجرا}.
وقال تعالى (البقرة 273): {وما تنفقوا من خير فإن اللَّه به عليم}.
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
95 - وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
<آذنته> : أعلمته بأني محارب له.
<استعاذني> روي بالنون وبالباء.
96 - الثاني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يرويه عن ربه عَزَّ وَجَلَّ قال: <إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
97 - الثالث عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
98 - الرابع عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلت له: لم تصنع هذا يا رَسُول اللَّهِ وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: <أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا لفظ البخاري. ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
99 - الخامس عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والمراد العشر الأواخر من شهر رمضان.
و <المئزر> : الإزار وهو: كناية عن اعتزال النساء. وقيل المراد: تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت وتفرغت له.
100 - السادس عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
101 - السابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم: <حفت> بدل <حجبت> وهو بمعناه: أي بينه وبينها هذا الحجاب فإذا فعله دخلها.
102 - الثامن عن أبي عبد اللَّه حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: <سبحان ربي العظيم> فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال <سمع اللَّه لمن حمده ربنا لك الحمد> ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: <سبحان ربي الأعلى> فكان سجوده قريبا من قيامه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
103 - التاسع عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
104 - العاشر عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله ويبقى عمله> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
105 - الحادي عشر عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
106 - الثاني عشر عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ومن أهل الصفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قال: كنت أبيت مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فآتيه بوضوئه وحاجته. فقال: <سلني> فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: <أو غير ذلك؟> قلت: هو ذاك. قال: <فأعني على نفسك بكثرة السجود> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
107 - الثالث عشر عن أبي عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الرحمن ثوبان مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
108 - الرابع عشر عن أبي صفوان عبد اللَّه بن بسر الأسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <خير الناس من طال عمره وحسن عمله> رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثُ حَسَنٌ.
109 - الخامس عشر عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال غاب عمي أنس بن النضر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن قتال بدر فقال: يا رَسُول اللَّهِ غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدني قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين) ثم تقدم فاستقبله سعد ابن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد! فقال سعد: فما استطعت يا رَسُول اللَّهِ ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه (الأحزاب 23): {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه} إلى آخرها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله <ليرين اللَّه> روي بضم الياء وكسر الراء: أي ليظهرن اللَّه ذلك للناس. وروي بفتحهما ومعناه ظاهر، والله أعلم.
110 - السادس عشر عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مراء، وجاء رجل آخر فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغني عن صاع هذا! فنزلت (التوبة 79): {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} الآية، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [هذا لفظ البخاري].
و <نحامل> بضم النون، وبالحاء المهملة : أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة ويتصدق بها.
111 - السابع عشر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر جندب بن جنادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يروي عن اللَّه تبارك وتعالى أنه قال: <يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللَّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه> قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
*2* 12 - باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر
قال اللَّه تعالى (فاطر 37): {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير}
قال ابن عباس والمحققون: معناه: أولم نعمركم ستين سنة، ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء اللَّه تعالى. وقيل معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة. قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونقل عن ابن عباس أيضاً، ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة. وقيل هو: البلوغ. وقوله تعالى: {وجاءكم النذير} قال ابن عباس والجمهور: هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وقيل: الشيب. قاله عكرمة وابن عيينة وغيرهما، والله أعلم.
112 - وأما الأحاديث فالأول عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قال العلماء: معناه: لم يترك له عذراً إذ أمهله هذه المدة. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ الغاية في العذر.
113 - الثاني عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول اللَّه تعالى: {إذا جاء يصر اللَّه والفتح}؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أعلمه له؛ قال: {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} وذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً} [الفتح: 3] فقال عمر رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُ: ما أعلم منها إلا ما تقول. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
114 - الثالث عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: ما صلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم صلاة بعد أن نزلت عليه {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} إلا يقول فيها <سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيحين عنها: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده <سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي> يتأول القرآن. معنى <يتأول القرآن> : أي يعمل ما أمر به في القرآن في قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره}
وفي رواية لمسلم: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر أن يقول قبل أن يموت <سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك> قالت عائشة قلت: يا رَسُول اللَّهِ ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: <جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها {إذا جاء نصر اللَّه والفتح} إلى آخر السورة.
وفي رواية له: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يكثر من قول: <سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه> قالت قلت: يا رَسُول اللَّهِ أراك تكثر من قول <سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه> ؟ فقال: <أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه. فقد رأيتها {إذا جاء نصر اللَّه والفتح}: فتح مكة {ورأيت الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً، فسبح بحمد ربك، واستغفره إنه كان تواباً}.
115 - الرابع عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تابع الوحي على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قبل وفاته حتى توفي أكثر ما كان الوحي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
116 - الخامس عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: يبعث كل عبد على ما مات عليه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
*2* 13 - باب بيان كثرة طرق الخير
قال اللَّه تعالى (البقرة 215): {وما تفعلوا من خير فإن اللَّه به عليم}.
وقال تعالى (البقرة 197): {وما تفعلوا من خير يعلمه اللَّه}.
وقال تعالى (الزلزلة 7): {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره}.
وقال تعالى (الجاثية 15): {من عمل صالحاً فلنفسه}.
والآيات في الباب كثيرة.
117 - وأما الأحاديث فكثيرة جداً وهي غير منحصرة فنذكر طرفاً منها:
الأول عن أبي ذر جندب بن جنادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قلت: يا رَسُول اللَّهِ أي الأعمال أفضل؟ قال: <الإيمان بالله والجهاد في سبيله> قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: <أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً> قلت: فإن لم أفعل؟ قال: <تعين صانعاً أو تصنع لأخرق> قلت: يا رَسُول اللَّهِ أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: <تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<الصانع> بالصاد المهملة هذا هو المشهور. وروي <ضائعاً> بالمعجمة: أي ذا ضياع من فقر أو عيال ونحو ذلك.
و <الأخرق> : الذي لا يتقن ما يحاول فعله.
118 - الثاني عن أبي ذر أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة؛ ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<السلامى> بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
119 - الثالث عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
120 - الرابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن ناساً قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ذهب أهل الدثور بالأجور:
يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: <أوليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: <أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<الدثور> بالثاء المثلثة: الأموال واحدها دثر.
121 - الخامس عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
122 - السادس عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضاً من رواية عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل. فمن كبر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار> .
123 - السابع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<النزل> : القوت والرزق وما يهيأ للضيف.
124 - الثامن عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة. قال: وربما استعير في الشاة.
125 - التاسع عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى الطريق. والحياء شعبة من الإيمان> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<البضع> : من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح.
و <الشعبة> : القطعة.
126 - العاشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر اللَّه له فغفر له> قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: <في كل كبد رطبة أجر> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري: <فشكر اللَّه له فغفر له فأدخله الجنة>
وفي رواية لهما <بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها به> .
<الموق> : الخف.
و <يطيف> : يدور حول
<ركية> وهي: البئر.
127 - الحادي عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له: <مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة>
وفي رواية لهما <بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر اللَّه له فغفر له> .
128 - الثاني عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
129 - الثالث عشر عنه أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
130 - الرابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
131 - الخامس عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟> قالوا: بلى يا رَسُول اللَّهِ. قال: <إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
132 - السادس عشر عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من صلى البردين دخل الجنة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
<البردان> : الصبح والعصر.
133 - السابع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
134 - الثامن عشر عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كل معروف صدقة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ من رواية حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
135 - التاسع عشر عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له: <فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة>
وفي رواية له: <لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة> وروياه جميعاً من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قوله <يرزؤه> : أي ينقصه.
136 - العشرون عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال لهم: <إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟> فقالوا: نعم يا رَسُول اللَّهِ قد أردنا ذلك. فقال: <بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية: <إن بكل خطوة درجة> ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أيضاً بمعناه من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
و <بنو سلمة> : قبيلة معروفة من الأنصار رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
و <آثارهم> : خطاهم.
137 - الحادي والعشرون عن أبي المنذر أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له أو فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه
في الظلماء وفي الرمضاء؟ فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <قد جمع اللَّه لك ذلك كله> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية: <إن لك ما احتسبت> .
<الرمضاء> : الأرض التي أصابها الحر الشديد.
138 - الثاني والعشرون عن أبي محمد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله اللَّه بها الجنة> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
<المنيحة> : أن يعطيه إياها ليأكل لبنها ثم يردها إليه.
139 - الثالث والعشرون عن عدي بن حاتم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <اتقوا النار ولو بشق تمرة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لهما عنه قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة> .
140 - الرابع والعشرون عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<الأكلة> بفتح الهمزة: هي الغدوة أو العشوة.
141 - الخامس والعشرون عن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <على كل مسلم صدقة> قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: <يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يعين ذا الحاجة الملهوف> قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: <يأمر بالمعروف أو الخير> قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: <يمسك عن الشر فإنها صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الجزء الثالث
باب حق الزوج على المرأة والنفقة على العيال والانفاق مما يجب باب وجوب أمره وأهله وأولاده باب حق الجار وبر الوالدين وصلة الأرحام
*2* 35 - باب حق الزوج على المرأة
قال اللَّه تعالى (النساء 34): {الرجال قوامون على النساء بما فضل اللَّه بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ اللَّه}.
وأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق (انظر الحديث رقم 276) في الباب قبله. 281 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لهما <إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح>
وفي رواية قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها> .
282 - وعن أبي هريرة أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا لفظ البخاري.
283 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
284 - وعن أبي علي طلق بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
285 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
286 - وعن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
287 - وعن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك اللَّه! فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
288 - وعن أسامة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
*2* 36 - باب النفقة على العيال
قال اللَّه تعالى (البقرة 233): {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}.
وقال تعالى (الطلاق 7): {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه، لا يكلف اللَّه نفساً إلا ما آتاها}.
وقال تعالى (سبأ 39): {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}.
289 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <دينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
290 - وعن أبي عبد اللَّه ويقال له: أبي عبد الرحمن ثوبان بن بجدد مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
291 - وعن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قلت يا رَسُول اللَّهِ هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: <نعم لك أجر ما أنفقت عليهم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
292 - وعن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حديثه الطويل الذي قدمناه (انظر الحديث رقم 6) في أول الكتاب في باب النية أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال له: <وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
293 - وعن أبي مسعود البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
294 - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت> حديث صحيح رواه أبو داود وغيره. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه بمعناه قال: <كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته> .
295 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
296 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
*2* 37 - باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد
قال اللَّه تعالى (آل عمران 92): {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.
وقال تعالى (البقرة 267): {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.
297 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قام أبو طلحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تعالى أنزل عليك: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند اللَّه تعالى، فضعها يا رَسُول اللَّهِ حيث أراك اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين> فقال أبو طلحة: أفعل يا رَسُول اللَّهِ. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مال رابح> روي في الصحيحين <رابح> و <رايح> بالباء الموحدة وبالياء المثناة، أي: رايح عليك نفعه.
و <بيرحاء> : حديقة نخل، وروي بكسر الباء وفتحها.
*2* 38 - باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة اللَّه تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم عن ارتكاب منهي عنه
قال اللَّه تعالى (طه 132): {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.
وقال تعالى (التحريم 6): {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}.
298 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أخذ الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما من تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة!> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: <أنا لا تحل لنا الصدقة> .
وقوله <كخ كخ> يقال بإسكان الخاء، ويقال بكسرها مع التنوين، وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صبياً.
299 - وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد ربيب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنت غلاماً في حجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وكانت
يدي تطيش في الصحفة فقال لي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا غلام سم اللَّه تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك> فما زالت تلك طعمتي بعد> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
و <تطيش> : تدور في نواحي الصحفة.
300 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في ما سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسؤول عن رعيته> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
301 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا
بينهم في المضاجع> حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن.
302 - وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين> حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولفظ أبي داود: <مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين> .
*2* 39 - باب حق الجار والوصية به
قال اللَّه تعالى (النساء 36): {واعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً وبذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم}.
303 - وعن ابن عمر وعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
304 - وعن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أوصاني <إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف> .
305 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن!> قيل: من يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: <الذي لا يأمن جاره بوائقه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه> .
<البوائق> : الغوائل والشرور.
306 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
307 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره> ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. روي <خشبه> بالإضافة والجمع. وروي: <خشبة> بالتنوين على الإفراد.
وقوله: ما لي أراكم عنها معرضين: نعني عن هذه السنة.
308 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
309 - وعن أبي شريح الخزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت> رَوَاهُ مُسْلِمٌ بهذا اللفظ. وروى البخاري بعضه.
310 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قلت يا رَسُول اللَّهِ إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: <إلى أقربهما منك باباً> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
311 - وعن عبد اللَّه بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <خير الأصحاب عند اللَّه تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
*2* 40 - باب بر الوالدين وصلة الأرحام
قال اللَّه تعالى (النساء 36): {واعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم}.
وقال تعالى (النساء 1): {واتقوا اللَّه الذي تساءلون به، والأرحام}.
وقال تعالى (الرعد 21): {والذين يصلون ما أمر به أن يوصل} الآية.
وقال تعالى (العنكبوت 8): {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً}.
وقال تعالى (الإسراء 23، 24): {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً}.
وقال تعالى (لقمان 14): {ووصينا الإنسان بوالديه؛ حملته أمه وهناً على وهن، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك}.
312 - وعن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: <الصلاة على وقتها> قلت: ثم أي؟ قال: <بر الوالدين> قلت: ثم أي؟ قال: <الجهاد في سبيل اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
313 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
314 - وعنه أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
315 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن اللَّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك> ثم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <اقرءوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؛ أولئك الذين لعنهم اللَّه فأصمهم وأعمى أبصارهم} (محمد 22، 23) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري: فقال اللَّه تعالى: <من وصلك، وصلته ومن قطعك قطعته> .
316 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جاء رجل إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أمك> قال: ثم من؟ قال: <أبوك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: يا رَسُول اللَّهِ من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: <أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك> .
و <الصحابة> بمعنى: الصحبة.
وقوله: <ثم أباك> هكذا هو منصوب بفعل محذوف: أي ثم بر أباك. وفي رواية <ثم أبوك> وهذا واضح.
317 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
318 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً قال: يا رَسُول اللَّهِ إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: <لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<وتسفهم> بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء.
و <المل> بفتح الميم وتشديد اللام وهو الرماد الحار: أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه، والله أعلم.
319 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ومعنى <ينسأ له في أثره> : أي يؤخر له في أجله وعمره.
320 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران 92) قام أبو طلحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ إن اللَّه تبارك وتعالى يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند اللَّه فضعها يا رَسُول اللَّهِ حيث أراك اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين> فقال أبو طلحة: أفعل يا رَسُول اللَّهِ. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وسبق بيان ألفاظه (انظر الحديث رقم 297) في باب الإنفاق مما يحب.
321 - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال أقبل رجل إلى نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه تعالى. فقال: <فهل من والديك أحد حي؟> قال: نعم بل كلاهما. قال: <فتبتغي الأجر من اللَّه تعالى؟> قال: نعم. قال: <فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: <أحي والداك؟> قال: نعم. قال: <ففيهما فجاهد> .
322 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
و <قطعت> بفتح القاف والطاء و <رحمة> مرفوع.
323 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
324 - وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رَسُول اللَّهِ أني أعتقت وليدتي؟ قال: <أو فعلت؟> قالت: نعم. قال: <أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
325 - وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فاستفتيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقولها <راغبة> أي طامعة فيما عندي تسألني شيئاً. قيل: كانت أمها من النسب. وقيل: من الرضاعة. والصحيح الأول.
326 - وعن زينب الثقفية امرأة عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنها قالت قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن> قالت: فرجعت إلى عبد اللَّه بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد اللَّه: بل ائتيه أنت. فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حاجتي حاجتها، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رَسُول
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. فدخل بلال على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فسأله فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من هما؟> قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أي الزيانب هي؟> قال: امرأة عبد اللَّه. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
327 - وعن أبي سفيان صخر بن حرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حديثه الطويل في قصة هرقل أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ (يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) قال قلت: يقول <اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
328 - وعن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط. وفي رواية: ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً. وفي رواية: فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل منهم.
و <الصهر> : كون مارية أم إبراهيم بن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم.
329 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال لما نزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء 214) دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: <يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم <ببلالها> هو بفتح الباء الثانية وكسرها.
و <البلال> : الماء.
ومعنى الحديث: سأصلها. شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة.
330 - وعن أبي عبد اللَّه عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جهاراً غير سر يقول: <إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي اللَّه وصالح المؤمنين، ولكم لهم رحم أبلها ببلالها> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. واللفظ للبخاري.
331 - وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أن رجلاً قال: يا رَسُول اللَّهِ أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
332 - وعن سلمان بن عامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور> وقال: <الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثِنْتَان: صدقة وصلة> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
333 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت. فأتى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكر ذلك له. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <طلقها> رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
334 - وعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها. فقال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: <الوالد أوسط أبواب الجنة> فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث صحيح.
335 - وعن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <الخالة بمنزلة الأم> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث صحيح.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة. منها حديث أصحاب الغار (انظر الحديث رقم 12) وحديث جريج (انظر الحديث رقم 259) وقد سبقا، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصاراً. ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الطويل المشتمل على جمل كثيرة
من قواعد الإسلام وآدابه. وسأذكره بتمامه إن شاء اللَّه تعالى في باب الرجاء قال فيه: دخلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بمكة (يعني في أول النبوة) فقلت له: ما أنت؟ قال: <نبي> فقلت: وما نبي؟ قال: <أرسلني اللَّه تعالى> فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: <أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد اللَّه لا يشرك به شيء> وذكر تمام الحديث، والله أعلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
اقدم اليكم الجزء الثالث من موسوعة الاحاديث الشريفة للامام النووي في بابين
باب تعظيم حرمات المسلمين و ستر عوراتهم وقضاء حوائجهم باب الشفاعة والاصلاح بين الناس باب فضل ضعفة المسلمين باب ملاطفة اليتيم والبنات باب الوصية بالنساء
*2* 27 - باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قال اللَّه تعالى (الحج 30): {ومن يعظم حرمات اللَّه فهو خير له عند ربه}.
وقال تعالى (الحج 32): {ومن يعظم شعائر اللَّه فإنها من تقوى القلوب}.
وقال تعالى (الحجر 88): {واخفض جناحك للمؤمنين}.
وقال تعالى (المائدة 32): {من قتل نفساً تغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}.
222 - وعن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً> وشبك بين أصابعه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
223 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
224 - وعن النعمان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
225 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: <من لا يرحم لا يرحم!> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
226 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: قدم ناس من الأعراب على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: <نعم> قالوا: لكنا والله ما نقبل. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أو أملك أن كان اللَّه نزع من قلوبكم الرحمة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
227 - وعن جرير بن عبد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
228 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: <وذا الحاجة> .
229 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: إن كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
230 - وعنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت نهاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟ قال: <إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
معناه: يجعل في قوة من أكل وشرب.
231 - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إن لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
232 - وعن جندب بن عبد اللَّه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
233 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره اللَّه يوم القيامة> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
234 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <المسلم أخو المسلم: لا يخونه ولا يكذبه، ولا يخذله؛ كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه. التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم> رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
235 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض؛ وكونوا عباد اللَّه إخواناً. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم؛ كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه> رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
<النجش> : أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه ولا رغبة في شرائها بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام.
و <التدابر> : أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
236 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
237 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً> فقال رجل: يا رَسُول اللَّهِ أنصره إذا كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: <تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره> رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
238 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: <حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم <حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه> .
239 - وعن أبي عمارة البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أمرنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، الإستبرق، والديباج> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية <وإنشاد الضالة> في السبع الأول.
<المياثر> بياء مثناة قبل الألف، وثاء مثلثة بعدها، وهي جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطناً أو غيره ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكب.
و <القسي> بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين.
و <إنشاد الضالة> : تعريفها.